(19 - باب قول الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} [يوسف: 7])
أي: في قصتهم {آيَاتٌ} علامات على قدرته تعالى أو على نبوتك أو عبرة للمعتبرين، فإنها تشتمل على رؤيا يوسف وما حقق الله منها، وعلى صبر يوسف عن قضاء الشهوة، وعلى الرق والسجن وما آل إليه أمره من الملك، وعلى حزن يعقوب وصبره، وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد، ووصفها الله تعالى بأنها أحسن القصص إذ ليس في القصص غيرها ما فيها من العبر والحكم مع اشتمالها على ذكر الأنبياء والصالحين وسير الملوك والمماليك والتجار والنساء وحيلهن ومكرهن والتوحيد وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا، وذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما، انتهى من "القسطلاني"(1).
وقال الحافظ(2): اسم إخوة يوسف: روبيل - بضم الراء - وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وداني، ونفتالي - بفاء ومثناة -، وكاد، وأشير، وأيساجر، ورايلون، وبنيامين، وهم الأسباط، وقد اختلف فيهم فقيل: كانوا أنبياء، ويقال: لم يكن فيهم نبي، وإنما المراد بالأسباط قبائل من بني إسرائيل، وقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير، انتهى.
وقال العلَّامة العيني(3): ويوسف فيه ستة أوجه: ضم السين وكسرها وفتحها مع الهمزة وتركه، واختلفوا فيه هل هو أعجمي أو عربي؟ فالأكثرون على أنه أعجمي ولهذا لم ينصرف، وقيل: عربي مأخوذ من الأسف وهو الحزن، أو الأسيف وهو العبد، وقد اجتمعا في يوسف عليه السلام فسمي به، وقال مقاتل: ذكر الله يوسف في القرآن في سبعة وعشرين موضعًا، انتهى.
قوله: (سألت أم رومان وهي أم عائشة عما قيل فيها. . .) إلخ، كتب--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (7/ 358 - 359).
(2) "فتح الباري" (6/ 419).
(3) "عمدة القاري" (11/ 101).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤١٦)
الشيخ في "اللامع"(1): في الرواية حذف واختصار كثير حتى أخل بالمرام وأوهم خلاف المقصود، وقد مرت الرواية بتمامها، فعليها ينبغي أن تحمل ما ههنا، فقوله: "وهي تقول" ليس حالًا عن قوله: "ولجت علينا امرأة من الأنصار"؛ لأن ذلك يصير غلطًا، بل المعنى ولجت امرأة من الأنصار، فذهبت بها عائشة قبل المناصع، فبينا ذاهبة معها إذ عثرت فقامت وهي تقول: فعل الله بفلان وفعل، فقالت: إنه نمى الحديث، وغير ذلك من الاختصارات التي لا تكاد تذهب على بصير، وقوله: "كمثل يعقوب" رواية بحسب المعنى، وإلا فقد صرحت عائشة فيما تقدم أنها لم تذكر اسم يعقوب، فعبرت عنه بأبي يوسف، وبه يصح إيراد الحديث ههنا في قصة يوسف عليه السلام، انتهى.
ومطابقة حديث عائشة في شرح قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. . .} [يوسف: 110] إلخ، ما قال الحافظ(2): هو وقوع الآية في سورة يوسف ودخوله هو في عموم قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [يوسف: 109]، وكان مقامه في السجن تلك المدة الطويلة إلى أن جاءه النصر من عند الله تعالى بعد اليأس، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"(3): قوله: " {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. . .} إلخ" [يوسف: 110] والحاصل: أن عائشة قرأتها بالتشديد من التفعيل، وقراءة العامة بتخفيفه، فسأل عروة عن وجه القراءة ما هو؟ بالتخفيف أو التشديد؟ فقالت: كذبه قومهم، فكانوا مكذبين، فأورد عليه عروة أنه لو كان المراد ذلك لما كان لقوله: {وَظَنُّوا} معنى؛ لأنهم تيقنوا بتكذيبهم؛ لأن القوم كانوا يكذبونهم جهرة وعيانًا، فقالت عائشة: نعم استيقنوا بتكذيبهم، لكنهم غير مقصود بهذا، فإن المتيقن تكذيب المخالفين، والمظنون تكذيب الموافقين،--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (8/ 29 - 30).
(2) "فتح الباري" (6/ 420).
(3) "لامع الدراري" (8/ 33 - 36).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤١٧)
فظنت الرسل بتأخر النصر أن الذين آمنوا بهم وصدقوهم من قبل سيكذبونهم، غير أن عائشة لم يكن ختمت كلامها ولا زادت على قولها: لقد استيقنوا بذلك إذ بدر عروة فقال: لما كان تكذيبهم مستيقنًا به لم يكن لقراءة التشديد معنى فيكون كذبوا بالتخفيف، فقالت عائشة بعد ذلك ما تم به كلامها، ومعنى قوله: {كذبُوا} بالتخفيف أنهم وعدوا كذبًا، ولذلك تبرأت عائشة من هذا المعنى، والذين يقرأونها مخففًا يرجعون الضمير إلى الأتباع لا إلى الرسل، والمعنى: وظن الأتباع أن الرسل وعدوهم كذبًا، ثم إن المراد بالظن هو الهاجس والوسوسة الغير المؤاخذ عليها، فكان يخطر ببالهم ذلك، ويدفعونه حسب طاقتهم، فلا يضر ذلك إيمانهم، وبهذا المعنى لا يبعد إرجاع الضمير إلى الرسل أيضًا، أي: توسوس الرسل أن وعدهم الذي وعدوا من الإنجاء والنصر كان كاذبًا، فإن ذلك وإن لم يستقر في قلوبهم حاشاهم عن ذلك إلا أنه كان يخطر بالبال خطورًا ما، وكانوا بشرًا، والبشرية لا تتخلف عن مقتضاها، والله تعالى أعلم، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام من الشرَّاح والمفسرين.
(20 - باب قول الله عز وجل: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [الأنبياء: 83])
وذكر الحافظ نسبه والاختلاف فيه، ثم قال(1): وزعم بعض المتأخرين أنه من ذرية روم بن عيص، ولا يثبت ذلك، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام، وأن أباه كان ممن آمن بإبراهيم، وعلى هذا فكان قبل موسى، وقال ابن إسحاق: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل، ولم يصح في نسبه شيء إلا أن اسم أبيه أمص، والله أعلم. وقال الطبري: كان بعد شعيب، وقال ابن أبي خيثمة: كان بعد سليمان.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 420).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤١٨)
ثم قال الحافظ بعد ذكر الحديث(1): لم يثبت عند البخاري في قصة أيوب شيء، فاكتفى بهذا الحديث الذي على شرطه، وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جريج، وصححه ابن حبان والحاكم بسنده عن أنس: أن أيوب عليه السلام ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، إلى آخر ما ذكر الحافظ من القصة بطولها، فارجع إليه لو شئت.
وقال أيضًا: واختلف في مدة بلائه، فقيل: ثلاث عشرة سنة كما تقدم، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: سبع سنين، وقيل: إن امرأته قالت له: ألا تدعو الله ليعافيك؟ فقال: قد عشت صحيحًا سبعين سنة أفلا أصبر سبع سنين! والصحيح ما تقدم أنه لبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، وروى الطبري: أن مدة عمره كانت ثلاثًا وتسعين سنة، فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين، والله تعالى أعلم، انتهى.
قال القسطلاني(2): وكان روميًا من ولد عيص بن إسحاق، استنبأه الله، وكثر أهله وماله، فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله والمرض في بدنه، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله عز وجل إلى أن قال: وهو في كل ذلك صابر يحمد الله ويحسن الثناء عليه، ولذا كان عبرة للصابرين وذكرى للعابدين، انتهى.
(21 - باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى. . .} [مريم: 51]) إلخ
في رواية أبي ذر: "قول الله: {وَاذْكُرْ}. . ." إلخ، وليس فيه لفظ: "باب"، وموسى هو ابن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب، لا اختلاف في نسبه، انتهى من "الفتح"(3).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 421 - 422).
(2) "إرشاد الساري" (7/ 366 - 367).
(3) "فتح الباري" (6/ 422).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤١٩)
وقال القسطلاني(1) في شرح قوله: {إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا}: قال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي أمامة: قال الحواريون: يا روح الله! أخبرنا عن المخلص لله، قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس.
قوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} وعند ابن جرير عن ابن عباس: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} قال: أُدْني حتى سمع صريف القلم، انتهى.
وصريف القلم صوت جريانه بما يكتب من أقضية الله ووحيه وما ينسخه من اللوح المحفوظ، وقال ابن كثير: صريف القلم بكتابة التوراة، وقال السدي: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} قال: أدخل في السماء وكلَّمه، انتهى.
(22 - باب قول الله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. . .} [طه: 9]) إلخ
سقط لفظ "باب" عند أبي ذر وكريمة.
قوله: (قال ابن عباس: {الْمُقَدَّسِ}: المبارك {طُوًى}: اسم الوادي) هكذا وقع هذا التفسير وما بعده في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة، ولم يذكره جميع رواة البخاري هنا، وإنما ذكروا بعضه في تفسير سورة طه، وقال أيضًا في آخر الباب: لمح المصنف بهذه التفاسير لما جرى لموسى في خروجه إلى مدين، ثم في رجوعه إلى مصر، ثم في أخباره مع فرعون، ثم في غرق فرعون، ثم في ذهابه إلى الطور، ثم في عبادة بني إسرائيل العجل، وكأنه لم يثبت عنده في ذلك من المرفوعات ما هو على شرطه، وأصح ما ورد في جميع ذلك ما أخرجه النسائي وأبو يعلى بإسناد حسن عن ابن عباس في حديث القنوت الطويل في قدر ثلاث ورقات، وهو في تفسير طه عنده، وعند ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه وغيرهم ممن خرج التفسير المسند، انتهى من "الفتح"(2).--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (7/ 368).
(2) "فتح الباري" (6/ 424 - 427).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢٠)
(23 - باب {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. . .} [غافر: 28]) إلخ
قال الحافظ(1): كذا وقعت هذه الترجمة بغير حديث، ولعله أخلى بياضًا في الأصل، فوصل كنظائره، ووقع هذا في رواية النسفي مضمومًا إلى ما في الباب الذي بعده، وهو متجه، واختلف في اسم هذا الرجل، فذكر أقاويل مختلفة منها شمعان بالشين المعجمة، قال: وصححه السهيلي، انتهى.
قلت: واقتصر على ذكر هذا الاسم العلَّامة القسطلاني(2)، وقال العيني(3): في اسمه ستة أقوال، ثم ذكرها.
(24 - باب قول الله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [طه: 9]. . .) إلخ
قال الحافظ(4): ذكر في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة في صفة موسى وعيسى وغير ذلك، ثانيها: حديث ابن عباس وفيه ذكر يونس، ثالثها: حديثه في صوم عاشوراء، انتهى.
ثم هذه الترجمة بظاهرها مكررة قد تقدم مثله قبل باب، وليس بتكرار في الحقيقة، وذلك لأن هذه الأبواب كلها في حديث موسى، أي: في ذكره وأحواله، فالمقصود في هذين البابين هو الجزء المذكور بعده، ففي الباب الأول المقصود هو قوله: {إِذْ رَأَى نَارًا} الآية [طه: 10]، أي: بيان بدء نبوته، والمقصود في هذا الباب هو حال ما بعد النبوَّة، أي: تكليم الله تعالى إياه، فلا تكرار، وللتوجيه مساغ.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 428).
(2) "إرشاد الساري" (7/ 369).
(3) "عمدة القاري" (11/ 120).
(4) "فتح الباري" (6/ 429).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢١)
(25 - باب قول الله عز وجل: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً. . .} [الأعراف: 142]) إلخ
أي: ذا القعدة، {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} من ذي الحجة، روي أن موسى عليه الصلاة والسلام وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فمه فتوسك فقالت الملائكة: كنا نشمّ من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا، انتهى من "القسطلاني"(1).
قال الحافظ(2): قوله: {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} فيه إشارة إلى أن المواعدة وقعت مرتين، وقوله: {صَعِقًا} أي: مغشيًّا عليه، انتهى. ليس في نسخة.
قوله: (فدكتا فدككن) إلى قوله: (ولم يقل: كنَّ رتقًا: ملتصقتين) قال الحافظ: ذكر هذا استطرادًا إذ لا تعلق له بقصة موسى، وكذا قوله: "رتقًا: ملتصقتين"، انتهى.
وتعقَّب عليه العيني(3) إذ قال: قلت: ليس كذلك، بل ذكره تنظيرًا لما قبله؛ ولهذا قال بكاف التشبيه، أراد أن نظير "دكتا" التي هي التثنية والقياس "دككن": {كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء: 30] فإن القياس أن يقال فيه: "كن رتقا"، انتهى مختصرًا.
والإيراد عندي: ليس بصحيح كما ذكر في هامش "اللامع"(4)، وكتب الشيخ في "اللامع": قوله: "رتقًا: ملتصقتين" مفسر وتفسير، ولا علاقة لهما بما تقدم، وتم الكلام على قوله: كن، انتهى.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (7/ 378 - 379).
(2) "فتح الباري" (6/ 430).
(3) "عمدة القاري" (11/ 126).
(4) "لامع الدراري" (8/ 44).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢٢)
(26 - باب طوفان من السيل، ويقال للموت. . .) إلخ
ليس في نسخة القسطلاني لفظ "باب"، بل فيها: "طوفان من السيل. . ." إلخ.
قال العلَّامة العيني(1): أي: هذا باب يذكر فيه طوفان من السيل، وليس قوله: "طوفان من السيل" بترجمة له، وإنما هو مجرد عن الترجمة، وهو كالفصل للباب المتقدم، وسقط جميعه من رواية النسفي.
قوله: (طوفان) أشار به إلى ما في قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ} الآية [الأعراف: 133]، أما الطوفان فقد اختلفوا فيه، فقال البخاري: هو من السيل يكون من المطر الغالب، وعن ابن عباس: الطوفان كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، وبه قال الضحاك، وعنه: كثرة الموت، وبه قال عطاء، وقال مجاهد: الطوفان الماء والطاعون، وروى ابن جرير بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطوفان الموت"، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع"(2): قوله: "طوفان من السيل" لما كان الطوفان يستعمل في معان شتى بيَّن أن المراد في الآيات التسع بالطوفان هو السيل، انتهى.
(27 - باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام -)
في نسخة القسطلاني(3): "حديث الخضر مع موسى" بغير لفظ: "باب"، وقال: ولأبي ذر: "باب حديث الخضر"، انتهى.
قال الحافظ(4): ذكر فيه حديث ابن عباس عن أُبيّ بن كعب من وجهين، وسيأتي أولهما بأتم من سياقه في تفسير سورة الكهف، وذكر المصنف في هذا الباب حديث أبي هريرة: "إنما سمي الخضر لأنه--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (11/ 127 - 128).
(2) "لامع الدراري" (8/ 45 - 46).
(3) "إرشاد الساري" (7/ 382).
(4) "فتح الباري" (6/ 433).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢٣)
جلس. . ." إلخ، وتعلقه بالباب ظاهر من جهة ذكر الخضر فيه، وحكي عن مجاهد أنه قيل له: الخضر؛ لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله، انتهى.
قال العلَّامة العيني(1): والكلام في الخضر على أنواع، الأول: في اسمه، النوع الثاني: في نسبه، والثالث: في نبوته، والنوع الرابع: في حياته، ثم بسط تلك المباحث أشد البسط.
أما النوع الأول: فذكر في اسمه عدة أقوال، وصدَّر الكلام بقول مجاهد: اسمه اليسع بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام، وذكر أيضًا: قال مقاتل: بليا - بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبالياء آخر الحروف - ابن ملكان بن يقطن بن فالغ إلى آخره، واقتصر القسطلاني(2) على هذا الثاني.
أما النوع الثاني: فذكر فيه عن الطبري: أن الخضر هو الرابع من ولد إبراهيم بصلبه، وقال مجاهد: هو من ولد يافث.
أما النوع الثالث: فذكر فيه الجمهور على أنه نبي، وهو الصحيح؛ لأن أشياء في قصته تدلّ على نبوته، وروى مجاهد عن ابن عباس: أنه كان نبيًا، وقيل: كان وليًا، وعن علي رضي الله عنه: أنه كان عبدًا صالحًا، وقيل: كان ملكًا - بفتح اللام -، وهذا غريب جدًا.
وذكر في النوع الرابع الجمهور - خصوصًا مشايخ الطريقة والحقيقة وأرباب المجاهدات والمكاشفات -: أنه حي يرزق ويشاهد في الفلوات، ورآه عمر بن عبد العزيز وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي ومعروف الكرخي وسري السقطي وجنيد وإبراهيم الخواص وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وفيه دلائل وحجج تدل على حياته، ذكرناها في "تاريخنا الكبير"، وقال البخاري وابن الجوزي: إنه مات، واحتجوا بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34]. . .، إلى آخر ما بسط.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (11/ 132).
(2) "إرشاد الساري" (7/ 389).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢٤)
(28 - باب)
بغير ترجمة، كذا لأبي ذر وغيره بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وتعلقه به ظاهر، انتهى من "الفتح"(1).
قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه رجوع إلى قصة موسى وقومه بعد قصته مع الخضر، فهذا رجوع إلى الأصل، وهو أصل من أصول التراجم، وهو الأصل السابع والخمسون.
(29 - باب قوله: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ. . .} [الأعراف: 138]) إلخ
قال القسطلاني(2): أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل، وكانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، انتهى.
قال الحافظ(3): أي: تفسير ذلك، والمراد تفسير قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138]، ولم يفسر المؤلف من الآية إلا قوله تعالى فيها: {إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ} الآية [الأعراف: 139]، فقال: إن تفسير "متبر" خسران، وهذا أخرجه الطبري عن ابن عباس، والخسران تفسير التتبير الذي اشتق منه المتبر، وأما قوله: " {وَلِيُتَبِّرُوا}: ليدمروا" فذكره استطرادًا، وهو تفسير قتادة أخرجه الطبري في قوله: {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: 7] قال: ليدمروا ما غلبوا عليه تدميرًا.
وأما حديث جابر في رعي الغنم فمناسبته للترجمة غير ظاهرة، وقال شيخنا ابن الملقن في "شرحه": قال بعض شيوخنا: لا مناسبة، قال شيخنا:--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 436).
(2) "إرشاد الساري" (7/ 393).
(3) "فتح الباري" (6/ 439).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢٥)
بل هي ظاهرة لدخول موسى فيمن رعى الغنم، قال الحافظ: وهذا مناسب لذكر المتن في أخبار موسى، وأما مناسبة الترجمة للحديث فلا، والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير المذكور وبين الحديث بياض أُخلي لحديث يدخل في الترجمة ولترجمة تصلح لحديث جابر، ثم وصل ذلك، كما في نظائره. ومناسبة حديث جابر لقصص موسى من جهة عموم قوله: "وهل من نبي إلا وقد رعاها"، فدخل فيه موسى، كما أشار إليه شيخنا، بل وقع في [بعض] طرق هذا الحديث: "ولقد بعث موسى وهو يرعى الغنم"، وذلك فيما أخرجه النسائي في "التفسير"، ويؤيد هذا الذي قلت أنه وقع في رواية النسفي "باب" بغير ترجمة، وساق فيه حديث جابر، ولم يذكر ما قبله، وكأنه حذف الباب الذي فيه التفاسير الموقوفة، كما هو الأغلب من عادته، واقتصر على الباب الذي فيه الحديث المرفوع. . .، إلى آخر ما قال.
(30 - باب {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ. . .} [البقرة: 67]) إلخ
لم يذكر فيه سوى شيء من التفسير عن أبي العالية، وقصة البقرة أوردها آدم بن أبي إياس في تفسيره، ثم ذكرها الحافظ(1) بطولها، فارجع إليه لو شئت.
(31 - باب وفاة موسى عليه السلام وذكره بعد)
قال العلَّامة العيني(2): أي: هذا باب في بيان وفاة موسى عليه الصلاة والسلام، وليس في رواية أبي ذر ذكر لفظ: "باب".
قوله: (وذكره بعد) بضم الدال؛ لأنه مبني عليه لكونه قطع عن الإضافة، والتقدير: وفي بيان ذكره بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 440).
(2) "عمدة القاري" (11/ 140).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢٦)
كتب الشيخ في "اللامع"(1): قوله: "وذكره بعد" أي: وما ذكر به موسى بعد وفاته، ويمكن أن يكون كلمة "بعد" بمعنى الأُخر، ويكون كثيرًا في مثل هذا المقام، أي: وفي بيان بعض أحواله الأُخر غير ذكر وفاته، انتهى.
قلت: واكتفى الشرَّاح على الاحتمال الأول، كما تقدم في كلام العيني، وقال العيني بعد ذكر الحديث الأول: وعن وهب أن الملائكة تولّوا دفنه والصلاة عليه، وأنه عاش مائة وعشرين سنة، وقال وهب: وصلى عليه جبريل عليه السلام، وكان موته بعد موت هارون بأحد عشر شهرًا، وكان بين وفاة إبراهيم ومولد موسى مائتان وخمسون سنة، وقد مضت بقية الكلام في "كتاب الجنائز"، انتهى.
قلت: وقد تقدم الكلام على حديث الباب، أعني: حديث صكّ موسى ملك الموت مع الإشكال والجواب عنه في "باب من أحبّ الدفن في الأرض المقدسة" من "كتاب الجنائز".
(32 - باب قول الله عز وجل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا. . .} [التحريم: 11]) إلخ
الغرض من هذه الترجمة ذكر آسية، وهي بنت مزاحم امرأة فرعون، قيل: إنها من بني إسرائيل، وإنها عمة موسى، وقيل: إنها من العماليق، وقيل: ابنة عم فرعون، وأما مريم فسيأتي ذكرها مفردًا بعد، قاله الحافظ(2).
قوله: (ولم يكمل من النساء إلا آسية) الحديث، استدل بهذا الحصر على أنهما نبيتان؛ لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء، ثم الأولياء والصديقون والشهداء، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء وليّة ولا صدِّيقة ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن موجودة، فكأنه قال:--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (8/ 54).
(2) "فتح الباري" (6/ 446).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢٧)
ولم ينبأ من النساء إلا فلانة وفلانة، ولو قال: لم تثبت صفة الصديقية أو الولاية أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح لوجود ذلك في غيرهن، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، وعلى هذا فالمراد من تقدم زمانه صلى الله عليه وسلم، ولم يتعرض لأحد من نساء زمانه إلا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة رضي الله عنها على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤنة وسهولة الإساغة، وكان أجلّ أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة، فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من جهات أخرى، وقد ورد في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله: "ومريم ابنة عمران": "وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد" صلى الله عليه وسلم، أخرجه الطبراني، ثم ذكر الحافظ الكلام على التفضيل بينهن.
ثم قال: قال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها.
وقال الكرماني: لا يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوتها؛ لأنه يطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، قال: وقد نُقل الإجماع على عدم نبوة النساء.
قال الحافظ: كذا قال، وقد نُقل عن الأشعري: أن من النساء من نُبِّئَ، وهن ست: حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهي أو بإعلام مما سيأتي فهو نبي، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك، إلى أن قال الحافظ: ومن فضائل آسية [امرأة فرعون] أنها اختارت القتل على الملك، والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، وكانت فراستها في موسى عليه السلام صادقة حين قالت: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي}، انتهى كله من "الفتح"(1).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 447).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢٨)
وذكر القسطلاني(1) قصة إسلامها وتعذيبها وقتلها، لا نطيل الكلام بذكرها، وسيأتي الكلام في الأفضلية بين فاطمة وعائشة وغيرهما في "كتاب المناقب" إن شاء الله، وسيأتي أيضًا نقل الخلاف في نبوة مريم في "باب {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} الآية".
(33 - باب قوله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى. . .} [القصص: 76]) إلخ
هو قارون بن يصفد بن يصهر ابن عم موسى، وقيل: كان عم موسى، والأول أصحّ، وقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس: أنه كان ابن عم موسى.
واختلف في تفسير بغي قارون، فقيل: الحسد؛ لأنه قال: ذهب موسى وهارون بالأمر فلم يبق لي شيء، وقيل: إنه واطأ امرأة من البغايا أن تقذف موسى بنفسها، فألهمها الله أن اعترفت بأنه هو الذي حملها على ذلك، وقيل: الكبر؛ لأنه طغى بكثرة ماله، وقيل: هو أول من أطال ثيابه حتى زادت على قامته شبرًا.
ثم قال الحافظ(2): لم يذكر المصنف في قصة قارون إلا هذه الآثار، وهي ثابتة في رواية المستملي والكشميهني فقط، وقد أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس، فذكر قصة خسفه وقصة أخرى في كثرة ماله، فارجع إليه لو شئت.
وإلى ههنا انتهت سلسلة التراجم المعقودة في ذكر موسى عليه السلام، ولعمري لقد أكثر المصنف في عقد التراجم في ذكره حتى تجاوز عن اثني عشر بابًا، فكأنه اقتفى في ذلك أثر القرآن الكريم في تكرار ذكره مرة بعد أخرى، فنعم الاقتفاء.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (7/ 401).
(2) "فتح الباري" (6/ 448).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢٩)
(34 - باب قول الله عز وجل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا. . .} [الأعراف: 85]) إلخ
مدين قيل: عجمي منع من الصرف للعجمة والعلمية، وهو مدين بن إبراهيم عليه السلام، وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب، كذا قال ابن إسحاق ولا يثبت، وقيل: يشجر بن عنقا بن مدين بن إبراهيم، وقيل: هو شعيب بن صفور بن عنقا بن ثابت بن مدين، وكأنّ مدين ممن آمن بإبراهيم لما أحرق، وروى ابن حبان في حديث أبي ذر الطويل: "أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم الصلاة والسلام"، فعلى هذا هو من العرب العاربة، وقيل: إنه من بني عنزة بن أسد.
ولم يذكر المصنف في قصة شعيب سوى هذه الآثار، وهي للكشميهني والمستملي فقط، وقد ذكر الله تعالى قصته في الأعراف وهود والشعراء والعنكبوت وغيرها، وجاء عن قتادة: أنه أرسل إلى أمتين: أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، والجمهور على أن أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، انتهى مختصرًا من "الفتح"(1).
قال العيني(2): قال علماء السير: أقام شعيب مدةً بعد هلاك قومه، ووصل إليه موسى وزوّجه بنته، وقال ابن الجوزي: ثم خرج إلى مكة ومات بها، وعمره مائة وأربعون سنة، ودفن في المسجد الحرام حيال الحجر الأسود، وقال سبطه: وعند طبرية بالساحل قرية يقال لها: حطين فيها قبر يقال: إنه قبر شعيب عليه الصلاة والسلام، وقال أبو المفاخر في "تاريخه": إن شعيبًا كان عمره ستمائة وخمسين سنة، انتهى.
وفي "الفيض"(3): واعلم أن اسم شعيب في التوراة: يثروب، كما أن اسم عيسى عليه الصلاة والسلام: يشوع، وأيشوع. ولما نزل القرآن بلغة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 449، 450).
(2) "عمدة القاري" (11/ 148).
(3) "فيض الباري" (4/ 388).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٣٠)
العرب اختار ما كان المعروف عندهم، أعني: شعيبًا وعيسى عليهما الصلاة والسلام.
قوله: (لأن مدين بلد) واعلم أن مداين اسم لابن إبراهيم عليه السلام من بطن قنطوراء، وهي امرأة نكحها بعد هاجر، ثم سمي البلد على اسمه: مدين، انتهى.
ولا يخفى عليك أن مقتضى ما ذكر الحافظ في نسبه من الأقوال أن يذكر شعيب قبل ذكر موسى، وهو مقتضى ترتيب الأنبياء في سورة الأعراف وسورة هود.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية"(1) قصة مدين قوم شعيب عليه السلام بعد ذكر لوط وقبل أيوب ويونس، وذكر قصة موسى بعد يونس، وقال في آخر قصة قوم شعيب: وذكرنا ما وقع في زمان إبراهيم من قصة قوم لوط، وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام؛ لأنها قرينتها في كتاب الله عز وجل في مواضع متعددة، يذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين، وهم أصحاب الأيكة على الصحيح، فذكرناها تبعًا لها إقتداء بالقرآن العظيم، فلتقديم الإمام البخاري ذكر موسى على ذكر شعيب ليس له وجه وجيه، اللَّهم إلا أن يقال: إنه قدَّمه عليه لجلالة شأنه لكونه من أولي العزم من الرسل مع اتحاد زمانهما.
(35 - باب قول الله عز وجل: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139]) إلخ
قال الحافظ(2): هو يونس بن متى، ووقع في "تفسير عبد الرزاق" أنه اسم أمه، وهو مردود بما في حديث ابن عباس في هذا الباب، ونسبه إلى أبيه فهذا أصح، ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس، انتهى.--------------------------------------------
(1) "البداية والنهاية" (1/ 441).
(2) "فتح الباري" (6/ 451 - 452).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٣١)
وقال أيضًا: وأما قوله في الرواية: "ونسبه إلى أبيه" ففيه إشارة إلى الرد على من زعم أن متى اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه، والذي في "الصحيح" أصح، وقيل: سبب قوله: "ونسبه إلى أبيه" أنه كان في الأصل يونس بن فلان، فنسي الراوي اسم الأب وكنى عنه بفلان، وقيل: إن ذلك هو السبب في نسبته إلى أمه، فقال الذي نسي اسم أبيه: يونس بن متى وهو أمه، انتهى مختصرًا.
قال العلَّامة العيني(1): وكان - أي: متى - رجلًا صالحًا من أهل بيت النبوَّة، ولم يكن له ولد ذكر، فقام إلى العين التي اغتسل فيها أيوب عليه الصلاة والسلام، فاغتسل هو وزوجته منها، وصلَّيا ودعوا الله تعالى أن يرزقهما ولدًا مباركًا، فيبعثه الله في بني إسرائيل، فاستجاب الله دعاءهما، ورزقهما يونس، وتوفي متى ويونس في بطن أمه وله أربعة أشهر، وقد قيل: إنه من بني إسرائيل، وإنه من سبط بنيامين، وكان من أهل قرية من قرى الموصل يقال لها: نينوى، وكان قومه يعبدون الأصنام فبعثه الله إليهم، انتهى.
قوله: (من يقطين من غير ذات أصل. . .) إلخ، وصله عبد بن حميد من طريق مجاهد، وزاد: "ليس لهما ساق"، وكذا قال أبو عبيدة: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطين، نحو الدباء والحنظل والبطيخ، والمشهور أنه القرع، وقيل: التين، وقيل: الموز، وجاء في حديث مرفوع في القرع: "هي شجرة أخي يونس".
ثم قال الحافظ(2): روى ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك أنه لبث في بطن الحوت أربعين يومًا، ومن طريق جعفر الصادق قال: سبعة أيام، ومن طريق قتادة قال: ثلاثًا، ومن طريق الشعبي قال: التقمه ضحى ولَفَظَهُ عشيةً، انتهى من "الفتح".--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (11/ 151).
(2) "فتح الباري" (6/ 451 - 452).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٣٢)
(36 - باب قوله: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ. . .} [الأعراف: 163]) إلخ
قال الحافظ(1): الجمهور أن القرية المذكورة أيلة، وهي التي على طريق الحاج الذاهب إلى مكة من مصر، وحكى ابن التِّين عن الزهري: أنها طبرية.
ثم قال الحافظ: لم يذكر المصنف في هذه القصة حديثًا مسندًا، ثم ذكر الحافظ قصتهم، وقال: رواها عبد الرزاق من حديث ابن عباس بسند فيه مبهم، وحكاه مالك عن يزيد بن رومان معضلًا، انتهى.
قلت: قال الحافظ في مقدمة "الفتح"(2): ذكره بعد قصة يونس؛ لأن يونس عليه السلام التقمه الحوت، فابتلي به فصبر ونجا، وهؤلاء ابتلوا بحيتان، فمنهم من صبر ونجا، ومنهم من لم يصبر فعذب، انتهى مختصرًا.
قلت: وكانت واقعة أهل القرية المذكورة في زمن داود على نبينا عليه الصلاة والسلام كما في كتب التفسير من حاشية الجمل وغيره، وبهذا ظهرت المناسبة بين هذه الترجمة والترجمة الآتية.
(37 - باب قول الله عز وجل: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. . .} [الإسراء: 55]) إلخ
قال الحافظ(3): هو داود بن إيشاء - بكسر الهمز وسكون التحتانية بعدها معجمة - ابن عوبد بوزن جعفر ابن باعر - بموحدة ومهملة مفتوحة - ابن سلمون بن يارب - بتحتانية وآخره موحدة - ابن رام بن حفرون - بمهملة ثم معجمة - ابن فارص - بفاء وآخره مهملة - ابن يهوذا بن يعقوب، انتهى.
وقال العيني(4): وداود اسم أعجمي، وعن ابن عباس: هو بالعبرانية--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 453).
(2) مقدمة "فتح الباري" (ص: 473).
(3) "فتح الباري" (6/ 454).
(4) "عمدة القاري" (11/ 156).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٣٣)
القصير العمر، ويقال: سمي به؛ لأنه داوى جراحات القلوب، وقال مقاتل: ذكره الله في القرآن في اثني عشر موضعًا. ثم ذكر نسبه مثل ما تقدم من "الفتح"، وزاد بعده: ومنهم من زاد بعد سلمون يحشون بن عمينا بن داب بن رام، وقيل: إرم.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية"(1): لما قتل داود جالوت فأحبته بنو إسرائيل، ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم، فكان من أمر طالوت ما كان، وصار الملك إلى داود عليه السلام، وجمع الله له بين الملك والنبوَّة بين خيري الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط والنبوَّة في آخر، فاجتمع في داود هذا وهذا، كما قال تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} الآية [البقرة: 251].
وأما وفاته عليه السلام فقال الإمام أحمد في "مسنده"(2) بسنده عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلق الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع، قال: فخرج ذات يوم وغلقت الدار، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لتفتضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب. فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت مرحبًا بأمر الله. ثم مكث حتى قبضت روحه، فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس. فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلَّته الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال سليمان للطير: اقبضي جناحًا"، قال أبو هريرة: فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يرينا كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده. انفرد بإخراجه الإمام أحمد، وإسناده جيد قوي رجاله ثقات.--------------------------------------------
(1) "البداية والنهاية" (2/ 300).
(2) "مسند أحمد" (2/ 419).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٣٤)
قوله: (زبورا) هو اسم الكتاب الذي أنزل الله عليه، وروي عن ابن عباس أنه قال: أنزل الله الزبور على داود عليه السلام مائة وخمسين سورة بالعبرانية، في خمسين منها ما يلقونه من بخت نصر، وفي خمسين ما يلقونه من الروم، وفي خمسين مواعظ وحكم، ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود ولا أحكام، وروي أنه نزل عليه في شهر رمضان، انتهى.
قوله: (بسطة: زيادة وفضلًا) أي: في قوله تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247]. وهذه الكلمة في قصة طالوت، وكأنه ذكرها لما كان آخرها متعلقًا بداود، فلمح بشيء من قصة طالوت، وقد قصَّها الله في القرآن، قاله الحافظ(1).
(38 - باب أحب الصلاة إلى الله صلاة داود. . .) إلخ
يشير إلى الحديث المذكور قبله(2).
(39 - باب {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ. . .} [ص: 17]) إلخ
{الْأَيْدِ}: القوة، وكان داود موصوفًا بفرط الشجاعة.
قوله: (قال مجاهد: الفهم في القضاء) أي: المراد بفصل الخطاب، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي بشر عن مجاهد قال: {الْحِكْمَةَ}: الصواب، ومن طريق ليث عن مجاهد: {فَصْلَ الْخِطَابِ}: إصابة القضاء وفهمه، ومن طريق بن جريج عن مجاهد قال: {فَصْلَ الْخِطَابِ}: العدل في الحكم وما قال من شيء أنفذه، وقال الشعبي: {فَصْلَ الْخِطَابِ}: قوله: أما بعد، وفي ذلك حديث مسند من طريق بلال بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال: "أول من قال: أما بعد: داود النبي صلى الله عليه وسلم، وهو فصل الخطاب"، أخرجه ابن أبي حاتم، وروى ابن أبي حاتم من طريق شريح قال: {فَصْلَ الْخِطَابِ}: الشهود والأيمان، انتهى من "الفتح"(3).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 454).
(2) انظر: "فتح الباري" (6/ 455).
(3) "فتح الباري" (6/ 456).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٣٥)