قدم الراوي - كما تقدم -، وحينئذٍ فلا حجة له فيه، فما دام لم ينفصل الأمر على جليته لا ينبغي له أن يتمسك به، وأما قوله: "لا يبقى أحد منكم إلا لد" فليس من باب القصاص الذي نحن فيه، وبالجملة لم يأت المصنف بما يثبت مدعاه، انتهى.
(14 - باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان)
قال الحافظ(1): قوله: أو اقتص، أي: إذا وجب له على أحد قصاص في نفس أو طرف هل يشترط أن يرفع أمره إلى الحاكم أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم؟ وهو المراد بالسلطان في الترجمة، قال ابن بطال(2): اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من حقه دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده كما تقدم، قال: وأما أخذ الحق فإنه يجوز عندهم أن يأخذ حقه من المال خاصة إذا جحده إياه ولا بينة عليه، انتهى. وهكذا في "العيني"(3).
قلت: وقد تقدم في أبواب المظالم والقصاص، وترجم المصنف هناك بقوله: "باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه"، وهي المسألة المعروفة بمسألة الظفر، وتقدم هناك تفصيل الاختلاف، فارجع إليه لو شئت.
وقلت: وأما إذا فقأ رجل عين الناظر كما في حديث الباب، فسيأتي حكمه وبيان الخلاف فيه فيما سيأتي في ترجمة مستقلة بقوله: "باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه".
ثم قال العيني(4): قال الكرماني(5): فإن قلت: هذا الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم، فلا يدلّ على جواز ذلك لآحاد--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 216).
(2) "شرح ابن بطال" (8/ 517).
(3) "عمدة القاري" (16/ 159).
(4) "عمدة القاري" (16/ 160).
(5) "شرح الكرماني" (24/ 18).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٦٨)
الناس؟ قلت: حكم أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم عام متناول للأمة، إلا ما دل دليل على تخصيصه به، انتهى.
وفي "فيض الباري"(1) تحت الترجمة: يريد أن القصاص مختص بالسلطان، إلا أن أولياء المقتول لو اقتصوا من القاتل بعد إقامة البينة لا يقتص منهم للقاتل، غير أنهم آثمون، انتهى.
(15 - باب إذا مات في الزحام أو قتل)
ولابن بطال زيادة "به" أي: بالزحام، قاله القسطلاني(2).
قال الحافظ(3): لم يجزم المصنف بالحكم كما جزم به في الذي بعده لوجود الاختلاف في هذا الحكم، انتهى.
قال القسطلاني(4): وفي المسألة مذاهب، فقيل: تجب دية في بيت المال؛ لأنه مات بفعل قوم من المسلمين فوجبت دية في بيت مال المسلمين، وقيل: تجب على جميع من حضر؛ لأنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم، وقال الشافعي: يقال لوليه: ادّع على من شئت واحلف، فإن حلف استحق الدية، وإن نكل حلف المدعى عليه على النفي، وسقطت المطالبة، وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب، وقال مالك: دمه هدر؛ لأنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد، انتهى.
قلت: وحديث الباب قد تقدم في "باب العفو في الخطأ بعد الموت"، انتهى.
قال العيني(5) في شرح قوله: "أبي أبي" أي: قال حذيفة: هذا أبي أبي لا تقتلوه، ولم يسمعوا منه، فقتلوه ظانين أنه من المشركين فدعا لهم حذيفة.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 382).
(2) "إرشاد الساري" (14/ 350).
(3) "فتح الباري" (12/ 217).
(4) "إرشاد الساري" (14/ 351).
(5) "عمدة القاري" (16/ 154، 155).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٦٩)
قال الكرماني: فدعا لهم وتصدق بديته على المسلمين، وقال الخطابي فيه: أن المسلم إذا قتل صاحبه خطأ عند اشتباك الحرب لازدحامات لا شيء عليه، وكذلك في جميع الازدحامات، إلا إذا فعله قاصدًا لهلاكه، انتهى.
قلت: وكذا الحكم عندنا الحنفية، ففي "الدر المختار"(1): لا قود بقتل مسلم مسلمًا ظنه مشركًا بين الصفين لما مرّ أنه من الخطأ، بل القاتل عليه كفارة ودية، قالوا: هذا إذا اختلطوا، فإن كان في صف المشركين لا يجب شيء لسقوط عصمته، قال عليه الصلاة والسلام: "من كثر سواد قوم فهو منهم"، انتهى.
وفي "الهداية"(2): وإذا التقى الصفان من المسلمين، والمشركين، فقتل مسلم مسلمًا ظنَّ أنه مشرك فلا قود عليه، وعليه الكفارة؛ لأن هذا أحد نوعي الخطأ على ما بيّناه، والخطأ بنوعيه لا يوجب القود، ويوجب الكفارة، وكذا الدية على ما نطق به نص الكتاب، ولما اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية، انتهى.
(16 - باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له)
قال الإسماعيلي: قلت: ولا إذا قتلها عمدًا، يعني: أنه لا مفهوم لقوله: خطأ، والذي يظهر أن البخاري إنما قيّد بالخطأ لأنه محل الخلاف، قال ابن بطال: قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تجب ديته على عاقلته، فإن عاش فهي له عليه، وإن مات فهي لورثته، وقال الجمهور: لا يجب في ذلك شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم إذ لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في هذه القصة له شيئًا، ولو وجب لبيَّنها إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أجمعوا [على] أنه لو قطع طرفًا من أطرافه عمدًا أو خطأً لا يجب فيه شيء، انتهى(3).--------------------------------------------
(1) "رد المحتار" (10/ 178).
(2) "الهداية" (2/ 447).
(3) "فتح الباري" (12/ 218)، "شرح ابن بطال" (8/ 520).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧٠)
وهكذا قال العيني(1) وفيه: قال الجمهور منهم ربيعة ومالك وأبو حنيفة والشافعي: لا شيء فيه.
(17 - باب إذا عضّ رجلًا فوقعت ثناياه)
أي: هل يلزمه فيه شيء أو لا؟ قاله الحافظ(2). ثم قال في شرح الحديث: وقد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور، فقالوا: لا يلزم المعضوض قصاص ولا دية؛ لأنه في حكم الصائل، واحتجوا أيضًا بالإجماع بأن من شهر على آخر سلاحًا ليقتله فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه، هكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها، وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض، وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك، إلى آخر ما ذكره الحافظ في تفصيل هذه المسألة والاختلاف فيها، فارجع إليه لو شئت(3)، وذكر العلامة العيني(4) مذهب الكوفيين في هذه المسألة كالجمهور.
(18 - باب السن بالسن)
قال الحافظ(5): قال ابن بطال(6): أجمعوا على قلع السن بالسن في العمد، واختلفوا في سائر عظام الجسد، فقال مالك: فيها القود، وذكر تفصيلًا في مذهب مالك، وقال الشافعي والحنفية: لا قصاص في العظم غير السن؛ لأن دون العظم حائلًا من جلد ولحم وعصب يتعذر معه المماثلة، إلى آخر ما في "الفتح".
قال القسطلاني(7) تحت حديث الباب: وهذا بخلاف غير السنّ من العظام لعدم الوثوق بالمماثلة فيها، وهذا مذهب الشافعية والحنفية،--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 162).
(2) "فتح الباري" (12/ 219).
(3) "فتح الباري" (12/ 222).
(4) "عمدة القاري" (16/ 163).
(5) "فتح الباري" (12/ 224).
(6) "شرح ابن بطال" (8/ 522).
(7) "إرشاد الساري" (14/ 355).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧١)
وقال المالكية: بالقود في العظام، إلا ما كان مخوفًا، أو كان كالمأمومة والمنقلة والهاشمة ففيها الدية.
(19 - باب دية الأصابع)
أي: هل مستوية أو مختلفة؟ قاله الحافظ(1). ثم قال تحت حديث الباب: قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قلت: وبه قال جميع فقهاء الأمصار، وكان فيه خلاف قديم، فأخرج ابن أبي شيبة من رواية سعيد بن المسيب عن عمر: "في الإبهام خمسة عشر، وفي السبّابة والوسطى عشرٌ عشرٌ، وفي البنصر تسع، وفي الخنصر ست"، وفي "جامع الثوري" عن عمر نحوه، وزاد: قال سعيد بن المسيب: "حتى وجد عمر في كتاب الديات لعمرو بن حزم: في كل أصبع عشر فرجع إليه"، انتهى(2).
قال القسطلاني(3): ولأبي داود والترمذي: "أصابع اليدين والرجلين سواء"، ولابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "الأصابع سواء كلهن فيه عشر عشر من الإبل" أي: فلا فضل لبعض الأصابع على بعض، وأصابع اليد والرجل سواء كما عليه أئمة الفتوى، انتهى.
(20 - باب إذا أصاب قوم من رجل. . .) إلخ
أي: إذا قتل أو جرح جماعة شخصًا واحدًا هل يجب القصاص على الجميع أو يتعين واحد ليقتص منه، ويؤخذ من الباقين الدية؟ فالمراد بالمعاقبة هنا المكافأة، انتهى من "الفتح"(4).
وفي هامش النسخة المصرية تحت ترجمة الباب: وجواب الاستفهام--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 225).
(2) "فتح الباري" (12/ 226).
(3) "إرشاد الساري" (14/ 355).
(4) "فتح الباري" (12/ 227).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧٢)
محذوف، أي: عوقبوا إن كانت الإصابة تقتضي حدًّا أو تعزيرًا، وقوصصوا إن كانت تقتضي مماثلة، انتهى.
وقال القسطلاني(1): قوله: "هل يعاقب" بفتح القاف مبنيًّا للمفعول، وفي رواية "يعاقبون" بلفظ الجمع، وفي أخرى "يعاقبوا" بحذف النون لغة ضعيفة، أي: يكافأ الذين أصابوه، ويجازون على فعلهم كما وقع في اللدود، "أو يقتص" بالبناء للمفعول، وقيل للفاعل فيهما "منهم كلهم" إذا قتلوه أو جرحوه أو يتعين واحد يقتص منه، ويؤخذ من الباقين الدية، والأول مذهب جمهور العلماء، وروي الثاني عن عبد الله بن الزبير ومعاذ، فلو قتله عشرة فله أن يقتل واحدًا منهم ويأخذ من التسعة تسعة أعشار الدية، انتهى.
وفي "الهداية"(2): وإذا قتل جماعة واحدًا عمدًا اقتص من جميعهم لقول عمر: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم"، انتهى.
قال الكرماني(3): فإن قلت: ما فائدة الجمع بين المعاقبة والاقتصاص؟ قلت: الغالب أن القصاص يستعمل في الذم والمعاقبة المكافأة والمجازاة، فيتناول اللد ونحوه، فلعل غرضه التعميم، ولهذا فسّرنا الإصابة بالتفجيع ليتناول الكل، انتهى.
وتوضيح المقام بحيث يتضح المرام أن المذكور في الترجمة هو أحد الشقين، أعني: الاقتصاص من الجميع، والشق الثاني غير مذكور ههنا، وهو ما ذكره الشرَّاح من أنه يتعين واحد منهم للاقتصاص، ويؤخذ الدية من الباقين فقول المصنف: "أو يقتص" ليس عديلًا لقوله: "يعاقب" كما يتوهم في بادئ الرأي، بل المجموع بيان لأحد الشقين.
ثم قال الكرماني: وإنما خص الاقتصاص بالذكر ردًا لمثل ما نقل عن--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (14/ 356).
(2) "الهداية" (2/ 452).
(3) "شرح الكرماني" (24/ 22).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧٣)
ابن سيرين أنه قال في رجل يقتله رجلان: يقتل أحدهما وتؤخذ الدية من الآخر، وعن الشعبي: أنهما يدفعان إلى وليه، ويقتل من شاء منهما ويعفو عن الآخر، وعن الظاهرية: أنه لا قود بل الواجب الدية، انتهى.
قوله: (وقد أقاد أبو بكر من لطمة. . .) إلخ، سيأتي الكلام على تحقيق المسألة ومذاهب الأئمة في محله في "باب إذا لطم المسلم يهوديًا عند الغضب. . ." إلخ، في آخر هذا الكتاب.
(21 - باب القسامة)
قال العلامة العيني(1): أي: هذا باب في بيان القسامة وأحكامها، والقسامة بفتح القاف وتخفيف السين مصدر أقسم قسمًا وقسامةً، وفي بعض النسخ: "كتاب القسامة" والصحيح أنها اسم للأيمان، وقال الأزهري: إنها اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول، انتهى.
قال الحافظ(2): قال القاضي عياض(3): حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف، من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، واختلفوا في صورة الأخذ به، وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يرو القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكمًا، وهذا مذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، انتهى.
قال العيني(4): في الحديث مشروعية القسامة في الدم، وهو أمر كان في الجاهلية، فأقرّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 170).
(2) "فتح الباري" (12/ 235).
(3) "الإكمال" (5/ 448).
(4) "عمدة القاري" (16/ 173).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧٤)
قلت: وما قال القاضي عياض من أن الإمام البخاري لم يقل بالقسامة، كذا قال ابن المنيِّر كما سيأتي في كلام الحافظ، وهكذا قال الكرماني(1): أي: أن ميل البخاري إلى عدم الأخذ بالقسامة، إذ قال في ذكر مذاهب الأئمة في المسألة: وأنكر البخاري بالكلية حكمها، وكذا طائفة أخرى كأبي قلابة ونحوه، قالوا: لا حكم لها ولا عمل بها، انتهى.
ومال القسطلاني(2) في أول "كتاب القسامة" تبعًا للقاضي على الظاهر إلى أن البخاري مال إلى عدم الأخذ بالقسامة، لكن حكى القسطلاني في آخر الباب ما سيأتي من كلام الحافظ الردّ على من قال: إن ميل البخاري إلى عدم الأخذ بحديث القسامة.
قال الحافظ(3): نبَّه ابن المنيِّر(4) في الحاشية على النكتة في كون البخاري لم يورد في هذا الباب الطريق الدالة على تحليف المدعي، وهي مما خالفت فيه القسامة بقية الحقوق، فقال: مذهب البخاري تضعيف القسامة؛ فلهذا صدّر الباب بالأحاديث الدالة على أن اليمين في جانب المدعى عليه، وأورد طريق سعيد بن عبيد، وهو جار على القواعد، وإلزام المدعي البينة ليس من خصوصية القسامة في شيء، ثم ذكر حديث القسامة الدال على خروجها عن القواعد بطريق العرض في "كتاب الموادعة والجزية" فرارًا من أن يذكر ههنا فيغلط المستدل بها على اعتقاد البخاري، قال: وهذا الإخفاء مع صحة القصد ليس من قبيل كتمان العلم.
قال الحافظ: الذي يظهر لي أن البخاري لا يضعف القسامة من حيث هي، بل يوافق الشافعي في أنه لا قود فيها، ويخالفه في أن الذي يحلف فيها هو المدعي، بل يرى أن الروايات اختلفت في ذلك في قصة الأنصار ويهود خيبر، فيرد المختلف إلى المتفق عليه من أن اليمين على المدعى--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (24/ 24).
(2) "إرشاد الساري" (14/ 363).
(3) "فتح الباري" (12/ 239).
(4) "المتواري" (ص 352).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧٥)
عليه، فمن ثم أورد رواية سعيد بن عبيد في "باب القسامة"، وطريق يحيى بن سعيد في باب آخر، وليس في شيء من ذلك تضعيف أصل القسامة، والله تعالى أعلم.
وهكذا قال العيني(1): من أن البخاري ذهب إلى ترك القتل بالقسامة، لا إلى ترك القسامة رأسًا، وهذا هو الرأي عندي من أن البخاري لم ينكر القسامة برأسها كما قيل، وكذا عمر بن عبد العزيز كما تقدم من نقل كلام هؤلاء الجهابذة، وليت شعري كيف نسبوا إلى الإمام البخاري إنكار القسامة برأسها، وصنيعه في "صحيحه" يدلّ دلالةً واضحةً على أنه أنكر القود بالقسامة، فإنه ذكر فيه حديث أبي قلابة، وهو كما ترى لا يدلّ إلا على عدم القود بها.
وبسط الكلام في هذا المقام في هامش "اللامع"(2) أشد البسط.
ومحصل الكلام أن ههنا ثلاثة أمور:
الأول: ثبوت القسامة والأخذ بها، كما هو مسلك جمهور العلماء، ولم يخالفهم في ذلك الإمام البخاري كما تقدم مبسوطًا.
والثاني: أن بداءة الأيمان في القسامة على المدعى عليهم، كما هو مسلك الحنفية، واختاره البخاري كما تقدم في كلام الحافظ، ولذا صدّر الباب بقوله: "شاهداك أو يمينه".
وقال القسطلاني(3) تحت حديث الباب: وفي الحديث أن اليمين توجه أولًا على المدعى عليه لا على المدعي، كما في قصة نفر الأنصاريين، انتهى.
وقال صاحب "الفيض"(4): اعلم أن اليمين لا يتوجه عندنا في القسامة إلى المدعي، وكذا لا قصاص فيها على المدعى عليه، وأما فائدة الأيمان فتظهر في حق اكتشاف الحال، ووافقنا المصنف على ذلك، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 171).
(2) "لامع الدراري" (10/ 171 - 175).
(3) "إرشاد الساري" (14/ 367).
(4) "فيض الباري" (6/ 386).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧٦)
والأمر الثالث: أن البخاري مال إلى ترك القود بالقسامة، قال العيني(1) تحت الحديث الأوّل من حديثي الباب: ذكر البخاري هذا الحديث مطابقًا لما قبله في عدم القود في القسامة، وأن الحكم فيها مقصور على البينة واليمين، انتهى.
وهكذا ذكر القسطلاني(2) تبعًا للعيني، والمسألة خلافية.
قال الحافظ(3): واختلف القائلون بالقسامة في العمد هل يجب به القود أو الدية؟ فمذهب معظم الحجازيين إيجاب القود إذا كملت شروطها، وهو قول الزهري ومالك والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وداود، واختلف عن عمر بن عبد العزيز، انتهى.
وقال الكرماني: قال الشافعي وأبو حنيفة: تجب بها الدية لعدم العلم بشروط القصاص، وقال مالك وأحمد: يجب القصاص، انتهى.
قلت: ومذهب أحمد إيجاب القصاص بالقسامة في صورة العمد رواية واحدة، قال الموفق(4): الأولياء إذا حلفوا استحقوا القود، وإذا كانت الدعوى عمدًا، وبه قال مالك، وللشافعي قولان كالمذهبين، انتهى.
وكذا مذهب الإمام مالك إيجاب القصاص في صورة العمد، صرّح به مالك في "الموطأ" إذ قال مالك: فإن حلف المدعون استحقوا دم صاحبهم، وقتلوا من حلفوا عليه، ولا يقتل في القسامة إلا واحد، انتهى.
والمشهور من قولي الشافعي المنصور عند أتباعه إيجاب الدية لا القصاص، ولذا نقل عامة نقلة المذاهب مذهب الشافعي إيجاب الدية لا غير، ولذا أول النووي والخطابي وغيرهما من الشافعية قوله صلى الله عليه وسلم: "تستحقوا دم صاحبكم"، كذا في "الأوجز"(5).--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 172).
(2) "إرشاد الساري" (14/ 367).
(3) "فتح الباري" (12/ 235).
(4) "المغني" (12/ 204).
(5) "أوجز المسالك" (15/ 172).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧٧)
ومذهب مالك وهكذا عندنا الحنفية تجب بالقسامة الدية لا القصاص، ففي "البدائع"(1): هذا الذي ذكرنا حكم قتل نفس علم قاتلها، فأما حكم نفس لم يعلم قاتلها فوجوب القسامة والدية عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى، وعند مالك رحمه الله وجوب القسامة والقصاص.
ثم ليعلم صورة القسامة مع ما فيه من خلاف الأئمة، فقال ابن قدامة(2): إذا وجد قتيل في موضع، فادّعى أولياؤه قتله على رجل أو جماعة، ولم تكن بينهم عداوة ولا لوث، فهي كسائر الدعاوي، إن كانت لهم بينة حكم لهم بها، وإلا فالقول قول المنكر، وبهذا قال مالك والشافعي، فإن كان بينهم عداوة ولوث فادّعى أولياؤه على واحد، حلف الأولياء على قتاله خمسين يمينًا، واستحقوا دمه إذا كانت الدعوى عمدًا، فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبُرِّئَ، هذا ظاهر المذهب، وبه قال مالك والشافعي، وحكى أبو الخطاب روايةً أخرى عن أحمد أنهم يحلفون ويغرّمون الدية لقضية عمر، وهو قول أصحاب الرأي، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود، وأنه أدّاها من عنده، فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، فداه الإمام من بيت المال، يعني: أدّى دية لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر، فأبى الأنصار أن يحلفوا، وقالو: كيف نقبل أيمان قوم كفار، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده كراهية أن يُطَلَّ دمه، انتهى.
وأما عندنا الحنفية فعلى الأصل المتفق عليه من أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ولا عبرة عندنا لحلف الأوليا، قال صاحب "الهداية"(3): وإذا وجد القتيل في محلة، ولا يعلم من قتله، استحلف خمسون رجلًا منهم يتخيرهم الولي، بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، فإذا--------------------------------------------
(1) "بدائع الصنائع" (6/ 352).
(2) "المغني" (12/ 189 - 221).
(3) "الهداية" (2/ 497، 498).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧٨)
حلفوا قضى على أهل المحلة بالدية، وقال الشافعي: لا تجب الدية لقوله عليه الصلاة والسلام: "تبرئكم اليهود بأيمانها"، ولنا أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الدية والقسامة في حديث سهل، وقوله عليه الصلاة والسلام: "تبرئكم اليهود" محمول على الإبراء عن القصاص، ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف، انتهى مختصرًا.
قوله: (فدفعه إلى أخي المقتول. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): معناه أن عمر دفع المدعى عليه بعد تمام الأيمان إلى أخي المقتول، فقرنت يده إلى يده لئلا ينفلت، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ هو الحق الصواب، وهو المتعين من أن الضميرين في قوله: "يده بيده" يرجعان إلى القاتل وأخي المقتول، وهو ظاهر، والعجب من الشرَّاح قاطبةً أنهم زَلّت أقدامهم في شرح هذا الكلام إذ أرجعوا ضمير دفعه إلى الرجل الذي تم به الخمسون وفيه أوهام: الأوّل: أنه لا خصيصة لهذا الرجل من جملة خمسين رجلًا، والثاني: بقي التاسع والأربعون بدون القرين، والثالث: أنهم ارتكبوا المجاز في قوله: "انطلقنا والخمسون" بحمل خمسين على المجاز.
قال الكرماني(2): فإن قلت: هم تسع وأربعون؟ قلت: مثل هذه الإطلاقات جائز من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، أو المراد الخمسون تقريبًا، انتهى.
والوجه الرابع: أنه يصح على هذا ما يأتي من قوله: "أفلت القرينان، فاتبعهما حجر فكسر رِجْلَ أخي المقتول" فإنه يصح على كلام الشيخ لا على كلام الشرَّاح؛ لأن القرينين على كلام الشرَّاح هو الرجل الذي جعلوه مكان الرجل الشامي، والثاني أخو المقتول، ولا وجه لبقاء هذا الرجل على كلامهم أنه كيف بقي من الهلاك؟ وقد هلك تسع وأربعون، وعلى كلام--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (10/ 181، 182).
(2) "شرح الكرماني" (24/ 29).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٧٩)
الشيخ قُدِّس سرُّه هلك الخمسون الذين دخلوا الغار، وحلفوا كاذبين، وهلك أخو المقتول لكتمانه؛ ولذا تأخّر موته من الخمسين؛ لأن جريمته كانت غير جريمتهم، فتدبّر وتشكر، ويظهر من كلام صاحب "الفيض"(1) أن رأيه موافق في شرح هذا المقام لرأي الشيخ قُدِّس سرُّه.
(22 - باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له)
قال الحافظ(2): كذا جزم بنفي الدية، وليس في خبره الذي ساقه تصريح بذلك، لكنّه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه على عادته.
قال القسطلاني(3): واستدل بحديث الباب على جواز رمي من يتجسس، فلو لم يندفع بالشيء الخفيف جاز بالثقيل، وأنه إن أصيبت نفسه أو بعضه فهو هدر، وقال المالكية بالقصاص، وأنه لا يجوز قصد العين ولا غيرها، واعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية، وهل يشترط الإنذار قبل الرمي؟ الأصح عند الشافعية لا، انتهى مختصرًا.
وفي هامش "اللامع"(4): اختلفت نقلة المذاهب في بيان مسالك الأئمة، والتحقيق أنه هدر في أصح قولي الشافعي، وهو مذهب أحمد كما صرّح به في "الروض المربع"، وكذا في "زاد المعاد" لابن القيم، وأما عند الإمام مالك فقد حكى شرَّاح الحديث مذهبه القود مطلقًا، لكن الصواب في مسلكه ما قال الدردير المالكي: إن فيه القصاص في صورة العمد، والدية في الخطأ، وأما عندنا الحنفية فإن لم يمكن دفعه إلا بالفقأ فهو هدر، وإلا فالدية لا القصاص، فإن الحدود تندرئ بالشبهات، والحديث عندنا محمول على التغليظ والتشديد، صرّح به ابن عابدين وغيره، انتهى من هامش "اللامع"، والتفصيل فيه.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 393).
(2) "فتح الباري" (12/ 243).
(3) "إرشاد الساري" (14/ 372).
(4) "لامع الدراري" (10/ 183).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٨٠)
(23 - باب العاقلة)
بكسر القاف جمع عاقل، وهو دافع الدية، وسميت الدية عقلًا تسميةً بالمصدر؛ لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إبلًا، وعاقلة الرجل قراباته من قبل الأب وهم عصبة، وتحمل العاقلة الدية ثابت بالسُّنَّة، وأجمع أهل العلم على ذلك، وهو مخالف لظاهر قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، لكنه خصّ من عمومها ذلك لما فيه من المصلحة؛ لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله؛ لأن تتابع الخطأ منه لا يؤمن، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول، انتهى من "الفتح"(1).
وفي "الفيض"(2): العاقلة هم الذين يغرّمون الدية، وهم العصبات، وسمّاهم الفقهاء بكتاب المعاقل، والقياس فيه أن يكون كتاب العواقل، فإن المعاقل هي الديات، والمذكور في هذا الباب مسائل من تؤخذ منهم الدية، انتهى.
وبسط الكلام على العاقلة في "الأوجز"(3)، ومنه في هامش "اللامع"(4)، ففيه قال الموفق(5): لا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج، وكل من عدا العصبات ليسوا هم من العاقلة، واختلف في الآباء والبنين هل هم من العاقلة أو لا؟ وعن أحمد في ذلك روايتان، أحدهما: كل العصبة من العاقلة، يدخل فيه آباء القاتل وأبناؤه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، والقول الثاني: ليس آباؤه وأبناؤه من العاقلة، وهو قول الشافعي، قلت: وهذا كله إذا لم يكن الرجل من أهل الديوان، وإن كان من أهل الديوان--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 246).
(2) "فيض الباري" (6/ 395).
(3) "أوجز المسالك" (14/ 594).
(4) "لامع الدراري" (10/ 184، 185).
(5) "المغني" (12/ 39).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٨١)
فالدية على أهل الديوان، وهذا عندنا، قال الموفق(1): لا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة، وبهذا قال الشافعي، واختلف قول المالكية في اعتبار الديوان وعدمه.
ثم اعلم أنه يردّ على ظاهر تبويب المصنف أنه لا يطابق الحديث بالترجمة، فإن ظاهر الباب بيان العاقلة من هم، وليس لها ذكر في الحديث، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح.
قال العيني(2): أي: هذا باب في بيان العاقلة، وهو جمع عاقل، وهو دافع الدية، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة في قوله: "العقل" وهو الدية.
وقال القسطلاني(3) في شرح الحديث: قوله: "العقل" أي: الدية، ومقاديرها وأصنافها، انتهى.
فعلى ظاهر كلام الشرَّاح لا مطابقة بين الحديث والترجمة، والأوجه عندي: أن غرض الإمام البخاري ليس بيان العاقلة، بل للغرض بيان إثبات تحمل العاقلة الدية، لأنه بظاهره يخالف قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، والمراد بالعقل في الحديث تحمل العقل، أشار إلى ذلك الكرماني(4)، إذ قال: أراد بالعقل ما تتحمله العاقلة، وذلك أن ظاهره يخالف الكتاب، وهو قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، انتهى. وعلى هذا المطابقة ظاهرة.
(24 - باب جنين المرأة)
الجنين وزن عظيم: حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيًّا فهو ولد، أو ميتًا فهو سقط، وقد يطلق عليه--------------------------------------------
(1) "المغني" (12/ 42).
(2) "عمدة القاري" (16/ 181).
(3) "إرشاد الساري" (14/ 373).
(4) "شرح الكرماني" (24/ 32).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٨٢)
جنين، انتهى(1).
قال العيني(2): أي: هذا باب في بيان حكم جنين المرأة، انتهى.
والمراد واضح، أي: ماذا تجب في إملاصه وإسقاطه، وترجم الإمام أبو داود بقوله: "باب دية الجنين" وهو أوضح في المراد، ولم يذكر المصنف الحكم لظهوره من حديث الباب وهو الغرة، واختلف العلماء في مصداقها فقيل: العبد الأبيض أو الأمة البيضاء؛ لأن أصل الغرة بياض في الوجه، وقالت الأئمة الأربعة: هما يجزئان مطلقًا، وإن كانا أسودين، ولا يجزئ غيرهما.
قال ابن قدامة(3): في جنين الحرة المسلمة غرة، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، فإن قيل: فقد روي في هذا الحديث: "أو فرس أو بغل" قلنا: هذا لا يثبت، رواه ابن يونس ووهم فيه، قاله أهل النقل، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه: "عبد أو أمة"، وقال عروة وطاوس ومجاهد: الغرة عبد أو أمة أو فرس، وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة ونحوه، قال الشعبي: وإن كان الجنين مملوكًا ففيه عشر قيمة أمه سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرًا، وعشر قيمته إن كان أنثى.
ثم قال الموفق(4): الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل، وبه قال النخعي والشعبي وربيعة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وفي "الهداية"(5): وإذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتًا ففيه غرة، وهي نصف عشر الدية، يعني: دية الرجل، وهذا في الذكر، وفي--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 247).
(2) "عمدة القاري" (16/ 182).
(3) "المغني" (12/ 60 - 65).
(4) "المغني" (12/ 66).
(5) "الهداية" (2/ 471، 472).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٨٣)
الأنثى عشر دية المرأة، وكل منهما خمس مائة درهم، والقياس أن لا يجب شيء؛ لأنه لم يتيقن بحياته، والظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق ووجه الاستحسان، ثم ذكر حديث الباب، ثم قال: وفي جنين الأمة إذا كان ذكرًا نصف عشر قيمته لو كان حيًّا، وعشر قيمته لو كان أنثى، انتهى.
وهذا، أي: خمس مائة درهم عندنا، وعند الجمهور خمسون دينارًا أو ست مائة درهم، وذلك لأنهم اختلفوا في مقدار الدية من حيث الدراهم، فعند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة مقدار اثنا عشر ألف درهم، وعند الحنفية عشرة آلاف درهم، والبسط في محله.
(25 - باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد. . .) إلخ
ولا يخفى أن الغرض من هذه الترجمة الجزء الثاني منه، وهو قوله: "إن العقل على الوالد. . ." إلخ، فلا تكرار بين الترجمتين على ما يتوهم في بادئ الرأي.
وفي "الفيض"(1): يعني أن دية المجنية تستوفي من الوالد وعصبته، لا من ولد الجانية، وقد مرّ مني أن ولد الجانية إن كان من قوم أمها يعد من العصبات أيضًا، وإلا لا، انتهى.
قال القسطلاني(2): قوله: لا على الولد إذا لم يكن من عصبتها؛ لأن العقل على العصبة دون ذوي الأرحام، ولذا لا يعقل الإِخوة من الأم، انتهى.
واستشكل مطابقة الحديث بالترجمة كما بسطه الحافظ(3)، والمختصر ما قاله القسطلاني(4) حيث قال: وليس في الحديث هنا إيجاب العقل على الوالد، فلا مطابقة، وأجيب بأنه ورد في بعض طرق القصة بلفظ الوالد كما جرت عادة المؤلف بمثل ذلك ليحضّ الطالب على البحث على جميع الطرق، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 396).
(2) "إرشاد الساري" (14/ 377).
(3) "فتح الباري" (12/ 252، 253).
(4) "إرشاد الساري" (14/ 378).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٨٤)
(26 - باب من استعار عبدًا أو صبيًا. . .) إلخ
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح: "استعان" بدل "استعار"، قال الحافظ(1): كذا للأكثر بالنون، وللنسفي والإسماعيلي: "استعار" بالراء.
قال الكرماني(2): ومناسبة الباب للكتاب أنه لو هلك وجبت قيمة العبد أو دية الحر، انتهى.
وقال العيني(3): ووجه ذكر هذا الباب في "كتاب الديات" هو أنه إذا هلك العبد في الاستعمال وجبت الدية، واختلفوا في دية الصبي، وفي "التوضيح"(4): إن استعان حرًّا بالغًا متطوعًا أو بإجارة، وأصابه شيء فلا ضمان عليه عند الجميع، إن كان ذلك لا غرر فيه، وإنما يضمن من جنى أو تعدى، واختلف إذا استعمل عبدًا بالغًا في شيء فعطب، فقال ابن القاسم: إن استعمل عبدًا في بئر يحفرها ولم يؤذن له سيده في الإجارة، فهو ضامن إن عطب، وكذلك إذا بعثه إلى سفر بكتاب، وروى ابن وهب عن مالك: لا ضمان عليه سواء أذن له سيده في الإجارة أو لم يأذن، إلى آخر ما ذكر.
قال الحافظ(5): قال ابن بطال: إنما اشترطت أم سلمة الحر؛ لأن جمهور العلماء يقولون: من استعان حرًّا لم يبلغ أو عبدًا بغير إذن مولاه فهلكا من ذلك العمل فهو ضامن لقيمة العبد، وأما دية الحر فهي على عاقلته، ثم ذكر الحافظ أقوالًا أخر في وجه هذا الاشتراط المذكور في الحديث، فارجع إليه لو شئت.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 253).
(2) "شرح الكرماني" (24/ 35).
(3) "عمدة القاري" (16/ 186).
(4) "التوضيح" (31/ 472).
(5) "فتح الباري" (12/ 253).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٨٥)
(27 - باب المعدن جبار)
قال الحافظ(1) رحمه الله تعالى: كذا ترجم ببعض الخبر، وأفرد بعضه بعضًا، وترجم في الزكاة البقية، وقد تقدم في "كتاب الشرب" من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بتمامه، وبدأ فيه بالمعدن، وثنى بالبئر.
قال العيني(2): جبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة، أي: هدر لا شيء فيه، ومعنى "المعدن جبار" أن يحفر معدنًا في موات أو في ملكه فيهلك فيه الأجير أو غيره ممن يمرّ به فلا ضمان عليه في ذلك، وقوله: "والبئر جبار" يعني: إذا احتفر بئر للسبيل في ملك أو موات، فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، ويقال: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، انتهى.
وهكذا في "الفتح"(3)، وزاد: وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور، قال ابن بطال: وخالف الحنفية في ذلك فضمنوا حافر البئر مطلقًا قياسًا على راكب الدابة، ولا قياس مع النص، انتهى.
قلت: النقل عن الحنفية ليس بصحيح، فقال الإمام محمد في "موطئه"(4) تحت حديث الباب: وبهذا نأخذ، والبئر والمعدن، الرجل يستأجر(5) الرجل يحفر له بئرًا ومعدنًا، فيسقط عليه، فيقتله فذلك هدر، انتهى.
وفي "الهداية"(6): ومن حفر بئرًا في طريق المسلمين أو وضع حجرًا--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 254).
(2) "عمدة القاري" (16/ 187).
(3) "فتح الباري" (12/ 255).
(4) "التعليق الممجد" (3/ 29).
(5) في الأصل: "يستأذن" وهو تصحيف.
(6) "الهداية" (2/ 474، 475).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٨٦)
فتلف بذلك إنسان فديته على عاقلته، والمراد بالطريق الطريق في الأمصار دون الفيافي والصحارى؛ لأنه لا يمكن العدول عنه في الأمصار غالبًا دون الصحارى، انتهى.
قلت: فلعل هذه المسألة هو منشأ ما نقل عن الحنفية ابن بطال، وحاصل مذهبنا أنه لو حفر شخص بئرًا في الأمصار في غير ملكه، فتلف به إنسان فحينئذٍ تجب الدية عندنا، وأما لو حفر في الفيافي والصحارى فلا دية عليه كما تقدم، وكذا لو حفر في ملكه ولو في المصر لم يضمن كما في "الهداية" حيث قال: وكذا إن حفر في ملكه، يعني: كما إذا أمره الإمام فحفر في طريق المسلمين لم يضمن ما تلف به، كذلك إذا حفره في ملكه وإن لم يأذن له الإمام لم يضمن، انتهى من "الهداية" مع زيادة من هامشه.
وهذا الاختلاف في مسألة حفر البئر والمعدن، وأما مسألة جرح العجماء فسيأتي الخلاف فيه في الباب الآتي.
(28 - باب العجماء جبار)
قال الحافظ(1): أفردها بترجمة لما فيها من التفاريع الزائدة عن البئر والمعدن، انتهى. ومسألة الباب خلافية.
قال العلامة العيني(2): واحتج بحديث الباب أبو حنيفة رحمه الله تعالى على أنه لا ضمان فيما أتلفته البهائم مطلقًا سواء فيه الجرح وغيره، وسواء فيه الليل والنهار، وسواء كان معها أو لا، إلا أن يحملها الذي معها على الإتلاف، أو يقصده، فحينئذٍ يضمن لوجود التعدي منه، وهو قول داود وأهل الظاهر، وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان معها أحد من مالك أو مستأجر أو مستعير وغيرهم وجب عليه ضمان ما أتلفته، وحملوا الحديث على ما إذا لم يكن معها أحد، إلى آخر ما ذكر.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 256).
(2) "عمدة القاري" (16/ 187، 188).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٥٨٧)