قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وغيرهما، إلى آخر ما بسط.
(23 - باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان)
قال الحافظ(1) ذيل شرح حديث الباب: قال ابن بطال(2): هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويعود غريبًا كما بدأ، ثم ذكر حديث: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق" الحديث، ثم بسط الحافظ الكلام على هذا فارجع إليه لو شئت.
ثم ذكر المصنف في الباب حديثين، ومطابقة الأول للترجمة ظاهرة، وأما مطابقة الثاني فقد قال الحافظ: قال الإسماعيلي: ليس هذا الحديث من ترجمة الباب في شيء، وذكر ابن بطال أن المهلب أجاب بأن وجهه: أن القحطاني إذا قام وليس من بيت النبوة ولا من قريش الذين جعل الله فيهم الخلافة، فهو من أكبر تغير الزمان وتبديل الأحكام، بأن يطاع في الدين من ليس أهلًا لذلك، انتهى.
وحاصله: أنه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان، وتغيره أعم من أن يكون فيما يرجع إلى الفسق أو الكفر، فقصة القحطاني مطابقة للتغير بالفسق مثلًا، وقصة ذي الخلصة للتغير بالكفر، واستدل بقصة القحطاني على أن الخلافة يجوز أن تكون في غير قريش، إلى آخر ما في "الفتح"(3).
(24 - باب خروج النار. . .) إلخ
أي: من أرض الحجاز، ذكر فيه ثلاثة أحاديث، والمراد بالأشراط--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 76).
(2) "شرح ابن بطال" (10/ 60).
(3) "فتح الباري" (13/ 78).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٨٨)
العلامات التي يعقبها قيام الساعة، وتقدم في "باب الحشر" من "كتاب الرقاق" صفة حشر النار لهم، قاله الحافظ(1).
وقال أيضًا: قوله: "حتى تخرج نار. . ." إلخ، قال القرطبي في "التذكرة": قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة المنورة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم، عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراق، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة وجبال بصرى، قال النووي(2): تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام، انتهى.
ومطابقة الحديث الثالث بالترجمة يستفاد من كلام الحافظ(3) حيث قال: ولا مانع أن يكون ذلك عند خروج النار للمحشر، انتهى.
(25 - باب)
بغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، لكن سقط من شرح ابن بطال، وذكر أحاديثه في الباب الذي قبله، وعلى الأول فهو كالفصل من الذي قبله، وتعلقه به من جهة الاحتمال أن ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 79).
(2) "شرح صحيح مسلم" للنووي (9/ 256).
(3) "فتح الباري" (13/ 81).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٨٩)
الناس عن المال، إما لاشتغال كل منهم بنفسه عند طروق الفتنة فلا يلوي على الأهل فضلًا عن المال، وذلك في زمن الدجال، وإما بحصول الأمن المفرط والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره، وذلك في زمن المهدي وعيسى ابن مريم، وإما عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر، فيعز حينئذ الظهر وتباع الحديقة بالبعير الواحد، ولا يلتفت أحد حينئذ إلى ما يثقله من المال، بل يقصد نجاة نفسه ومن يقدر عليه من ولده وأهله، وهذا أظهر الاحتمالات، وهو المناسب لصنيع البخاري، والعلم عند الله، ثم بسط الحافظ(1) الكلام على ثاني حديثي الباب.
(26 - باب ذكر الدجّال)
قال القسطلاني(2): بتشديد الجيم فعال من أبنية المبالغة، أي: يكثر منه الكذب والتلبيس، وهو الذي يظهر في آخر الزمان يدعي الإلهية، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مخلوقاته كإحياء الميت الذي يقتله، وإمطار السماء وإنبات الأرض بأمره، ثم يعجزه الله بعد ذلك، فلا يقدر على شيء، ثم يقتله عيسى عليه السلام، وفتنته عظيمة جدًا تدهش العقول وتحير الألباب، انتهى.
قال الحافظ(3): قال القرطبي في "التذكرة": اختلف في تسميته دجالًا على عشرة أقوال، ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله، وهل هو ابن صياد وغيره؟ وعلى الثاني فهل هو كان موجودًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يدعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 82).
(2) "إرشاد الساري" (15/ 83، 84).
(3) "فتح الباري" (13/ 91، 92).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩٠)
فأما الأول: فيأتي بيانه في "كتاب الاعتصام" في شرح حديث جابر أنه كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال، وأما الثاني: فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودًا في العهد النبوي وأنه محبوس في بعض الجزائر، وأما الثالث: ففي حديث النواس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية، وأما سبب خروجه؟ فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها، وأما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية، أنه يخرج من خراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي أخرى: أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم، وأما صفته فمذكورة في أحاديث الباب.
وأما الذي يدعيه فإنه يخرج أولًا فيدعي الإيمان والصلاح ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الإلهية، كما أخرج الطبراني، وأما الذي يظهر على يده من الخوارق فيذكر ههنا.
وأما متى يهلك ومن يقتله؟ فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى فيقتله، أخرجه مسلم أيضًا، وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال" أخرجه الحاكم، وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من "الحلية" بسند حسن صحيح إليه قال: لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب، انتهى مختصرًا من "الفتح".
وحديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي عزاه الحافظ إلى مسلم، أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه(1) كذا قال الدميري.--------------------------------------------
(1) انظر: "صحيح مسلم" (2942)، و"سنن أبي داود" (4325)، و"سنن الترمذي" (2253)، و"سنن النسائي الكبرى" (4258)، و"سنن ابن ماجه" (4074).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩١)
(27 - باب لا يدخل الدجّال المدينة)
قال الحافظ(1): أي: المدينة النبوية، ذكر فيه ثلاثة أحاديث، انتهى.
قلت: ليس في أحاديث الباب ذكر مكة.
قال الحافظ: وقد ورد من غير هذا الوجه عن أبي سعيد ما لعله يؤخذ منه ما لم يذكر، كما في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد أنه يهودي وأنه لا يولد له، وأنه لا يدخل المدينة ولا مكة، أخرجه مسلم، انتهى.
وقد تقدمت هناك هذه الترجمة في فضائل المدينة من "كتاب الحج"، وورد في بعض الأحاديث هناك ذكر مكة فقد تقدم هناك من حديث أنس مرفوعًا: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة" الحديث، ومع ذلك لم يعقد المصنف لذلك ترجمة ولم أر من تعرض له، فليتدبر.
(28 - باب يأجوج ومأجوج)
تقدم شيء من أحوالهم في "باب قصة يأجوج ومأجوج" من "كتاب الأنبياء"، ولا يتوهم التكرار فذكرهم هناك لكونهم من جملة الخلائق، وههنا لمناسبة فتنتهم كما لا يخفى، ونظائره في البخاري كثيرة.
ثم البراعة في قوله: "أنهلك وفينا الصالحون"، وأيضًا فتح ردم يأجوج ومأجوج مذكر لأهوال القيامة(2).
* * *--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 101).
(2) "لامع الدراري" (1/ 119).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩٢)
93 - كتاب الأحكام
قال الحافظ(1): الأحكام جمع حكم، والمراد بيان آدابه وشروطه، وكذا الحاكم، ويتناول لفظ الحاكم الخليفة والقاضي، فذكر ما يتعلق بكل منهما، والحكم الشرعي عند الأصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، ومادة الحكم من الإحكام وهو الإتقان للشيء ومنعه من العيب، انتهى.
قال القسطلاني(2): جمع حكم، وهو عند الأصوليين خطاب الله وهو كلامه النفسي الأزلي المسمى في الأزل خطابًا المتعلق بأفعال المكلفين، وهم البالغون العاقلون من حيث إنهم مكلفون، وخرج بفعل المكلفين خطاب الله تعالى المتعلق بذاته وصفاته، وذوات المكلفين والجمادات كمدلول {لَا إِلَهَ إلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف: 47]، وإذا تقرر أن الحكم خطاب الله فلا حكم إلا لله خلافًا للمعتزلة القائلين بتحكيم العقل، انتهى.
قلت: وترجم في "الموطأ" بكتاب الأقضية.
وفي "الأوجز"(3) عن "الدر المختار"(4): القضاء بالمد والقصر لغةً: الحكم، وقال الدردير(5): هو لغة يطلق على معان، منها: الفراغ، ومنها: الأداء، ومنها الحكم، وهو المراد ههنا، والقاضي الحاكم.
وبسط في "الأوجز" الكلام على أبواب القضاء عن ابن رُشد(6).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 111).
(2) "إرشاد الساري" (15/ 99).
(3) "أوجز المسالك" (13/ 545).
(4) "رد المحتار" (8/ 24).
(5) "الشرح الكبير" (4/ 129).
(6) انظر: "بداية المجتهد" (2/ 459).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩٣)
وفي "الفيض"(1) بعد ذكر معنى الحكم: ولا يدرى ماذا يريد به المحدثون، فإنهم يعقدون باب الأحكام، ثم يخرجون تحته جزئيات القضاء، انتهى.
كذا قال، ولكن لا إشكال فيه، فإنه قد تقدم عن "الدر المختار" أن الحكم والقضاء بمعنى، فإخراج المصنف تحته جزئيات القضاء ليس في غير محله.
(1 - باب قول الله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} الآية [النساء: 59])
قال الحافظ(2): في هذا إشارة من المصنف إلى ترجيح القول الصائر إلى أن الآية نزلت في طاعة الأمراء، خلافًا لمن قال: نزلت في العلماء، وقد رجح ذلك أيضًا الطبري، وتقدم في تفسيرها في سورة النساء بسط القول في ذلك، انتهى.
(2 - باب الأمراء من قريش)
ولفظ الترجمة لفظ حديث أخرجه أبو يعلى والطبراني، وفي لفظ للطبراني "الأئمة" بدل "الأمراء"، وله شاهد من حديث علي رفعه: "ألا إن الأمراء من قريش ما أقاموا ثلاثًا" الحديث إلى آخر ما ذكر الحافظ من الروايات الواردة في ذلك.
ثم قال: ولما لم يكن شيء منها على شرط المصنف في الصحيح اقتصر على الترجمة، وأورد الذي صحّ على شرطه مما يؤدي معناه في الجملة.
وبسط الحافظ الكلام على مضمون حديث الباب كون الأمراء من قريش(3).--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 476).
(2) "فتح الباري" (13/ 111).
(3) "فتح الباري" (13/ 114).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩٤)
قال القسطلاني(1): قال النووي: في الحديث أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لغيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة ومن بعدهم، ومن خالف في ذلك من أهل البدع فهو محجوج بإجماع الصحابة، قال ابن المنيِّر: وقد ظهر ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك، ومن تغلب على الملك بطريق الشوكة لا ينكر أن الخلافة في قريش، وإنما يدعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم، انتهى.
ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض، إلى آخر ما ذكر القسطلاني.
قال الحافظ(2) بحثًا على المسألة: قال القرطبي(3): هذا الحديث خبر عن المشروعية، أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشي مهما وجد أحد، وكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر، انتهى.
وفي "الفيض"(4): والمشهور في كتب الكلام أن القريشية شرط للخلافة الكبرى، وفي "الدر المختار" في "باب الإمامة": أن الإمامة على نحوين: إمامة صغرى، وإمامة كبرى، وتشترط القريشية في الكبرى، ولا يشترط كونه سيدًا، نعم في "مواهب الرحمن": أنها ليست بشرط عند إمامنا، إلى آخر ما ذكر.
(3 - باب أجر من قضى بالحكمة. . .) إلخ
سقط لفظ "أجر" من رواية أبي زيد المروزي، وعلى تقدير ثبوتها فليس في الباب ما يدل عليه، فيمكن أن يؤخذ من لازم الإذن في تغبيط من قضى بالحكمة، فإنه يقتضي ثبوت الفضل فيه، وما ثبت فيه الفضل ترتب عليه الأجر، انتهى من "الفتح"(5).--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (15/ 104).
(2) "فتح الباري" (13/ 118).
(3) "المفهم" (4/ 6).
(4) "فيض الباري" (6/ 477).
(5) "فتح الباري" (13/ 120).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩٥)
(4 - باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية)
إنما قيَّده بالإمام وإن كان في أحاديث الباب الأمر بالطاعة لكل أمير ولو لم يكن إمامًا؛ لأن محل الأمر بطاعة الأمير أن يكون مؤمرًا من قبل الإمام، انتهى من "الفتح"(1).
(5 - باب من لم يسأل الله الإمارة أعانه الله)
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" والنسخة التي عليها حاشية السندي ففيها "باب من لم يسأل الإمارة" بدون زيادة لفظ الجلالة، ولم يتعرض لذلك الاختلاف أحد من الشرَّاح، وما في نسخ الشروح هو الأوجه.
قال الحافظ(2) تحت حديث الباب: ويستفاد منه أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه، فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك، وأن من حرص على ذلك لا يعان، ويعارضه في الظاهر ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه: "من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار"، والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولي، أو يحمل الطلب هنا على القصد، وهناك على التولية، قال المهلب: والأصل فيه أن من تواضع لله رفعه الله، وقال ابن التِّين: هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} الآية [يوسف: 55]، وقال سليمان {وَهَبْ لِي مُلْكًا} [ص: 35]، قال: ويحتمل أن يكون في غير الأنبياء، انتهى.
وقال القاري في "المرقاة"(3) تحت شرح حديث الباب: الإمارة بكسر الهمزة، أي: لا تطلب الحكومة والولاية، لا من الخلق ولا من الخالق، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 122).
(2) "فتح الباري" (13/ 124).
(3) "مرقاة المفاتيح" (7/ 260).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩٦)
(6 - باب من سأل الإمارة وكل إليها)
قال العلامة العيني(1) تحت حديث الباب: هذا طريق آخر في الحديث المذكور في الباب الذي قبله، وهو حديث واحد، غير أنه جعل له ترجمتين باعتبار اختلاف رواته، وباعتبار قسمته على شطرين، فجعل لكل شطر ترجمة، انتهى.
قلت: فعل ذلك لمزيد الاهتمام، ومثله في الكتاب كثير كما لا يخفى على الناظر.
(7 - باب ما يكره من الحرص على الإمارة)
أي: على تحصيلها، ووجه الكراهة مأخوذ مما سبق في الباب الذي قبله.
قال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأما من كان أهلًا وعدل فيها فأجره عظيم كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها، والله تعالى أعلم، انتهى من "الفتح"(2).
(8 - باب من استرعي رعية فلم ينصح)
قوله: (استرعي) بضم المثناة على البناء للمجهول، يعني: جعل راعيًا على رعية، وجواب من محذوف، اكتفى عن ذكره بما في حديث الباب، انتهى من "العيني"(3).
قال الحافظ(4): وقد أخرج الطبراني في "الكبير" من وجه آخر عن الحسن قال: لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرًا أمره علينا معاوية غلامًا سفيهًا يسفك الدماء سفكًا شديدًا، إلى آخر ما في "الفتح".--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 394).
(2) "فتح الباري" (13/ 125، 126).
(3) "عمدة القاري" (16/ 395).
(4) "فتح الباري" (13/ 128).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩٧)
(9 - باب من شاق شاق الله عليه)
في رواية النسفي: "من شق" بغير ألف، والمعنى من أدخل على الناس المشقة أدخل الله عليه المشقة، فهو من الجزاء بجنس العمل، قاله الحافظ(1).
(10 - باب القضاء والفتيا في الطريق)
قال الحافظ(2): كذا سوّى بينهما، والأثران المذكوران في الترجمة صريحان فيما يتعلق بالقضاء، والحديث المرفوع يؤخذ منه جواز الفتيا، فيلحق به الحكم، ونقل عن المهلب: الفتيا في الطريق وعلى الدابة ونحو ذلك من التواضع، فإن كانت لضعيف فهو محمود، وإن كانت لرجل من أهل الدنيا أو لمن يخشى لسانه فهو مكروه.
قلت: والمثال الثاني ليس بجيد، فقد يترتب على المسؤول من ذلك ضرر فيجيب ليأمن شره فيكون في هذه الحالة محمودًا.
قال: واختلف في القضاء سائرًا أو ماشيًا، فقال الأشهب: لا بأس به إذا لم يشغله عن الفهم، وقال سحنون: لا ينبغي، وقال ابن حبيب: لا بأس بما كان يسيرًا، وأما الابتداء بالنظر ونحوه فلا، قال ابن بطال(3): وهو حسن، وقول أشهب أشبه بالدليل، وقال ابن التِّين: لا يجوز الحكم في الطريق فيما يكون غامضًا، كذا أطلق، والأشبه التفصيل، وقد تقدم في "كتاب العلم" ترجمة: "الفتيا على الدابة"، ووقع في حديث جابر الطويل في حجة الوداع عند مسلم: "وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته ليراه الناس وليشرف لهم ليسألوه"، والأحاديث في سؤال الصحابة وهو سائر ماشيًا وراكبًا كثيرة، انتهى.
وفي "فيض الباري"(4): قد مرَّ أن الفتيا والقضاء قد يختلفان في--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 129).
(2) "فتح الباري" (13/ 131، 132).
(3) "شرح ابن بطال" (8/ 222).
(4) "فيض الباري" (6/ 481).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩٨)
الفقه، والظاهر من كلام المصنف أن لا فرق في القضاء والفتوى عنده، انتهى.
(11 - باب ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له بوَّاب)
أي: راتب ليمنع الناس من الدخول عليه، قاله القسطلاني(1).
قال الحافظ(2): قال المهلب: لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بواب راتب، يعني: فلا يردّ ما تقدم في المناقب من حديث أبي موسى أنه كان بوابًا للنبي صلى الله عليه وسلم لما جلس على القف.
قال الكرماني(3): معنى قوله: "لم يجد عليه بوابًا" أنه لم يكن له بواب راتب، أو في حجرته التي كانت مسكنًا له، أو لم يكن البواب بتعينه بل باشرا ذلك بأنفسهما، يعني: أبا موسى ورباحًا، قلت: والأول كاف، وفي الثاني نظر؛ لأنه إذا انتفى في الحجرة مع كونها مظنة الخلوة فانتفاؤه في غيرها أولى، إلى آخر ما ذكر الحافظ.
وقال القسطلاني(4): واختلف في مشروعية الحجاب للحاكم، فقال إمامنا الشافعي: لا ينبغي اتخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون: يستحب لترتيب الخصوم ومنع المستطيل ودفع الشرير، ويكره دوام الاحتجاب، وقد يحرم، ففي أبي داود والترمذي(5) بسند جيد مرفوعًا: "من ولاه الله من أمر الناس شيئًا، فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة"، انتهى.
زاد الحافظ: ومنهم من قيَّد جوازه بغير وقت جلوسه للناس لفصل الأحكام، ومنهم من عمم الجواز، انتهى.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (15/ 120).
(2) "فتح الباري" (13/ 132، 133).
(3) "شرح الكرماني" (24/ 202).
(4) "إرشاد الساري" (15/ 121).
(5) "سنن أبي داود" (2948)، و"سنن الترمذي" (1333).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٩٩)
(12 - باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه)
أي: الذي ولّاه من غير احتياج إلى استئذانه في خصوص ذلك، قاله الحافظ(1).
وفي "الفيض"(2): يعني أن القضاء بالقصاص لا يختص بالحاكم الأعلى، بل يقضي به من كان تحته من الحكام أيضًا، انتهى.
ويظهر من كلام الشرَّاح أن الغرض من الترجمة الردّ على من زعم أن الحدود لا يقيمها عمال البلاد إلا بعد مشاورة الإمام الذي ولّاهم، كما في "الفتح" وغيره.
قال الحافظ(3): قال ابن بطال(4): اختلف العلماء في هذا الباب، فذهب الكوفيون إلى أن القاضي حكمه حكم الوكيل لا يطلق يده إلا فيما أذن له فيه، وحكمه عند غيرهم حكم الوصي، له التصرف في كل شيء، ويطلق يده على النظر في جميع الأشياء إلا ما استثني، انتهى.
ونقل الطحاوي عنهم أن الحدود لا يقيمها إلا أمراء الأمصار، ولا يقيمها عامل السواد ولا نحوه، ونقل ابن القاسم: لا تقام الحدود في المياه بل تجلب إلى الأمصار، ولا يقام القصاص في القتل في مصر كلها إلا بالفسطاط، يعني: لكونها منزل متولي مصر، وقال أشهب: بل من فوّض له الوالي ذلك من عمال المياه جاز له أن يفعله، وعن الشافعي نحوه، قال ابن بطال: والحجة في الجواز حديث معاذ، فإنه قتل المرتد دون أن يرفع أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى من "الفتح".
قلت: وحاصل المقام أنه يجوز عندنا الحنفية لأمير البلد إقامة الحد، صرّح به صاحب "البدائع"(5) إذ قال: وللإمام أن يستخلف على إقامة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 134).
(2) "فيض الباري" (6/ 481).
(3) "فتح الباري" (13/ 136).
(4) "شرح ابن بطال" (8/ 225).
(5) "بدائع الصنائع" (5/ 525، 526).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٠٠)
الحدود لأنه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه، فلو لم يجز الاستخلاف لتعطلت الحدود، ثم الاستخلاف نوعان: تنصيص وتولية، أما التنصيص فهو أن ينصّ على إقامة الحدود، فيجوز للخليفة إقامتها بلا شك، وأما التولية فعلى ضربين: عامة وخاصة، فالعامة هي أن يولي رجلًا ولاية عامة، مثل إمارة إقليم أو بلد عظيم، فيملك المولى إقامة الحدود وإن لم ينص عليها، والخاصة أن يولي رجلًا ولايةً خاصةً مثل جباية الخراج ونحو ذلك، فلا يملك إقامة الحدود؛ لأن هذه التولية لم تتناول إقامة الحدود، انتهى ملخصًا.
فحديث معاذ في قتل المرتد لا يخالف الحنفية؛ لأن أبا موسى ومعاذًا كانا أميرين على اليمن، وهو بلد عظيم، ولذا قال النووي في "شرح مسلم"(1) تحت حديث معاذ هذا: قال القاضي عياض: وفيه أن لأمراء الأمصار إقامة الحدود في القتل وغيره، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والعلماء كافة إلى آخر ما قال.
وأما عمال السواد والمياه فيجوز لهم إقامة الحد عند الشافعي، ورواية عن مالك كما تقدم في كلام الحافظ، ولا يجوز لهم إقامة الحد عندنا الحنفية كما تقدم النقل بذلك عن الطحاوي، فاستدلال بعض شرَّاح البخاري مثل الحافظ وتبعه القسطلاني على أنه يجوز لعمال السواد إقامة الحدود، فهذا الاستدلال كما ترى ليس في محله، وأيضًا فإن حديث الباب في قتل المرتد، وأحكام المرتد يغاير أحكام الحدود، فإن قتل المرتد عندنا أيضًا غير مفوض إلى الإمام كما في "حاشية ابن عابدين" بخلاف إقامة حد الرجم فإنه مفوض إليه أو إلى نائبه، فتدبر وتشكر، فهذا غاية توضيح للمقام.
وفي الحديث الأول قد استشكلت مطابقة الحديث للترجمة، فأشار الكرماني إلى أنها تؤخذ من قوله: "دون الحاكم" لأن معناه "عند"، وهذا--------------------------------------------
(1) "شرح صحيح مسلم" (6/ 449).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٠١)
جيد إن ساعدته اللغة، وعلى هذا فكأن قيسًا كان من وظيفته أن يفعل ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بأمره، سواء كان خاصًا أم عامًا.
قال الكرماني(1): ويحتمل أن تكون "دون" بمعنى "غير"، قال: وهو الذي يحتمله الحديث الثاني لا غير، قلت: فيلزم أن يكون استعمل في الترجمة "دون" في معنيين، انتهى.
وقال العلامة السندي(2): ذكر فيه ثلاثة أحاديث، فالأول والثاني إما لمجرد نصب الإمام الحاكم؛ لأن ترجمة الباب تتوقف عليه، والثالث لإفادة حكم ذلك الحاكم بالقتل، أو الأوّلان لإفادة الترجمة أيضًا نظرًا إلى العادة حيث إن نصب الحاكم عادة لا يخلو عن حكمه بالقتل، والله أعلم، انتهى.
(13 - باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان)
وفي نسخة "الفتح": "القاضي" بدل "الحاكم".
قال الحافظ(3): قال المهلب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار، وقال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب، لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر، فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه، قال: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر، وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريّان" قال الشافعي في "الأم": أكره للحاكم أن يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب، ثم قال: لو خالفه فحكم في حال الغضب صحّ إن صادف الحق مع الكراهة، هذا--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (24/ 203).
(2) "صحيح البخاري بحاشية السندي" (4/ 236).
(3) "فتح الباري" (13/ 137، 138).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٠٢)
قول الجمهور، وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه، انتهى مختصرًا، والبسط في "الفتح".
وفي "الفيض"(1) تحت ترجمة الباب: وقد ورد عنه النهي في الحديث، وأشار المصنف إلى تقسيم فيه، فإن ملك نفسه ولم يغلب عقله جاز له القضاء وإلا لا، انتهى.
(14 - باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس. . .) إلخ
قال الحافظ(2): أشار إلى قول أبي حنيفة ومن وافقه، أن للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق الناس، وليس له أن يقضي بعلمه في حقوق الله تعالى كالحدود؛ لأنها مبنية على المسامحة، وله في حقوق الناس تفصيل، قال: إن كان ما علمه قبل ولايته لم يحكم، بخلاف ما علمه في ولايته، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية ففي "الأوجز"(3) تحت حديث: "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته" الحديث: قال الزرقاني(4): تمسك به أحمد ومالك في المشهور عنه، أن الحاكم لا يقضي بعلمه لإخباره صلى الله عليه وسلم أنه لا يحكم إلا بما سمع، ولم يقل على نحو ما علمت، وقال الشافعي وجماعة: يقضي بعلمه مطلقًا، وقال أبو حنيفة: في المال فقط دون الحدود وغيرها، وأجمعوا على أنه يجرح ويعدل بعلمه، انتهى.
وقال الموفق(5): ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره لا في ما علمه قبل الولاية ولا بعدها، وهذا قول مالك، وعن أحمد رواية أخرى يجوز ذلك، وهو قول أبي ثور، وقال أبو حنيفة: ما كان--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 482).
(2) "فتح الباري" (13/ 139).
(3) "أوجز المسالك" (13/ 553).
(4) "شرح الزرقاني" (3/ 384).
(5) "المغني" (14/ 31).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٠٣)
من حقوق الله لا يحكم فيه بعلمه، وأما حقوق الآدميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علم في ولايته حكم به، انتهى.
وهذا التفصيل في مسلك الحنفية إنما هو على قول الإمام، وأما عند صاحبيه فيجوز مطلقًا في حقوق العباد سواء علمه قبل القضاء أو بعده، كما في "الدر المختار"(1) وغيره، وأما قوله: "إذا لم يخف الظنون والتهمة" فقيد به قول من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه؛ لأن الذين منعوا ذلك مطلقًا اعتلوا بأنه غير معصوم، فيجوز أن تلحقه التهمة إذا قضى بعلمه أن يكون حكم لصديقه على عدوه، فجعل المصنف محل الجواز ما إذا لم يخف الحاكم الظنون والتهمة، انتهى من "الفتح"(2).
(15 - باب الشهادة على الخط المختوم. . .) إلخ
مراده: هل تصح الشهادة على الخط بأنه خطّ فلان؟ وقيد بالمختوم؛ لأنه أقرب إلى عدم التزوير على الخط.
قوله: (وما يجوز من ذلك. . .) إلخ، يريد أن القول بذلك لا يكون على التعميم إثباتًا ونفيًا، بل لا يمنع ذلك مطلقًا فتضيع الحقوق، ولا يعمل بذلك مطلقًا فلا يؤمن فيه التزوير فيكون جائزًا بشروط.
قوله: (وكتاب الحاكم إلى عامله. . .) إلخ، يشير إلى الردّ على من أجاز الشهادة على الخط، ولم يجزها في كتاب القاضي وكتاب الحاكم، كذا في "الفتح"(3)، وفيه أيضًا: وجملة ما تضمنته هذه الترجمة بآثارها ثلاثة أحكام: الشهادة على الخط، وكتاب القاضي إلى القاضي، والشهادة على الإقرار بما في الكتاب، وظاهر صنيع الإمام البخاري جواز جميع ذلك.
فأما الحكم الأول فقال ابن بطال(4): اتفق العلماء على أن الشهادة لا تجوز للشاهد إذا رأى خطه إلا إذا تذكر تلك الشهادة، فإن كان--------------------------------------------
(1) "رد المحتار" (8/ 157).
(2) "فتح الباري" (13/ 139).
(3) "فتح الباري" (13/ 141).
(4) "شرح ابن بطال" (8/ 230).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٠٤)
لا يحفظها فلا يشهد، فإنه من شاء انتقش خاتمًا، ومن شاء كتب كتابًا، وقد فعل مثله في أيام عثمان في قصة مذكورة في سبب قتله، وقد قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]، وأجاز مالك الشهادة على الخط، ونقل عن ابن وهب أنه قال: لا آخذ بقول مالك، وقال الطحاوي: خالف مالكًا جميع الفقهاء، وعدّوا قوله شذوذًا؛ لأن الخط يشبه الخط.
وأما الحكم الثاني فقال ابن بطال(1): اختلفوا في كتب القضاة، فذهب الجمهور إلى الجواز، واستثنى الحنفية الحدود، وهو قول الشافعي، والذي احتج به البخاري على الحنفية قوي؛ لأنه لم يصر مالًا إلا بعد ثبوت القتل، قال: وما ذكره عن القضاة من التابعين من إجازة ذلك، حجتهم فيه ظاهرة من الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى الملوك ولم ينقل أنه أشهد أحدًا على كتابه، قال: ثم أجمع فقهاء الأمصار على ما ذهب إليه سوار وابن أبي ليلى من اشتراط الشهود لما دخل الناس من الفساد، فاحتيط للدماء والأموال.
وأما الحكم الثالث فقال ابن بطال(2): اختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على ما كتبه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه، وقال مالك: يجوز ذلك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز ذلك، انتهى مختصرًا من "الفتح"(3)، والبسط فيه.
وفي "الفيض"(4): ثم اشتهر أن الخط غير معتبر عندنا؛ لأن الخط يشبه الخط، قلت: وذلك عندما يقع الجحود، وأما في البين فهو معتبر، كما أيّده الشامي في رسالة سمّاها "نشر العرف"، وحقق اعتباره إذا أمن من التزوير، واعتبروه في كتاب القاضي إلى القاضي أيضًا، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح ابن بطال" (8/ 232).
(2) "شرح ابن بطال" (8/ 232).
(3) "فتح الباري" (13/ 144، 145).
(4) "فيض الباري" (6/ 484).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٠٥)
وفي هامش النسخة "الهندية"(1): قوله: "وقال بعض الناس. . ." إلخ، أراد به الحنفية، وليس غرضه من هذا إلا التشنيع عليهم، وحاصل غرض البخاري إثبات المناقضة فيما قاله الحنفية، فإنهم قالوا: كتاب القاضي جائز إلا في الحدود، ثم قالوا: إن كان القتل خطأ يجوز فيه؛ لأن قتل الخطأ في نفس الأمر لعدم القصاص فيه ملحق بسائر الأموال، والجواب أن يقال: لا نسلم أن الخطأ والعمد واحد فإن مقتضى العمد القصاص، ومقتضى الخطأ عدم القصاص ووجوب المال، وأي نسبة بين المال وبين القصاص، انتهى مختصرًا.
قوله: (يجيزون كتب القضاء بغير محضر من الشهود. . .) إلخ، قال صاحب "الفيض"(2): وهذا غير مختار عندنا، بل لا بد من شهود الكتابة عندنا، انتهى.
(16 - باب متى يستوجب الرجل القضاء. . .) إلخ
قال الحافظ(3): أي: متى يستحق أن يكون قاضيًا، قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب "آداب القضاء" له: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافًا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، قارئًا لكتاب الله، عالمًا بأكثر أحكامه، عالمًا بسنن رسول الله حافظًا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالمًا بالوفاق والخلاف، وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب، فإن لم يجد فالسنن، فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسُّنَّة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة بهم، ويكون حافظًا للسانه وبطنه وفرجه، فهمًا بكلام الخصوم، ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه--------------------------------------------
(1) "حاشية صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري" (14/ 38).
(2) "فيض الباري" (6/ 484).
(3) "فتح الباري" (13/ 146).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٠٦)
ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم.
قال ابن العربي: واتفقوا على أنه لا يشترط أن يكون غنيًا، والأصل قوله تعالى: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} [البقرة: 247]، واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق ابن جرير، وحجة الجمهور الحديث الصحيح: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، انتهى.
وفي "حاشية البجيرمي"(1) من فروع الشافعية: ولا يجوز أن يلي القضاء إلا من استكمل فيه خمس عشرة خصلة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والعدالة، ومعرفة أحكام الكتاب والسُّنَّة، ومعرفة الإجماع والاختلاف، ومعرفة طرق الاجتهاد، ومعرفة طرف من لسان العرب، ومعرفة تفسير كتاب الله تعالى، وأن يكون سميعًا، وبصيرًا، وأن يكون كاتبًا، والخامسة عشرة أن يكون متيقظًا، انتهى.
وفي "البدائع"(2) من فروع الحنفية: الصلاحية للقضاء لها شرائط: منها: العقل، ومنها: البلوغ، ومنها: الإسلام، ومنها: الحرية، ومنها: البصر، ومنها: النطق، ومنها: السلامة عن حد القذف؛ لأن القضاء من باب الولاية بل هو أعظم الولايات، وهؤلاء ليست لهم أهلية أدنى الولايات، وهي الشهادة، فلأن لا يكون لهم أهلية أعلاها أولى، وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة؛ لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص؛ لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة.
وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا ليس بشرط الجواز بل شرط الندب والاستحباب، وعند--------------------------------------------
(1) "حاشية البجيرمي" (4/ 379 - 380).
(2) "بدائع الصنائع" (5/ 438، 439).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٠٧)