89 - كتاب الإكراه
ومناسبة هذا الكتاب بما قبله ما قال الحافظ(1): ولما كان المرتد قد لا يكفر إذا كان مكرهًا، قال: "كتاب الإكراه" وكان المكره قد يضمر في نفسه حيلةً دافعةً، فذكر الحيل ما يحل منها وما يحرم، انتهى.
وقد تقدم الكلام على مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب في مقدمة "اللامع"(2).
قال الحافظ(3): الإكراه هو إلزام الغير بما لا يريده، وشروط الإكراه أربعة: الأول: أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار، الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك، الثالث: أن يكون ما هدده به فوريًّا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتكم غدًا لا يعد مكرهًا، ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًّا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف، الرابع: أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره، إلى آخر ما بسط.
وفي "الدر المختار"(4): والإكراه نوعان: تام وهو الملجئ بتلف نفس أو عضو أو ضرب مبرح، وإلا فناقص وهو غير الملجئ، وشرطه أربعة أمور، إلى آخر ما بسط.
وبسط الكلام على أنواعه وفروعه في "البدائع"(5) و"أصول البزدوي"(6)، ففيه: الإكراه ثلاثة أنواع: نوع: يعدم الرضا ويفسد الاختيار وهو الملجئ، ونوع: يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار وهو الذي لا يلجئ،--------------------------------------------
(1) مقدمة "فتح الباري" (ص 474).
(2) " لامع الدراري" (1/ 282).
(3) "فتح الباري" (12/ 311).
(4) "رد المحتار" (9/ 177، 178).
(5) "بدائع الصنائع" (6/ 184).
(6) "أصول البزدوي" (ص 357).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٠٨)
ونوع آخر: لا يعدم الرضا وهو أن يهتم بحبس أبيه أو ولده، ثم قال: والإكراه بجملته لا ينافي أهلية، ولا يوجب وضع الخطاب بحال لأن المكره مبتلى، والابتلاء يحقق الخطاب، إلى أن قال: فثبت بهذه الجملة أن الإكراه لا يصلح لإبطال حكم شيء من الأقوال والأفعال جملة إلا بدليل غيره على مثال فعل الطائع، انتهى.
وقال الكرماني(1): والإكراه الإلزام على خلاف المراد، وهو يختلف باختلاف المكره والمكره عليه والمكره به، انتهى.
ثم إن الإمام البخاري رحمه الله ورضي عنه - قد شدّد الكلام على الإمام الهمام أبي حنيفة في هذا الكتاب، وكذا في "كتاب الحيل" كما سترى، وسيأتي بقية الكلام عليه في محله في "باب إذا أكره حتى وهب عبدًا. . ." إلخ.
(1 - باب قول الله عز وجل: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106])
هكذا في النسخة الهندية التي بأيدينا بإثبات لفظ الباب قبل الآية، وليس في شيء من نسخ الشروح الأربعة ههنا لفظة "باب"، ولم يتعرضوا له أيضًا.
قال القسطلاني(2): قال ابن جرير: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فعد" ورواه البيهقي بأبسط منها، وفيه: أنه سبّ النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان قال: "إن عادوا فعد" وفي ذلك أنزل الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}،--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (24/ 61).
(2) "إرشاد الساري" (14/ 422، 423).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٠٩)
ومن ثم اتفق على أنه يجوز أن يواطئ المكره على الكفر إبقاءً لمهجته، والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله.
وعند ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة رضي الله عنهم أنه أسرته الروم، فجاؤا به إلى ملكهم، فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملك العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت، فقال: إذًا أقتلك قال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر - وفي رواية ببقرة - من نحاس، فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه، وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى فطمع فيه ودعاه، فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذا القدر الساعة في الله، وأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله، وروي أنه قبّل رأسه وأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقال: فقبّل رأسه، انتهى من "القسطلاني"، وهكذا في التفسير لابن كثير(1).
وقال الحافظ(2): والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر، ثم ذكر عدة روايات، فارجع إليه لو شئت.
(1 م - باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر)
قال الحافظ(3): تقدمت الإشارة إلى ذلك في الباب الذي قبله، وأن--------------------------------------------
(1) "تفسير ابن كثير" (8/ 360) ط: مؤسسة قرطبة.
(2) "فتح الباري" (12/ 312).
(3) "فتح الباري" (12/ 316).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١٠)
بلالًا كان ممن اختار الضرب والهوان على التلفظ بالكفر، وكذلك خباب المذكور في هذا الباب ومن ذكر معه، وأن والدي عمار ماتا تحت العذاب، ولما لم يكن ذلك على شرط الصحة اكتفى المصنف بما يدلّ عليه، انتهى.
وتقدم في الباب السابق عن القسطلاني أنهم اتفقوا على أنه يجوز له إِجراء كلمة الكفر، والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، وهكذا نقل الاتفاق على الجواز الحافظ ابن كثير في "تفسيره"، ويستفاد من كلام الحافظ في "الفتح" أن فيه بعض خلاف، فقد نقل عن ابن التِّين بأن العلماء متفقون على اختيار القتل على الكفر، وقال: ونقل عن المهلب: أن قومًا منعوا من ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، إلى آخر ما في "الفتح".
(2 - باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره)
قال الحافظ(1): قال الخطابي: استدل البخاري بحديث الباب على جواز بيع المكره، والحديث ببيع المضطر أشبه، فإن المكره على البيع هو الذي يحمل على بيع الشيء شاء أو أبى، واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يلزموا بذلك، ولكنّهم شحوا على أموالهم، فاختاروا بيعها، فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها، كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله، فيكون جائزًا، ولو أكرهه عليه لم يجز، قلت: لم يقتصر البخاري في الترجمة على المكره، وإنما قال: بيع المكره ونحوه، فدخل في ترجمته المضطر، وكأنه أشار إلى الردّ على من لا يصحح بيع المضطر، انتهى من "الفتح".
وفي "الفيض"(2): قوله: "ونحوه" فسّره العيني بالمضطر، ليعمّ الإكراه الفقهي وغيره؛ كالبيع في أيام القحط، فإن الناس يتبايعون فيها بالغبن الفاحش، ولا يسمى ذلك إكراهًا فقهيًا، فهو إذن بيع المضطر، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 317).
(2) "فيض الباري" (6/ 411).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١١)
وهذا البحث متعلق بالجزء الأول من الترجمة أعني قوله: "المكره ونحوه"، وأما ما يتعلق بالجزء الثاني وهو قوله: "في الحق وغيره".
فقال الحافظ(1): قال ابن المنيِّر(2): ترجم بالحق وغيره ولم يذكر إلا الشق الأول، ويجاب بأن مراده بالحق الدين وبغيره ما عداه مما يكون بيعه لازمًا؛ لأن اليهود أكرهوا على بيع أموالهم لا لدين عليهم، انتهى.
كذا قال، ويرد عليه أنه على هذا ينعكس الإيراد لأنه يثبت على هذا الشق الثاني من الترجمة دون الأول، ثم قال الحافظ: قلت: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "وغيره" الدين، فيكون من الخاص بعد العام، وإذا صحّ البيع في الصورة المذكورة وهو سبب غير مالي فالبيع في الدين وهو سبب مالي أولى، انتهى. هذا ما قاله الشراح في شرح هذه الترجمة.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(3) مما يتعلق بالجزء الثاني من جزئي الترجمة حيث قال: إما أن يراد بالحق الحق المالي، أي: الدين ومثله، فالمعنى هذا بيان بيع المكره مملوكه في أداء حق الدائن وغيره من ذوي الحقوق، أو الحق ههنا هو الحق مقابل الباطل، أي: هذا بيان بيع المكره مملوكه فيما هو موافق للشريعة، ولا يكون باطلًا، والترجمة ثابتة بكلا معنييها بقوله: فمن وجده بماله فليبعه، فإن بيعهم هذا كان بحق، وأما إثبات الجزء الثاني من جزئي الترجمة فبقوله: "إنما الأرض لله ورسوله" فإنهم لو قصدوا بيع شيء من الأراضي كان بيعًا بغير الحق وفي الباطل، والله ولي التوفيق، انتهى.
ولله در الشيخ قُدِّس سرُّه فإنه قد استوفى حق الترجمة شرحًا وإيضاحًا بعبارة موجزة مفصحة، وهذا المعنى الثاني للحق اختاره صاحب "الفيض" أيضًا، وفيه(4): كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أكره اليهود على الجلاء، وكان على الحق--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 317).
(2) "المتواري" (ص 337).
(3) "لامع الدراري" (10/ 200، 201).
(4) "فيض الباري" (6/ 411، 412).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١٢)
في ذلك، ثم قال: وليس هذا إكراهًا فقهًا، فإنه تحقق لو كان النبي صلى الله عليه وسلم هدّدهم بقتل أنفسهم أو بقطع عضوهم، وإذ ليس، فليس، انتهى.
ثم مسألة الباب أعني بيع المكره خلافية، وقد تقدم عن الحافظ أن ميل المصنف إلى جوازه، واختلف الأئمة في ذلك كما في فروعهم، فمذهب الحنفية ما قال ابن عابدين(1): قدمنا أن بيع المكره فاسد موقوف على إجازة البائع، وقول صاحب "الكنز": البيع مبادلة المال بالمال بالتراضي غير مرضي لأنه يخرج بيع المكره إلى آخر ما بسط، وفي "البدائع"(2): لا يصح بيع المكره إذا باع مكرهًا، وسلم مكرهًا لعدم الرضا، فأما إذا باع مكرهًا، وسلم طائعًا، فالبيع صحيح، انتهى.
ومذهب الشافعية ما في "شرح الإقناع"(3): ويشترط أيضًا عدم إكراه بغير حق، فلا يصح عقد مكره في ماله لغير حق لعدم رضاه، ويصح بحق كأن توجه عليه بيع ماله لوفاء دين، فأكرهه الحاكم عليه، انتهى.
وكذا عند الحنابلة بيع المكره باطل ففي "نيل المآرب"(4): وشروطه سبعة: أحدها الرضاء به من المتبايعين، فلا يصح بيع المكره بغير حق كالذي يستولي على ملك رجل بلا حق فيطلبه، فيجحده إياه حتى يبيعه، أما إن أكره بحق كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه فبيعه صحيح، انتهى.
ومذهب المالكية كما في "مختصر الخليل"(5) وشرحه: لا إن أجبر عليه جبرًا حرامًا، وهو ما ليس بحق فيصح ولا يلزم، قال شارحه: وأما لو أجبر على البيع جبرًا حلالًا كان البيع لازمًا كجبره على بيع الدار بتوسعة المسجد أو الطريق أو لوفاء دين إلى آخر ما بسط، وفي--------------------------------------------
(1) "رد المحتار" (7/ 18).
(2) "بدائع الصنائع" (4/ 388، 389).
(3) "شرح الإقناع" (2/ 5).
(4) "نيل المآرب" (1/ 332، 333).
(5) انظر: "الخرشي على مختصر سيدي خليل" (5/ 9).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١٣)
"الميزان"(1) للشعراني: ومن ذلك قول الأئمة الثلاثة أنه لا يصحّ بيع المكره مع قول أبي حنيفة بصحته، انتهى.
قلت: والتحقيق أن بيع المكره باطل عند الجمهور، وأما عندنا الحنفية ففاسد موقوف على إجازة البائع، وهم لا يفرقون بين الباطل والفاسد بخلاف الحنفية، فعندنا فرق بين الباطل والفاسد كما تقرر في محله، وأفاد صاحب "الفيض"(2) أن بيع المكره موقوف عندنا بخلاف الطلاق؛ لأنه من الإسقاطات، والبيع من الإثباتات فيتوقف، انتهى.
وأما بيع المضطر كما أشار إليه المصنف بقوله: "ونحوه" فنقل شيخنا في "البذل"(3) عن "الدر المختار"(4): أن بيع المضطر وشراءه فاسد، قال الشامي: هو أن يضطر الرجل إلى طعام أو شراب أو غيرها، ولا يبيعها البائع إلا بأكثر من ثمنها بكثير، وكذلك في الشراء منه، انتهى.
وفيه أيضًا عن الخطابي أن بيع المضطر جائز، أي: عند الشافعي لكنه مكروه بل ينبغي أن يعان ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة، انتهى.
(3 - باب لا يجوز نكاح المكره. . .) إلخ
قال الحافظ(5): قال ابن بطال(6): ذهب الجمهور إلى بطلان نكاح المكره، وأجازه الكوفيون، قالوا: فلو أكره رجل على تزويج امرأة بعشرة آلاف وكان صداق مثلها ألفًا صحّ النكاح، ولزمته الألف وبطل الزائد، قال: فلما أبطلوا الزائد بالإكراه كان أصل النكاح بالإكراه أيضًا باطلًا، انتهى.
فلو كان راضيًا بالنكاح وأكره على المهر كانت المسألة اتفاقية يصح العقد ويلزم المسمى بالدخول، انتهى.--------------------------------------------
(1) "الميزان" (3/ 27).
(2) "فيض الباري" (6/ 411).
(3) "بذل المجهود" (11/ 75، 76).
(4) "رد المحتار" (7/ 247).
(5) "فتح الباري" (12/ 319).
(6) "شرح ابن بطال" (8/ 299).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١٤)
قال القسطلاني في الصورة المذكورة قبل ذلك: قال سحنون: وكما أبطلوا الزائد على الألف في الإكراه، فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه، قال: وقد أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة، فلو كان راضيًا بالنكاح وأكره على المهر يصح العقد اتفاقًا، انتهى.
وفي "نور الأنوار"(1) في مبحث الأهلية بعد ذكر أقسام الإكراه: والإكراه بجملته لا ينافي الخطاب والأهلية لبقاء العقل والبلوغ الذي عليه مدار الخطاب والأهلية، ثم قال: فإن كان القول مما لا ينفسخ ولا يتوقف على الرضا لم يبطل بالكره كالطلاق والعتاق والنكاح والرجعة، فإن هذه التصرفات كلها لا تحتمل الفسخ ولا تتوقف على الرضا، إلى آخر ما بسط.
وما ذكر الشرَّاح من عدم جواز النكاح المكره عند الجمهور هو كذلك كما في كتب فروعهم، ففي "الروض المربع"(2): الشرط الثاني رضاهما فلا يصحّ إن أكره أحدهما بغير حق كالبيع، انتهى.
وفي "كتاب الأنوار" في فقه الشافعية: وأن يكون مختارًا، فإن كان مكرهًا لبطل النكاح، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن مسألة الإكراه في النكاح غير مسألة ولاية الإجبار، فقد تقدم الكلام على ولاية الإجبار واختلاف العلماء فيها في "كتاب النكاح" فارجع إليه لو شئت، وقد نبَّه عليه صاحب "الفيض"(3) أيضًا حيث قال: والإكراه على النكاح بأن يهدّده بالنفس أو العضو، إلا أن يتكلم بالإيجاب أو القبول، وحينئذٍ حديث خنساء في غير محله، فإن أباها كان زوَّجها بعبارته، ولم يكن أكرهها على الإيجاب والقبول، وليست ولاية الإجبار من باب الإكراه في شيء، فإن معناها نفاذ القول عليها بدون رضاها، وليس معناها أن يضربها الأب أو الولي فيجبرها أن تُنكِحَ نفسها كما زعم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "نور الأنوار" (ص 311، 312).
(2) "الروض المربع" (ص 440).
(3) "فيض الباري" (6/ 412).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١٥)
قلت: فلا مجال للمصنف، وكذا للجمهور أن يستدلوا بعدم جواز نكاح المكره بحديث خنساء كما فعله المصنف فتشكر.
(4 - باب إذا أكره حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز)
أي: ذلك البيع والهبة، والعبد باقٍ على ملكه، قوله: "وبه قال بعض الناس" قيل: الحنفية، "فإن نذر المشتري" بكسر الراء من المكره "فيه" في الذي اشتراه "نذرًا فهو" أي: البيع مع الإكراه "جائز" أي: ماض عليه، ويصح البيع و [كذا] الهبة "بزعمه" أي: عنده، "وكذلك إن دبّره" أي: دبّر العبد الذي اشتراه من المكره على بيعه فينعقد التدبير، قال في "الكواكب": غرض البخاري أن الحنفية تناقضوا، فإن بيع الإكراه إن كان ناقلًا للملك إلى المشتري فإنه يصحّ منه جميع التصرفات، ولا يختص بالنذر والتدبير، وإن قالوا: ليس بناقل فلا يصح النذر والتدبير أيضًا، وحاصله أنهم صححوا التدبير والنذر بدون الملك، وفيه تحكم وتخصيص بغير مخصص، انتهى من "القسطلاني"(1).
وأما مذهب البخاري فهو يقول بجواز كليهما أعني بيع المكره وما يترتب عليه من نذر أو تدبير، فمورد الإيراد هو الجزء الأول من الترجمة، أي: عدم جواز بيع المكره، فكأن المصنف أراد بالترجمة أنه كان ينبغي للحنفية أن يقولوا بجواز كلا الأمرين كما هو رأي المصنف، فلذا أورد تحت الترجمة ما يدلّ على جواز بيع المكره، ولم يورد للجزء الثاني من الترجمة حديثًا، وسيأتي الجواب قريبًا عن هذا الإيراد، وأما مطابقة الحديث لما قصده المؤلف من الترجمة فما ذكره العيني إذ قال(2): قال الداودي ما حاصله: أنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأنه لا إكراه فيه، ثم قال: إلا أن يراد أنه صلى الله عليه وسلم باعه فكان كالمكره له على بيعه، انتهى.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (14/ 432).
(2) "عمدة القاري" (16/ 231).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١٦)
وأما الجواب عما أورده الإمام البخاري على الحنفية بقوله: "وبه قال بعض الناس. . ." إلخ، فأجاب عنه العيني(1) بأنه إن أراد ببعض الناس الحنفية فمذهبهم ليس كذلك، فإن مذهبهم أن شخصًا إذا أكره على بيع ماله أو هبته لشخص ونحو ذلك، فباع أو وهب، ثم زال الإكراه فهو بالخيار إن شاء أمضى هذه الأشياء، وإن شاء فسخها، انتهى.
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي" عن القطب الكَنكَوهي: لما كان عدم الجواز عند الإمام البخاري بمعنى البطلان وعدم الانعقاد أورد عليهم بأنهم يقولون بعدم الجواز، ثم إن المشتري لو أعتقه أو دبّره فهو جائز، وهذا عجيب، قلنا: عدم الجواز عندنا قد يجيء بمعنى البطلان، وقد يجيء بمعنى الفساد، وهو الانعقاد مع لزوم الفسخ، وهو ههنا بمعنى الفساد، فإن بيع المكره عندنا فاسد وليس بباطل، والبيع الفاسد إذا انضم إليه القبض يفيد الملك، وإن كان ناقصًا قابلا للفسخ، فإذا تصرف فيه بما لا يمكن فسخه يتم الملك وينفذ التصرف، انتهى من هامش "اللامع"(2).
قال العلامة السندي(3) تحت قول البخاري: وقال بعض الناس: حاصل كلام الحنفية أن بيع المكره منعقد إلا أنه بيع فاسد لتعلق حق العبد به، فيجب توقفه إلى إرضائه، إلا إذا تصرف فيه المشتري تصرفًا لا يقبل الفسخ، فحينئذٍ قد تعارض فيه حقان كل منهما للعبد، حق المشتري وحق البائع، وحق البائع يمكن استدراكه مع لزوم البيع بإلزام القيمة على المشتري، بخلاف حق المشتري، فلا يمكن استدراكه مع فسخ البيع مع أنه حق لا يقبل الفسخ، فصار اعتباره أرجح بخلاف ما إذا كان تصرفًا يقبل الفسخ، فيجب مراعاة حق البائع عندهم، وهذا الفرق منهم مبني على أن بيع المكره منعقد مع الفساد، وهم يقولون به، فالنزاع معهم في هذا الأصل، وبعد تمامه أو تسليمه، فالفرق مقارب غير بعيد نظرًا إلى القواعد، والله تعالى أعلم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 230).
(2) "لامع الدراري" (10/ 204، 205).
(3) "صحيح البخاري بحاشية السندي" (4/ 201).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١٧)
ثم لا يخفى عليك ما ذكره صاحب "الفيض"(1) من أن الإمام البخاري شدّد الكلام في هذا الكتاب على الإمام أبي حنيفة، وكذا في "كتاب الحيل"، ووجه ذلك أن البخاري لم يتعلم فقه الحنفية حق التعلم، وإن نُقل عنه أنه رأى فقه الحنفية، لكن ما يترشح من كتابه هو أنه لم يحقق فقهنا، ولم يبلغه إلا شذرات منه، وهذا الذي دعاه إلى ما أتى عليه في هذا الباب، ولو درى ما الإكراه في فقهنا لما أورد علينا شيئًا، إلى آخر ما ذكر.
ثم المذكور في الترجمة مسألتان: بيع المكره، والثانية: هبة المكره، وتقدم تفصيل الخلاف في المسألة الأولى في بابه، وأما هبة المكره فهي لا يجوز عند الشافعية، ففي "الأنوار" من فروع الشافعية: وللهبة أركان: الأول العاقدان، وشروطهما كشروط البائع والمشتري، إلى آخر ما ذكره، ومن شروط صحة البيع عندهم الرضا وعدم الإكراه كما تقدم، وأما عندنا الحنفية ففي "الدر المختار"(2): والأصل عندنا أن كل ما يصحّ مع الهزل يصحّ مع الإكراه؛ لأن ما يصح مع الهزل لا يحتمل الفسخ، وكل ما لا يحتمل الفسخ لا يؤثر فيه الإكراه، انتهى.
(5 - باب من الإكراه. . .) إلخ
قال الحافظ(3) رحمه الله: أي: من جملة ما ورد في كراهية الإكراه ما تضمنته الآية، وهو المذكور فيه عن ابن عباس في نزول قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} الآية [النساء: 19]، وقد تقدم شرحه في تفسير سورة النساء، انتهى.
وقال العلامة القسطلاني(4): قال المهلب فيما نقله العيني رحمه الله: فائدة--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 409).
(2) "رد المحتار" (9/ 191، 192).
(3) "فتح الباري" (12/ 320).
(4) "إرشاد الساري" (14/ 434).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١٨)
هذا الباب التعريف بأن كل من أمسك امرأته لأجل الإرث منها طمعًا أن تموت لا يحل له ذلك بنص القرآن، انتهى.
قوله: (كَرْهًا وكُرْهًا واحدٌ)، قال الحافظ(1): أي: بفتح أوله وبضمه بمعنى واحد، وهذا قول الأكثر، وقيل: بالضم ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح ما أكرهك عليه غيرك، انتهى.
(6 - باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها. . .) إلخ
قوله: (غفور رحيم) أي: لهن، وقد قُرِئ في الشاذ: {فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} لهن {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33]، وهي قراءة ابن مسعود وغيره، ونسبت أيضًا لابن عباس، والمحفوظ عنه تفسيره بذلك، وكذا عن جماعة غيره، وجوز بعض المعربين أن يكون التقدير "لهم" أي: لمن وقع منه الإكراه، لكن إذا تاب، وضعف هذا القول كما في "الفتح"(2).
وأما حكم مسألة الباب عند الفقهاء فما في "الأوجز"(3) عن ابن قدامة(4): لا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم، منهم عمر رضي الله عنه والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، انتهى.
وقال العلامة العيني(5) تحت حديث الباب: ولم يذكر البخاري حكم إِكراه الرجل على الزنا، فذهب الجمهور إلى أنه لا حدّ عليه، وقال مالك وجماعة: عليه الحد لأنه لا تنتشر الآلة إلا بلذة، وسواء أكرهه سلطان أو غيره، وعن أبي حنيفة: لا يحد إن أكرهه سلطان، وخالفه أبو يوسف--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 321).
(2) "فتح الباري" (12/ 321).
(3) "أوجز المسالك" (15/ 346).
(4) "المغني" (12/ 347).
(5) "عمدة القاري" (16/ 233، 234).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦١٩)
ومحمد رحمهما الله تعالى، ومطابقة الحديث الثاني بالترجمة ظاهرة من حيث إنه كما لا ملامة عليها في الخلوة معه إكراهًا، فكذلك المستكرهة في الزنا لا حدّ عليها، قاله الكرماني وصاحب "التوضيح"(1).
قال العيني: والأقرب أن يقال: وجه المطابقة من حيث إنه أكره إبراهيم عليه السلام على إرسالها إليه، انتهى.
قلت: ليس هذا بأقرب، بل هو أبعد؛ لأن الترجمة الاستكراه على الزنا اللَّهم إلا أن يقال: إن الإكراه على إبراهيم عليه السلام على إرسالها إليه إنما كان للزنا، وفي "تقرير المكي"(2): قوله: "قام إليها" وفيه الترجمة لأنها لما خلت مع الجبار خلوة صحيحة ولم تأثم لكونها مكرهة، فكذلك المرأة المكرهة لا حد عليها، انتهى.
والحاصل: أن قيام الجبار إليها إنما كان لإرادة الزنا بالإكراه لكن الله عز وجل عصمها برحمته وفضله.
(7 - باب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه)
وقد صرّح المصنف بجواب المسألة بقوله: "يذب عنه الظالم. . ." إلخ، والمسألة خلافية.
قال الحافظ:(3) قال ابن بطال: ذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه، وقال الكوفيون: يحنث لأنه كان له أن يورِّيَ، فلما ترك التورية صار قاصدًا لليمين فيحنث، وأجاب الجمهور بأنه إذا أكره على اليمين فنيَّته مخالفة لقوله: "الأعمال بالنيات".
قوله: (فإن قاتل فلا قود عليه. . .) إلخ، قال ابن بطال: اختلفوا فيمن--------------------------------------------
(1) انظر: "شرح الكرماني" (24/ 69)، و"التوضيح" (32/ 43).
(2) انظر: "لامع الدراري" (10/ 209).
(3) "فتح الباري" (12/ 323).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢٠)
قاتل عن رجل خشي عليه أن يقتل فقتل دونه، هل يجب على الآخر قصاص أو دية؟ فقالت طائفة: لا يجب عليه شيء للحديث المذكور، ففيه "ولا يسلمه" وفي الحديث الذي بعده "انصر أخاك"، وبذلك قال عمر، وقالت طائفة: عليه القود، وهو قول الكوفيين، وهو يشبه قول ابن القاسم وطائفة من المالكية، وأجابوا عن الحديث بأن فيه الندب إلى النصر، وليس فيه الإذن بالقتل، انتهى من "الفتح".
قوله: (وإن قيل له: لتشربن الخمر إلى قوله: أو تحلّ عقدة) هذا ستة أشياء عديل واحد، وعديله الآخر قوله: "أو لنقتلن أباك أو أخاك"، وحاصله أنه أكره على هذه الأشياء وهدّده بقتل الأب، أو الأخ في الإسلام، فهو مكره عند المصنف، قلنا: إنه ليس بإكراه، ولكنه باب آخر، فإن حفظ دم امرئ مسلم واجب في كل أوان، انتهى من "فيض الباري"(1).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2) في شرح ترجمة الباب: لا شكّ في أن الرجل إذا تعرض للقتل إلا أن يثبت عند المكره كونه أبا لزيد أو أخًا له أو غير ذلك من القرابات والعلاقات، وجب على زيد أن يتقوّل بذلك صونًا لدمه، فأما إذا أكره عليه، وقيل: لتشربن الخمر أو لنقتلن أخاك، فإنه لم يسعه عندنا الإقدام على شرب الخمر، ووجه ذلك أن جواز أكل هذه المحرمات منوط بالاضطرار، ولا يتحقق بما ذكر، نعم يتحقق الاضطرار إذا أكره عليه بقتل نفسه، وأما إذا أكره بشيء من العقود المذكورة بعده بقوله: "لتبيعن هذا العبد" فقيل له: إما أن تبيع هذا أو لنقتلن أباك، فإنه يبيعه لأن الأموال وقاية للأنفس ومبذولة، فليس له أن يعرض المسلم على الهلاك وهو قريبه، نعم يكون له خيار الفسخ بعد زوال الإكراه لكونه لم يقدم على هذا العقد بكمال رضاه، وأما تفريقهم بين المحرم وغيره فلا يمكن الاعتراض بذلك عليهم؛ لأن مدار جواز الحرام إنما هو--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 414، 415).
(2) "لامع الدراري" (10/ 209).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢١)
الاضطرار لا غير، ولا يتحقق الاضطرار بإخافته عن قتل الأجنبي، انتهى.
وبسط الكلام في توضيح هذا المقام في هامش "فيض الباري"(1)، وفيه بعد بسط الكلام: إذا علمت هذا فاعلم أن ملخص إيراد البخاري في هذا الباب أمران: الأول: تفريق الإمام الأعظم بين حكم الأقارب وبين الأجنبي المسلم مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم"، والثاني: فرقه بين حكم شرب الخمر ونحو البيع، انتهى.
قوله: (ثم ناقض فقال: إن قيل له. . .) إلخ، قال العلامة القسطلاني في "شرحه"(2): أي: فاستحسن بطلان البيع ونحوه بعد أن قال: يلزمه في القياس، ولا يجوز له القياس فيها، وأجاب العيني بأن المناقضة ممنوعة لأن المجتهد يجوز له أن يخالف قياس قوله بالاستحسان، والاستحسان حجة عند الحنفية، انتهى.
قال العلامة السندي(3): مبنى كلامهم أن الإكراه في كل شيء على حسبه، وهذا شيء يشهد به بداهة العقل، فتخليص القاتل عن المعصية والمقتول عن القتل لا يكون إكراهًا لغيرهما على المعصية، فإذا قال قائل: اعص الله وإلا فأعصيه أنا، فلا ينبغي له أن يعصيه، ولا يعدّ ذلك إكراهًا له على المعصية، نعم يكون إكراها على نحو البيع والهبة إذا كان المقتول أبا ونحوه مثلًا؛ والحاصل: أنه لا ينبغي اعتبار كل أذى إكراهًا في كل شيء، فمثل الكفر لا يباح لخوف لطمة بيد، وترك الأولى يعذر فيه بذلك، وحيث اعتبرنا الفرق يتضح كلام الحنفية، والله تعالى أعلم، انتهى.
وفي هامش "اللامع"(4) عن "تقرير المكي": اعلم أن تحقق الإكراه في الجملة إنما هو في حق ذي رحم محرم، أما في حق الأجنبي فلا إكراه--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 415).
(2) "إرشاد الساري" (14/ 438).
(3) "صحيح البخاري بحاشية السندي" (4/ 202).
(4) "لامع الدراري" (10/ 212).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢٢)
أصلًا، فلو باع عبده في حق ذي رحم محرم ينعقد بيعه موقوفًا، - كما هو الحكم عندنا في بيع المكره - لتحقق الإكراه في الجملة، ولو باعه في حق أجنبي ينعقد بيعه لازمًا لعدم الإكراه، فلهذا قال البخاري: "وفرّقوا بين كل ذي رحم محرم وبين غيره من غير كتاب ولا سُنَّة"، قلنا: السُّنَّة موجودة وهي قوله عليه السلام: "الأقرب فالأقرب"، انتهى.
وفي "القسطلاني"(1): وأجاب العيني بأن الاستحسان غير خارج عن الكتاب والسُّنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] وأما السُّنَّة فقوله صلى الله عليه وسلم: "ما رآه المؤمنون حسنًا فهو حسن عند الله"، انتهى.
قوله: "وقال النبي عليه الصلاة والسلام. . ." إلخ، هذا استدلال من المصنف على عدم الفرق بين ذي رحم وغيره، قلنا: إطلاق الأخت ههنا بطريق المجاز لا بطريق عدم الفرق، انتهى من "تقرير المكي".
والحاصل عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري رحمه الله ذهب إلى تحقق الإكراه في تلك الأمور كلها، والحنفية فرّقوا بين شرب الخمر ونحوه، وبين العقود كالبيع والهبة، فلم يجوِّزوا النوع الأول مطلقًا سواء كان التهديد بقتل ذي رحم أو غيره؛ لأن هذه الأمور، أي: شرب الخمر ونحوه معصية بنفسها، فلا يجوز فعلها إلا إذا تحقق الإكراه والإلجاء، ولا يتحقق الإلجاء إلا بقتل نفسه، فهذا هو الجواب عن أحد الإيرادين، وأما النوع الثاني أعني البيع والهبة ونحوهما فقلنا بتحقق الإكراه فيهما في الجملة، أي: فيما إذا كان التهديد بقتل ذي الرحم لعدم وجود المعصية في هذه الأمور؛ لكونها مباحة في نفسها فينبغي له حينئذٍ أن يفعل وله الخيار بعد زوال الإكراه بحكم الاستحسان، كما هو حكم بيع المكره عندنا، وأما إذا كان التهديد بقتل الأجنبي فباع فلا يجوز له فسخ هذا البيع بعد زوال الإكراه، بل هو بيع بات لوجود الرضا، وذلك لأن الإكراه لا يتحقق بقتل--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (14/ 438).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢٣)
الأجنبي، فليس له حكم بيع المكره، وهذا هو منشأ تفريقنا بين الأجنبي وغيره، فالإيراد الثاني من البخاري أيضًا ساقط، فتدبر.
ثم لا يخفى عليك أنهم يوردون على الإمام أبي حنيفة أنه يكثر من الاستحسان، وصار إكثاره من الاستحسان مثار طعن الذين ينتقصون قدره، وينجسون حظه من الفقه والتقى، فإنهم لم يجدوا في القياس ما يعتبر خروجًا على النصوص من كل الوجوه؛ لأنه حمل على النص، ووجدوا في الاستحسان ذلك إذا لم يقم على النص، ولقد قال صاحب "كشف الأسرار"(1) في تعليقه على باب الاستحسان الذي كتبه فخر الإسلام البزدوي ما نصه: اعلم أن بعض القادحين في المسلمين طعن على أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم في تركهم القياس بالاستحسان، وقال: حجج الشرع الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، والاستحسان قسم خاص لم يعرف أحد من حملة الشرع سوى أبي حنيفة وأصحابه أنه من دلائل الشرع لم يقم عليه دليل، بل هو قول بالتشهي، فكان ترك القياس به تركًا للحجة لاتباع الهوى فكان باطلًا، وكل ذلك طعن من غير روية وقدح من غير وقوف على المراد، فأبو حنيفة أجلّ قدرًا وأشدّ ورعًا من أن يقول في الدين بالتشهي، أو يعمل بما استحسنه من غير دليل قام عليه شرعًا، فالشيخ رحمه الله عقد الباب لبيان المراد من هذا اللفظ والكشف عن حقيقته دفعًا لهذا الطعن، انتهى.
ولقد اختلف العلماء في عصر أبي حنيفة ومن بعده في الاستحسان، فمالك الذي عاصر أبا حنيفة كان يقول: الاستحسان تسعة أعشار العلم، وأما الشافعي رحمه الله الذي جاء من بعدهما فقد عقد فصلًا في كتاب "الأم"(2) سمّاه: كتاب إبطال الاستحسان، وساق الأدلة لإثبات بطلانه، ولقد اختلف الفقهاء في تعريف الاستحسان الذي كان يأخذ به أبو حنيفة وأصحابه، فعرّفه بعضهم بأنه العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه، وهذا--------------------------------------------
(1) "كشف الأسرار" (4/ 3).
(2) "الأم" (10/ 107).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢٤)
تعريف غير جامع لكل أنواع الاستحسان، فمنها ما لا يكون العدول فيه إلى قياس بل إلى نص أو إلى الإجماع، وأحسن التعاريف هو ما قاله الحسن الكرخي: وهو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول، انتهى مقتبسًا من مقدمة "البدائع"(1) لناشره زكريا علي يوسف.
ثم براعة الاختتام في قوله: "يحجزه عن الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" كما ورد في الحديث.
* * *--------------------------------------------
(1) "بدائع الصنائع" (1/ 22، 23).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢٥)
90 - كتاب الحيل
قال العلامة العيني(1): وهو جمع حيلة، وهي ما يتوصل به إلى المقصود بطريق خفي، انتهى.
وهكذا في "الفتح" و"القسطلاني"(2)، وفي هامش "اللامع"(3): قال الجوهري: الحيلة اسم من الاحتيال، ذكره في فصل الياء، ثم قال: وهو من الواو، يقال: هو أحيل منك وأحول منك، أي: أكثر حيلة، وما أحيله لغة فيما أحوله، كذا في "العيني"، والمعروف بين العلماء أن الحيل كلها محرمة عند مالك وأحمد، وجائزة عند الحنفية والشافعية، وإلى الأول مالَ البخاري كما يدل عليه "كتاب الحيل" وأبوابه.
قال ابن قدامة(4): الحيل كلها محرمة غير جائزة، وبه قال مالك، وأباح أبو حنيفة والشافعي بعضها، إلى آخر ما بسط، وقد أطال ابن القيم في "إعلام الموقعين"(5) الكلام على إبطال الحيل، وبحث فيه بحثًا طويلًا، ومع ذلك ذكر المقصد الرابع أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو رفع باطل، وقسمه على ثلاثة أقسام ثم بسطها، وذكر أمثلتها، وذكر صور الحيل فيها إلى أن قال: القسم الثاني: أن يكون الطريق مشروعةً، وما يفضي إليه مشروع، وقال أيضًا: ويدخل في هذا القسم التحيل إلى جلب المنافع وعلى دفع المضار، وقد ألهم الله تعالى ذلك لكل حيوان، فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا يهتدي إليه بنو آدم، وليس كلامنا وكلام السلف في ذم الحيل متناولًا لهذا القسم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 238).
(2) "فتح الباري" (12/ 326)، و"إرشاد الساري" (14/ 440).
(3) "لامع الدراري" (10/ 216).
(4) "المغني" (6/ 116).
(5) "إعلام الموقعين" (5/ 302 - 304).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢٦)
وأنت خبير أن هذا منه تجويز بل تحريض على أخذ بعض الحيل، فلا يمكن أن يقال: الحيل كلها باطلة، والحنفية والشافعية أيضًا لم يقولوا بأن الحيل كلها مباحة، فقد قال الحافظ(1): وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصّل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة.
ولمن أجازها مطلقًا أو أبطلها مطلقًا أدلة كثيرة، فمن الأول قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} الآية [ص: 44]، وقد عمل به صلى الله عليه وسلم في حق الضعيف الذي زنى، وهو من حديث أبي أمامة بن سهل في "السنن"، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] إلى أن قال: ومن الثاني قصة أصحاب السبت، وحديث "حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلو ثمنها"، وحديث النهي عن النجش، وحديث لعن المحلل والمحلل له، والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم: هل المعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل.
ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ ظاهرًا وباطنًا في جميع الصور أو في بعضها، ومنهم من قال تنفذ ظاهرًا، لا باطنًا، ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه القرائن الحالية، وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية لكون أبي يوسف صنّف فيها كتابًا، لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق، انتهى.
وفي "الفيض"(2): اعلم أن البخاري رحمه الله لم يفرّق بين جواز الحيلة ونفاذها، وكل ما كان يرد على القول بالجواز، أورده على القول بالنفاذ مع فرق جلي بين الأمرين، ثم أوضح صاحب "الفيض" هذا الكلام، فارجع إليه لو شئت.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (12/ 326).
(2) "فيض الباري" (6/ 417).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٦٢٧)