وفي "تقرير المكي": قوله: الماهر فثبت الكسب، انتهى من "الفتح" وهامش "اللامع"(1).
(53 - باب {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20])
قال الحافظ(2): ومناسبة هذه الترجمة وحديثها للأبواب التي قبلها من جهة التفاوت في الكيفية، ومن جهة جواز نسبة القراءة للقارئ، انتهى.
وفي "التراجم"(3) للشاه ولي الله قُدِّس سرُّه، قوله: "كذلك أنزلت"، فالقراءة منسوبة إلى العباد مختلفة باختلافهم، انتهى.
(54 - باب قول الله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ} [القمر: 17]. . .) إلخ
مناسبة هذا الباب بما قبله من جهة الاشتراك في لفظ التيسير، قال ابن بطال(4): تيسير القرآن تسهيله على لسان القاري حتى يسارع إلى قراءته، فربما سبق لسانه في القراءة، فيجاوز الحرف إلى ما بعده، ويحذف الكلمة حرصًا على ما بعدها.
قال الحافظ: وفي دخول هذا في المراد نظر كبير، انتهى من "الفتح"(5).
قلت: وترجم عليه الإمام البيهقي في "كتاب الأسماء والصفات"(6): "باب الفرق بين التلاوة والمتلو" قال الله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ. . .} إلخ، ثم قال بعد ذكر عدة آيات: فالقرآن الذي نتلوه كلام الله تعالى وهو متلو بألسنتنا على الحقيقة، مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في صدورنا، مسموع بأسماعنا، غير حالٍّ في شيء منها، إذ هو من صفات ذاته غير بائن منه، وهو كما أن البارئ عز وجل معلوم بقلوبنا، مذكور بألسنتنا، مكتوب في--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (10/ 336).
(2) "فتح الباري" (13/ 521).
(3) (ص 454).
(4) "شرح ابن بطال" (10/ 550).
(5) "فتح الباري" (13/ 521).
(6) "كتاب الأسماء والصفات" (ص 250).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٢٨)
كتبنا، معبود في مساجدنا، مسموع بأسماعنا غير حال في شيء منها، وأما قرائتنا وكتابتنا وحفظنا فهي من اكتسابنا، واكتسابنا مخلوقة لا شك فيه، انتهى.
قال الحافظ(1) نقلًا عن البيهقي: مذهب السلف والخلف من أهل الحديث والسُّنَّة أن القرآن كلام الله، وهو صفة من صفات ذاته، وأما التلاوة فهم على طريقتين: منهم من فرّق بين التلاوة والمتلو، ومنهم من أحَبَّ تركَ القول فيه، وأما ما نقل عن الإمام أحمد أنه سوّى بينهما فإنما أراد حسم المادة؛ لئلا يتدرع أحد إلى القول بخلق القرآن، انتهى.
(55 - باب قول الله: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22]) إلخ
وفي حاشية النسخة "الهندية"(2) عن "الخير الجاري": غرضه أن القرآن كان قبل النزول مسطورًا في اللوح، انتهى.
قلت: هو كما قال، ولذا ذكر المصنف تفاصيل الكتابة وغيرها، قال الحافظ(3): قال البخاري في "خلق أفعال العباد" بعد أن ذكر هذه الآية والذي بعدها: قد ذكر الله أن القرآن يحفظ ويسطر، والقرآن الموعى في القلوب المسطور في المصاحف المتلو بالألسنة كلام الله ليس بمخلوق، وأما المداد والورق والجلد فإنه مخلوق، انتهى.
وقال(4) في "باب {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا. . .} [البقرة: 22] " إلخ: ومحصل ما نقل عن أهل الكلام في هذه المسألة خمسة أقوال: الأول: قول المعتزلة أنه مخلوق. الثاني: قول الكلابية أنه قديم قائم بذات الرب، ليس بحروف ولا أصوات، والموجود بين الناس عبارة عنه لا عينه. والثالث:--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 492).
(2) "صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري" (14/ 723).
(3) "فتح الباري" (13/ 522).
(4) "فتح الباري" (13/ 493).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٢٩)
قول السالمية أنه حروف وأصوات قديمة الأعين، وهو عين هذه الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة. والرابع: قول الكرامية أنه محدث لا مخلوق. والخامس: أنه كلام الله غير مخلوق، إنه لم يزل يتكلم إذا شاء نصّ على ذلك أحمد في "كتاب الرد على الجهمية"، وافترق أصحابه فرقتين ذكرهما الحافظ، ثم قال: والذي استقرّ عليه قول الأشعرية أن القرآن كلام الله غير مخلوق مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة، إلى آخر ما بسط.
قوله: (وليس أحد يزيل لفظ كتاب. . .) إلخ، هذا أحد القولين في تفسير الآية من أن التحريف وقع باعتبار المعنى فقط، ومال الجمهور إلى أن التحريف منهم وقع في الألفاظ أيضًا، كما بسط في الحاشية، وقال مولانا الشيخ أنور(1): اعلم أن أقوال العلماء في وقوع التحريف ودلائلهم كلّها قد قضى عنه الوطر المحشيُّ فراجعه.
والذي ينبغي فيه النظر ههنا أنه كيف ساغ لابن عباس إنكار التحريف اللفظي، مع أن شاهد الوجود يخالفه، كيف! وقد نعى عليهم القرآن أنهم كانوا يكتبون بأيديهم، ثم يقولون: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وهل هذا إلا تحريف لفظي، ولعل مراده أنهم ما كانوا يحرفون قصدًا، ولكن سلفهم كانوا يكتبون مرادها كما فهموه، ثم كان خلفهم يُدخلونه في نفس التوراة، فكان التفسير يختلط بالتوراة من هذا الطريق، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): قوله: "وليس أحد. . ." إلخ، يعني: أن تصرفهم إنما كان في بيان المعنى، وأما كلام الله تعالى فأكرم من أن يغيره أحد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، ولله الحمد على ما أولى، فنعم ما أولى ونعم المولى، وفق الله تعالى للإتمام سابع عشر جمادى الثانية من شهور 1313 هـ، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 612، 613).
(2) "لامع الدراري" (10/ 382 - 384).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣٠)
قلت: وهذا آخر ما أفاده الشيخ القطب الكَنكَوهي نوَّر الله مرقده بتقرير البخاري المطبوع باسم "لامع الدراري"، وقد بقيت في البخاري ثلاثة أبواب، لم يتعرض لها الشيخ قُدِّس سرُّه لظهور مقاصدها مما أفاده من كتاب الرد إلى ههنا مرارًا من غرض الإمام البخاري من هذه التراجم، انتهى من هامش "اللامع". وقد ذكر الكلام فيه على هذه الأبواب إلى آخر الكتاب مبسوطًا ومفصلًا فارجع إليه.
(56 - باب قول الله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96])
قال الحافظ(1): ذكر ابن بطال(2) عن المهلب: أن غرض البخاري بهذه الترجمة إثبات أن أفعال العباد وأقوالهم مخلوقة لله تعالى، انتهى.
وقال القسطلاني(3) تبعًا للحافظ: قال الشمس الأصفهاني في تفسير قوله: {وَمَا تَعْمَلُونَ} أي: عملكم، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وأنها مكتسبة للعباد، حيث أثبت لهم عملًا، فأبطلت هذه الآية مذهب القدرية والجبرية معًا، انتهى.
وقال شيخ مشايخنا الدهلوي في "تراجمه"(4) تحت هذه الترجمة: أي: الله خالق أعمال العباد، والقراءة عمل من أعماله، ويردّ عليه "أحيوا ما خلقتم"، فإنه يدلّ على أن الخلق ينسب إلى العباد، والجواب أنهم منسوب إليهم بمعنى غير منسوب إليهم(5) بمعنى آخر، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا حملتكم"، وقوله في الكهان: "ليسوا بشيء"، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 528).
(2) "شرح ابن بطال" (10/ 553).
(3) "إرشاد الساري" (15/ 613).
(4) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 463).
(5) كذا في الأصل، وهو تحريف كما هو ظاهر.
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣١)
قوله: (فأمر لنا بخمس ذود. . .) إلخ، قال العلامة السندي(1): هو بإضافة خمس إلى ذود، وذود جمع ناقة معنى، وإضافة اسم العدد إليه تفيد أن آحادها خمس، كل واحد من تلك الآحاد ناقة لا ذود، إلى آخر ما بسط في ضبط هذا اللفظ وإعرابه ومعناه، فارجع إليه لو شئت.
(57 - باب قراءة الفاجر والمنافق. . .) إلخ
غرض الترجمة ظاهر، وهو أن التفاوت في قراءتهم باعتبار أفعالهم، والمتلو واحد لا تفاوت فيه، ولا يبعد أيضًا أن يقال: إن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى الردّ على ما نقل عن محمد بن أسلم الطوسي، كما حكاه عنه الحافظ في موضع آخر، وتقدم مبسوطًا في مقدمة "اللامع" من أنه قال: الصوت من المصوت كلام الله، وهي عبارة رديئة لم يرد ظاهرها، وإنما أراد نفي كون المخلوق متلوًّا، وقد وقع ذلك لإمام الأئمة محمد بن خزيمة، ثم رجع، وله في ذلك مع تلامذته قصة مشهورة، ثم قال: إن قول من قال: إن الذي يسمع من القاري هو الصوت القديم لا يعرف عن السلف، ولا قاله أحمد، ولا أئمة أصحابه، وإنما سبب نسبة ذلك لأحمد قوله: من قال: "لفظي بالقرآن مخلوق" فهو جهمي، فظنوا أنه سوّى بين اللفظ والصوت، ولم يُنْقل عن أحمد في الصوت ما نقل عنه في اللفظ، بل صرّح في مواضع بأن الصوت المسموع من القارئ هو صوت القارئ، إلى آخر ما تقدم في مقدمة "اللامع"(2) في بيان ردّ ما نقم على البخاري.
قوله: (فيقرقرها. . .) إلخ، اختلف في هذا الحديث في موضعين: الأول: في لفظ "يقرقر" بالقافين والرائين، كما في حديث الباب، وتقدم في "بدء الخلق" في "باب صفة إبليس وجنوده" بلفظ: "وتقرها" بقاف وشدة--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري بحاشية السندي" (4/ 309).
(2) انظر: "لامع الدراري" (1/ 56، 57) و (10/ 389، 390).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣٢)
راء، وتقدم البسط في هامش "اللامع" في هذا الاختلاف ومعناه، واختلفوا في معنى اللفظ الثاني على قولين: أحدهما "يقرها" أي: يصبها، تقول: قررت على رأسه دلوًا إذا صببته، والثاني: "يقرها" يصوتها، يقال: قرّ الطائر إذا صوّت وفسروا اللفظ الأول بقولهم: يقرقرها، أي: يرددها، يقال: قرقرت الدجاجة قرقرةً إذا رددت صوتها.
والموضع الثاني: اختلافهم في لفظ "الدجاجة" و"الزجاجة"، وبسط في هامش "اللامع" في "باب صفة إبليس" اختلاف المحدثين في تصحيح أحد اللفظين وتصحيفه، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع"(1) في موضعين ههنا، وفي "بدء الخلق".
أما مناسبة الحديث بالترجمة فقال الحافظ(2): تعرض له ابن بطال ولخصه الكرماني، وقال: لمشابهة الكاهن بالمنافق من جهة أنه لا ينتفع بالكلمة الصادقة لغلبة الكذب عليه ولفساد حاله، كما أن المنافق لا ينتفع بقراءته لفساد عقيدته، والذي يظهر لي من مراد البخاري أن تلفظ المنافق بالقرآن كما يتلفظ به المؤمن فتختلف تلاوتهما، والمتلو واحد، فلو كان المتلو عين التلاوة لم يقع فيه تخالف، وكذلك الكاهن في تلفظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجني مما يختطفه من الملك تلفظه بها، وتلفظ الجني مغاير لتلفظ الملك فتفاوتا، انتهى.
قوله: (لا يجاوز تراقيهم) بسط الكلام في شرحه وفيما يستفاد من هذا الحديث في هامش "اللامع"(3)، فليراجع.--------------------------------------------
(1) انظر: "لامع الدراري" (10/ 291).
(2) "فتح الباري" (13/ 536)، و"شرح ابن بطال" (10/ 557)، و"شرح الكرماني" (25/ 247).
(3) "لامع الدراري" (10/ 392).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣٣)
(58 - باب قول الله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ. . .} [الأنبياء: 47]) إلخ
قال صاحب "الفيض"(1): يريد أن أفعالنا متميزة من القرآن غاية التمييز حتى إن أفعالهم ينصب لها الميزان، وأما القرآن فمن يزعم أنه يوضع له الميزان، فافترقا من كل وجه، انتهى.
والظاهر أن هذا الباب ردّ على المعتزلة حيث أنكروا الميزان.
قال الحافظ(2): قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السُّنَّة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسُّنَّة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة؛ ليكونوا على أنفسهم شاهدين، وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، كما روي عن مجاهد، والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وأخرج اللالكائي في "السُّنَّة" عن سلمان: قال: "يوضع الميزان، وله كفتان، لو وضع في أحدهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعته"، وعن الحسن قال: "له لسان وكفتان"، انتهى مختصرًا.
وفي "شرح العقائد النسفية"(3): الوزن حق، والميزان عبارة عما يعرف به مقادير الأعمال، والعقل قاصر عن إدراك كيفيته، وأنكرته المعتزلة، انتهى.
وفي هامشه: قالوا: المراد بالوزن في الآية العدل، وأن ميزان الألوان هو البصر، وميزان الأصوات هو السمع، وميزان المعقولات هو العقل، فلذا ذكر بلفظ الجمع، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 616).
(2) "فتح الباري" (13/ 538، 539).
(3) "شرح العقائد النسفية" (ص 102).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣٤)
وبسط الكلام على هذه المباحث صاحب "اليواقيت والجواهر"(1) في المبحث الثامن والستين في بيان أن الحوض والصراط والميزان حق، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
قال الكرماني(2): قال أهل السُّنَّة: الميزان جسم محسوس ذو لسان وكفتين، والله تعالى يجعل الأعمال والأقوال كالأعيان موزونة، أو توزن صحفها، وقيل: هو ميزان كميزان الشعر، وفائدته إظهار العدل، والمبالغة في الإنصاف والإلزام قطعًا لأعذار العباد، انتهى.
ثم اختلف في لفظ الموازين هل هو جمع موزون أو جمع ميزان، وعلى الثاني اختلف في وجه الجمع، وفي هامش "شرح العقائد"(3): المشهور أن الميزان واحد، وأجيب عنه بأن الجمع للتعظيم، وقيل: لكل مكلف ميزان، والظاهر أن يعتبر تعدده باعتبار الأشخاص وإن اتحد ذاته، انتهى.
ومال العلامة الرازي في "التفسير الكبير"(4) إلى تعدد الميزان إذ قال: الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد لورود صيغة الجمع في الآيات، فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر، انتهى.
قوله: (وإن أعمال بني آدم توزن) أشار بذلك الإمام البخاري إلى اختيار أحد القولين المشهورين في أن الموزون الأعمال أو الصحف، واختار المؤلف منهما القول الأول، كما صرّح به ههنا في الترجمة، واستدلّ عليه بالحديث الوارد في الباب، وههنا قول ثالث هو أن الموزون هو نفس الأشخاص العاملين، وعبارة الخازن(5): ثم اختلف العلماء في--------------------------------------------
(1) "اليواقيت والجواهر" (2/ 160).
(2) "شرح الكرماني" (25/ 248، 249).
(3) "شرح العقائد النسفية" (ص 102).
(4) "التفسير الكبير" (14/ 23).
(5) "تفسير الخازن" (2/ 211).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣٥)
كيفية الوزن، فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فعلى قول ابن عباس رضي الله عنهما أن الأعمال تتصور صورًا، وتوضع تلك الصور في الميزان، فيخلق الله في تلك الصور ثقلًا وخفة، ونقل البغوي عن بعضهم أنها توزن الأشخاص، انتهى.
وحكى الحافظ(1) عن الطيبي: والحق عند أهل السُّنَّة أن الأعمال حينئذ تتجسد أو تجعل في أجسام، فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة، ثم توزن، ورجّح القرطبي أن الذي يوزن الصحائف، ونقل عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: توزن صحائف الأعمال، قال: فإذا ثبت هذا فالصحف أجسام، فيرتفع الإشكال، ويقويه حديث البطاقة، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"(2).
وقد اتفق لي زيارة نسخة خطية قديمة لصحيح البخاري التي قرأها شيخ شيوخنا المفتي إلهي بخش الكاندهلوي على شيخه الشاه عبد العزيز الدهلوي، فوجدت على "هامشه" بخط المفتي المذكور مما يتعلق بهذا الباب، وهذا نصه: قوله: "باب قول الله. . ." إلخ، هذا إشارة إلى أن الكلام داخل في الأعمال، وأنه يوزن كما يوزن الأعمال، ولذلك أورد حديث "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن"، وختم بهذا الحديث كما افتتح بحديث "الأعمال بالنيات" أي: كما ينبغي ابتداء الأعمال بالإخلاص، كذلك ينبغي "ختمها بالتسبيح والتحميد". انتهى.
قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف جدًا، وهو أنه أشار بهذه العبارة الوجيزة إلى أن الغرض من الترجمة أمران: الأول: إثبات وزن الأعمال، وأنها توزن لا كما زعمت المعتزلة من أن المراد بالوزن العدل--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 539).
(2) "لامع الدراري" (10/ 394 - 397).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣٦)
كما تقدم، والثاني: التنبيه على أن أقوال المرء وكلامه أيضًا داخلة في الأعمال، إذ القول عمل من الأعمال، فكما أنها توزن الأفعال، كذلك توزن الأقوال وما يتكلم به الإنسان، وحديث الباب صريح في الجزء الثاني حيث قال في حق كلمتان أنهما ثقيلتان في الميزان، وأما بقية الأعمال فيقاس على ذلك.
وفي هامش "اللامع"(1): ثم اختلفوا في أنه هل يوزن الإيمان أم لا؟ وذكر السيوطي في "الحاوي" منظومًا بسيطًا في السؤال والجواب عن ذلك، وحاصل الجواب أن الحكيم الترمذي صرّح في "نوادره"، وعنه أخذ القرطبي في "تذكرته": أن الوزن يختص بالأعمال، والإيمان لا يوزن؛ لأنه لا بد للوزن من وجود ما يقابله، ومقابل الإيمان ليس إلا الكفر، والإيمان لا يجتمع مع الكفر أصلًا، فلا ضدّ له يوزن بمقابله، وأما ما ورد في حديث البطاقة فالمراد به ذكره هذه الكلمة بعد الإيمان، وهو من أعظم الحسنات، فتوزن مع الحسنات، انتهى.
قال العلامة القسطلاني(2): ثم إن ظاهر قول البخاري: "وأن أعمال بني آدم وقولهم توزن" التعميم، وليس كذلك، بل خص منهم من يدخل الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفًا، كما في البخاري، فإنه لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا، وإنما هي براءات مكتوبة كما قاله الغزالي، وكذلك من لا ذنب له إلا الكفر فقط ولم يعمل حسنة، فإنه يقع في النار من غير حساب ولا ميزان، انتهى.
وقال صاحب "الجمل"(3): ولا يكون الوزن في حق كل أحد؛ لأن من لا حساب عليه لا يوزن له كالأنبياء والملائكة، والوزن يكون للمكلّفين من الجن والإنس، انتهى.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (10/ 401، 402).
(2) "إرشاد الساري" (15/ 630).
(3) "الفتوحات الإلهية" (3/ 131).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣٧)
وأما براعة الاختتام فقد تقدم في مقدمة "اللامع"(1) من كلام الحافظ حيث قال: والتسبيح مشروع في الختام، فلذلك ختم به "كتاب التوحيد"، والحمد لله بعد التسبيح آخر دعوى أهل الجنة، قال الله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10]، وقد ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في ختم المجلس ما أخرجه الترمذي وابن حبان وغيرهما عنه مرفوعًا: "من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك" هذا ما قاله الحافظ ابن حجر(2).
وأما براعة الاختتام على رأي هذا العبد الضعيف من أن المصنف رحمه الله يذكر الرجل وقارئ كتابه في آخر كل كتاب موته، فهذا ظاهر من هذا الباب، وذلك أن الغرض منه إثبات وزن الأعمال، والوزن إنما يكون يوم القيامة وبعد الممات.
قال الكرماني: ذكر هذا الباب ليس مقصودًا بالذات، بل هو لإرادة أن يكون آخر الكلام التسبيح والتحميد، كما أنه ذكر حديث الأعمال بالنيات في أول الكتاب لإرادة بيان إخلاصه فيه.
قال الحافظ(3): كذا قال، والذي يظهر أنه قصد ختم كتابه بما دلّ على وزن الأعمال؛ لأنه آخر آثار التكليف، فإنه ليس بعد الوزن إلا الاستقرار في إحدى الدارين إلى أن يريد الله إخراج من قضى بتعذيبه من الموحدين، فيخرجون من النار بالشفاعة كما تقدم بيانه.
قال الكرماني(4): وأشار أيضًا إلى أنه وضع كتابه قسطاسًا وميزانًا يرجع إليه، وأنه سهل على من يسره الله تعالى عليه، وفيه إشعار بما كان عليه المؤلف في حالتيه أوّلًا وآخرًا، تقبل الله تعالى منه وجزاه أفضل الجزاء، انتهى.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 112).
(2) "فتح الباري" (13/ 544).
(3) "فتح الباري" (13/ 542).
(4) "شرح الكرماني" (25/ 251).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣٨)
وقال السندي(1): "باب قول الله {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} [الأنبياء: 47]. . ." إلخ، أي: باب أن الوزن حق، وهذا من مسائل التوحيد، وبه ختم "صحيحه" لأن الأعمال وزنها وثقلها وخفتها على حسب نية العامل لحديث "إنما الأعمال بالنيات"، ففي هذه المسائل إرشاد إلى حسن النية في الأعمال، كما في أول الكتاب إشارة إلى ذلك بإيراده حديث "إنما الأعمال بالنيات"، فصار من ذلك حسن الختام لما فيه من موافقة البداية النهاية، وفيه إشارة إلى المداومة على حسن النية بدايةً ونهايةً، وأيضًا أول العمل هو النية وآخره هو الوزن، وليس بعده إلا الجزاء، فأتى في موضع الكتاب الموضوع للعمل على ما عليه العمل في بدايته ونهايته، فأتى ببدايته وهي النية في بداية الكتاب، ونهايته وهو الوزن في نهاية الكتاب، فما أحسن نظره وأدقّ، انتهى.
وهذا آخر ما أردت ذكره في شرح تراجم "صحيح البخاري"، وبيان غرض المؤلف منها مما وجدت في شروح البخاري صريحًا أو استنباطًا أو كان مما ظهر لي خلا ما ذكره الشرَّاح، فإن كان ما بدا لي في تعيين غرض الإمام البخاري صحيحًا فمن الله تعالى وحسن توفيقه، وإن كان غير صحيح فمني، والإمام البخاري منه بريء.
وقد أمعن النظر في مسودات هذه التراجم وتوضيح إجمالها والمراجعة إلى الأصول، وذكر المآخذ الأعزان المكرمان ختني المولوي الحافظ محمد عاقل صدر المدرسين بمدرسة مظاهر علوم، والختن الآخر المولوي الحافظ محمد سلمان من أكابر المدرسين بالمدرسة المذكورة، جزاهما الله عني وعن سائر المستفيدين بهذه الأجزاء أحسن الجزاء، وبارك في علومهما، وأذاقهما شراب حبه.
وقد وقع فراغهما من هذا التبييض، والنظر الثاني يوم الخميس في--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري بحاشية السندي" (4/ 311).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٣٩)
العشرين مضت من شهر رمضان سنة إحدى وأربع مائة بعد ألف، وقد كان بداية هذا العمل ضحى الأربعاء في الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة تسعين وثلاث مائة وألف حذاء الأقدام العالية المباركة الشريفة في المسجد النبوي على صاحبه ألف ألف صلاة وتحية.
* * *
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٨٤٠)