(7 - باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟)
قال الحافظ(1): ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر، ولم يجزم البخاري بالحكم إشارة إلى ما وقع من الاختلاف في معاقبة المرأة التي أهدت السم، انتهى.
(8 - باب دعاء الإمام على من نكث عهدًا)
ذكر فيه حديث أنس في القنوت، وقد تقدم في "كتاب الوتر".
(9 - باب أمان النساء وجوارهن)
الجُوار بكسر الجيم وضمها: المجاورة، والمراد هنا الإجارة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئًا ذكره ابن الماجشون، لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال ابن المنذر: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل.
قال الحافظ: وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام إن أجازه جاز وإن رده رُدّ، انتهى من "الفتح"(2).
(10 - باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة. . .) إلخ
قال الحافظ(3): ذكر فيه حديث علي، وهو ظاهر فيما يتعلق بصدر الترجمة، وأما قوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" فأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه، ويأتي بهذا اللفظ بعد خمسة أبواب، ودخل في قوله: "أدناهم" أي: أقلَّهم كل وضيع بالنص، وكل شريف بالفحوى، فدخل فيه المرأة والعبد--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 272).
(2) "فتح الباري" (6/ 273).
(3) "فتح الباري" (6/ 273، 274).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٥٦)
والصبي والمجنون، فأما المرأة فتقدم في الباب الذي قبله، وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه - قاتل أو لم يقاتل -، وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه وإلا فلا، وقال سحنون: إذا أذن له سيده في القتال صحّ أمانه وإلا فلا، وأما الصبي فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز.
قلت: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة، وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر، لكن قال الأوزاعي: إن غزا الذمي مع المسلمين فأَمَّنَ أحدًا فإن شاء الإمام أمضاه وإلا فليرده إلى مأمنه، انتهى.
(11 - باب إذا قالوا: صَبَأْنَا، ولم يحسنوا أسلمنا. . .) إلخ
(قالوا) أي: المشركون حين يقاتلون.
قوله: (صبأنا) وأرادوا الإخبار بأنهم أسلموا.
قوله: (ولم يحسنوا أسلمنا) أي: جريًا منهم على لغتهم، هل يكون ذلك كافيًا في رفع القتال عنهم أم لا؟
قال ابن المنيِّر: مقصود الترجمة أن المقاصد تعتبر بأدلتها كيفما كانت الأدلة لفظية أو غير لفظية بأي لغة كانت.
قوله: (وقال ابن عمر. . .) إلخ، هذا طرف من حديث طويل سيأتي في "المغازي"، وحاصله: أن خالد بن الوليد غزا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قومًا فقالوا: صبأنا، وأرادوا أسلمنا، فلم يقبل خالد ذلك منهم، وقتلهم بناء على ظاهر اللفظ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنكره، فدل على أنه يكتفي من كل قوم بما يعرف من لغتهم، وقد عذر النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في اجتهاده، ولذلك لم يقد منه، وهذا من المواضع التي يتمسك بها في أن البخاري يترجم ببعض ما ورد في الحديث، وإن لم يورده في تلك الترجمة، فإنه ترجم بقوله: "صبأنا" ولم يوردها، واكتفى بطرف الحديث الذي وقعت هذه اللفظة فيه.
قوله: (وقال: تكلم لا بأس) فاعل قال هو عمر، وروى ابن أبي شيبة
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٥٧)
ويعقوب بن سفيان في "تاريخه" من طرق بإسناد صحيح عن أنس قال: حاصرنا تستر، فنزل الهرمزان على حكم عمر، فلما قدم به عليه استعجم، فاقال له عمر: تكلم لا بأس عليك، وكان ذلك تأمينًا من عمر، انتهى من "الفتح"(1).
قلت: وذكرت القصة بطولها في "فتوح البلدان"(2).
قوله: (إن الله يعلم الألسنة كلها) المراد اللغات، ويقال: إنها اثنتان وسبعون لغة: ستة عشر في ولد سام، ومثلها في ولد حام، والبقية في ولد يافث، انتهى من "الفتح".
وقد تقدمت الإشارة فيما سبق من "باب من تكلم بالفارسية والرطانة" إلى هذا الباب، وتقدم هناك عن الحافظ: قالوا: فقه هذا الباب يظهر في تأمين المسلمين لأهل الحرب بألسنتهم كما سيأتي في "باب إذا قالوا: صبأنا".
(12 - باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره)
أي: كالأسرى.
قوله: ({وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ. . .} [الأنفال: 61] إلخ) أي: أن هذه الآية دالَّة على مشروعية المصالحة مع المشركين، ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيَّد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرًا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا، ذكر المصنف فيه حديث سهل في قصة عبد الله بن سهل وقتله بخيبر، والغرض منه قوله: "انطلق إلى خيبر وهي يومئذ صلح"، انتهى من "الفتح"(3).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 274 - 275).
(2) "فتوح البلدان" (2/ 461).
(3) "فتح الباري" (6/ 275 - 276).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٥٨)
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" على قوله: "وهي يومئذ صلح": فيه الترجمة حيث لم يكن مصالحة أهل خيبر يوم ذلك على مال ولا غيره، انتهى.
وأما أصل المسألة فاختلف فيه؟ فذكر الحافظ فيه بعض المذاهب، وتقدم تفصيل الأقوال فيه مع البسط في "باب الصلح مع المشركين" من "كتاب الصلح"، فارجع إليه لو شئت.
قوله: (وإثم من لم يف. . .) إلخ، قال الحافظ(1): ليس في حديث الباب ما يشعر به، وسيأتي البحث فيه في "كتاب القسامة"، انتهى.
قلت: ويمكن عندي أن يقال: إن المصنف أراد ذكر شيء يناسب الباب، فلم يتفق له كما هو المعروف عند الشرَّاح في مثل هذه المواضع.
والأوجه عندي في مثل هذه المواضع أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لا يذكر الحديث عمدًا تشحيذًا للأذهان [و] تنبيهًا على ما ذكره في موضع آخر، كما تقدم في أصل الرابع والعشرين، وقد تكلمت على ذلك في مبدأ "كتاب العلم" في "باب فضل العلم"، وذلك فإن إثم من لم يف بالعهد ورد في عدة روايات، فلو اقتصر على رواية يتوهم اقتصار الإثم على هذا النوع خاصة، والمقصود التنبيه على إثمه بجهات كثيرة، فقد ذكر في "باب إثم من قاتل معاهدًا" ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: "لم يرح رائحة الجنة" الحديث، وأخرج أيضًا في "باب دعاء الإمام على من نكث عهدًا" حديث القنوت، وأخرج في "باب ذمة المسلمين": "من أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"، وفي "باب إثم من عاهد ثم غدر": "أربع خلال من كن فيه كان منافقًا خالصًا"، وفيه: "إذا عاهد غدر"، وفي "باب إثم الغادر" عدة روايات بمعنى: "لكل غادر لواء ينصب بغدرته"، فأشار بالترجمة إلى هذه الروايات كلها، وهذا كله إذا كان قوله: "إثم من لم يف. . ." إلخ، جزء--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 276).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٥٩)
للترجمة، ولا يبعد أن يقال: إن الإمام البخاري رحمه الله تعالى أشار بذلك إلى التأكيد والتنبيه بالوفاء بالعهد للروايات المذكورة.
(13 - باب فضل الوفاء بالعهد)
ذكر فيه طرفًا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل، قال ابن بطال: أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم، وليس هو من صفات الرسل، انتهى من "الفتح"(1).
(14 - باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر؟)
قال الحافظ(2): قوله: "وقال ابن وهب" وصله ابن وهب في "جامعه" هكذا.
قوله: (وكان من أهل الكتاب) قال الكرماني(3): ترجم بلفظ "الذمي"، وسئل الزهري بلفظ "أهل العهد" وأجاب بلفظ: "أهل الكتاب"، فالأولان متقاربان، وأما "أهل الكتاب" فمراده من له منهم عهد، وكان الأمر في نفس الأمر كذلك.
قال ابن بطال(4): لا حجة لابن شهاب في قصة الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ولأن السحر لم يضره في شيء من أمور الوحي ولا في بدنه، وإنما كان اعتراه شيء من التخيل، وإنما ناله من ضرر السحر ما ينال المريض من ضرر الحمى.
قال الحافظ: ولهذا الاحتمال لم يجزم المصنف بالحكم، ثم ذكر المصنف طرفًا من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، وأشار بالترجمة إلى ما وقع في بقية القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عوفي أمر بالبئر فردمت، وقال: "كرهت أن أثير على الناس شرًا"، ذكره المصنف تامًا في "كتاب الطب"، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 276).
(2) "فتح الباري" (6/ 276).
(3) "شرح الكرماني" (13/ 139 - 140).
(4) "شرح ابن بطال" (5/ 358).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦٠)
وأما مسألة الباب فنقل الحافظ عن ابن بطال: لا يقتل ساحر أهل العهد، لكن يعاقب إلا إن قتل بسحره فيقتل، أو أحدث حدثًا فيؤخذ به، وهو قول الجمهور، وقال مالك: إن أدخل بسحره ضررًا على مسلم نقض عهده بذلك، وقال أيضًا: يقتل الساحر ولا يستتاب، وبه قال أحمد وجماعة، وهو عندهم كالزنديق، انتهى.
(15 - باب ما يحذر من الغدر)
(يحذر) بضم أوله مخففًا ومثقلًا، (وقول الله عز وجل) بالجر عطفًا على لفظ: "الغدر"، انتهى من "الفتح"(1).
وقال العيني(2): "وقوله تعالى" بالجر عطفًا على "ما يحذر"؛ لأنه مجرور بالإضافة، تقديره: وفي بيان قوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا. . .} إلخ، انتهى.
وقال الحافظ(3): وفي هذه الآية إشارة إلى أن احتمال طلب العدو للصلح خديعه، لا يمنع من الإجابة إذا ظهر للمسلمين، بل يعزم ويتوكل على الله سبحانه وتعالى، انتهى. وقال فيما يستفاد من الحديث: فيه أن الغدر من أشراط الساعة، انتهى.
(16 - باب كيف ينبذ إلى أهل العهد. . .) إلخ
قال الحافظ(4): قوله: " {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ} " أي: اطرح إليهم عهدهم، وذلك بأن يرسل إليهم من يعلمهم بأن العهد انتقض، قال ابن عباس: أي: على مثل، وقيل: على عدل، وقيل: أعلمهم أنك قد حاربتهم حتى يصيروا مثلك في العلم بذلك.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 277).
(2) "عمدة القاري" (10/ 528).
(3) "فتح الباري" (6/ 277، 278).
(4) "فتح الباري" (6/ 279).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦١)
وقال الأزهري: المعنى إذا عاهدت قومًا فخشيت منهم النقض فلا توقع بهم بمجرد ذلك حتى تعلمهم، ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة، قال المهلب: خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم غدر المشركين؛ فلذلك بعث من ينادي بذلك، انتهى.
(17 - باب إثم من عاهد ثم غدر)
الغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي، قاله الحافظ(1).
وقال في آخر حديث الباب: فيه علم من أعلام النبوَّة، والتوصية بالوفاء لأهل الذمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع المسلمين، وفيه التحذير من ظلمهم، وأنه متى وقع ذلك نقضوا العهد، فلم يجتب المسلمون منهم شيئًا فتضيق أحوالهم، انتهى.
(18 - باب)
بغير ترجمة، كذا هو عند الجميع، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وذكر فيه حديثين: أحدهما: في قصة الحديبية، والثاني: حديث أسماء في وفود أمها، ووجه تعلق الأول من جهة ما آل إليه أمر قريش في نقضها العهد من الغلبة عليهم وقهرهم بفتح مكة، فإنه يوضح أن مآل الغدر مذموم، ومقابل ذلك ممدوح، ومن هنا يتبين تعلق الحديث الثاني، ووجهه أن عدم الغدر اقتضى جواز صلة القريب، ولو كان على غير دين الواصل، انتهى من "الفتح"(2).
قلت: ويمكن أن يترجم لهذا الباب بلفظ مضار الغدر ومنافع عدمه، أي: الوفاء، وتكلم الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(3) على شرح قوله: "اتهموا رأيكم" الواقع في حديث الباب فأجاد، فارجع إليه لو شئت.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 280).
(2) "فتح الباري" (6/ 281).
(3) "لامع الدراري" (7/ 326).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦٢)
(19 - باب المصالحة على ثلاثة أيام. . .) إلخ
أي: يستفاد من وقوع المصالحة على ثلاثة أيام جوازها في وقت معلوم ولو لم تكن ثلاثة، انتهى من "الفتح"(1).
(20 - باب الموادعة من غير وقت وقول النبي صلى الله عليه وسلم. . .) إلخ
هو طرف من حديث معاملة أهل خيبر، وقد تقدم شرحه في "المزارعة"، وبيان الاختلاف في أصل المسألة، وأما ما يتعلق بالجهاد فالموادعة فيه لا حد لها معلوم لا يجوز غيره، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام بحسب ما يراه الأحظ والأحوط للمسلمين، انتهى من "الفتح"(2).
(21 - باب طرح جيف المشركين في البئر. . .) إلخ
ذكر فيه حديث ابن مسعود في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل بن هشام وغيره من قريش، وفيه: "فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر، فألقوا في بئر"، وقد تقدم بهذا الإسناد في "باب الطهارة".
قوله: (ولا يؤخذ لهم ثمن) أشار به إلى حديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة، وكان اقتحم الخندق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده"، فقال ابن هشام: بلغنا عن الزهري: أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف، وأخذه من حديث الباب من جهة أن العادة تشهد أن أهل قتلى بدر لو فهموا أنه يقبل منهم فداء أجسادهم لبذلوا فيها ما شاء الله، فهذا شاهد لحديث ابن عباس وإن كان إسناده غير قوي، انتهى من "الفتح"(3).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 282).
(2) "فتح الباري" (6/ 282).
(3) "فتح الباري" (6/ 283).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦٣)
وحديث ابن عباس هذا ذكره ابن إسحاق في مغازيه كما في "القسطلاني"(1).
وكتب الشيخ في "اللامع"(2): قوله: "ولا يؤخذ لهما ثمن" فإن البيع وإن كان فيه توهين للمبيع، ولكنه لا يخلو عن إعزاز له أيضًا لما فيه من جعله ذا خطر، إذ البيع لا يجري فيما لا رغبة فيه، ولا هو ذو خطر، فنهينا عن بيع أجساد المشركين لئلا يلزم فيه إعزازها، انتهى.
(22 - باب إثم الغادر للبر والفاجر)
قال الحافظ(3): أي: سواء كان من بر لفاجر أو بر، أو من فاجر لبر أو فاجر، وبين هذه الترجمة والترجمة السابقة بثلاثة أبواب عموم وخصوص، انتهى.
قلت: وأشار الحافظ بذلك إلى "باب إثم من عاهد ثم غدر"، ولا يبعد عندي في الفرق بين الترجمتين الإشارة إلى اختلاف نوعية الإثم، ولأجل ذلك ذكره لهذا المعنى عدة أبواب، وكتب الشيخ رحمه الله في "اللامع" على هذا الباب: لما كان من الأمور المنكرة ما لا كراهة فيه إذا ارتكبها مؤمن كامل في إيمانه، ولا يمكن من ارتكابه الفاسق الغير الآمن على إيمانه توهم أن الغدر لعله من هذا القبيل، فدفعه بإطلاق الرواية ولفظ: "كل" الدال على العموم، انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ قدِّس سرُّه بطبعه اللطيف في توجيه ذكر البر والفاجر، ولما أفاده نظائر كثيرة، منها قوله: أنبت الربيع البقل، ومنها صوم يوم الشك، ومنها ما في "الأشباه"(4): قال قاضي خان: الفقاعي إذا قال عند فتح الفقاع للمشتري: صَلِّ على محمد، قالوا: يكون آثمًا، وكذا الحارس إذا قال في الحراسة: لا إله إلا الله، يعني: لأجل الإعلام بأنه--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (7/ 117).
(2) "لامع الدراري" (7/ 327، 328).
(3) "فتح الباري" (6/ 284).
(4) "الأشباه والنظائر" (1/ 182).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦٤)
مستيقظ، بخلاف العالم إذا قال في المجلس: صلوا على النبي، فإنه يثاب على ذلك، وكذا الغازي إذا قال: كبروا؛ لأن الحارس والفقاعي يأخذان بذلك أجرًا، انتهى.
ثم المصنف رحمه الله ذكر في الباب أربعة أحاديث، ومناسبة الثلاثة الأول منها بالترجمة غير خفية، وأما الحديث الرابع فقد قال الحافظ(1): في تعلق الحديث بالترجمة غموض، ثم ذكر عدة توجيهات للمطابقة، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ: "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا"، فكان التعرض بشيء منها غدرًا وهتكًا لحرمة الله تبارك وتعالى، انتهى.
قلت: وبما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه المطابقة جزم ابن بطال كما حكى عنه الحافظ في "الفتح"، وقال أيضًا(3): ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع من سبب الفتح الذي ذكر في الحديث، وهو غدر قريش بخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عاقبة نقض قريش العهد أن غزاهم المسلمون حتى فتحوا مكة، واضطروا إلى طلب الأمان، وصاروا بعد العز والقوة في غاية الوهن، ولعله أشار بقوله في الترجمة: "بالبر" إلى المسلمين، و"بالفاجر" إلى خزاعة؛ لأن أكثرهم إذ ذاك لم يكن أسلم بعد، انتهى مختصرًا.
وقال العلَّامة العيني(4): وجه مطابقته للترجمة يمكن أخذه من قوله: "فانفروا" إذ معناه لا تغدروهم ولا تخالفوهم، إذ إيجاب الوفاء بالخروج مستلزم لتحريم الغدر، ووجه آخر هو أن النبي لم يغدر في استحلال القتال بمكة؛ لأنه كان بإحلال الله تعالى له ساعة، ولولا ذلك لما جاز له، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 284).
(2) "لامع الدراري" (7/ 329، 330).
(3) "فتح الباري" (6/ 285).
(4) "عمدة القاري" (10/ 539).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦٥)
وبما أفاده العيني أولًا ذكره العلَّامة السندي(1) وقال: ثم رأيت الكرماني(2) مال إلى ذلك، انتهى. وسكت القسطلاني عن بيان المناسبة.
ثم البراعة في اختتام "كتاب الجزية" عند الحافظ(3) قُدِّس سرُّه في قوله: "فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة"، وقد تقدم أن كتاب الجهاد عند هذا العبد الضعيف ينتهي إلى بدء الخلق، فالبراعة في قوله: "وإذا استنفرتم فانفروا" وبلفظ: "يوم القيامة"، وكذا بلفظ: "الإذخر"، فقد ورد في بعض الطرق: "فإنه لقبورهم"، أو يقال: الجهاد كله مذكر للموت(4).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: "صحيح البخاري بحاشية السندي" (2/ 206).
(2) انظر: "شرح الكرماني" (13/ 148 - 149).
(3) "فتح الباري" (13/ 543).
(4) انظر: "لامع الدراري" (1/ 117).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦٦)
59 - كتاب بدء الخلق
قال الحافظ(1): كذا للأكثر، وسقطت البسملة لأبي ذر، وللنسفي: "ذكر" بدل "كتاب"، وللصغاني: "أبواب" بدل "كتاب"، و"بدء الخلق" بفتح أوله وبالهمز، أي: ابتداؤه، ومناسبة هذا الكتاب لما قبله ما تقدم في مقدمة "اللامع"(2) من كلام الحافظ(3) حيث قال: ويظهر لي أنه إنما ذكر بدء الخلق عقب "كتاب الجهاد" لما أن الجهاد يشتمل به على إزهاق النفس، فأراد أن يذكر أن هذه المخلوقات محدثات، وأن مآلها إلى الفناء، وأنه لا خلود لأحد، انتهى.
وكتبت هناك في هامشه: ولا يبعد عندي أن يقال: إن ذكر مغازيه صلى الله عليه وسلم كانت من تكملة الجهاد، فإنها أسوة لكثير من مسائل الجهاد، فالمقصود أصالة ذكرها، أي: المغازي، ولذا بسطها أشد البسط، وكان الجدير بذكرها أن يذكر أولًا أحوال النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذكره الشريف أيضًا من المقاصد، فبسط في ذكره وذكر أتباعه الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فإنهم المجاهدون في هذه المغازي، وقدم على ذكره الشريف ذكر الأنبياء توطئة، وأولهم آدم عليه السلام، فذكره وذكر معه خلق آدم، وقدم قبله بدء الخلق تمهيدًا لما سيأتي بعده، فتأمل.
وفي هامش "اللامع"(4): لما كان "صحيح البخاري" جامعًا من أنواع كتب الحديث، والجامع ما يكون فيه الأبواب الثمانية من أبواب الحديث كما تقدم مفصلًا في المقدمة، ومنها التاريخ، شرع من ههنا أبواب التاريخ وتنتهي إلى كتاب التفسير، وليس كتاب المغازي بكتاب مستأنف عند هذا--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 286).
(2) "لامع الدراري" (1/ 276).
(3) "مقدمة فتح الباري" (ص 471).
(4) "لامع الدراري" (7/ 331).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦٧)
العبد الضعيف، بل هو جزء لسيرته صلى الله عليه وسلم المبدوءة من قبل ذلك، ولكنها لما كانت أبوابها مبسوطة أفردها باسم الكتاب، ولذلك ذكر بعده "باب حجة الوداع وأبواب مرضه ووفاته صلى الله عليه وسلم"، فإنها أيضًا من تكملة أحواله صلى الله عليه وسلم، وتقدم شيء من ذلك في المقدمة في الفائدة الثالثة عشرة في مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب، انتهى.
وفي "الفيض"(1): وقد مرَّ نظائرُ هذا الكتاب من قوله: "بَدْء الوحي" و"بَدْء الحَيْضِ"، فهذا "بَدْء الخَلْقِ". ويَذْكُرُ في ضِمْنِهِ الأحوالَ إلى الحشر. وهذا الكتابُ في كُتُبِ الأحاديث أقربُ إلى سِفْر التكوين من التوراة، انتهى.
(1 - باب ما جاء في قول الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم: 27])
كتب الشيخ في "اللامع"(2): المقصود من هذا الباب إثبات أنه ليس شيء سواه تبارك وتعالى قديمًا، بل الكل محدث ومخلوق، انتهى.
قال الحافظ(3): قوله: "كل عليه هين" أي: البدء والإعادة، أي: وأنهما حَمَلَا أهون على غير التفضيل، وأن المراد بها الصفة؛ كقوله: الله أكبر، وأثر الحسن روأه الطبري من طريق قتادة، وأظنه عن الحسن، ولكن لفظه: "وإعادته أهون عليه من بدئه، وكل على الله هين"، وظاهر هذا اللفظ إبقاء صيغة أفعل على بابها، وكذا قال مجاهد، وقد ذكر عبد الرزاق في "تفسيره": أن ابن مسعود كان يقرؤها "وهو عليه هين"، وحُكي عن ابن عباس: أن الضمير للمخلوق؛ لأنه ابتدئ نطفة ثم علقة ثم مضغة، والإعادة أن يقول له: "كن فيكون"، فهو أهون على المخلوق، ولا يثبت هذا عن ابن عباس، بل هو من تفسير الكلبي، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (4/ 299).
(2) "لامع الدراري" (7/ 334).
(3) "فتح الباري" (6/ 287).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦٨)
قال القسطلاني(1): ثم أشار المؤلف إلى قوله تعالى: " {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} " [ق: 15]، أي: "أفأعيا علينا، حين أنشأكم وأنشأ خلقكم" أي: ما أعجزنا الخلق الأول حين أنشأناكم وأنشأنا خلقكم حتى نعجز عن الإعادة، والهمزة فيه للإنكار، وعدل عن التكلم في قوله: "أنشأناكم" إلى الغيبة التفاتًا، قال الكرماني: والظاهر أن لفظ "حين أنشأكم" إشارة إلى آية أخرى مستقلة، و"أنشأ خلقكم" إلى تفسيره، وهو قوله تعالى: {إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [النجم: 32]، فنقله البخاري بالمعنى حيث قال: "حين أنشأكم" بدل {إِذْ أَنْشَأَكُمْ}، أو هو محذوف في اللفظ، واستغنى بالمفسر عن المفسر، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): قوله: "أفأعيا. . ." إلخ، أشار بذلك إلى أن كلمة "عيينا" صارت متعدية بالباء في الخلق الأول، وكأن المعنى: أفأعيا علينا خلقكم حين أنشأناكم؟ لكنه حذف الفاعل استغناء بدلالة الظرف عليه، وأقام النائب مقام المتكلم رعاية لما ورد في الآية الأخرى، ثم لما ذكر الإنشاء ذكر معناه، فقال: "أنشأ، أي: خلق"، لكنه لما كان المذكور في الآية {أَنْشَأَكُمْ} أورد في التفسير أيضًا خلقكم، ولم يكتف بقوله: خلق فقط، انتهى.
قوله: (لغوب: النَّصَب) أي: تفسير قوله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38] أي: من نصب، والنصَّب: التعب وزنًا ومعنًى، وهذا تفسير مجاهد فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وغفل الداودي الشارح فظن أن النصب في كلام المصنف بسكون الصاد، وأنه أراد ضبط اللغوب، فقال متعقبًا عليه: لم أر أحدًا نصب اللام في الفعل، قال: وإنما هو بالنصب: الأحمق.
قوله: (أطوارًا. . .) إلخ، يريد تفسير قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 14]، والأطوار: الأحوال المختلفة، واحدها طور بالفتح، وأخرج--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (7/ 121 - 122).
(2) "لامع الدراري" (7/ 331 - 332).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦٩)
ابن أبي حاتم عن ابن عباس في معنى الأطوار كونه مرة نطفة ومرة علقة. . . إلخ، وأخرج الطبري عن ابن عباس وجماعة نحوه، وقال: المراد اختلاف أحوال الإنسان من صحة وسقم، وقيل: معناه أصنافًا في الألوان واللغات، انتهى.
وزاد العيني: قال ابن الأثير: الأطوار: التارات والحدود، واحدها طور، أي: مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم، انتهى من هامش "اللامع"(1)، وسيأتي هذا القول في البخاري في سورة نوح من "كتاب التفسير".
ولم يتعرض الحافظ لقوله: "عدا طوره، أي: قدره" وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": يعني بذلك: أنه في الأصل للقدر، ثم صار معناه قدرًا من الزمان أو غيره، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: "عدا طوره": أي: "بر هـ كَيا انداز ابنى سى"، انتهى.
قوله: (كان الله ولم يكن شيء) قال العلَّامة السندي(2): قوله: "كان الله" أي: مع صفاته العليا، وترك ذكرها؛ لأنها كالتوابع، فلا يلزم من الحديث نفي الصفات القديمة، وقد يقال: ولم يكن شيء غيره مبني على أن الصفات ليست غير الذات، كما قرره أهل الكلام، لكن الحق أن ذلك اصطلاح منهم، فبناء الحديث عليه لا يخلو عن خفاء، نعم يمكن أنهم بنوا اصطلاحهم على ظاهر هذا الحديث بعد إثبات قدم الصفات، كما أن المعتزلة بنوا نفيها عليه وعلى ما خيلوا من الأدلة العقلية الباطلة، والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (7/ 332 - 333)، وانظر: "فتح الباري" (6/ 288)، و"عمدة القاري" (10/ 541).
(2) "صحيح البخاري مع حاشية السندي" (2/ 207).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧٠)
قوله: (وكان عرشه على الماء. . .) إلخ، أي: بعد أن خلق بقرينة أول الحديث، ولا حاجة إلى حمل الواو على معنى ثم، إذ الواو لا تنفي الترتيب في الوجود الخارجي، انتهى.
(فأخبرنا عن بدء الخلق حتى. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): أي: إجمالًا، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه، وكتب العلَّامة السندي(2): قوله: "حتى دخل. . ." إلخ، أي: حتى أخبر عن دخولهم، أو هو غاية لبدء الخلق على معنى بدء الخلق وما بعده، والله تعالى أعلم، انتهى.
(2 - باب ما جاء في سبع أرضين)
قال الحافظان ابن حجر والعيني(3): أي: في بيان وضعها، ولفظ القسطلاني في "شرحه"(4): أي: في وصفها، ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى ترجم بسبع أرضين إشارة إلى الاختلاف الوارد في العدد، وبتّ الحكم لقوة الدليل عنده، فقد قال الحافظ(5): قوله: "وقول الله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} الآية [الطلاق: 12] " قال الداودي: فيه دلالة على أن الأرضين بعضها فوق بعض مثل السماوات، ونقل عن بعض المتكلمين أن المثلية في العدد خاصة، وأن السبع متجاورة، وحكى ابن التِّين عن بعضهم أن الأرض واحدة، قال: وهو مردود بالقرآن والسُّنَّة.
قلت: لعله القول بالتجاور، وإلا فيصير صريحًا في المخالفة، ويدل للقول الظاهر ما رواه ابن جرير عن ابن عباس في هذه الآية: {وَمِنَ الْأَرْضِ--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (7/ 333).
(2) "صحيح البخاري مع حاشية السندي" (2/ 207).
(3) "فتح الباري" (6/ 288)، "عمدة القاري" (10/ 541).
(4) "إرشاد الساري" (7/ 129).
(5) "فتح الباري" (6/ 293).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧١)
مِثْلَهُنَّ} قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق، هكذا أخرجه مختصرًا، وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم والبيهقي مطولًا، وأوله، أي: سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى ونبي كنبيكم، قال البيهقي: إسناده صحيح إلا أنه شاذ بمرة، وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: لو حدثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها، ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه، انتهى مختصرًا.
قلت: ولشيخ مشايخنا مولانا محمد قاسم النانوتوي مؤسس دار العلوم بديوبند رسالة مستقلة باللغة الأردية اسمها: "تحذير الناس من إنكار أثر ابن عباس"، وذكر في آخره أنه بسط الكلام على ذلك في رسالتين له أخريين: أحدهما: "الآيات البينات على وجود الأنبياء في الطبقات"، والثانية: "دافع الوسواس لأثر ابن عباس"، انتهى.
قلت: وبعين ما ترجم به الإمام البخاري ترجم الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية"(1) وقال: "باب ما جاء في سبع أرضين" ثم ذكر فيه عدة أحاديث، ثم قال: فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين، والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى، والتي تحتها شي وسطها عند أهل الهيئة، حتى ينتهي الأمر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها، إلى آخر ما قال.
قلت(2): وما أيد الحافظ القول الظاهر بأثر ابن عباس المذكور لا حاجة إلى ذلك، فإن روايات هذا الباب كلها صريحة في الدلالة على الظاهر؛ لأن الغاصب شبرًا من الأرض إذا يطوق إلى سبع أرضين أو يخسف إلى سبع أرضين، فلا بد أن تكون بعضهن فوق بعض.--------------------------------------------
(1) "البداية والنهاية" (1/ 16).
(2) انظر: "لامع الدراري" (7/ 337 - 338).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧٢)
وكتب مولانا محمد حسن المكي في تقريره تحت الباب: بأنها مخلوقة لله تعالى ليست بقديمة، والغرض من هذه الأبواب عد مخلوقات الله تعالى من الصغير والكبير والشريف والرذيل مما نقل فيه الأحاديث الصحيحة عنده.
ولا يبعد عندي أيضًا: أن في تبويب الإمام البخاري رحمه الله تعالى بالأرضين وتخصيصها بالذكر مع تقديم ذكر السماوات على الأرض في الآية الكريمة إشارة لطيفة إلى مسألة أخرى خلافية أيضًا، وهي اختلافهم في التفضيل بين السماء والأرض، ففي "الفتاوى الحديثية" لابن حجر المكي(1): وسئل - نفع الله به -: أيما أفضل السماء أو الأرض؟ فأجاب بقوله: الأصح عند أئمتنا ونقلوه عن الأكثرين: السماء؛ لأنه لم يعص الله فيها، ومعصية إبليس لم تكن فيها، أو وقعت نادرًا فلم يلتفت إليها. وقيل: الأرض، ونقل عن الأكثرين أيضًا؛ لأنها مستقر الأنبياء ومدفنهم.
وفي "الشرح الكبير" للمالكية(2): الأكثر على أن السماء أفضل من الأرض، والله أعلم بحقيقة الحال، انتهى.
وقال القاري في "شرح المناسك"(3) في بحث التفضيل بين مكة والمدينة: والخلاف فيما عدا موضع القبر المقدس، فما ضم أعضاؤه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع، حتى من الكعبة ومن العرش على ما صرح به بعضهم، وقد صرح التاج الفاكهي بتفضيل الأرض على السماوات لحلوله صلى الله عليه وسلم بها، وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، وقال النووي: الجمهور على تفضيل السماء، انتهى مختصرًا.
قلت: ومال شيخ مشايخنا مولانا محمد قاسم النانوتوي قُدِّس سرُّه في قصيدته المدحية في شأنه صلى الله عليه وسلم المطبوع باسم "قصيدة بهائية" إلى فضيلة الأرض على السماء.--------------------------------------------
(1) "الفتاوى الحديثية" (ص 248).
(2) "الشرح الكبير" (2/ 173).
(3) (ص 531 - 532).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧٣)
قوله: (يوم خلق الله السماوات والأرض. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): إن كانت الرواية "والأرضين" بلفظ الجمع فدلالته على الترجمة ظاهرة، وإن كانت بلفظ المفرد فيحمل اللام على الجنس، أو للإشارة إلى ما ورد في غير هذه الرواية من لفظ الجمع، انتهى.
وذكر في هامشه: أن الرواية وردت بكلا اللفظين بلفظ الجمع والمفرد، وفيه أيضًا: قال الحافظ ابن كثير: ومراد البخاري بذكر هذا الحديث ههنا تقرير معنى قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] أي: في العدد، انتهى.
(3 - باب في النجوم)
والظاهر من سياق الترجمة ومما ذكر فيها أن الغرض بيان المقاصد المعتبرة الثابتة من خلق النجوم، وردّ ما أحدثها المخترعون فيها.
قال الحافظ(2): قوله: "قال قتادة. . ." إلخ، وصله عبد بن حميد، وزاد في آخره: أن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير والأحمر والأبيض والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر شيء من هذا الغيب، انتهى. وبهذه الزيادة تظهر مناسبة إيراد المصنف ما أورده من تفسير الأشياء التي ذكرها من القرآن، وإن كان ذكر بعضها وقع استطرادًا، والله أعلم.
وقال العلَّامة السندي(3): قوله: "وقال ابن عباس: هشيمًا. . ." إلخ، كأنه ذكر تفسير هذه الألفاظ لتعلقها بالخلق وإن لم يكن لها تعلق بالنجوم.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (7/ 336).
(2) "فتح الباري" (6/ 295).
(3) "صحيح البخاري مع حاشية السندي" (2/ 208).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧٤)
وقال العيني والقسطلاني(1): ذكرها استطرادًا على عادته لأدنى ملابسة تكثيرًا للفائدة، انتهى.
وتقدم ما قال الحافظ في وجه مناسبة ذكرها، ويمكن عند هذا العبد الضعيف: أن يقال: إنه قد تقرر في محله أن للشمس والقمر وبعض النجوم تأثيرًا في نضج الثمار وإحداث النضارة واللذة فيها، فتأمل فإنه لطيف.
(4 - باب صفة الشمس والقمر بحسبان)
أي: تفسير ذلك، وقوله: "قال مجاهد: بحسبان كحسبان الرحى. . ." إلخ، قال الكرماني(2): أراد أنهما يجريان على حسب الحركة الرحوية والدورية وعلى وضعها، "ولا يعدوانها": لا يتجاوزانها، انتهى.
زاد الحافظ(3) بعد قوله: "على حسب الحركة الرحوية": "وقال غيره: بحساب ومنازل لا يعدوانها"، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"(4): يعني بذلك: أنهما لا يتخلفان عما هو مقرر لهما كالرحى لا يمكن دورانها على غير ما هو معين في دورانها من القرب والبعد من القطب، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: التشبيه في الجري على وضع واحد وموضع واحد لا يمكن أن يتغير عنه، وإلا فحركة الشمس والقمر دولابي، فمآل هذا التفسير والتفسير الثاني واحد، انتهى.
وهكذا في "اللامع" إذ قال: قوله: "وقال غيره" ليس المراد أن بينهما اختلافًا، بل المراد نقل قول كل منهما وإن كان المؤدى واحدًا، انتهى.
وسيأتي الكلام أيضًا على هذا القول في محله في تفسير سورة الرحمن من "كتاب التفسير".--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (10/ 551)، "إرشاد الساري" (7/ 138).
(2) "شرح الكرماني" (13/ 158).
(3) "فتح الباري" (6/ 298).
(4) "لامع الدراري" (7/ 338).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧٥)