والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني"، ورجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفًا، قال ابن بطال عن المهلب: هذا النهي إنما هو في سؤالهم عما لا نصّ فيه؛ لأن شرعنا مكتف بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نصّ ففي النظر والاستدلال غنى عن سؤالهم، ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا، والأخبار عن الأمم السالفة.
وأما قوله تعالى: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94] فالمراد به من آمن منهم، والنهي إنما هو عن سؤال من لم يؤمن منهم، ويحتمل أن يكون الأمر يختص بما يتعلق بالتوحيد والرسالة المحمدية وما أشبه ذلك، والنهي عما سوى ذلك، انتهى.
قلت: وقد تقدم مني أن الإمام البخاري طالما أشار في هذا الكتاب إلى المسائل الأصولية، فهكذا ههنا عندي أنه أشار إلى مسألة أخرى خلافية، وهي شرائع من قبلنا هل تلزمنا مطلقًا أو لا؟ ففي "نور الأنوار"(1): قال بعضهم: تلزم علينا مطلقًا، وقال بعضهم: لا تلزمنا قط، والمختار أن شرائع من قبلنا تلزمنا إذا قصّ الله ورسوله من غير إنكار، وهذا أصل كبير لأبي حنيفة يتفرع عليه أكثر الأحكام الفقهية، فمثال ما لم ينكر علينا بعد نقل القصة قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] فهذا كله باق علينا، ومثال ما أنكره علينا بعد القصة قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية [الأنعام: 146]، ثم قال: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146]، فعلم أنه لم يكن حرامًا علينا، إلى آخر ما قال.
وقال الحافظ ابن كثير(2) تحت قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} الآية [المائدة: 45]: وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن--------------------------------------------
(1) "نور الأنوار" (ص 216).
(2) "تفسير ابن كثير" (5/ 233، 234).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦٨)
الجمهور، وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالًا عن الشافعي وأكثر الأصحاب، ورجّح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فالله أعلم، انتهى.
(26 - باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التحريم إلا ما تعرف إباحته)
هكذا هذه الترجمة ههنا في النسخ الهندية، وقد اختلفت نسخ الشروح ههنا، ففي نسخة "العيني" و"القسطلاني" ههنا: "باب كراهية الخلاف".
قال القسطلاني(1): وهذا الباب - أي: كراهية الخلاف - عند أبي ذر بعد "باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التحريم" وقبل هذا الباب المذكور "باب قول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الآية [الشورى: 38] "، انتهى.
قلت: وبهذا الترتيب الذي أشار إليه القسطلاني وقع في نسخة "الفتح"، ففيه ذكر أولًا "باب قول الله {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} " وثانيًا "باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ، وثالثًا "باب كراهية الاختلاف".
قال الحافظ(2): وقع في بعض النسخ في هذه الأبواب الثلاثة الأخيرة تقديم وتأخير، والخطب فيها سهل، انتهى.
قوله: (عن التحريم) هكذا بلفظ "عن" في النسخ الهندية، وهكذا في نسخة متن الكرماني، وفي هامش الهندية(3) عن "الخير الجاري": متعلق بمحذوف، أي: ينبئ عن التحريم، وفي نسخ الشروح الأربعة بلفظ "على" بدل "عن"، وعليها بنوا شروحهم إذ قالوا: أي: محمول على التحريم،--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (15/ 371).
(2) "فتح الباري" (13/ 344).
(3) "صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري" (14/ 367).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٦٩)
والمعنى أن نهيه صلى الله عليه وسلم محمول على التحريم إلا ما يعرف كراهته بقرائن، وكذا أمره إيجاب إلا ما يعرف إباحته بالقرائن.
قال الحافظ(1): وقد أنهى بعض الأصوليين صيغة الأمر إلى سبعة عشر وجهًا، والنهي إلى ثمانية أوجه، ونقل القاضي أبو بكر ابن الطيّب عن مالك والشافعي: أن الأمر عندهما على الإيجاب والنهي على التحريم حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، وقال ابن بطال(2): هذا قول الجمهور، وقال كثير من الشافعية وغيرهم: الأمر على الندب، والنهي على الكراهة، حتى يقوم دليل الوجوب في الأمر، ودليل التحريم في النهي، وتوقف كثير منهم، انتهى.
وفي "نور الأنوار"(3): موجب الأمر الوجوب عند العامة لا الندب، كما ذهب إليه البعض وهم أكثر المعتزلة، ويروى عن الشافعي في قول، ولا الإباحة كما ذهب إليه بعض، كما نقل عن بعض أصحاب مالك، إلى آخر ما ذكر.
(27 - باب كراهية الاختلاف)
قال الحافظ(4): ولبعضهم الخلاف، أي: في الأحكام الشرعية أو أعم من ذلك، انتهى.
ثم لا يذهب عليك الفرق بين هذا الباب وبين ما تقدم من باب قوله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54] فإنه أخص منه هذا، وكذا ما تقدم قبله من "باب قول الله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} " [الأنعام: 65] فإن غرضه عندي خاص كما تقدم هناك.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 337).
(2) "شرح ابن بطال" (10/ 393).
(3) "نور الأنوار" (ص 27).
(4) "فتح الباري" (13/ 336).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧٠)
(28 - باب قول الله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ. . .} [الشورى: 38]) إلخ
قال الحافظ(1): أما الآية الأولى فأخرج البخاري في "الأدب المفرد" وابن أبي حاتم بسند قوي عن الحسن قال: "ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم"، وفي لفظ: "إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع"، وأما الآية الثانية فأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن الحسن أيضًا قال: قد علم أنه ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده، وفي حديث أبي هريرة: "ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم"، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع.
وقد اختلف في متعلق المشاورة فقيل: في كل شيء ليس فيه نص، وقيل: في الأمر الدنيوي فقط، وقال الداودي: إنما كان يشاورهم في أمر الحرب مما ليس فيه حكم، قال: ومن زعم أنه كان يشاورهم في الأحكام فقد غفل غفلة عظيمةً، وقال غيره: اللفظ وإن كان عامًّا لكن المراد به الخصوص للاتفاق على أنه لم يكن يشاورهم في فرائض الأحكام، قال الحافظ: وفي هذا الإطلاق نظر، فقد أخرج الترمذي وحسّنه وصحّحه ابن حبان من حديث علي قال: "لما نزلت {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} [المجادلة: 12] قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ما ترى دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت {أَأَشْفَقْتُمْ} الآية [المجادلة: 13]، قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة"، ففي هذا الحديث المشاورة في بعض الأحكام، انتهى.
وهذا آخر "كتاب الاعتصام" الذي هو آخر كتاب من هذا "الجامع الصحيح" كما تقدم في مبدأ الكتاب، أما براعة الاختتام فعند الحافظ في قوله: "سبحانك هذا بهتان عظيم" والتسبيح مشروع في الختام، فلذلك ختم--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 340).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧١)
به "كتاب التوحيد"، والحمد لله بعد التسبيح آخر دعوى أهل الجنة، قال الله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10]، وقد ورد في حديث أبي هريرة في ختم المجلس ما أخرجه الترمذي وابن حبان وغيرهما عنه مرفوعًا: "من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللَّهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك"، قاله الحافظ ابن حجر(1).
وما ظهر لهذا العبد الفقير إلى رحمته تعالى أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى يذكر الرجل في آخر كل كتاب موته كما تقدم غير مرة، فهكذا ههنا في آخر "كتاب الاعتصام" تحصل هذه البراعة عندي من حديث قصة الإفك إذ في تمامه إشارات كثيرة مذكرة للموت تظهر بالتأمل لمن يعتبر.
* * *--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 544).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧٢)
97 - كتاب الرد على الجهميّة وغيرهم
يأتي قريبًا ذكر اختلاف النسخ، وقد تقدّم في مبدأ "كتاب الاعتصام" أن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا الكتاب ليس بكتاب مستأنف بل هو بمنزلة التكملة لكتاب الاعتصام، فكن منه على ذكر، وفي هامش النسخة "الهندية"(1) عن الكرماني: لما فرغ البخاري من مسائل أصول الفقه شرع في مسائل أصول الكلام وما يتعلق بها، وبذلك ختم كتابه، فإن قلت: الأولى تقديم الكلاميات على سائر ما في الجامع؛ لأنها الأصل والأساس والكل متفرع عنه مبني عليه، فالوضع الطبيعي أن يقدم مسائل أصول الكلام على مسائل أصول الفقه، ثم هو على مسائل الفقه ونحوها من سائر العمليات، قلت: لعله من باب الترقي إرادةً لختم الكتاب بالأشرف وختامه مسك.
ثم إنه قدّم التوحيد على غيره؛ لأنه أصل الأصول، وهو معنى كلمة الشهادة التي هي شعائر الإسلام، إلى آخر ما ذكر من تقسيم الصفات إلى عدمية ووجودية وغير ذلك.
ثم اعلم أنه اختلفت النسخ ههنا ففي النسخ الهندية "كتاب الرد على الجهمية وغيرهم التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ، وفي النسخ المصرية من المتون والشروح: "كتاب التوحيد، باب ما جاء. . ." إلخ.
قال الحافظ(2): كذا للنسفي وحماد بن شاكر، وعليه اقتصر الأكثر عن الفربري، وزاد المستملي: "الردّ على الجهمية وغيرهم"، ووقع لابن بطال وابن التِّين: "كتاب رد الجهمية وغيرهم التوحيد" وضبطوا--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري" (14/ 386 - 387)، و"شرح الكرماني" (25/ 95).
(2) "فتح الباري" (13/ 344).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧٣)
التوحيد بالنصب على المفعولية، وظاهره معترض؛ لأن الجهمية وغيرهم من المبتدعة لم يردوا التوحيد، وإنما اختلفوا في تفسيره، وحجج الباب ظاهرة في ذلك، انتهى.
ثم قال الحافظ(1): قال الكرماني(2): "الجهمية" فرقة من المبتدعة ينتسبون إلى جهم بن صفوان، مقدم الطائفة القائلة أن لا قدرة للعبد أصلًا، وهم الجبرية.
قال الحافظ: وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصةً، وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات، حتى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق.
وقد ذكر أبو منصور عبد القاهر في كتابه "الفرق بين الفرق": أن رؤوس المبتدعة أربعة إلى أن قال: والجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وقال: لا فِعْلَ لأحد غير الله تعالى، وإنما ينسب الفعل إلى العبد مجازًا، وزعم أن علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد، حتى قال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره، قال: وأصفه بأنه خالق ومحي ومميت وموحد بفتح المهملة الثقيلة؛ لأن هذه الأوصاف خاصة به، وزعم أن كلام الله حادث، ولم يسم الله متكلمًا.
قال البخاري في "كتاب خلق أفعال العباد": بلغني أن جهمًا كان يأخذ عن الجعد بن درهم، وكان خالد القسري وهو أمير العراق خطب فقال: إني مضح بالجعد؛ لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، وكان ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك، وقتل جهم كان بعد ذلك بمدة، وأسند أبو القاسم اللالكائي في "كتاب السُّنَّة" له: أن قتل جهم كان في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، والمعتمد ما ذكره الطبري أنه كان--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 345).
(2) "شرح الكرماني" (25/ 95).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧٤)
في سنة ثمان وعشرين، وذكر ابن أبي حاتم أن قصة جهم كانت سنة ثلاثين ومائة، ونقل البخاري عن محمد بن مقاتل قال: قال عبد الله بن المبارك:
ولا أقول بقول الجهم إن له … قولًا يضارع قول الشرك أحيانًا
وعن ابن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ونستعظم أن نحكي قول جهم، وعن عبد الله بن شوذب قال: ترك جهم الصلاة أربعين يومًا على وجه الشك، وأخرج ابن أبي حاتم في "كتاب الردّ على الجهمية" من طريق خلف بن سليمان البلخي قال: كان جهم من أهل الكوفة وكان فصيحًا، ولم يكن له نفاذ في العلم، فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده، فدخل البيت لا يخرج مدة ثم خرج، فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، انتهى.
وأيضًا نقل عنه أنه قال: إن أسماء الله تعالى مخلوقة؛ لأن الاسم غير المسمى، وقال: لو قلت: إن لله تسعة وتسعين اسمًا لعبدت تسعة وتسعين إلهًا، كما سيأتي في "باب إن لله مائة اسم. . ." إلخ.
قوله: (وغيرهم) قال الحافظ(1): والمراد بقوله: "وغيرهم" القدرية، وأما الخوارج فتقدم ما يتعلق بهم في "كتاب الفتن"، وكذا الرافضة تقدم ما يتعلق بهم في "كتاب الأحكام"، وهؤلاء الفرق الأربع هم رؤوس البدعة، وقال أيضًا: قال ابن حزم في "كتاب الملل والنحل": فرق المقرين بملة الإسلام خمس: أهل السُّنَّة، ثم المعتزلة ومنهم القدرية، ثم المرجئة، ومنهم الجهمية والكرامية، ثم الرافضة ومنهم الشيعة، ثم الخوارج ومنهم الأزارقة والإباضية، ثم افترقوا فرقًا كثيرة إلى أن قال: وفي مقالاتهم ما يخالف أهل السُّنَّة الخلاف البعيد والقريب، فأقرب فرق المرجئة من قال: الإيمان التصديق بالقلب واللسان فقط، وليست العبادة من الإيمان، وأبعدهم الجهمية القائلون بأن الإيمان عقد بالقلب فقط وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد الوثن من غير تقية، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 344 - 346).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧٥)
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): ثم إن المقصود بالردّ هنا ليس هو طائفة مخصوصة من أهل البدع، بل كل من أدّى إليه فكر المؤلف وقت ذكر الحديث، فكن على ذكر من ذلك، انتهى.
قوله: (التوحيد) كتب الشيخ في "اللامع"(2): أي: هذا بيان التوحيد، فإن الكتاب لما كان وضعه للردّ عليهم وهم أنكروا صفاته تبارك وتعالى، وأثبتوا للخلق قوة الخلق دون الاكتساب فقط كما هو مسلك أهل السُّنَّة والجماعة، أراد أن يردّ على هؤلاء زعمهم الباطل، انتهى.
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي": قوله: "التوحيد" بالنصب ظرف للردّ، معناه كتاب الرد عليهم في التوحيد، أي: في باب التوحيد بإثبات الصفات له تعالى التي أنكرها الجهمية، انتهى.
قلت: وعلى هذا لا يرد ما أورد الحافظ كما تقدم من قوله: "ظاهره معترض. . ." إلخ، فللَّه در الشيخ قُدِّس سرُّه، وأورد العلامة العيني(3) على قول الحافظ بقوله: لا اعتراض عليها فإن من الجهمية طائفة يردون التوحيد، انتهى.
وقال صاحب "الفيض"(4): "التوحيد" بالنصب والرفع، أما النصب فبناء على أنه مفعول للردّ، أي: هذا كتاب في الرد على توحيدهم الذي اعتقدوه، وأما الرفع فلعطفه على كتاب الردّ، أي: الردّ عليه هو التوحيد، انتهى.
وقد تقدم في بيان اختلاف النسخ أن الواقع في أكثر النسخ من المتون والشروح بلفظ "كتاب التوحيد"، فقال صاحب "الخير الجاري" كما في "هامش النسخة الهندية"(5): وعنوان الكتاب بالتوحيد بمنزلة عنوان--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (10/ 314).
(2) "لامع الدراري" (10/ 312، 313).
(3) "عمدة القاري" (16/ 575).
(4) "فيض الباري" (6/ 545).
(5) "صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري" (14/ 386).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧٦)
المتكلمين بالإلهيات، فكما يذكرون فيها مباحث الذات والصفات والنبوات وخلق الأعمال والحشر والميزان فكذا ذكر البخاري في هذا الكتاب المعنون بكتاب التوحيد الأمور المذكورة، وليكن هذا عندك أصلًا حتى لا تحتاج في كل مقام إلى تكلف مال إليه الشرَّاح، انتهى.
فائدة: وللإمام ابن أبي حاتم أيضًا تأليف باسم "كتاب الرد على الجهمية"، وقد أكثر الحافظ في الأخذ عنه في شرح التراجم الآتية.
(1 - باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله. . .) إلخ
قال القسطلاني(1): وهو الشهادة بأن الله واحد، ومعنى أنه تعالى واحد كما قاله بعضهم نفي التقسيم لذاته، ونفي التشبيه عن حقه وصفاته، ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته، فلا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات، ولا فعل لغير حتى يكون شريكًا له في فعله أو عديلًا له، وهذا هو الذي تضمنته سورة الإخلاص من كونه واحدًا صمدًا إلى آخرها، فالحق سبحانه وتعالى مخالف لمخلوقاته كلها مخالفة مطلقة، انتهى.
قلت: وقد تقدم في شرح قوله: "التوحيد" بالنصب أن المقصود الردّ على توحيد المبتدعة لا ردّ التوحيد مطلقًا، ومن ههنا شرع المصنف في الردّ على تلك الفرق الباطلة المذكورة في صدر الكتاب، فابتدأ بإثبات التوحيد الذي يقول به أهل السُّنَّة والجماعة على رغم أنف هؤلاء الفرق الباطلة، وأيضًا يخطر ببالي في الغرض من الترجمة أن الإمام البخاري ترجم بذلك دفعًا لما يتوهم مما تقدم من لفظ الردّ على الجهمية التوحيد أنه أثبت في هذا الكتاب ردّ التوحيد - والعياذ بالله - فأتى بهذه الترجمة دفعًا لهذا الإيهام الموحش.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (15/ 381).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧٧)
(2 - {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110])
قال ابن بطال(1): غرضه في هذا الباب إثبات الرحمة، وهي من صفات الذات، قال: والمراد برحمته إرادته نفع من سبق في علمه أنه ينفعه، وأما الرحمة التي جعلها في قلوب عباده فهي من صفات الفعل، وصفها بأنه خلقها في قلوب عباده، وهي رقة على المرحوم، وهو سبحانه وتعالى منزّه عن الوصف بذلك، فتتأول بما يليق به، انتهى من "الفتح"(2).
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي"(3): هذا شروع في إثبات الصفات له تعالى، وكان قبل هذا إثبات توحيد الذات، انتهى.
ثم إنه قد يشكل ههنا من أن مسألة الصفات من باب الاعتقاد، وقد أثبتها المصنف بأحاديث الباب، وهي من قبيل أخبار الآحاد التي لا تنتهض حجة في الاعتقاديات، وقد تعرض لهذا الإشكال والجواب عنه الحافظ قُدِّس سرُّه فأجاد حيث قال(4): والذي يظهر من تصرف البخاري في "كتاب التوحيد" أنه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة، فيدخل كل حديث منها في باب، ويؤيده بآية من القرآن للإشارة إلى خروجها عن أخبار الآحاد، وأن من أنكرها خالف الكتاب والسُّنَّة جميعًا، وقد أخرج ابن أبي حاتم في "كتاب الردّ على الجهمية" بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع، وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال: ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث، والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75] {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] {الرَّحْمَنُ عَلَى--------------------------------------------
(1) "شرح ابن بطال" (10/ 403).
(2) "فتح الباري" (13/ 358).
(3) "لامع الدراري" (10/ 314).
(4) "فتح الباري" (13/ 359).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧٨)
الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، ونحو ذلك، فلم يزل - أي: سلام بن مطيع - يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس، انتهى.
ثم إنه قد تقدم في كلام الحافظ في الغرض من الترجمة من قول ابن بطال، وهو إثبات الرحمة، ثم قال الحافظ(1) في آخر الباب: وكأن المصنف لمح في هذه الترجمة بهذه الآية إلى ما ورد في سبب نزولها عن ابن عباس: أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا: يا الله يا رحمن، فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحدٍ وهو يدعوا إلهين، فنزلت، انتهى.
قلت: لعل الحافظ أراد بهذا أن المصنف أشار بهذه الآية بحسب شأن نزولها إلى إثبات التوحيد، فهذا غرض آخر غير ما تقدم عن ابن بطال، لكن روايات الباب تؤيد قول ابن بطال.
(3 - باب قول الله: (إني أنا الرزاق ذو القوة المتين) [الذاريات: 58])
كذا في النسخة "الهندية"، وهكذا في نسخة "القسطلاني" وفي نسخة "الفتح" والعيني بلفظ: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ}.
قال الحافظ(2): كذا لأبي ذر والأصيلي على وفق القراءة المشهورة، ووقع في رواية القابسي: "إني أنا الرزاق. . ." إلخ، وجزم به الصغاني، وزعم أن الذي وقع عند أبي ذر وغيره من تغييرهم لظنهم أنه خلاف القراءة، قال: وقد ثبت ذلك قراءة عن ابن مسعود، وقلت: ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه كذلك، كما أخرجه أحمد وأصحاب السنن.
قال ابن بطال(3): تضمن هذا الباب صفتين لله تعالى: صفة ذات،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 359).
(2) "فتح الباري" (13/ 360).
(3) "شرح ابن بطال" (10/ 404).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٧٩)
وصفة فعل، فالرزق فعل من أفعاله تعالى، فهو من صفات فعله، والقوة من صفات الذات، وهي بمعنى القدرة، انتهى مختصرًا.
قلت: والأوجه عندي: أن الترجمة تتعلق بالأولى فقط، فإن صفة القوة سيأتي قريبًا في "باب قل هو القادر، إذ قالوا: إن القوة والقدرة واحد"، وعلى هذا فلا يلزم التكرار في الترجمة.
(4 - باب قول الله: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن: 26])
فيه إثبات صفة العلم لله تعالى، والردّ على المعتزلة حيث قالوا: إنه عالم بلا علم، وأنكر الجهمية أيضًا كونه عالمًا.
قال الحافظ(1): قال ابن بطال(2): في هذه الآيات إثبات علم الله تعالى، وهو من صفات ذاته، خلافًا لمن قال: إنه عالم بلا علم، ثم إذا ثبت أنّ علمه قديم وجب تعلقه بكل معلوم على حقيقته بدلالة هذه الآيات.
وبسط الحافظ ههنا الكلام على هذه المسألة وذكر شبهات المخالفين وتأويلاتهم الباطلة مع الردّ عليهم فارجع إليه لو شئت.
وكتب الشيخ في "اللامع"(3): ولا يخلو أكثر أحاديث الباب - أي: كتاب الردّ على الجهمية - من إثبات شيء من الصفات أو التقدير أو غير ذلك مما هو مفيد في الردّ على فرق أهل البدع، انتهى.
قلت: وهو كذلك فإن جميع أبواب هذا الكتاب تبلغ ثمانية وخمسين، وكلّها ردّ على أحد من أهل البدع أو إثبات لصفة من صفاته تبارك وتعالى، ثم ذكر في هامش "اللامع" الكلام على جميع هذه الأبواب بابًا بابًا بالإجمال، فارجع إليه لو شئت الكلام الجملي على هذه الأبواب.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 362).
(2) "شرح ابن بطال" (10/ 407).
(3) "لامع الدراري" (10/ 314).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٨٠)
(5 - باب قول الله: {السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ. . .} [الحشر: 23]) إلخ
ذكر الشرَّاح أنّ الغرض منه إثبات أسمائه تعالى، وأشار بهذا اللفظ إلى ثلاث آيات من سورة الحشر، فإنها ختمت بقوله تعالى: {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}.
والأوجه عندي: أن الغرض إثباتُ اسم السلام، أنه اسم من أسمائه تعالى، كما في حديث الباب، وأما ذكر الأسماء فسيأتي في باب مستأنف "باب إن لله مائة اسم. . ." إلخ، والباب الذي بعده من "باب السؤال بأسماء الله تعالى. . ." إلخ، وهما الباب الثاني عشر، والثالث عشر.
(6 - باب قول الله: {مَلِكِ النَّاسِ. . .}) إلخ
قال ابن بطال(1): ووصفه بأنه {مَلِكِ النَّاسِ} [الناس: 2] يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى القدرة فيكون صفة ذات، وأن يكون بمعنى القهر والصرف عما يريدون فيكون صفة فعل، انتهى من "الفتح"(2).
ومال الحافظ إلى أن الغرض من الترجمة إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه غير مخلوق حيث قال: والذي يظهر لي أنه أشار إلى ما قاله نعيم بن حماد الخزاعي، قال ابن أبي حاتم في "كتاب الرد على الجهمية": وجدت في كتاب نعيم بن حماد قال: يقال للجهمية: أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16] فلا يجيبه أحد فيردّ على نفسه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم أفهذا مخلوق، انتهى.
وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أن الله يخلق كلامًا فيسمعه من شاء، بأن الوقت الذي يقول فيه: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} لا يبقى حينئذ مخلوق حيًّا، فيجيب نفسه فيقول: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} فثبت أنه يتكلم بذلك، وكلامه صفة من صفات ذاته فهو غير مخلوق، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح ابن بطال" (10/ 410).
(2) "فتح الباري" (13/ 368).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٨١)
(7 - باب قول الله {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ})
قال الحافظ(1): قال ابن بطال(2): "العزيز" يتضمن العزة، والعزة يحتمل أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة، وأن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم، ولذلك صحت إضافة اسمه إليها، قال البيهقي: العزة تكون بمعنى القوة فترجع إلى معنى القدرة، ثم ذكر نحوًا مما ذكره ابن بطال، والذي يظهر أن مراد البخاري في الترجمة إثبات العزة لله ردًّا على من قال: إنه العزيز بلا عزة، انتهى.
(8 - باب قول الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ. . .}) إلخ
المقصود بهذا إثبات اسمه تعالى الحق، وبسط الحافظ في "الفتح" في معنى الحق والمراد به، وقال(3): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى ما ورد في تفسير هذه الآية أن معنى قوله: {بِالْحَقِّ} أي: بكلمة الحق، وهو قوله تعالى: {كُنْ}، ونقل ابن التِّين عن الداودي: أن الباء ههنا بمعنى اللام، أي: لأجل الحق إلى آخر ما بسطه.
وقال القسطلاني(4): الحق في الأسماء الحسنى معناه الواجب الوجود بالبقاء الدائم والدوام المتوالي الجامع للخير والمجد، إلى آخر ما بسطه.
فالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة إثبات اسمه تعالى الحق، ويكون الحجة في الحديث في قوله: "أنت الحق".
ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بالخلق في ثلاثة أبواب: الأول هذا، والثاني ما سيأتي من باب قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ} [الحشر: 24]، وهو الباب الثامن عشر، والثالث "باب ما جاء في تخليق--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 369).
(2) "شرح ابن بطال" (10/ 412).
(3) "فتح الباري" (13/ 371).
(4) "إرشاد الساري" (15/ 404).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٨٢)
السموات والأرض"، وهو الباب السابع والعشرون، ولا تكرار في هذه التراجم عندي لاختلاف المقاصد، وقد عرفت أن الغرض من الباب الذي نحن بصدده هو إثبات اسمه تعالى الحق، ويأتي الكلام على البابين الآتيين في محلهما، انتهى من هامش "اللامع"(1).
(9 - باب قوله: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134])
والغرض من الترجمة إثبات صفتي السمع والبصر، وفي الحاشية عن العيني(2): غرضه من هذا الباب الردّ على المعتزلة حيث قالوا: إنه سميع بلا سمع، وعلى من قال: معنى السميع العالم بالمسموعات لا غير.
قال البيهقي في "الأسماء والصفات"(3): السميع من له السمع يدرك به المسموعات، والبصير من له البصر يدرك به المرئيات، انتهى مختصرًا.
وفي حاشية النسخة المصرية عن شيخ الإسلام(4): غرضه الردّ على المعتزلة في قولهم: إنه يقال: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، لاستحالة سميع وبصير بلا سمع وبصر، انتهى.
قال الكرماني(5): المقصود من هؤلاء الأحاديث إثبات صفتي السمع والبصر، وهما صفتان قديمتان من الصفات الذاتية، وعند حدوث المسموع والمبصر يقع التعلق، وأما المعتزلة فقالوا: إنه سميع يسمع كل مسموع، وبصير يبصر كل مبصر، فادّعوا أنهما صفتان حادثتان، وظواهر الآيات والأحاديث تردّ عليهم، وبالله التوفيق، انتهى.
ويشكل مطابقة حديث أبي بكر بالترجمة، قال العيني(6) تبعًا للكرماني(7): مطابقته للترجمة من حيث إن بعض الذنوب مما يسمع،--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (10/ 315، 316).
(2) "عمدة القاري" (16/ 589).
(3) "كتاب الأسماء والصفات" (ص 177).
(4) "تحفة الباري" (6/ 531).
(5) "شرح الكرماني" (25/ 109).
(6) "عمدة القاري" (16/ 591).
(7) "شرح الكرماني" (25/ 109).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٨٣)
وبعضها مما يبصر لم تقع مغفرته إلا بعد الإسماع والإبصار، وقال ابن بطال: مناسبته للترجمة من حيث إن دعاء أبي بكر بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي أن الله تعالى سميع لدعائه ويجازيه عليه، وبما ذكر ردّ على من قال: حديث أبي بكر ليس مطابقًا للترجمة إذ ليس فيه ذكر صفتي السمع والبصر، انتهى.
(10 - باب قوله: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ. . .} [الأنعام: 65]) إلخ
قال ابن بطال(1): القدرة من صفات الذات، وقد تقدّم في باب قوله تعالى: "إني أنا الرزاق" أن القوة والقدرة بمعنى واحد، انتهى من "الفتح"(2).
وهكذا قال العيني(3): أن القوة والقدرة بمعنى واحد، انتهى.
قلت: وبذلك جزم البيهقي في "كتاب الأسماء والصفات"(4) إذ ترجم "ما جاء في إثبات صفة القدرة وهي القوة"، انتهى.
وقد تقدم أن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض من الترجمة المذكورة سابقًا إثبات صفة الرزق لا القدرة، وعلى هذا فلا تكرار في الترجمة.
(11 - باب مقلب القلوب)
قال الحافظ(5): ويستفاد منه أن إعراض القلب كالإرادة وغيرها بخلق الله تعالى، وهي من الصفات الفعلية، ومرجعها إلى القدرة، وقال أيضًا: وفيه حجة لمن أجاز تسمية الله تعالى بما ثبت في الخبر، ولو لم يتواتر، وجواز اشتقاق الاسم له تعالى من الفعل الثابت، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح ابن بطال" (10/ 418).
(2) "فتح الباري" (13/ 376).
(3) "عمدة القاري" (16/ 591).
(4) "كتاب الأسماء والصفات" (ص 125).
(5) "فتح الباري" (13/ 377).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٨٤)
(12 - باب أن لله مائة اسم إلا واحدًا. . .) إلخ
قال ابن أبي حاتم في "كتاب الردّ على الجهمية": ذكر نعيم بن حماد أن الجهمية قالوا: إن أسماء الله تعالى مخلوقة؛ لأن الاسم غير المسمى، وادعوا أن الله كان، ولا وجود لهذه الأسماء، ثم خلقها ثم تسمى بها، قال: فقلنا لهم: إن الله قال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، وقال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} [يونس: 3]، فأخبر أنه المعبود، ودلّ كلامه على اسمه بما دلّ به على نفسه، فمن زعم أن اسم الله مخلوق فقد زعم أن الله أمر نبيه أن يسبح مخلوقًا، ونقل عن إسحاق بن راهويه عن الجهمية أن جهمًا قال: لو قلت: إن لله تسعةً وتسعين اسمًا لعبدت تسعة وتسعين إلهًا، قال: فقلنا لهم: إن الله أمر عباده أن يدعوه بأسمائه فقال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، والأسماء جمع، أقله ثلاثة، ولا فرق في الزيادة على الواحد بين الثلاثة وبين التسعة والتسعين.
قال الإمام أحمد في "كتاب السُّنَّة": قالت الجهمية لمن قال: إن الله لم يزل بأسمائه وصفاته: قلتم بقول النصارى حيث جعلوا معه غيره، فأجابوا بأنا نقول: إنه واحد بأسمائه وصفاته، فلا نصف إلا واحدًا بصفاته كما قال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر: 11] وصفه بالوحدة مع أنه كان له لسان وعينان وأذنان وسمع وبصر، ولم يخرج بهذه الصفات عن كونه واحدًا، ولله المثل الأعلى، انتهى من "الفتح"(1).
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بهذا الباب إلى أن لفظ الله اسم ذات، والباقي أسماء صفات، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 378 و 13/ 381).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٨٥)
(13 - باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها. . .) إلخ
قال الحافظ(1): قال ابن بطال(2): مقصوده بهذه الترجمة تصحيح القول بأن الاسم هو المسمى، فلذلك صحت الاستعاذة بالاسم كما تصح بالذات، وأما شبهة القدرية التي أوردوها على تعدد الأسماء، فالجواب عنها أن الاسم يطلق ويراد به المسمى، ويطلق ويراد به التسمية، وهو المراد بحديث الأسماء، انتهى.
وهكذا في "العيني"(3) وزاد: كون الاسم هو المسمى لا يتمشى إلا في الله تعالى، كما نبَّه عليه صاحب "التوضيح"(4) حيث قال: غرض البخاري أن يثبت أن الاسم هو المسمى في الله تعالى على ما ذهب إليه أهل السُّنَّة، انتهى.
وبسط الكلام على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في "فتاواه" أشدّ البسط، والحافظ ابن حجر في "الفتح"، ويمكن أن يقال: إن الغرض بهذا الباب الردّ على من قال: إن أسماء الله تعالى مخلوقة وكلامه مخلوق كما نقل عن الجهمية، ووجه الردّ أنها لو كانت غيرها لما جازت الاستعاذة بها، كما قال البخاري في "كتاب خلق الأفعال"، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع"(5).
ثم لا يذهب عليك ما قاله الحافظ، وتبعه العيني(6): ذكر في الباب تسعة أحاديث كلها بالتبرك باسم الله والسؤال به والاستعاذة، ويردّ على ظاهره أن التبرك باسمه تعالى ليس بمذكور في الترجمة، بل الترجمة بلفظ--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 379).
(2) "شرح ابن بطال" (10/ 423).
(3) "عمدة القاري" (16/ 594).
(4) "التوضيح" (33/ 239).
(5) "لامع الدراري" (10/ 318).
(6) "فتح الباري" (13/ 380)، و"عمدة القاري" (16/ 594).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٨٦)
السؤال، اللَّهم إلا أن يقال: إن التبرك باسم الكريم دعاء وسؤال منه، وأيضًا يردّ عليه أن الاستعاذة لا يثبت نصًّا بشيء من الروايات إلا أن يقال: إن الاستعاذة يستأنس بحديث: "جنبنا الشيطان" الحديث.
(14 - باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله)
أي: ما يذكر في ذات الله ونعوته من تجويز إطلاق ذلك كأسمائه أو منعه لعدم ورود النص به، انتهى من "الفتح"(1).
قلت: وما يظهر من الحديث الوارد فيه أن الغرض جواز إطلاق لفظ الذات على الله تعالى عزّ اسمه فإنه مختلف فيه.
وفي "الفتح"(2): عن ابن برهان: إطلاق المتكلمين الذات في حق الله تعالى من جهلهم؛ لأن الذات تأنيث "ذو"، وهو جلت عظمته لا يصح له إلحاق تاء التأنيث، ولهذا امتنع أن يقال: علَّامة، وإن كان أعلم العالمين، وتعقب بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبة، أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الاسمية فلا محذور لقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بنفس الصدور، وبسط الحافظ الكلام على لفظ الذات لغةً واستعمالًا.
قوله: (وأسامي الله) جمع اسم، وتجمع أيضًا على أسماء، قال ابن بطال(3): أسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب: أحدها: يرجع إلى ذاته وهو الله، والثاني: يرجع إلى صفة قائمة به كالحي، والثالث: يرجع إلى فعله كالخالق، وطريق إثباتها السمع، والفرق بين صفات الذات وصفات الفعل أن صفات الذات قائمة به، وصفات الفعل ثابتة له بالقدرة ووجود المفعول بإرادته جل وعلا، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/ 381).
(2) "فتح الباري" (13/ 382).
(3) "شرح ابن بطال" (10/ 426).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ٧٨٧)