قوله: (تزعمان أن أبا بكر فيها كذا. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1) الكلام على شرح هذا المقام، وردّ ما استدل به طائفة الشيعة على مخترعاتهم وتوهماتهم الفاسدة، فارجع إليه لو شئت، وقد ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه توجيهًا نفيسًا لهذا الحديث.
وفي هامش النسخة المصرية(2): قوله: "الظالم. . ." إلخ، إنما ساغ للعباس أن يقول ذلك لعلي لأنه كالوالد له، وللوالد ما ليس لغيره، أو هي كلمة لا يراد بها حقيقتها، انتهى.
(6 - باب إثم من آوى محدثًا)
قال القسطلاني(3): أي: مبتدعًا أو ظالمًا.
قوله: (رواه علي. . .) إلخ، قال في "الفتح": تقدم موصولًا في الباب الذي قبله، قال في "عمدة القاري": ليس في الباب الذي قبله ما يطابق الترجمة، وإنما الذي يطابقها ما تقدم في "باب الجزية" في "باب إثم من عاهد ثم غدر" قال فيه: "فمن أحدث فيه حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله"، انتهى من "القسطلاني".
(7 - باب ما يذكر من ذمّ الرأي وتكلف القياس)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(4): أراد المؤلف بذكر البابين هذا وما بعده أن كل قياس غير محمود، ولا كله مذموم، فأما قياس مجتهدي الأمة، أي: ما لا يخالف أصول الشرع وقواعد الدين وكان مستندًا إلى أهل--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (10/ 281 - 284).
(2) "تحفة الباري" (6/ 505).
(3) "إرشاد الساري" (15/ 306)، وانظر: "فتح الباري" (13/ 281)، و"عمدة القاري" (16/ 524).
(4) "لامع الدراري" (10/ 284، 285).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٤٨)
الأدلة، فهذا النوع من القياس محمود، والمذموم ما يخالف ذلك، ويلزم فيه تخصيص النص أو مخالفته أو ترك العمل به إلى غير ذلك مما هو معروف، انتهى.
وفي هامشه: وحاصله ما أفاده الشيخ أن الغرض من هذا الباب الردّ على من يزعم أن كل قياس صحيح محمود وإن لم يبن على أصل شرعي، والغرض من الباب الآتي وهو قوله: "باب من شبّه أصلًا معلومًا. . ." إلخ، الردّ على من زعم أن كل قياس باطل مذموم، فمن حكى عن الإمام البخاري أنه منكر للقياس بناءً ونظرًا على هذا الباب الأول فقط فلم يصب.
قال الحافظ(1): قوله: "باب ما يذكر من ذمّ الرأي. . ." إلخ، أي: الفتوى بما يؤدّي إليه النظر، وهو يصدق على ما يوافق النصّ وعلى ما يخالفه، والمذموم منه ما يوجد النص بخلافه، وأشار بقوله: ["من"] إلى أن بعض الفتوى بالرأي لا يذم، وهو إذا لم يوجد النصّ من كتاب أو سُنَّة أو إجماع.
وقوله: (وتكلف القياس) أي: إذا لم يوجد الأمور الثلاثة، واحتاج إلى القياس، فلا يتكلفه بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن العلة الجامعة واضحة فليتمسك بالبراءة الأصلية، ويدخل في تكلف القياس ما إذا استعمله على أوضاعه مع وجود النصّ، ومما إذا وجد النص فخالفه، وتأول لمخالفته شيئًا بعيدًا، ويشتد الذمّ فيه لمن ينتصر لمن يقلده مع احتمال أن لا يكون الأول اطلع على النص، انتهى.
وهكذا في "العيني"(2)، وزاد: فإن قلت: روى البيهقي بسنده إلى عمر قال: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أغنتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا"، قلت: في صحته نظر، ولئن سلمنا فإنه أراد به الرأي مع وجود النص، انتهى. كذا في هامش "اللامع".--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 282).
(2) "عمدة القاري" (16/ 525).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٤٩)
(8 - باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل مما لم ينزل عليه الوحي. . .) إلخ
قال الحافظ(1): أي: كان له إذا سئل عن الشيء الذي لم يوح إليه، فيه حالان: إما أن يقول: لا أدري، وإما أن يسكت حتى يأتيه بيان ذلك بالوحي، ولم يذكر لقوله: "لا أدري" دليلًا فإن كلًّا من الحديثين المعلق والموصول من أمثلة الشق الثاني، وأجاب بعض المتأخرين بأنه استغنى بعدم جوابه به، والذي يظهر أنه أشار بالترجمة إلى ما ورد في ذلك، ولكنه لم يثبت عنده منه شيء على شرطه، وإن كان يصلح للحجة كعادته في أمثال ذلك، وقد وردت فيه عدة أحاديث، منها حديث ابن عمر: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي البقاع خير؟ قال: لا أدري، فأتاه جبرئيل فسأله فقال: لا أدري؟ فقال: سل ربك فانتفض جبرئيل انتفاضة" الحديث، أخرجه ابن حبان، وأما حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا"؟ وهو عند الدارقطني والحاكم، فقد تقدم في شرح حديث عبادة من "كتاب العلم" الكلام عليه، انتهى مختصرًا.
قلت: ومثله ما أخرجه الإمام أبو داود(2) في "باب التخيير بين الأنبياء عليهم السلام" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أدري أتُبّعٌ لَعِينٌ هو أم لا؟ وما أدري أعزير نبي هو أم لا"؟ قال الشيخ في "البذل"(3): وهذا قبل أن يوحى إليه في أمره، ثم أعلمه الله بعد ذلك أنه أسلم، فقد روى أحمد(4) من حديث سهل الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا تبعًا فإنه قد أسلم"، وقوله: "أعزير نبي هو أم لا؟ " لعله أعلم بعد ذلك أنه نبي، انتهى من "البذل".
وفي هامش "اللامع"(5) بعد ذكر أقاويل الشرَّاح في غرض الترجمة:--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 290).
(2) "سنن أبي داود" (4674).
(3) "بذل المجهود" (13/ 84، 85).
(4) "مسند أحمد" (5/ 340).
(5) "لامع الدراري" (10/ 286 - 288).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥٠)
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض المصنف بهذه الترجمة الإشارة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي هل كان للنبي صلى الله عليه وسلم حق الاجتهاد أم لا بدّ له من انتظار الوحي؟ ذكر الحافظ الإشارة إلى هذه المسألة في باب سيأتي بعد عدة أبواب من قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} إذ قال: ويحتمل أن يكون مراده الإشارة إلى الخلافية المشهورة في أصول الفقه، وهي: هل كان له صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في الأحكام أم لا؟ انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى هذه المسألة بهذا الباب لا بالباب الآتي، ثم ذكر في هامش "اللامع" تفصيل الأقوال في هذه المسألة، وفيه: قال ابن رسلان في شرح أبي داود تحت حديث: "لولا أن أشقّ على أمتي. . ." إلخ: قد اختلف الأصوليون في هذه المسألة على أربعة أقوال، ثالثها: كان له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام، ورابعها: الوقف.
وقال النووي في حديث الغيلة: وفيه جواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم، وبه قال جمهور أهل الأصول، وقيل: لا يجوز لتمكنه من الوحي، والصواب الأول.
وقال أيضًا: أما أمور الدنيا فاتفق العلماء على جواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم فيها ووقوعه منه، وأما أمور الدين فقال أكثر العلماء بالجواز، وحكاه العيني عن الشافعي وأحمد وأبي يوسف، قال السرخسي في "المبسوط": وهو الصحيح عندنا؛ لأنه إذا جاز لغيره فله صلى الله عليه وسلم أولى، وقال جماعة: لا يجوز له لقدرته على اليقين، وحكاه الأبي عن الجبائي وابنه والإمامية، إلى آخر ما فيه، فارجع إليه لو شئت.
(9 - باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء)
قال المهلب: مراده أن العالم إذا كان يمكنه أن يحدِّث بالنصوص، لا يحدث بنظره ولا قياسه، انتهى.
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥١)
قال الحافظ(1): والمراد بالتمثيل القياس، وهو إثبات مثل حكم معلوم لآخر لاشتراكهما في علة الحكم، والرأي أعم.
قال الكرماني(2): موضع الترجمة من الحديث قوله: "كان لها حجابًا من النار" فإنه أمر توقيفي لا يعلم إلا من قبل الله تعالى، لا دخل للقياس والرأي فيه، انتهى.
قال السندي(3): قوله: "ولا تمثيل" أي: ولا ردّ للمثل إلى مثله، وهو حقيقة القياس، ولهذا اشتهر هذا الاسم بين المناطقة في القياس، انتهى.
(10 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق")
هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم عن ثوبان، وبعده: "لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"، وله من حديث جابر مثله، لكن قال: "يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة".
قوله: (وهم أهل العلم) هو من كلام المصنف، وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل - هو البخاري - يقول: سمعت علي بن المديني يقول: هم أصحاب الحديث، وعن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، انتهى من "الفتح"(4).
(11 - باب قول الله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} [الأنعام: 65])
ويردّ على ظاهر الترجمة أن محلها "كتاب الفتن".
والأوجه عندي: أن هذه الترجمة بمنزلة التكملة للباب السابق، فإن ظاهر قوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" أي: أن يكونوا--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 293).
(2) "شرح الكرماني" (25/ 57).
(3) "صحيح البخاري بحاشية السندي" (4/ 263).
(4) "فتح الباري" (13/ 293).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥٢)
متفقين فيما بينهم، كما يدلّ عليه ظاهر سياق الترجمة الأولى، فنبَّه الإمام البخاري بعقد هذا الباب على أنهم مع ظهورهم على الحق وغلبتهم عليه لا يكونون متفقين فيما بينهم، فهو إشارة إلى اختلاف أهل الحق فيما بينهم؛ لأنه تعالى لم يستجب دعوته صلى الله عليه وسلم في عدم اختلاف الأمة ورفع تنازعهم.
وقال الحافظ(1): وجه مناسبته لما قبله أن ظهور بعض الأمة على عدوهم دون بعض يقتضي أن بينهم اختلافًا حتى انفردت طائفة منهم بالوصف؛ لأن غلبة الطائفة المذكورة إن كانت على الكفار ثبت المدعى، وإن كانت على طائفة من هذه الأمة أيضًا فهو أظهر في ثبوت الاختلاف، فذكر بعده أصل وقوع الاختلاف، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يريد أن لا يقع فأعلمه الله تعالى أنه قضى بوقوعه، وأن كل ما قدّره لا سبيل إلى رفعه، قال ابن بطال: أجاب الله تعالى دعاء نبيه في عدم استئصال أمته بالعذاب، ولم يجبه في أن لا يلبسهم شيعًا، أي: فرقًا مختلفين، انتهى من هامش "اللامع"(2) بزيادة من "الفتح"(3).
(12 - باب من شبّه أصلًا معلومًا بأصل مبين)
وبهذا الباب استدل من قال: إن الإمام البخاري قائل بالقياس والاجتهاد، وهو الأوجه عند هذا العبد الضعيف، ولهذا ردّ المشايخ قول من عزا إلى الإمام البخاري إنكار القياس والاجتهاد.
قال الحافظ(4): قال ابن بطال(5): التشبيه والتمثيل هو القياس عند العرب، وقد احتج المزني بهذين الحديثين اللذين ذكرهما البخاري في الباب على من أنكر القياس، قال: وأول من أنكر القياس إبراهيم النظام، وتبعه بعض المعتزلة، وممن ينسب إلى الفقه داود بن علي، وما اتفق عليه الجماعة هو الحجة، فقد قاس الصحابة فمن بعدهم من التابعين، وفقها الأمصار، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 296)، و"شرح ابن بطال" (10/ 360).
(2) "لامع الدراري" (10/ 289).
(3) "فتح الباري" (12/ 297).
(4) "فتح الباري" (13/ 297).
(5) "شرح ابن بطال" (10/ 361).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥٣)
وقد صرّح الكرماني وغيره من "العيني" و"القسطلاني"(1) أن غرض هذا الباب إثبات القياس.
وكتب الشيخ في "اللامع"(2): عنى بالمعلوم ما أريد علمه واستنباطه، وبالمبين ما هو معلوم من قبل، وقوله: "بيَّن الله حكمها" أي: في الكتاب والسُّنَّة من قبل بيان حكم ذلك الأمر المطلوب علمه، انتهى.
وقال السندي في "حاشيته"(3): قوله: "معلومًا" أي: مطلوبًا بالعلم والبيان للمخاطب، وقوله: "بأصل مبين" أي: قد بُيِّن للمخاطب من قبل، أو المراد بالمعلوم المعلوم للمتكلم المجيب، وكذا المبين والمطلوب تشبيه المجهول على المخاطب بالمعلوم عنده، مع أن كلًّا منهما معلوم عند المتكلم بدون هذا التشبيه، وإنما يشبه لتفهيم السائل المخاطب، والتوضيح عنده لا لإثبات الحكم كما يقول به أهل القياس، فهذا جواب عن أدلة مثبتي القياس بأن ما جاء من القياس كان للإيضاح والتفهيم، بعد أن كان الحكم ثابتًا في كل من الأصلين، ولم يكن لإثبات الحكم، والله تعالى أعلم، انتهى.
هذا ما أفاده العلامة السندي في الغرض من الترجمة، وأما غيره من أكثر الشرَّاح الحافظان والقسطلاني فقد تقدم أنهم صرّحوا بأن غرض المصنف بهذا الباب إثبات حجية القياس.
(13 - باب مما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله. . .) إلخ
كذا في النسخة "الهندية" و"الفتح"، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": "القضاة". قال القسطلاني(4): بصيغة الجمع، ولأبي ذر--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (25/ 60)، و"عمدة القاري" (16/ 533)، و"إرشاد الساري" (15/ 320).
(2) "لامع الدراري" (10/ 290).
(3) "صحيح البخاري بحاشية السندي" (4/ 264).
(4) "إرشاد الساري" (14/ 321).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥٤)
ولأبي الوقت: "القضاء" بفتح القاف والضاد والمد وإضافة الاجتهاد إليه، والمعنى الاجتهاد في الحكم، وفيه حذف تقديره اجتهاد متولي القضاء، والاجتهاد بذل الوسع للتوصل إلى معرفة الحكم الشرعي، انتهى.
قال الحافظ(1): قال ابن بطال(2): لا يجوز للقاضي الحكم إلا بعد طلب حكم الحادثة من الكتاب أو السُّنَّة، فإن عدمه رجع إلى الإجماع، فإن لم يجده نظر هل يصحّ الحمل على بعض الأحكام المقررة لعلة تجمع بينهما، فإن وجد ذلك لزمه القياس عليها إلى آخر ما ذكر، وقال أيضًا: ذكر المصنف في هذا الباب حديثين: الأول للشق الأول، والثاني للثاني، انتهى.
(14 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم")
قال ابن بطال(3): أعلم صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس.
قال الحافظ: قد وقع معظم ما أنذر به صلى الله عليه وسلم، وسيقع بقية ذلك، انتهى.
(15 - باب إثم من دعا إلى ضلالة. . .) إلخ
وهذا الباب عندي تكملة للباب السابق، قال المهلب: هذا الباب والذي قبله في معنى التحذير من الضلال، واجتناب البدع ومحدثات الأمور في الدين، والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 299).
(2) "شرح ابن بطال" (10/ 363).
(3) "فتح الباري" (13/ 301)، و"شرح ابن بطال" (10/ 366).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥٥)
ووجه التحذير أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الأمر، ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده، ولو لم يكن هو عمل بها بل لكونه كان الأصل في إحداثها، انتهى من "الفتح"(1).
وفيه أيضًا ورد فيما ترجم به حديثان بلفظ: وليسا على شرطه، واكتفى بما يؤدي معناهما، وهما ما ذكرهما من الآية والحديث، فأما حديث: "من دعا إلى ضلالة" فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي، وأما حديث: "من سَنَّ سُنَّة سيئة" فأخرجه مسلم، وأخرجه الترمذي أيضًا من وجه آخر بلفظ: "من سن سُنَّة خير، ومن سن سُنَّة شر" انتهى مختصرًا من "الفتح".
(16 - باب ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحضّ على اتفاق أهل العلم. . .) إلخ
قال الحافظ(2): قال ابن بطال عن المهلب: غرض البخاري بهذا الباب وأحاديثه تفضيل المدينة بما خصها الله به من معالم الدين، وأنها دار الوحي ومهبط الملائكة بالهدى والرحمة، وشرّف الله بقعتها بسكنى رسوله، وجعل فيها قبره ومنبره وبينهما روضة من رياض الجنة.
قال الحافظ: وفضل المدينة ثابت لا يحتاج إلى إقامة دليل خاص، وقد تقدم من الأحاديث في فضلها في آخر الحج ما فيه شفاء، وإنما المراد هنا تقدم أهلها في العلم على غيرهم إلى آخر ما قال.
وما اختاره الحافظ في الغرض من الترجمة به جزم القسطلاني(3) إذ قال: ومراده من سياق أحاديث هذا الباب تقديم أهل المدينة في العلم على غيرهم في العصر النبوي، ثم بعده قبل تفرق الصحابة في الأمصار، ولا سبيل إلى التعميم كما لا يخفى، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 302).
(2) "فتح الباري" (13/ 312).
(3) "إرشاد الساري" (15/ 344).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥٦)
وأما العلامة العيني(1) فإنه قد مالَ إلى رأي المهلب الذي سبق في كلام الحافظ، فإنه ذكر قول المهلب في الغرض من الترجمة، وسكت عليه، فكأنه رضي به.
ثم اعلم أنه يستفاد من كلام بعض الشرَّاح أن غرض المصنف بهذا الباب وأحاديثه بيان مسألة الإجماع، ففي "الفيض"(2): "باب ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ، شرع في بيان حجية الإجماع، لا سيما إجماع أهل الحرمين، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا الباب ليس من باب الإجماع، بل يأتي مسألة الإجماع قريبًا في "باب قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .} " إلخ [البقرة: 143]، بل الغرض عندي من هذا الباب الإشارة إلى اختلافهم في وجوه ترجيح الروايات بعضها على بعض، وإليه يظهر ميل شيخ الهند مولانا محمود الحسن قُدِّس سرُّه رئيس المدرسين في دار العلوم بديوبند ففي تقريره كما حكاه مولانا مشتاق أحمد البنجابي: لما كان غرض المؤلف من هذا الكتاب بيان قواعد الشرع كيف نعلم؟ قال: اعتصموا بالكتاب والسُّنَّة، فهو الآن في هذا الباب يبين قاعدة كلية؛ لأن المسائل إذا تعارضت فينظر إلى اتفاق أهل العلم وإجماعهم، ثم بعد ذلك ينظر إلى عمل أهل الحرمين فيرجح ما اتفقوا عليه، انتهى.
قلت: قال الحازمي(3) في جملة وجوه الترجيح: الرابع عشر: أن يكون إسناد أحد الحديثين حجازيًا وإسناد الآخر عراقيًا أو شاميًا، سيما إذا كان الحديث مدني المخرج؛ لأنها دار الهجرة ومجمع المهاجرين والأنصار، والحديث إذا شاع عندهم وذاع وتلقوه بالقبول مَتُنَ وقوي، وكان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: كل حديث لا يوجد له أصل في حديث الحجازيين واهٍ، وإن تداولته الثقات، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 539).
(2) "فيض الباري" (6/ 534).
(3) "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ" (ص 13).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥٧)
وفي هامش "اللامع"(1): وليس هذا من وجوه الترجيح عندنا الحنفية، كما تقدم من كلام العيني من قوله: وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنهم ليسوا حجة على غيرهم لا من طريق النقل ولا من طريق الاجتهاد، إلى آخر ما فيه.
قوله (وقد زيد فيه. . .) إلخ، أي: في الصاع في زمن عمر بن عبد العزيز حتى صار مدًا وثلث مد من الأمداد العمرية، والجملة حالية، قال شيخنا: ومناسبة الحديث للترجمة أن الصاع مما أجمع عليه أهل الحرمين بعد العهد النبوي واستمر، فلما زاد بنو أمية فيه لم يتركوا اعتبار الصاع النبوي فيما ورد فيه التقدير بالصاع من زكاة الفطر وغيرها، بل استمروا على اعتباره في ذلك، انتهى.
(17 - باب قول الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128])
قال ابن بطال(2): دخول هذه الترجمة في "كتاب الاعتصام" من جهة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على المذكورين لكونهم لم يذعنوا للإيمان ليعتصموا به من اللعنة، وأن معنى قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} معنى قوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272]، انتهى.
ويحتمل أن يكون مراده الإشارة إلى الخلافية المشهورة في أصول الفقه، وهي: هل كان له صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في الأحكام أو لا؟ وقد تقدم بسط ذلك قبل ثمانية أبواب، انتهى من "الفتح"(3).
قلت: وهذا الغرض الأخير قد تقدم عندي في الباب الذي أشار إليه الحافظ بقوله: قبل ثمانية أبواب، وهو "باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل"، وقد تقدم البسط هناك.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (10/ 293).
(2) "شرح ابن بطال" (10/ 376).
(3) "فتح الباري" (13/ 313).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥٨)
(18 - باب قوله: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا. . .} [الكهف: 54]) إلخ
ووجه دخول هذه الترجمة عندي ههنا من حيث أنه أشار إلى أنه لا ينبغي للمرء أن يجادل في المجتهدات والمسائل الخلافية، بل ينبغي له التمسك والاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، ذكر المصنف في الباب حديثين: فالأول منهما مطابق للجزء الأول من الترجمة، والثاني للثاني.
قال العيني(1) تحت الحديث الثاني: مطابقته للجزء الثاني للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم بلغ اليهود ودعاهم إلى الإسلام فقالوا: بلَّغت، ولم يذعنوا لطاعته، فبالغ في تبليغهم وكرّره، وهذه مجادلة بالتي هي أحسن، انتهى.
وذكره الحافظ أيضًا في "الفتح"(2) وعزاه إلى المهلب.
(19 - باب قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .} [البقرة: 143]) إلخ
قد تقدم قريبًا في "باب ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحضّ على اتفاق أهل العلم. . ." إلخ، أن غرض الإمام البخاري بهذا الباب عند هذا العبد الضعيف: إثبات حجِّية الإجماع، وهكذا في تقرير شيخ الهند إذ قال: لعل غرض البخاري من هذا الباب بيان أن هذه الأمة مرحومة، وقولهم معتبر في الدنيا كما أن شهادتهم مقبولة في العقبى، وهذا إشارة إلى حجية الإجماع الذي هو أصل رابع في الدين، والله تعالى أعلم.
قلت: وبهذه الآية استدل أهل الأصول على حجية الإجماع كما قال الكرماني(3).
وقال القسطلاني(4): والاستدلال بالآية على أن الإجماع حجة؛--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (16/ 553).
(2) "فتح الباري" (13/ 315).
(3) "شرح الكرماني" (25/ 75).
(4) "إرشاد الساري" (15/ 350).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٥٩)
لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة، والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها، فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله، انتهى.
وفي "نور الأنوار"(1) في بحث الإجماع: وحكمه في الأصل أن يثبت المراد به شرعًا على سبيل اليقين لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} وصفهم بالوسطية وهي العدالة، فيكون إجماعهم حجة، وقد ضلّ بعض المعتزلة والروافض فقالوا: إن الإجماع ليس بحجة؛ لأن كل واحد منهم يحتمل أن يكون مخطأ فكذا الجميع، ولا يدرون قوة الحبل المؤلف من الشعرات وأمثاله، انتهى.
وأثبت الرازي في "تفسيره"(2) حجية الإجماع بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية [آل عمران: 110]، وذكر الحاكم في "المستدرك"(3) تسعة أحاديث في حجية الإجماع.
وقد بسط الشوكاني الكلام على الإجماع وإجماع أهل المدينة وغيرها في المقصد الثالث من "إرشاد الفحول"(4)، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع"(5).
(20 - باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. . .) إلخ
قال الحافظ(6): في رواية الكشميهني: "العالم" بدل "العامل"، و"أو" للتنويع، وقد تقدم في "كتاب الأحكام" ترجمة إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو مردود، وهي معقودة لمخالفة الإجماع، وهذه معقودة لمخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الترجمة الأولى من باب القضاء، يعني: مجرد قضاء القاضي لا يعتبر، بل هو مردود إلى حكم--------------------------------------------
(1) "نور الأنوار" (ص 221).
(2) "التفسير الكبير" (8/ 156).
(3) "المستدرك" (1/ 113 - 120).
(4) "إرشاد الفحول" (1/ 233 - 278).
(5) "لامع الدراري" (10/ 299).
(6) "فتح الباري" (13/ 317).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦٠)
الشرع، وأما هذه الترجمة الثانية فيه من باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة.
والحاصل: أن من اجتهد ثم علم أنه خلاف السُّنَّة فاجتهاده مردود، فقد قال الحافظ: قال ابن بطال(1): مراده أن من حكم بغير السُّنَّة جهلًا أو غلطًا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة، وترك ما خالفها امتثالًا لأمر الله تعالى بإيجاب طاعة رسوله، وهذا هو نفس الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة.
ويمكن أن يقال: إنه أشار بهذه الترجمة الثانية إلى مسألة أصولية شهيرة، وهي: هل المجتهد يخطئ ويصيب أو كل مجتهد مصيب، وإلى هذا أشار صاحب "الفيض"(2) إذ قال: وعند الترمذي: أن المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، انتهى.
قال القسطلاني(3): قال أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني وأبو يوسف ومحمد: المسألة التي لا قاطع فيها، كل مجتهد فيها مصيب، ثم قال بعد ما بسط الكلام على المسألة: وقال الجمهور - وهو الصحيح -: المصيب واحد، إلى آخر ما بسطه.
وقال النووي بحثًا على المسألة: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، والمذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه، انتهى.
وفي "نور الأنوار"(4): المجتهد يخطئ ويصيب، والحق في موضع الخلاف واحد، ولكن لا يعلم ذلك الواحد باليقين، فلهذا قلنا بحقية المذاهب الأربعة، وهذا مما علم بأثر ابن مسعود في المفوضة، انتهى.
قال الحافظ(5) في شرح الحديث الآتي في الترجمة الآتية: قال المازري(6): تمسّك به كل من الطائفتين من قال: إن الحق في طرفين،--------------------------------------------
(1) "شرح ابن بطال" (10/ 380).
(2) "فيض الباري" (6/ 536).
(3) "إرشاد الساري" (15/ 354).
(4) "نور الأنوار" (ص 246).
(5) "فتح الباري" (13/ 320).
(6) "المعلم" (2/ 266).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦١)
ومن قال: إن كل مجتهد مصيب، أما الأولى فلأنه لو كان كل مصيبًا لم يطلق على أحدهما الخطأ لاستحالة النقيضين في حالة واحدة، وأما المصوبة فاحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم جعل له أجرًا، فلو كان لم يصب لم يؤجر، وأجابوا عن إطلاق الخطأ في الخبر على من ذهل عن النص أو اجتهد فيما لا يسوغ الاجتهاد فيه من القطعيات، انتهى.
وقال الكرماني(1): المراد بالعامل: عامل الزكاة، وبالحاكم: القاضي، وقوله: "فأخطأ" أي: في أخذ واجب الزكاة أو في قضاء.
قال الحافظ(2): وعلى تقدير ثبوت رواية الكشميهني فالمراد بالعالم: المفتي، أي: أخطأ في فتواه، وقال: وفي الترجمة نوع تعجرف، قلت: ليس فيها قلق إلا في اللفظ الذي بعد قوله: "فأخطأ"، فصار ظاهر التركيب ينافي المقصود؛ لأن من أخطأ خلاف الرسول لا يذم، بخلاف من أخطأ وفاقه، وليس ذلك المراد، وإنما تمّ الكلام عند قوله: "فأخطأ" وهو متعلق بقوله: اجتهد، وقوله: "خلاف الرسول" أي: فقال خلاف الرسول، وحذف "قال" يقع في الكلام كثيرًا فأي عجرفة في هذا، والشارح من شأنه أن يوجه كلام الأصل مهما أمكن، ويغتفر القدر اليسير من الخلل تارةً، ويحمله على الناسخ تارة، وكل ذلك في مقابلة الإحسان الكثير الباهر ولا سيما مثل هذا الكتاب، انتهى.
(21 - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. . .) إلخ
قال الحافظ(3): يشير إلى أنه لا يلزم من ردّ حكمه أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وسعه أجر، فإن أصاب ضوعف أجره، لكن لو أقدم فحكم أو أفتى بغير علم لحقه الإثم، كما تقدمت الإشارة إليه، قال ابن المنذر: وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالمًا بالاجتهاد،--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (25/ 76).
(2) "فتح الباري" (13/ 317، 318).
(3) "فتح الباري" (13/ 318، 319).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦٢)
وأما إذا لم يكن عالمًا فلا، ومال الخطابي إلى أن العالم إنما يؤجر إذا اجتهد فأصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، وكأنه يرى أن قوله: "وله أجر واحد" مجاز عن وضع الإثم، انتهى مختصرًا.
وفي هامش النسخة المصرية عن شيخ الإسلام(1): مرّ حديث الباب في أواخر البيوع، وفيه دلالة على أن الحق عند الله واحد، وأن المجتهد يخطئ ويصيب، انتهى.
(22 - باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرةً)
قال الكرماني وتبعه العيني(2): قوله: "ما كان يغيب. . ." إلخ، عطف على مقول القول و"ما" نافية أو على الحجة فما موصولة، انتهى.
قال الحافظ(3): و"ما" موصولة، وجوّز بعضهم أن تكون نافية، وأنها من بقية القول المذكور، وظاهر السياق يأباه، وهذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيرًا من الأكابر من الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم أو يفعله من الأعمال التكليفية، فيستمرّ على ما كان اطلع عليه هو إما على المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية، وإذا تقرّر ذلك قامت الحجة على من قدم عمل الصحابي الكبير على رواية غيره متمسكًا بأن ذلك الكبير لولا أن عنده ما هو أقوى من تلك الرواية لما خالفها.
وقال ابن بطال(4): أراد الردّ على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وسننه منقولة عنه نقل تواتر، وأنه لا يجوز العمل--------------------------------------------
(1) "تحفة الباري" (6/ 517).
(2) "شرح الكرماني" (25/ 78)، و"عمدة القاري" (16/ 557).
(3) "فتح الباري" (13/ 321).
(4) "شرح ابن بطال" (10/ 384).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦٣)
بما لم ينقل متواترًا قال: وقولهم مردود بما صحّ أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره، وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد، انتهى.
وقال صاحب "الفيض"(1): قوله: "كانت ظاهرة" فيه ردّ على الباطنية حيث زعموا: أن المراد بالجنة والنار ليس ما يظهر من اسميها، بل هما عبارتان عن نعيم وعذاب معنويين، فردّ عليهم المصنف: أن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كلها محمولة على ظاهرها، لا أن لها بواطن تخالف ظواهرها، انتهى.
ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة أصولية خلافية، وهي مسألة وجوب تقليد الصحابي، قال صاحب "نور الأنوار"(2): تقليد الصحابي واجب يترك به القياس، وقال الكرخي: لا يجب [تقليده] إلا فيما لا يدرك إلا بالقياس، وقال الشافعي: لا يقلد أحد منهم سواء كان مدركًا بالقياس أو لا؟ لأن الصحابة كان يخالف بعضهم بعضًا، وليس أحدهم أولى من الآخر فتعين البطلان، انتهى.
فلا يبعد عندي أن المصنف أشار إلى هذا الأخير بناءً على أن بعضهم لا يشهدون بموضع يشهده غيره، وطالما لا يعرفون المنسوخ من الناسخ.
(23 - باب من رأى ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم حجة. . .) إلخ
كتب مولانا محمد حسن المكي في "تقريره" عن شيخه الكَنكَوهي(3): قوله: "حجة" أي: في الدين كالقرآن، أما ترك النكير من غيره عليه الصلاة والسلام كالصحابة فليس بحجة في الدين، بل هو دليل على أن ذلك مذهبه، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 537).
(2) "نور الأنوار" (ص 217).
(3) "لامع الدراري" (10/ 303).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦٤)
قال الحافظ(1): النكير المبالغة في الإنكار، وقد اتفقوا على أن تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لما يفعل بحضرته أو يقال ويطلع عليه بغير إنكار دال على الجواز؛ لأن العصمة تنفي عنه ما يحتمل في حق غيره مما يترتب على الإنكار، فلا يقرّ على باطل، فمن ثم قال: "لا من غير الرسول" فإن سكوته لا يدلّ على الجواز.
وأشار ابن التِّين إلى أن الترجمة تتعلق بالإجماع السكوتي، وأن الناس اختلفوا، فقالت طائفة: لا ينسب لساكت قول؛ لأنه في مهلة النظر، وقالت طائفة: إن قال المجتهد قولًا وانتشر لم يخالفه غيره بعد الاطلاع عليه فهو حجة، وقيل: لا يكون حجة حتى يتعدد القيل به، ومحل هذا الخلاف أن لا يخالف ذلك القول نص كتاب أو سُنَّة، فإن خالفه فالجمهور على تقديم النص، واحتج من منع مطلقًا أن الصحابة اختلفوا في كثير من المسائل الاجتهادية، فمنهم من كان ينكر على غيره إذا كان القول عنده ضعيفًا، وكان عنده ما هو أقوى منه من نص كتاب أو سُنَّة، ومنهم من كان يسكت، فلا يكون سكوته دليلًا على الجواز لتجويز أن يكون لم يتضح له الحكم، فسكت لتجويز أن يكون ذلك القول صوابًا وإن لم يظهر له وجهه، انتهى.
وقال القسطلاني(2): قوله: "حجة" لأنه لا يقر أحدًا على باطل سواء استبشر به مع ذلك أم لا، لكن دلالته مع الاستبشار أقوى، وقد تمسك الشافعي في القيافة واعتبارها في النسب بكلا الأمرين الاستبشار وعدم الإنكار في قصة المدلجي، وسواء كان المسكوت عنه ممن يغريه الإنكار أو لا، كافرًا كان أو منافقًا، والقول باستثناء من يزيده الإنكار إغراءً، حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة بناء على أنه لا يجب إنكاره عليه للإغراء، قال: والأظهر أنه يجب إنكاره عليه ليزول توهم الإباحة والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرًا أو منافقًا قول إمام الحرمين بناءً على أن الكافر غير مكلف بالفروع، إلى آخر ما ذكر.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 323، 324).
(2) "إرشاد الساري" (15/ 358).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦٥)
وفي "نور الأنوار"(1): ركن الإجماع نوعان: عزيمة: وهو التكلم منهم بما يوجب الاتفاق إن كان ذلك الشيء من باب القول، أو شروعهم في الفعل إن كان من بابه، ورخصة: وهو أن يتكلم أو يفعل البعض دون البعض، أي: يتفق بعضهم على قول أو فعل وسكت الباقون منهم، ويسمى هذا إجماعًا سكوتيًا، وهو مقبول عندنا، وفيه خلاف الشافعي، انتهى مختصرًا.
(24 - باب الأحكام التي تعرف بالدلائل. . .) إلخ
قال الكرماني(2): قوله: "بالدلائل" أي: بالملازمات الشرعية أو العقلية، قال ابن الحاجب وغيره: الأدلة المتفق عليها خمسة: الكتاب والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، وذلك كما إذا علم ثبوت الملزوم شرعًا أو عقلًا علم ثبوت لازمه عقلًا أو شرعًا، وقوله: "كيف معنى الدلالة. . ." إلخ، ومعنى الدلالة هو كإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم أن الخاص وهو الحمير حكمه داخل تحت حكم العام، وهو {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} الآية [الزلزلة: 7]، فإن من ربطها في سبيل الله فهو عامل للخير، يرى جزاءه خيرًا، ومن ربطها فخرًا ورياءً فهو عامل للشر جزاؤه شر، وأما تفسيرها فكتعليم عائشة رضي الله عنها للمرأة السائلة التوضوء بالفرصة، انتهى.
قال الحافظ(3): الدلالة في عرف الشرع الإرشاد إلى أن حكم الشيء الخاص الذي لم يرد فيه نصٌّ خاصٌّ داخل تحت حكم دليل آخر بطريق العموم، فهذا معنى الدلالة، وأما "تفسيرها" فالمراد به تبيينها، وهو تعليم المأمور كيفية ما أمر به، وإلى ذلك الإشارة في ثاني أحاديث الباب، ويستفاد من الترجمة بيان الرأي المحمود، وهو ما يؤخذ مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله بطريق التنصيص وبطريق الإشارة، فيندرج في--------------------------------------------
(1) "نور الأنوار" (ص 219).
(2) "شرح الكرماني" (25/ 80).
(3) "فتح الباري" (13/ 331).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦٦)
ذلك الاستنباط، ويخرج الجمود على الظاهر المحض، انتهى.
وفي تقرير شيخ الهند نوَّر الله مرقده(1): قوله: "باب الأحكام. . ." إلخ، هذا أيضًا قاعدة كلية من القواعد الشرعية؛ لأن الأعمال قد تعرف بالدلالة من الحديث، وقال مولانا سلمه الله تعالى: إن البخاري لم يكتف بذكر أن مدار الدين الوحي، بل حتى القواعد أيضًا، أثبتها من الأحاديث، ولله دره، انتهى.
وما يظهر لهذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري قد أشار في "كتاب الاعتصام" بتراجم عديدة إلى مسائل الأصول كما ترى، فهكذا أشار بهذه الترجمة إلى أمرين قد نبَّه عليهما أصحاب الأصول، الأول: ما قالوا: إن أصول الشرع أربعة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، وأشار إلى هذه الأربعة بقوله: "التي تعرف بالدلائل"، ولما كان الكلام على هذه الأربعة قد تقدم من مبدأ كتاب الاعتصام إلى ههنا، أشار إليها بقوله: "التي تعرف بالدلائل"، والأمر الثاني: هو ما ذكروه من تقسيم الاستدلال من الكتاب والسُّنَّة إلى أقسام عديدة معروفة عندهم من عبارة النص وإشارته ودلالته واقتضائه، فأشار إلى هذا الأمر الثاني بقوله: "وكيف معنى الدلالة. . ." إلخ.
(25 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء. . .) إلخ
قال الحافظ(2): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وغيره من حديث جابر: أن عمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، وقال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به،--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (10/ 305، 306).
(2) "فتح الباري" (13/ 334).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦٧)