قلت: وترجم السرخسي رحمه الله في "المبسوط"(1) كتاب الحيل مستقلًا، وقال فيه: اختلف الناس في "كتاب الحيل" أنه من تصنيف محمد رحمه الله تعالى أم لا؟ كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك، وأما أبو حفص رحمه الله تعالى كان يقول: هو من تصنيف محمد، وكان يروي عنه ذلك، وهو الأصح، فإن الحيل في الأحكام المخرجة عن الإمام جائزة عند جمهور العلماء، وإنما كره ذلك بعض المتعسفين لجهلهم وقلة تأملهم في الكتاب والسُّنَّة، ثم بسط في دلائل جواز الحيل، ثم قال: فالحاصل: أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن، وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق لرجل حتى يبطله أو في باطل حتى يموهه، فما كان على هذا السبيل فهو مكروه، وما كان على السبيل الذي قلنا أولًا فلا بأس به، إلى آخر ما بسطه.
قال الراغب(2): وأكثر استعمال الحيلة فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة، ولهذا قيل في وصف الله عز وجل: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13] أي: الوصول في خفية من الناس، إلى: ما فيه حكمة، وعلى هذا النحو وصف بالمكر والكيد لا على وجه المذموم، تعالى الله عن القبيح، انتهى.
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي"(3) عن الشيخ الكَنكَوهي: الحيلة جعل المباح وسيلةً لتحصيل المقصود، فإن كان لتحصيل حقه أو لإحياء حق مسلم أو لدفع الظلم عنه فجائز، وإن كان لإبطال حق مسلم أو لإلقائه في المهلكة فلا يجوز، انتهى.
وفي "مقدمة بدائع الصناع" لناشره الشيخ محمد زكريا علي يوسف تلخيصًا لكلام الشيخ أبي زهرة ما نصه: ولقد ادعى بعض الناس أن لأبي--------------------------------------------
(1) "المبسوط" (30/ 198).
(2) "مفردات ألفاظ القرآن" (ص 267).
(3) انظر: "لامع الدراري" (10/ 218، 219).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢٨)
حنيفة كتابًا في الحيل، كان فيه يفتي الناس للتحلل من الأحكام الشرعية والقيود الفقهية، حتى لقد روي أن عبد الله بن المبارك قال: "من كان عنده "كتاب الحيل" لأبي حنيفة يستعمله أو يفتي به فقد بطل حجه وبانت منه امرأته"، ثم ردّ على هذا، وقال أيضًا: ويسقط دعوى التأليف أن عبد الله بن المبارك الذي يروون عنه هذا القول كان من تلاميذ أبي حنيفة الذين يقدرونه حق قدره، وأنه هو الذي بيّن آراء أبي حنيفة وقيمتها ومكانه من الفقه للأوزاعي بالشام، وإذا كان الأمر كذلك، فنسبته ذلك القول إليه غير صحيحة، وبذلك تنهار دعوى أن لأبي حنيفة كتابًا اسمه "كتاب الحيل"، نعم وجدنا أن لمحمد تلميذ الإمام أبي حنيفة كتابًا في "الحيل" يغلب على الظن أنه روى فيه ما كان يخرج به ذلك الإمام الأحكام تسهيلًا على الناس. حتى لا يكونوا في حرج، ثم حقق أن نسبة هذا الكتاب إلى محمد رحمه الله تعالى كيف هي، فإنه قد اختلف فيه أيضًا، فارجع إليه لو شئت.
(1 - باب في ترك الحيل)
قال الحافظ(1): قال ابن المنيِّر: أدخل البخاري الترك في الترجمة لئلا يتوهم من الترجمة الأولى إجازة الحيل، إلى آخر ما ذكره.
قال الحافظ: قلت: وإنما أطلق أولًا للإشارة إلى أن من الحيل ما يشرع، فلا يترك مطلقًا.
قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها)، قال الحافظ: قوله: "في الأيمان وغيرها" من تفقه المصنف لا من الحديث، قال ابن المنيِّر: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات، وحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، ثم قال: والاستدلال بهذا الحديث على سدّ الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الأدلة، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 327).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢٩)
وحمل الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1) قول المصنف - في الترجمة: "في الأيمان" - على الإيمان المقابل للكفر إذ كتب: الإيمان بكسر الهمزة قدمه لكونه أصل العبادات، انتهى. وهو الأوجه عندي بقرينة الصلاة المذكورة في الباب الآتي، ويؤيده قوله: "وغيره" بضمير المذكر، ولما حمل الشرَّاح هذا اللفظ على أنه جمع يمين، أوّلوا قوله: "وغيره".
قال الحافظ(2): وجعل الضمير مذكرًا على إرادة اليمين المستفاد من صيغة الجمع، انتهى.
لكن النسخ مختلفة ففي بعضها: "وغيرها" بضمير المؤنث وهو يؤيد ما اختاره الشرَّاح، والله تعالى أعلم بالصواب.
(2 - باب في الصلاة)
قال الحافظ(3): أي: دخول الحيلة فيها، انتهى.
وقال العيني(4) نقلًا عن الكرماني: قالوا: مقصود البخاري الردّ على الحنفية حيث صحّحوا صلاة من أحدث في الجلسة الأخيرة، وقالوا: إن التحلل يحصل بكل ما يضاد الصلاة، فهم متحيلون في صحة الصلاة مع وجود الحدث، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(5): والحيلة تؤخذ من صورة المسألة بأن رجلًا حلف بطلاق امرأته فقال: امرأته كذا إذا سَلَّمَ من ظهر اليوم، أو إن سلَّم من فريضة ظهر اليوم، فاحتاج إلى أن لا تطلق امرأته، فإن الحيلة في مثل ذلك أن لا يخرج من صلاته بلفظ السلام بل يخرج بشيء مما سواه من الكلام والحدث وغير ذلك، وما ذكره من الرواية--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (10/ 218).
(2) "فتح الباري" (12/ 327).
(3) "فتح الباري" (12/ 329).
(4) "عمدة القاري" (16/ 239)، "شرح الكرماني" (24/ 74).
(5) "لامع الدراري" (10/ 219، 220).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣٠)
لا يضرّنا شيئًا، فإنا لم نقل بجواز الصلاة من غير طهارة حتى يلزم علينا ما ألزم، وإنما قلنا ما قلنا بناءً على أن صلاته قد تمت بعد قعوده قدر التشهد، فما فعل من الإحداث أو التكلم لم يقع في خلال صلاته حتى يلزم أنه صلى وهو محدث، بل كان عين هذا الفعل خروجًا من حرمة الصلاة، وبما أجاب به الشيخ قُدِّس سرُّه أجاب القسطلاني(1) أيضًا من جانب الحنفية.
وفي "الفيض"(2): قوله: "لا يقبل الله صلاة. . ." إلخ، لعل غرضه منه الإيراد على القول بالبناء، قلت: أما القول بالبناء فهو رواية عن الشافعي في القديم، وله عندنا حجة، ثم الاستخلاف معتبر عند الإمام البخاري أيضًا، ويمكن أن يكون بين البناء والاستخلاف فرق عنده، فيقول بمنع البناء دونه، وراجع الهامش، انتهى.
(3 - باب في الزكاة)
أي: ترك الحيل في إسقاطها، قاله الحافظ(3).
قال العيني(4) تحت الحديث الأول: مطابقته للترجمة ظاهرة، وقال بعد الحديث الثاني: وجه المطابقة بين الحديث والترجمة لا يتأتى إلا بتعسف، انتهى.
وقال القسطلاني(5): ووجه إدخال هذا الحديث هنا أن المؤلف رحمه الله فهم من قوله صلى الله عليه وسلم: "أفلح إن صدق" أن من رام أن ينقص شيئًا من فرائض الله بحيلة يحتالها لا يفلح ولا يقوم له بذلك عند الله عذر، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس في عشرين ومائة بعير. . .) إلخ، قال القسطلاني(6): وهذا يقتضي على اصطلاح المؤلف بإرادة الحنفية--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (14/ 442، 443).
(2) "فيض الباري" (6/ 419).
(3) "فتح الباري" (12/ 331).
(4) "عمدة القاري" (16/ 240، 241).
(5) "إرشاد الساري" (14/ 444).
(6) "إرشاد الساري" (14/ 445).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣١)
اختصاصهم بذلك، لكن الشافعية وغيره يقولون بذلك أيضًا، وأجيب بأن الشافعية وغيره وإن قالوا: لا زكاة عليه لا يقولون: لا شيء عليه؛ لأنهم يلومون على هذه النية، لكن قال البرماوي: إنما يلام إذا كان حرامًا، ولكن هو مكروه، وقال مالك: من فوّت من ماله شيئًا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول لقوله صلى الله عليه وسلم: "خشية الصدقة"، انتهى.
وفي "شرح المهذب"(1): قال الشافعي والأصحاب: إذا باع فرارًا قبل انقضاء الحول فلا زكاة عندنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وداود وغيرهم، وقال مالك وأحمد وإسحاق: إذا أتلف بعض النصاب قبل الحول أو باعه فرارًا لزمته الزكاة، انتهى.
قلت: وما قال القسطلاني من أن الحنفية لا يلومون من ارتكب هذه الحيلة بخلاف الشافعية فإنهم يلومون على هذه النية ليس كذلك، فنحن أيضًا نلومه(2)، قال صاحب "الفيض"(3): أما كون تلك الحيل وبالًا ونكالًا لصاحبها فلا ننكره أيضًا، كما نقلناه عن أئمتنا، وأما أنها لا حكم لها وإن فعلها أحد ففيه نظر قوي، فإن من الناس من هو فاعلها لا محالة لسوء طباعه، فلا بدّ لنا أن نذكر لها أحكامًا ثبتت عندنا من قواعد الشرع مع قطع النظر عن حكمها عند الله تعالى من الإثم أو غيره، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس: في رجل له إبل. . .) إلخ، قلت: وهذه هي المسألة السابقة إلا أنه ذكر ههنا فباعها بإبل مثلها أو بغنم أو بدراهم، قوله: وهو يقول: إن زكى إبله قبل أن يحول الحول بيوم أو بسنة جازت عنه.
قال القسطلاني(4): أي: فإذا كان التقديم على الحول مجزئًا فليكن--------------------------------------------
(1) "المجموع شرح المهذب" (5/ 468).
(2) في الأصل: "نلومونه" وهو خطأ.
(3) "فيض الباري" (6/ 420).
(4) "إرشاد الساري" (14/ 446).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣٢)
التصرف فيها قبل الحول غير مسقط، وأجيب بأن أبا حنيفة لم يتناقض في ذلك؛ لأنه لا يوجب الزكاة إلا بتمام الحول، ويجعل من قدمها كمن قدم دينًا مؤجلًا قبل أن يحل، انتهى.
قال صاحب "الفيض"(1): ههنا ثلاث إيرادات من المصنف على الحنفية بثلاث عبارات، والمآل واحد، فإن شئت قلت: إنها واحد، وإن شئت اعتبرتها ثلاثًا، ثم المصنف أضاف قيد الفرار والاحتيال تفخيمًا وتقبيحًا، فالإيراد الأول على صورة الإهلاك أو الهبة، وذلك هو الثاني، بيد أنه مفروض في البيع مع ذكر المناقضة، ولا فرق في الأول والثالث إلا بتغاير الصور، فإن الأول مفروض في عشرين ومائة بعير، والثالث في عشرين إبلًا، والنوع واحد، وبالجملة لم يقصد به المصنف إلا تكثير العدد لا غير، انتهى.
قوله: (استفتى سعد بن عبادة. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): لعله قصد بإيراد هذه الرواية أن دين الله أحقّ بالأداء، ولم يسقط النذر بالموت فكذلك لا تسقط الزكاة بهلاك، قلنا: لم يصر دينًا بعد حتى يكون أحقّ بالأداء، وأيضًا فإن الحيلة مأخوذة من صاحب الشرع فلا يضرنا خلاف أحد من أفراد الأمة إذا لم يخالف الكتاب ولا السُّنَّة، انتهى.
(4 - باب)
بغير ترجمة، هكذا في متون النسخ الهندية بدون الترجمة، وفي نسخة الحاشية: "باب الحيلة في النكاح"، وعلى هذا فالترجمة مكررة لأنه سيأتي قريبًا "باب في النكاح"، أما على كون الباب بلا ترجمة فيكون تعلقه بما سبق من أنه باب من أبواب الحيلة، لكن يرد عليه أيضًا أن الوارد فيه فروع--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 420).
(2) "لامع الدراري" (10/ 226، 227).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣٣)
النكاح، وسيأتي باب النكاح قريبًا، فكان ينبغي للمؤلف أن يذكر هذه الروايات فيه، وأما على نسخة الحاشية فكلا البابين متعلقان بالنكاح نصًّا.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الترجمتين من الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم، والغرض من الترجمة الأولى الحيلة في إسقاط المهر كما تدل عليه الروايات الواردة في الباب، والغرض من الترجمة الآتية بيان الحيلة في إثبات النكاح بشهادة الزور، كما جزم به الشرَّاح بهذا الغرض في الترجمة الآتية.
قال العلامة العيني(1) في الباب الأول: أي: هذا باب في بيان ترك الحيلة في النكاح، وقال بعد ذكر الحديث: لا مطابقة أصلًا بين الترجمة والحديث، حتى قيل: إن إدخال البخاري الشغار في باب الحيلة في النكاح مشكل؛ لأن القائل بالجواز يبطل الشغار ويوجب مهر المثل، انتهى.
وقال الحافظ(2): قال ابن المنيِّر: إدخال البخاري الشغار في باب الحيل مع أن القائل بالجواز يبطل الشغار ويوجب مهر المثل مشكل، ويمكن أن يقال: إنه أخذه مما نقل أن العرب كانت تأنف من التلفظ بالنكاح من جانب المرأة، فرجعوا إلى التلفظ بالشغار لوجود المساواة التي تدفع الأنفة، فمحا الشرع اسم الجاهلية، فلو صححنا النكاح بلفظ الشغار وأوجبنا مهر المثل أبقينا غرض الجاهلية بهذه الحيلة.
قال الحافظ: فيه نظر؛ لأن الذي نقله عن العرب لا أصل له؛ لأن الشغار في العرب بالنسبة إلى غيره قليل، وقضية ما ذكره أن تكون أنكحتهم كلها كانت شغارًا لوجود الأنفة في جميعهم، والذي يظهر لي أن الحيلة في الشغار تتصور في موسر أراد تزويج بنت فقير فامتنع أو اشتط في المهر فخدعه بأن قال له: زوجنيها وأنا أزوجك بنتي، فرغب الفقير في ذلك لسهولة ذلك عليه، فلما وقع العقد على ذلك وقيل له: إن العقد يصحّ ويلزم--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 243).
(2) "فتح الباري" (12/ 334).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣٤)
لكل منهما مهر المثل فإنه يندم إذ لا قدرة له على مهر المثل لبنت الموسر، وحصل للموسر مقصوده بالتزويج لسهولة مهر المثل عليه، فإذا أبطل الشغار من أصله بطلت هذه الحيل، انتهى.
قلت: وأما حكم الشغار ومذاهب الأئمة فيه فقد تقدم في محله من "كتاب النكاح"، وحاصله أنه منهي عنه بالإجماع، لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي بطلان النكاح أم لا؟ فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وعن مالك يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية: قبله لا بعده، وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد وإسحاق، وبه قال أبو ثور وابن جرير.
قوله: (وقال بعض الناس: إن احتال حتى تزوج على الشغار فهو جائز والشرط باطل) في هامش المصرية عن شيخ الإسلام(1): قيل: هم الحنفية، لكن النكاح يصحّ بمهر المثل عندهم، والجمهور على أن النكاح أيضًا باطل لظاهر الحديث، انتهى.
قوله: (وقال بعضهم المتعة والشغار جائز. . .) إلخ، قال الحافظ(2): كأنه يشير إلى ما نقل عن زفر أنه أجاز النكاح الموقت وألغى الوقت لأنه شرط فاسد، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، وتعقبه العيني(3) بأن مذهب زفر ليس كذلك، بل عنده أن صورته أن يتزوج امرأةً إلى مدة معلومة، فالنكاح صحيح واشتراط المدة باطل، قال: وعند أبي حنيفة وصاحبيه: النكاح باطل، انتهى.
وفي "تقرير المكي"(4) في توضيح كلام المصنف: قوله: وقال في المتعة "النكاح فاسد" أي: باطل مع أنه لا فرق بين المتعة والشغار في النهي، فما وجه الفرق حيث أجزتم الشغار دون المتعة؟ قوله: "وقال--------------------------------------------
(1) "تحفة الباري" (6/ 391).
(2) "فتح الباري" (12/ 334).
(3) "عمدة القاري" (16/ 244).
(4) "لامع الدراري" (10/ 229، 230).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣٥)
بعضهم. . ." إلخ، يعني: أنهم اختلط الأمر عليهم فاختلفوا فيما بينهم أيضًا، وفي تقريره الآخر: ظنّ البخاري أن الفساد ههنا ما هو مقابل للبطلان كما هو مذهبنا في البيع الفاسد والباطل مع أن المتعة ليست بفاسدة بهذا المعنى، بل هي باطلة، ولم يفهم أنه لا فرق عندنا بين الفاسد والباطل في النكاح، وقال بعضهم - وهو زفر رحمه الله: المتعة والشغار جائز، المراد بالمتعة النكاح الموقت، وإنما أجاز زفر النكاح الموقت قياسًا على الشغار، وإنما المنسوخ في النكاح المتعة فقط، وقال علماؤنا الثلاثة: النكاح الموقت باطل كالمتعة إذ لا فرق بينهما إلا في اللفظ، والاعتبار للمعاني لا للألفاظ، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس: إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد. . .) إلخ، قال الكرماني(1): فإن قلت: حيث قال بفساده فما معنى الاحتيال فيه؟ قلت: الفساد لا يوجب الفسخ لاحتمال إصلاحه بحذف الشرط منه كما قالوا في بيع الربا: لو حذف منه الزيادة صحّ البيع، أو المقصود منه القول الأخير، وهو القول بجوازه، انتهى.
وفي "الفيض"(2): واعلم أن نكاح الشغار نافذ عندنا، وأما ورود النهي عنه فهو مسلم، إلا أنه ليس كل نهي يقتضي البطلان، وإنما القبح فيه من جهة خلو البضعين عن العوض، وقد قلنا بوجوب مهر المثل فيه، فانعدم المعنى، فلو فعله أحد نفذ ولزمه مهر المثل، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: "اشترطي لهم الولاء"، فكذا يصح النكاح ويلغوا الشرط، وأما إيراده بجواز المتعة فلم يقل به منا أحد، غير أن زفر ذهب إلى تنفيذ النكاح الموقت، فإن لنفاذه صورة بإبطال الوقت، أما في المتعة فقد اتفقوا على بطلانها، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (24/ 78، 79).
(2) "فيض الباري" (6/ 421).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣٦)
(5 - باب ما يكره من الاحتيال في البيوع)
قال القسطلاني(1): ولم يذكر المؤلف في الباب حديثًا فيه البيع المترجم به فيحتمل أن يكون مما ترجم له، ولم يجد فيه حديثًا على شرطه فبيّض له، وعطف عليه "ولا يمنع فضل الماء" وذكر الحديث المتعلق به، انتهى.
قلت: وأصل هذا الجواب للكرماني حكاه عنه الحافظ(2) أيضًا، وأفاد الكرماني(3) أيضًا: فإن قلت: ما كيفية تعلقه بكتاب الحيل؟ قلت: هو إرادة صيانة الكلأ المباح لكل المشترك فيه، فتحيل بصيانة الماء ليلزم صيانته، قال الخطابي: هذا في الرجل يحفر البئر في الموات فيملكها بالإحياء، وبقرب البئر موات فيه كلأ ترعاه الماشية، فأمر صاحب البئر أن لا يمنع الماشية فضل الماء لئلا يكون مانعًا للكلأ؛ لأنهم إذا منعوا من الماء لا يبقى لهم مقام ثمة، انتهى.
(6 - باب ما يكره من التناجش)
قال الحافظ(4): أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا تناجشوا"، وقد تقدم شرحه مستوفي في "كتاب البيوع"، والمراد بالكراهة في الترجمة كراهة التحريم، انتهى.
قال الكرماني(5): والتناجش أن يزيد في الثمن بلا رغبة فيه ليوقع الغير فيه، وأنه ضرب من التحيل في تكثير الثمن، انتهى.
(7 - باب ما ينهى عنه من الخداع في البيع)
قال القسطلاني(6): الخداع بكسر الخاء المعجمة وتفتح، وقال في--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (14/ 450).
(2) "فتح الباري" (12/ 335).
(3) "شرح الكرماني" (24/ 79).
(4) "فتح الباري" (12/ 336).
(5) "شرح الكرماني" (24/ 79).
(6) "إرشاد الساري" (14/ 451).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣٧)
شرح الحديث: قوله: "فقل: لا خلابة" أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة، انتهى.
ثم اعلم أنه نقل الحافظ(1) ههنا كلام الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين"(2) بعد تهذيبه وتلخيصه ثم قال في آخره: وأطال في ذلك جدًا وهذا ملخصه، والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم، فالشافعية يجوزون العقود على ظاهرها ويقولون مع ذلك إن من عمل الحيل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله، والله تعالى أعلم.
(8 - باب ما ينهى من الاحتيال للولي في اليتيمة. . .) إلخ
قال الحافظ(3): قال ابن بطال(4): وفي حديث الباب أنه لا يجوز للولي أن يتزوج يتيمة بأقل من صداقها، ولا أن يعطيها من العروض في صداقها ما لا يفي بقيمة صداق مثلها، انتهى.
(9 - باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت. . .) إلخ
قوله: (وقال بعض الناس. . .) إلخ، قال العيني: قوله: "أموالكم عليكم حرام" الحديث، هذان طريقان للحديثين المذكورين ذكرهما في معرض الاحتجاج، وليس فيهما ما يدلّ على دعواه، أما الأول فمعناه: أن أموالكم عليكم حرام إذا لم يوجد التراضي، وهنا قد وجد التراضي بأخذ المالك القيمة، وأما الثاني: فلا يقال في الغاصب في اللغة: إنه غادر؛ لأن الغدر ترك الوفاء، والغصب هو أخذ الشيء قهرًا وعدوانًا، وقول الغاصب: إنها ماتت كذب، ثم أخذ المالك القيمة رضا، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 337).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 232).
(3) "فتح الباري" (12/ 337).
(4) "شرح ابن بطال" (8/ 319).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣٨)
وفي هامش المصرية: قوله: "فتطيب للغاصب. . ." إلخ، أي: فتحل، والجمهور على خلاف ما ذكر فهو باطل، واستدل البخاري له بقوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ، انتهى(1).
(10 - باب)
بغير ترجمة، قال العيني(2): كذا وقع في رواية الأكثرين، وقد مرّ أمثال هذا فيما مضى، وإنه كالفصل لما قبله، ثم قال تحت حديث الباب: لما كان هذا الباب غير مترجم وهو كالفصل يكون حديثه مضافًا إلى الباب الذي قبله، ووجه التطابق ظاهر لنهيه صلى الله عليه وسلم عن أخذ مال الغير إذا كان يعلم أنه في نفس الأمر للغير، وقال أيضًا: والحديث مضى في "المظالم" وفي "الشهادات"، وسيأتي في "الأحكام"، انتهى.
قلت: كأن المصنف أشار بهذا الباب إلى ردّ ما قال به الحنفية في نفاذ قضاء القاضي ظاهرًا وباطنًا، وهي مسألة خلافية معروفة، وأفاد صاحب "الفيض"(3) في الباب السابق: واعلم أن بناء إيراده على خلافية أخرى، وهي أن قضاء القاضي بشهادة الزور هل ينفذ ظاهرًا وباطنًا أم لا؟ وقد فصّلها في "المبسوط" بما لا مزيد عليه، وجملة الكلام أن في المسألة قيودًا وشروطًا، إلى آخر ما ذكر في "الفيض"، فارجع إليه لو شئت.
(11 - باب في النكاح)
تقدم الكلام على هذا الباب في "باب" بلا ترجمة، وتقدم هناك أن هذه الترجمة مكررة على بعض النسخ.--------------------------------------------
(1) "تحفة الباري" (6/ 392).
(2) "عمدة القاري" (16/ 392).
(3) "فيض الباري" (6/ 423).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٣٩)
(12 - باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر. . .) إلخ
قال صاحب "الفيض"(1): أي: ما يقع بين الضرائر من الاختلافات والاحتيال فيها، انتهى.
قال الحافظ(2): قال ابن التِّين: معنى الترجمة ظاهر، إلا أنه لم يبين ما نزل في ذلك، وهو قوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1].
قال الحافظ: وقد ذكرت في التفسير الخلاف في المراد بذلك، وأن الذي في الصحيح هو العسل، وهو الذي وقع في قصة زينب بنت جحش، وقيل: في تحريم مارية، وأن الصحيح أنه نزل في كلا الأمرين، انتهى.
قال القسطلاني(3): وحديث الباب سبق في "الأطعمة" و"الأشربة" و"الطب" و"الطلاق"، انتهى.
قال العيني(4) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "والله لنحتالن له"، فإن قلت: كيف جاز على أزواجه صلى الله عليه وسلم الاحتيال؟ قلت: هذه من مقتضيات الطبيعة للنساء وقد عفي عنهن، قلت: وفيه أن الترجمة في كراهة الاحتيال لا في جوازه، فكيف المطابقة، وعندي أن المطابقة تحصل من مجموع ما وقع في هذه القصة وما ترتب عليه من نزول الآية وما فيها من نوع من العتاب.
(13 - باب ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون)
كتب الشيخ في "اللامع"(5): وهو أن يعتل للخروج بأن له حاجة في البلد الفلاني ولا يكون في نفس الأمر كذلك، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 429).
(2) "فتح الباري" (12/ 343).
(3) "إرشاد الساري" (14/ 462).
(4) "عمدة القاري" (16/ 252).
(5) "لامع الدراري" (10/ 232).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٤٠)
وفي هامشه: قال الحافظ(1): قال المهلب: يتصور التحيل في الفرار من الطاعون بأن يخرج في تجارة أو لزيارة مثلًا وهو ينوي بذلك الفرار من الطاعون، انتهى.
(14 - باب في الهبة والشفعة)
قال الحافظ(2): أي: كيف تدخل الحيلة فيهما معًا ومنفردين، انتهى.
قال القسطلاني(3) في شرح الترجمة: أي: ما يكره من الاحتيال "في" الرجوع عن "الهبة" والاحتيال في إسقاط "الشفعة، وقال بعض الناس" الإمام أبو حنيفة: "إن وهب" شخص "هبة ألف درهم أو أكثر حتى مكث" الشيء الموهوب "عنده" عند الموهوب له "سنين، واحتال" الواهب "في ذلك" بأن تواطأ مع الموهوب له أن لا يتصرف "ثم رجع الواهب فيها" أي: في الهبة "فلا زكاة على واحد منهما، فخالف" هذا القائل "الرسول" أي: ظاهر حديث الرسول "صلى الله عليه وسلم في الهبة" المتضمن للنهي عن العود فيها، "وأسقط الزكاة" بعد أن حال عليها الحول عند الموهوب له، ووجوب زكاتها عليه عند الجمهور، وأما الرجوع فلا يكون إلا في الهبة للولد.
واحتج البخاري رحمه الله تعالى بحديث الباب وظاهره كما قال النووي(4): تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض، وهو محمول على هبة الأجنبي لا ما وهبه لولده.
وقال العيني(5): لم يقل أبو حنيفة هذه المسألة على هذه الصورة بل قال: إن للواهب أن يرجع في هبته إذا كان الموهوب له أجنبيًا وقد سلمها له لأنه قبل التسليم يجوز مطلقًا، واستدل لجواز الرجوع بحديث ابن عباس عند الطبراني مرفوعًا: "من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها"،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 344).
(2) "فتح الباري" (12/ 345).
(3) "إرشاد الساري" (14/ 464).
(4) "شرح صحيح مسلم" للنووي (6/ 73).
(5) "عمدة القاري" (16/ 255).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٤١)
وحديث ابن عمر مرفوعًا عند الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، قال: ولم ينكر أبو حنيفة حديث العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، بل عمل بالحديثين معًا، فعمل بالأول في جواز الرجوع، وبالثاني في كراهة الرجوع، واستقباحه لا في حرمته، وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة، انتهى.
قوله: (فلا زكاة على واحد منهما. . .) إلخ، قال الحافظ(1): قال ابن بطال(2): إذا قبض الموهوب له هبة فهو مالك لها، فإذا حال عليها الحول عنده وجبت عليه الزكاة [فيها] عند الجميع، وأما الرجوع فلا يكون عند الجمهور إلا فيما يوهب للولد، فإن رجع فيها الأب بعد الحول وجبت فيها الزكاة على الابن، انتهى من "الفتح".
قلت: وأما مذهب الأحناف فهو ما حكاه البخاري من عدم وجوب الزكاة عليهما، ففي "الدر المختار"(3): وتسقط الزكاة عن موهوب له في نصاب مرجوع فيه مطلقًا سواء رجع بقضاء أو غيره بعد الحول، وقيد به، أي: بقوله: عن موهوب له لأنه لا زكاة على الواهب اتفاقًا لعدم الملك وهي من الحيل، انتهى. ولذا أورد الإمام البخاري على الأحناف في هذه الحيلة.
ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري وإن كان قائلًا بشفعة الجوار كما قال به الحنفية كما تقدم في محله، فلا يتوهم أنه مخالف للحنفية في هذا الجزء أيضًا، وإنما الإيراد على تجويزنا الحيلة في إسقاطها، فتأمل.
وفي "الفيض"(4): قوله: "قال أبو عبد الله: فخالف. . ." إلخ، ومحصله أن القبح في مذهب الحنفية من وجهين، الأول: من قولهم بجواز الرجوع في الهبة، والثاني: بحكمهم بسقوط الزكاة بالحيلة، وفيهما نظر،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 346).
(2) "شرح ابن بطال" (8/ 327).
(3) "رد المحتار" (3/ 241).
(4) "فيض الباري" (6/ 431).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٤٢)
أما الرجوع في الهبة فمكروه عندنا تحريمًا أو تنزيهًا ديانةً، وإن نفذ بالقضاء أو الرضاء، إلى أن قال بعد ذكر دليل الحنفية: ولا أرى أحدًا ينكر مقدمات الدليل فكيف بالنتيجة، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس: الشفعة للجوار. . .) إلخ، قال القسطلاني في "شرحه"(1): أي: فناقض كلامه لأنه احتج في شفعة الجار بحديث "الجار أحق بسقبه"، ثم تحيل في إسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحق بالشفعة من الجار، وليس فيه شيء من خلاف السُّنَّة، لكن المشهور عند الحنفية أن الحيلة المذكورة لأبي يوسف، وأما محمد بن الحسن فقال: يكره ذلك أشدّ الكراهة لما فيه من الضرر لا سيما إن كان بين المشتري والشفيع عداوة ويتضرر بمشاركته، انتهى.
قال الحافظ(2): وقال ابن بطال(3): أصل هذه المسألة أن رجلًا أراد شراء دار، فخاف أن يأخذها جاره بالشفعة، فسأل أبا حنيفة: كيف الحيلة في إسقاط الشفعة؟ فقال له: اشتر منها سهمًا واحدًا مشاعًا من مائة سهم، فتصير شريكًا لمالكها، ثم اشتر منه الباقي فتصير أنت أحق بالشفعة من الجار؛ لأن الشريك في المشاع أحق من الجار، وإنما أمره بأن يشتري سهمًا من مائة سهم لعدم رغبة الجار في شراء السهم الواحد لحقارته وقلة انتفاعه به، قال: وهذا ليس فيه شيء من خلاف السُّنَّة، وإنما أراد البخاري إلزامهم التناقض؛ لأنهم احتجوا في شفعة الجار بحديث: "الجار أحق بسقبه"، ثم تحيلوا في إسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحق بالشفعة من الجار، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية، فلا تحل الحيلة لإسقاط الشفعة عند مالك وأحمد، وتحل عند أبي حنيفة والشافعي، والبسط في "الأوجز"(4).--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (14/ 466).
(2) "فتح الباري" (12/ 346).
(3) "شرح ابن بطال" (12/ 328).
(4) "أوجز المسالك" (13/ 532 - 534).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٤٣)
(15 - باب احتيال العامل ليهدى له)
قال العلامة القسطلاني(1): أي: كراهة احتيال العامل الذي يتولى في مال وغيره، ثم قال تحت حديث الباب: قال المهلب: حيلة العامل ليهدى له تقع بأن يسامح بعض من عليه الحق، فلذلك قال: "هلا جلس في بيت أبيه وأمه لينظر هل يهدى له"، وقال في "فتح الباري": ومطابقة الحديث للترجمة من جهة [أن] تملكه ما أهدي إنما كان لعلة كونه عاملًا فاعتقد أن الذي أهدي له يستبد به دون أصحاب الحقوق التي عمل فيها، فبين له صلى الله عليه وسلم أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شيء، فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية، فإن ذلك إنما يكون حيث يتمحض الحق له، انتهى.
وقال الكرماني(2): قالوا: احتيال العامل هو بأن ما أهدي له في عمالته يستأثر به ولا يضعه في بيت المال، وهدايا الأمراء والعمال هي من جملة حقوق المسلمين، انتهى.
قوله: (الجار أحق بسقبه) الحديث، قال الحافظ(3): كذا وقع للأكثر هذا الحديث وما بعده متصلًا بباب احتيال العامل، وأظنه وقع هنا تقديم وتأخير، فإن الحديث وما بعده يتعلق بباب الهبة والشفعة، فلما جعلت الترجمة مشتركة جمع مسائلها، ومن ثم قال الكرماني(4): إنه من تصرف النقلة، وقد وقع عند ابن بطال هنا "باب" بلا ترجمة، ثم ذكر الحديث وما بعده، ثم ذكر "باب احتيال العامل"، وعلى هذا فلا إشكال لأنه حينئذ كالفصل من الباب، ويحتمل أن يكون في الأصل بعد قصة ابن اللتبية "باب" بلا ترجمة، فسقطت الترجمة فقط أو بيض لها في الأصل، انتهى.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (14/ 468 - 470).
(2) "شرح الكرماني" (24/ 91).
(3) "فتح الباري" (12/ 349).
(4) "شرح الكرماني" (24/ 92).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٤٤)
قوله: (وقال بعض الناس: إذا اشترى دارًا بعشرين ألف درهم. . .) إلخ، قال العلامة القسطلاني(1) بعد تصوير صورة المسألة التي ذكرها البخاري: وهذا تناقض ظاهر؛ لأن الأمة مجمعة وأبو حنيفة معهم على أن البائع لا يردّ في الاستحقاق والردّ بالعيب إلا ما قبض، فكذلك الشفيع لا يشفع إلا بما نقد المشتري وما قبضه منه البائع لا بما عقد، وأشار إلى ذلك بقوله: "فأجاز" أبو حنيفة رحمه الله "هذا الخداع بين المسلمين" أي: الحيلة في إيقاع الشريك في الغبن الشديد إن أخذ بالشفعة، أو إبطال حقه بسبب الزيادة في الثمن باعتبار العقد لو تركها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بيع المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة"، وهذا الحديث قد سبق في أوائل "البيوع" في "باب إذا بين البائعان"، قال في "الفتح"(2): وسنده حسن وله طرق إلى العداء، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه موصولًا، انتهى.
وأما البراعة فلم يتعرض لها الحافظ، وعند هذا العبد الضعيف فما تقدم من مقدمة "اللامع"(3) أنه في لفظ "ساوم" المشير إلى السام وهو الموت، وكذا في لفظ "البيت"، وقد أطلق في بعض الأحاديث على القبر، فتأمّل.
* * *--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (14/ 471).
(2) "فتح الباري" (12/ 350).
(3) "لامع الدراري" (1/ 119).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٤٥)
91 - كتاب التعبير
هكذا في النسخ الهندية وهكذا في نسخة الحافظين ابن حجر و"العيني" وكذا "الكرماني"، وفي نسخة "القسطلاني" "باب التعبير" بدل كتاب.
قال العلامة القسطلاني(1): أي: تفسير الرؤيا وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها قاله الراغب، وقال البيضاوي: عبارة الرؤيا الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهو المجاوزة، انتهى.
وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات وأنكروا التشديد، وقيل: يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك، انتهى.
وقال الكرماني(2): قالوا: الفصيح العبارة لا التعبير، وهي التفسير والإخبار بآخر ما يؤول إليه أمر الرؤيا، قيل: الرؤيا ما في المنام، والرؤية هي النظر بالعين، والرأي ما بالقلب، انتهى.
قال الحافظ(3): والتعبير خاص بتفسير الرؤيا، ثم قال: وأما الرؤيا فهي ما يراه الشخص في منامه وهي بوزن فُعلى، وقد تسهل الهمزة، قال الواحدي: هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسمًا لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء، وقال ابن العربي: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إلى آخر ما حقق، وذكر--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (14/ 473).
(2) "شرح الكرماني" (24/ 94).
(3) "فتح الباري" (12/ 352 - 354).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٤٦)
الأقوال في تحقيق الرؤيا، ثم قال: قال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا.
وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة؛ لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقواله: فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء، ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو، ومن ينتمي إلى الفلسفة، [يقول:] إن صورة ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش، فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: وهذا أشدّ فسادًا من الأول، لكونه تحكمًا لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض، والأعراض لا ينتقش فيها، قال: والصحيح ما عليه أهل السُّنَّة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها فكأنه جعلها علمًا على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يَسُرّ، أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يَضُرُّ، والعلم عند الله تعالى.
ثم بعد ما بسط الحافظ الكلام في تحقيق الرؤيا قال: ثم جميع المرائي تنحصر على قسمين: الصادقة: وهي رؤيا الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم. والأضغاث: وهي لا تنذر بشيء، وهي أنواع: الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائي، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو رأى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك، الثاني: أن يرى أن بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرمات مثلًا ونحوه من المحال عقلًا، الثالث: أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه كما هو في المنام، انتهى.
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٤٧)