للأوثان؛ لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل بخلاف تعاطيه، والعمل به، وأما الثاني فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحلّ أصلًا، وإلا جاز للمعنى المذكور، وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، وفي إيراد المصنف هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر، انتهى.
قلت: ويؤيده الباب الآتي، فقد قرن فيه بين الشرك والسحر، وسيأتي حكم الساحر بعد بابين.
قوله: (لكنه دعا ودعا. . .) إلخ، في هامش المصرية عن "شيخ الإسلام"(1): أي: لكنه لم يكن مشتغلًا بي بل بالدعاء، والمستدرك منه قوله: "وهو عندي" أو قوله: "كان يخيل إليه" أي: كان السحر أضرّ في بدنه لا في عقله وفهمه بحيث إنه توجه إلى الله ودعا، انتهى.
وكذا أفاد صاحب "الفيض"(2): تحت قوله: "حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. . ." إلخ، كما سيأتي في "باب هل يستخرج السحر"، فاحفظ هذا اللفظ، فإنه صريح في أن السحر كان في أمور النساء، ولم يكن له تعلق بأمور الشرع، وفي أكثر الألفاظ إيهام كما في الرواية الآتية، ففيها أنه فعل الشيء وما فعله، فسبق إلى بعضهم الإطلاقُ نظرًا إلى اللفظ، فجعل يؤوله حتى إن أبا بكر الجصاص أنكر هذا الحديث رأسًا، انتهى.
(48 - باب الشرك والسحر من الموبقات)
أي: المهلكات.
(49 - باب هل يستخرج السحر؟)
أي: من الموضع الذي وضع فيه، كذا في "القسطلاني"(3).--------------------------------------------
(1) "تحفة الباري" (5/ 547).
(2) "فيض الباري" (6/ 67).
(3) "إرشاد الساري" (12/ 565).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٤٨)
قال صاحب "الفيض"(1): واعلم أن في نقض الهيئة التركيبية للسحر أثرًا في إبطاله، انتهى.
وقال الحافظ(2): كذا أورد الترجمة بالاستفهام إشارة إلى الاختلاف، وصدَّر بما نقله عن ابن المسيب من الجواز إشارة إلى ترجيحه، انتهى.
قوله: (طبّ) بكسر الطاء المهملة وتشديد الموحدة: سحر، "أو" بإسكان الواو، "يؤخذ" بفتح الهمزة والخاء المعجمة المشددة، أي: يحبس، "عن امرأته" فلا يصل إلى جماعها، و "الأخذة" بضم الهمزة: هي الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل: هي خرزة يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها، "أيحل عنه" بهمزة الاستفهام وضم التحتية وفتح الهاء وتشديد اللام، "أو ينشر" بضم التحتية وسكون النون، وضبط بفتح النون وتشديد المعجمة من النشرة، وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا أو شيئًا من الجن.
قال الكرماني: وكلمة "أو" يحتمل أن تكون شكًّا أو نوعًا شبيهًا باللفّ والنشر بأن يكون الحلّ في مقابلة الطبّ، والتنشير في مقابلة التأخيذ، انتهى من كلام القسطلاني(3).
وقال الحافظ(4): ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث "العين حق" في قصة اغتسال العائن، وممن صرّح بجواز النشرة المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري وغيرهما، ثم وقفت على صفة النشرة في "كتاب الطبّ النبويّ" لجعفر المستغفري، وفيه: وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد البساتين، ثم يلقيهما في إناء نظيف، ويجعل فيهما ماء عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (6/ 67).
(2) "فتح الباري" (10/ 233).
(3) "إرشاد الساري" (12/ 565).
(4) "فتح الباري" (10/ 233، 234).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٤٩)
ثم قال الحافظ(1) في شرح قوله: "حتى استخرجه. . ." إلخ، كذا وقع في رواية ابن عيينة، وفي رواية عيسى بن يونس: "قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته"، وفي رواية وهيب: "قلت: يا رسول الله، فأخرجه للناس"، وفي رواية ابن نمير: "أفلا أخرجته؟ قال: لا"، وكذا في رواية أبي أسامة التي بعد هذا الباب، قال ابن بطال: ذكر المهلب: أن الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان، وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج ولم يذكر الجواب، وصرَّح به أبو أسامة، قال: والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدمه في الضبط، ويؤيده أن النشرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزيادة من سفيان مقبولة لأنه أثبتهم، قال: ويحتمل وجهًا آخر فذكر ما محصله: أن الاستخراج المنفيّ في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبت هو استخراج الجفّ والمنفي استخراج ما حواه، قال: وكأن السرّ في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلمه من أراد استعمال السحر، انتهى.
قلت: ولعل المصنف زاد لفظة "هل" لأجل هذا الاختلاف في الاستخراج وعدمه.
وقال القسطلاني(2): وفي حديث عمرة عن عائشة من الزيادة أنه وجد في الطلعة تمثالًا من شمع تمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، وكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة، انتهى.
قوله: (فلم ينهه عنه) كتب الشيخ في "اللامع"(3): يعني: ما لم تكن فيه كلمة منهية عنها مما فيه شرك أو كفر أو غير ذلك، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 234، 235).
(2) "إرشاد الساري" (12/ 568).
(3) "لامع الدراري" (9/ 468، 469).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥٠)
وذكر في "هامشه" ما يؤيد كلام الشيخ من الروايات، وفيه أيضًا عن "تقرير مولانا محمد حسن المكي" في بيان حكم النشرة: أن النشرة مشترك بين عمل خاص للحبّ وبين كشف السحر، ففي موضع النهي يراد به المعنى الأول، وفي موضع الإجازة يراد به المعنى الثاني، انتهى.
(50 - باب السحر)
قال الحافظ(1): كذا وقع ههنا للكثير وسقط لبعضهم، وعليه جرى ابن بطال والإسماعيلي وغيرهما، وهو الصواب؛ لأن الترجمة قد تقدمت بعينها قبل ببابين، ولا يعهد ذلك للبخاري إلا نادرًا عند بعض دون بعض، انتهى.
قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يقال في دفع التكرار: أن الغرض من الترجمتين مختلف، فالغرض من الأول إثبات حقيقة السحر ردًّا على من أنكره كما تقدم، والغرض ههنا ذكر أحكام السحر من جواز العلاج لإزالته بالدعاء وغيره، أو أشار إلى أن إزالته بالدعاء أفضل من العلاج بالدواء، وسيأتي في "كتاب الدعوات" "باب تكرير الدعاء"، فذكر فيه حديث سحره صلى الله عليه وسلم، وأشار بذلك إلى أنه ينبغي للمسحور أن يكرر الدعاء، فقد كرر النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء له، فقد دعا ثم دعا.
ثم اعلم أنه قد تقدم حكم تعليم السحر وتعلمه منعًا وجوازًا قبل بابين، وأما حكم الساحر وبيان حدّه فذكره الحافظ(2) ههنا تحت حديث الباب فقال: استدل بهذا الحديث على أن الساحر لا يقتل حدًّا إذا كان له عهد، وأما ما أخرجه الترمذي: "حدُّ الساحر ضربة بالسيف" ففي سنده ضعف، فلو ثبت لخصّ منه من له عهد، قال ابن بطال: لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك والزهري إلا أن يقتل بسحره فيقتل، وهو قول أبي حنيفة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 236).
(2) "فتح الباري" (10/ 236).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥١)
والشافعي، وعن مالك: إن أدخل بسحره ضررًا على مسلم لم يعاهد عليه نقض العهد بذلك فيحلّ قتله، وإنما لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم لبيد بن الأعصم؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، قال: وعند مالك أن حكم الساحر حكم الزنديق، فلا تقبل توبته ويقتل حدًّا إذا ثبت عليه ذلك، وبه قال أحمد، وقال الشافعي: لا يقتل إلا إن اعترف أنه قتل بسحره فيقتل به، وادّعى أبو بكر الرازي في "الأحكام" أن الشافعي تفرد بقوله: إن الساحر يقتل قصاصًا إذا اعترف أنه قتله بسحره، والله تعالى أعلم، انتهى.
(51 - باب من البيان سحر)
وفي نسخة الحافظ: "إن من البيان سحرًا" وقال: في رواية الكشميهني والأصيلي: "السحر".
قوله: (قدم رجلان) قال الحافظ(1): لم أقف على تسميتهما صريحًا، فقد زعم جماعة أنهما الزبرقان وعمرو بن الأهتم التميميان، قدما في وفد بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجرة، ثم ذكر قصة قدومهم من رواية البيهقي في "الدلائل"، ثم قال تحت حديث الباب: وقد حمل بعضهم الحديث على المدح والحثّ على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ، وهذا واضح إن صح أن الحديث ورد في قصة عمرو بن الأهتم، وحمله بعضهم على الذمّ لمن تصنّع في الكلام وتكلّف لتحسينه وصرف الشيء عن ظاهره، فشبّه بالسحر الذي هو تخييل لغير حقيقة، وإلى هذا أشار مالك حيث أدخل هذا الحديث في "الموطأ" في "باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله"، إلى آخر ما ذكر.
قلت: وأما عند المصنف فيمكن أن يقال: إنه مال إلى حمله على الذمّ كما يظهر من صنيعه، فإن المذكور في سياق التراجم ههنا هو السحر المذموم كما هو ظاهر، فالتشبيه حينئذٍ يشعر بالذم لا محالة، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 237).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥٢)
(52 - باب الدواء بالعجوة للسحر)
أي: لأجل دفعه، والعجوة بفتح المهملة وإسكان الجيم: ضرب من أجود تمر المدينة يضرب إلى السواد، وهو مما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة، كذا في الحاشية(1).
قوله: (يعني حديث علي) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): بيان للضمير المجرور في قوله: "غيره"، والحاصل: أن في غير حديث علي تنصيص على السبع، انتهى.
قلت: والمراد بعلي، علي بن المديني شيخ البخاري، وللشرَّاح ههنا كلام فارجع إلى القسطلاني(3) لو شئت.
(53 - باب لا هامة)
قال أبو زيد: هي بالتشديد، وخالفه الجميع فخففوها، وهو المحفوظ في الرواية، وكأن من شدّدها ذهب إلى أنها واحدة الهوامّ وهي ذوات السموم، وقيل: دواب الأرض التي تهم بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه إلا إن أريد أنها لا تضر لذواتها وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته، انتهى من "الفتح"(4).
وكتب الشيخ في "البذل"(5): بتخفيف الميم على المشهور ورجح القرطبي التشديد، انتهى.
وقد تقدمت هذه الترجمة قبل سبعة أبواب، وذكر فيه أيضًا الحديث--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري" (11/ 561).
(2) "لامع الدراري" (9/ 471).
(3) انظر: "إرشاد الساري" (12/ 573، 574).
(4) "فتح الباري" (10/ 241).
(5) "بذل المجهود" (11/ 641).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥٣)
المذكور مختصرًا، فهذا التكرار مشكل. ولذا قال الحافظ(1): وهذا من نوادر ما اتفق له أن يترجم للحديث في موضعين بلفظ واحد.
فالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الترجمة وإن كانت مكررة من حيث اللفظ لكن ليست بمكررة باعتبار المعنى والمقصود، وتقدم نظيره في "كتاب العلم" من "باب فضل العلم" وذلك أنهم اختلفوا في تفسير الهامة، فكتب شيخنا في "البذل"(2): فيه تأويلان: أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بالهامة، وهي الطائر المعروف من طير الليل، قيل: هي البومة، كانوا إذا سقط على دار أحدهم رآها ناعية له بعينه أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك، والثاني: أن العرب كانت تعتقد أن روح الآدمي - وقيل: عظامه - تنقلب هامة يطير ويسمونها الصدى، وقيل: روح القتيل الذي لا تدرك بثأره يصير هامة فيقول: اسقوني فإذا أدرك بثأره طارت، والثاني قول أكثر العلماء، قاله ابن رسلان، انتهى.
وفي رواية لأبي داود: قلت: فما الهامة؟ قال (أي: عطاء): يقول ناس: الهامة التي تصرِّح هامة الناس وليست بهامة الإنسان إنما هي دابة، انتهى.
قلت: فلعل الإمام البخاري ترجم بالهامة في موضعين إشارة إلى هذين المعنيين، والمناسب للترجمة الأولى التأويل الأول، وحاصله أنه من أسباب النحوسة، ولذا ذكره الإمام البخاري في أبواب التطير والفأل، والمناسب لهذه الترجمة الثانية التأويل الثاني، ولذا أوردها في أبواب السحر، فإن تغير هامة الإنسان إلى الطيران نوع من السحر.
ثم رأيت الحافظ(3) أشار إلى نحو ما قلت حيث قال بعد ذكر الاختلاف في تفسير الهامة: ولعل المؤلف ترجم "لا هامة" مرتين بالنظر لهذين التفسيرين، والله أعلم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 215).
(2) "بذل المجهود" (11/ 641).
(3) "فتح الباري" (10/ 241).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥٤)
(54 - باب لا عدوى)
المذكور في حديث الباب شيئان: العدوى والطيرة، وتقدم في الأحاديث السابقة من "باب الجذام" وغيره ذكر أربعة أشياء، منها هذان الاثنان، والثالثة الهامة، والرابعة الصفر، وذكر الحافظ عدة روايات في ذلك ثم قال(1): فالحاصل من ذلك ستة أشياء: العدوى والطيرة والهامة والصفر والغول والنوء، والأربعة الأُوَل قد أفرد البخاري لكل واحد منها ترجمة، انتهى.
وتقدم الكلام على ما عدا العدوى من تلك الأربعة في تراجمها، وأما العدوى فقال القسطلاني(2) في شرح الحديث: أي: لا سراية للمرض عن صاحبه إلى غيره نفيًا لما كانت الجاهلية تعتقده في بعض الأدواء أنها تعدي بطبعها، وهو خبر أريد به النهي، انتهى.
وقال العلامة العيني(3): العدوى اسم من الإعداء كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وكانوا يظنون أن المرض بنفسه يعدي، انتهى.
وقال السندي في "حاشية أبي داود": هي مجاوزة العلة من صاحب إلى غيره بالمجاورة والقرب، انتهى.
وأما الجمع بين روايتي الباب فقد بسط الكلام على ذلك الحافظ وغيره من الشرَّاح، وتقدم أيضًا الإشارة إليه مجملًا في "باب الجذام"، قال العلامة السندي: يحتمل أن المراد بقوله: "لا عدوى" نفي ذلك وإبطاله من أصله، وعلى هذا فما جاء من الأمر بالفرار من المجذوم ونحوه فهو من باب سدّ الذرائع، لئلا يظن المرض الحادث أنه بسبب المجاورة، ويحتمل أن المراد نفي التأثير وبيان أن مجاورة المريض من الأسباب العادية--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 159).
(2) "إرشاد الساري" (12/ 503).
(3) "عمدة القاري" (14/ 693).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥٥)
لا هي مؤثرة كما يعتقده أهل الطبيعة، وعلى هذا فالأمر بالفرار وغيره ظاهر، انتهى.
وقال الحافظ(1): قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم، وقال: ثقة بالله وتوكلًا عليه" قال: فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، قال: والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط والأكل معه على بيان الجواز، انتهى.
هكذا اقتصر القاضي ومن تبعه على حكاية هذين القولين، وحكى غيره قولًا ثالثًا وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان:
أحدهما: مسلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك فأعلّوه بالشذوذ، وبأن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها: أن امرأة سألتها عنه فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: "لا عدوى"، وقال: "فمن أعدى الأول"؟ وبأن أبا هريرة تردد في ذلك الحكم كما سيأتي، فيؤخذ الحكم من رواية غيره، وبأن الأخبار الواردة في نفي العدوى كثيرة شهيرة بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك.
والفريق الثاني: سلكوا في الترجيح عكس هذه المسألة، فردوا حديث "لا عدوى" بأن أبا هريرة رجع عنه، إما لشكه فيه، وإما لثبوت عكسه عنده، قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج وأكثر طرقًا، فالمصير إليه أولى، وأما حديث جابر ففيه نظر، وقد أخرجه الترمذي وبيَّن الاختلاف فيه ورجّح وقفه على عمر، انتهى من "الفتح".
قلت: وميل الحافظ إلى الجمع، فإنه قال في الجواب عن كل فريق:--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 159، 160).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥٦)
إن طريق الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع وهو ممكن، ثم ذكر الأقوال في طريق الجمع بالبسط، فارجع إليه لو شئت.
وأفاد الشيخ مولانا أشرف علي التهانوي قُدِّس سرُّه كما حكاه في رسالة "أنفاس عيسى": أن في العدوى ثلاثة مذاهب: الأول: أن العدوى ثابت ولا يتوقف على مشيئة الله، وهذا كفر صريح وزندقة، والثاني: اعتقاد ثبوت العدوى بالمشيئة، لكن المشيئة ضرورية توجد لا محالة، وهذا المذهب باطل لكنه ليس بكفر، الثالث: أنه مقيد بالمشيئة، والمشيئة ليست بلازمة، إن شاء الله كان وإن لم يشأ لم يكن، ثم قال: لكن الأحاديث الصحيحة تدل على أن العدوى ليس بشيء، انتهى.
(55 - باب ما يذكر في سمّ النبي صلى الله عليه وسلم -)
الإضافة فيه إلى المفعول، انتهى من "الفتح"(1).
وفي "القسطلاني"(2): قال في "القاموس": السم: القاتل المعروف، ويثلث، الجمع سموم وسمام، انتهى.
وهو هنا من إضافة المصدر لمفعوله، وقول الكرماني: سم بالحركات الثلاث، تعقبه العيني بأنه مصدر فلا تكون السين فيه مفتوحة جزمًا، والحركات الثلاث إنما تكون في كونه اسمًا، كذا في "القسطلاني"، وفيه تحريف، والموجود في نسخة "العيني"(3) هكذا: قلت: ليس في هذا المحل، فإن السين فيه مفتوحة جزمًا؛ لأنه مصدر. . . إلخ.
قوله: (رواه عروة عن عائشة) كأنه يشير إلى ما علقه في الوفاة النبوية آخر المغازي، فقال: قال يونس عن ابن شهاب قال عروة: قالت عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 245).
(2) "إرشاد الساري" (12/ 580).
(3) "عمدة القاري" (14/ 752).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥٧)
الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم"، وصله البزار وغيره، انتهى من "الفتح"(1).
(56 - باب شرب السمّ والدواء به وما يخاف منه والخبيث)
أي: الدواء الخبيث، كأنه يشير بالدواء بالسم إلى ما ورد من النهي عن التداوي بالحرام، وقد تقدم بيانه في "كتاب الأشربة"، وزعم بعضهم أن المراد بقوله: "به" منه، والمراد ما يدفع ضرر السم، وأشار بذلك إلى ما تقدم قبلُ من حديث: "من تصبح بسبع تمرات" الحديث، وفيه: "لم يضره سم" فيستفاد منه استعمال ما يدفع ضرر السم قبل وصوله، ولا يخفى بعد ما قال، لكن يستفاد منه مناسبة ذكر حديث العجوة في هذا الباب، وأما قوله: "وما يخاف منه" فهو معطوف على الضمير المجرور العائد على السم، وقوله: "منه" أي: من(2) الموت به أو استمرار المرض، فيكون فاعل ذلك قد أعان على نفسه، وأما مجرد شرب السم فليس بحرام على الإطلاق؛ لأنه يجوز استعمال اليسير منه إذا ركب معه ما يدفع ضرره إذا كان فيه نفع، أشار إلى ذلك ابن بطال، وقد أخرج ابن أبي شيبة وغيره: "أن خالد بن الوليد لما نزل الحيرة قيل له: احذر السم لا تسقيكه الأعاجم، فقال: ائتوني به، فأتوه به فأخذه بيده ثم قال: بسم الله واقتحمه فلم يضره"، فكأن المصنف رمز إلى أن السلامة من ذلك وقعت كرامةً لخالد بن الوليد، فلا يتأسى به في ذلك لئلا يفضي إلى قتل المرء نفسه، ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة في الباب، ولعله كان عند خالد في ذلك عهد عمل به، وأما قوله: "والخبيث" فيجوز جرّه والتقدير: والتداوي بالخبيث،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 245).
(2) هكذا قال العلامة العيني، والظاهر أن الضمير المجرور فيه عائد إلى الموصول في قوله: "بما. . ." إلخ، "ز".
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥٨)
ويجوز الرفع على أن الخبر محذوف والتقدير: ما حكمه؟ أو هل يجوز التداوي به؟ وقد ورد النهي عن تناوله صريحًا، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا(1)، انتهى.
وفي "القسطلاني"(2): قوله: "والخبيث" لنجاسته كالخمر ولحم الحيوان المحرم الأكل، أو لاستقذاره، فتكون كراهته من جهة إدخال المشقة على النفس، وفي الترمذي: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث" قال البدر الدماميني: وهو حجة على الشافعية في إجازتهم التداوي بالنجس، وقول الترمذي: يعني السمّ، غير مسلّم، فاللفظ عام، ولم يقم دليل على التخصيص بما ذكره، انتهى.
قال في "فتح الباري"(3): حمل الحديث على ما ورد في بعض طرقه أولى، وقد ورد في آخر الحديث متصلًا به: يعني السم، قال: ولعل البخاري أشار في الترجمة إلى ذلك، انتهى.
وقال العلامة العيني(4) تحت الترجمة: وأبهم الحكم اكتفاءً بما يفهم من حديث الباب، وهو عدم جوازه؛ لأنه يفضي إلى قتل نفسه، ثم قال بعد ذكر الحديث الأول: هذا الحديث يوضح إبهام ما في الترجمة من الحكم، وهو وجه المطابقة بينهما، انتهى.
قلت: لم يتعرض لمطابقة أحاديث الباب بالترجمة العلامة القسطلاني، بل سكت عليه مع أن الترجمة ومطابقة أحاديث الباب بها تحتاج إلى تدقيق وتفتيش، وذلك أن الترجمة متضمنة لأربعة أجزاء، والمذكور في الحديث صريحًا واحد منها، فالجزء الأول من الترجمة شرب السم، والثاني التداوي بالسم، والثالث التداوي بما يخاف منه، والرابع--------------------------------------------
(1) انظر: "لامع الدراري" (9/ 472، 473).
(2) "إرشاد الساري" (12/ 583).
(3) "فتح الباري" (10/ 248).
(4) "عمدة القاري" (14/ 753، 754).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٥٩)
التداوي بالخبيث، كما هو ظاهر من ألفاظ الترجمة، وما ذكره الشرَّاح ههنا لا يشفي العليل ولا يروي الغليل.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف كما ذكرت في هامش "اللامع"(1): أن الجزء الأول من الترجمة ثابت بحديث الباب، كما هو ظاهر، وهو أن شرب السم حرام، وأما الجزء الثاني وهو التداوي بالسم فيستفاد من الحديث أنه جائز؛ لأن مدار النهي على القتل والإهلاك والضرر، فإذا لم يضر ولم يقتل بل يشرب دواءً فلا بأس به، كما يتداوى بالمباحات مثل العجوة وغيرها، ولذا ذكر الإمام البخاري حديث العجوة ثاني حديثي الباب إشارة إلى أن التداوي كما هو جائز بالمباحات فكذا بالسمّ إذا كان شربه بحدّ لا يضر، فالتداوي به حينئذٍ كالتداوي بالمباحات، وأما الجزء الثالث، أي: التداوي بما يخاف منه فهو ملحق بالسم، فما هو حكم السم هو حكمه، أي: الجواز حين ينفع ولا يضره، وعدم الجواز إذا كان مضرًا غير نافع، وأما الجزء الرابع، أي: التداوي بالخبيث فلم يثبت بحديثي الباب صريحًا فإما أن يقال: إنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كما تقدم في كلام الحافظ، وإما أن يقال: إنه يستفاد أيضًا بحديث السم؛ لأنه أيضًا خبيث، ويحتمل أن يقال: إن هذا الجزء ثابت بالحديث الآتي في الترجمة الآتية، فإن لبن الأتان خبيث لا محالة، وحينئذ فالترجمة الآتية جزء من هذه الترجمة، فهو من الأصل الستين وهو أصل مطرد من أصول التراجم.
(57 - باب ألبان الأتن)
بضم الهمزة والمثناة الفوقانية بعدها نون جمع أتان، قال في "الفتح"(2). قال العلَّامة العيني(3): أي: بيان حكم ألبان الأتن، وبيان الحكم في الحديث، انتهى.--------------------------------------------
(1) انظر: "لامع الدراري" (9/ 472، 473).
(2) "فتح الباري" (10/ 249).
(3) "عمدة القاري" (14/ 755).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٦٠)
قلت: المراد بالحكم حكم التداوي بها، ولذا ذكره في "كتاب الطب".
وقال الحافظ(1): وقد اختلف في ألبان الأتن، فالجمهور على التحريم، وعند المالكية قول في حلّها من القول بحل أكل لحمها، انتهى من "الفتح".
وقد تقدم ذكر الخلاف في لحوم الحمر الأهلية في بابها من "كتاب الذبائح والصيد"، وفي "البحر شرح الكنز"(2): كره لبن الأتان؛ لأن اللبن يتولد من اللحم فصار مثله، وكذا لبن الخيل يكره عند الإمام كلحمه عنده، انتهى.
وكذا في "الدر المختار"(3) إذ قال: وكره لحم الأتان، أي: الحمارة الأهلية خلافًا لمالك، ولبنها ولبن الجلالة. . . إلخ، قال ابن عابدين: قوله: الأهلية، بخلاف الوحشية فإنها ولبنها حلالان، قوله: خلافًا لمالك، وللخلاف لم يقل حرم فإنه دليل تعارض الأدلة، انتهى.
وقال الموفق(4): وألبان الحمر محرمة في قول أكثرهم، ورخص فيها عطاء وطاوس والزهري، والأول أصح؛ لأن حكم الألبان حكم اللحمان، انتهى.
قلت: والمبحوث عنه ههنا هو استعمال لبنها للتداوي، ولم أر من تعرض لحكم ألبان الأتن للتداوي فليفتش، نعم صرَّحوا في أبوال الإبل أنه لا بأس بها للتداوي عند صاحبي أبي حنيفة.
(58 - باب إذا وقع الذباب في الإناء)
وإنما عقد المصنف الترجمة بذلك؛ لأن ما هو المذكور في حديث الباب في حق الذباب إنما هو من باب الطب كما لا يخفى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 249).
(2) "البحر الرائق" (8/ 207).
(3) "رد المحتار" (9/ 490، 491).
(4) "المغني" (13/ 319).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٦١)
قال الحافظ(1) في ذكر ما يستفاد من الحديث: قال الطبري: لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث بيان النجاسة والطهارة، وإنما قصد بيان التداوي من ضرر الذباب، انتهى.
وذكر الحافظ وغيره من الشرَّاح بعض الروايات الواردة في الذباب وبعض خواصه وما يتعلق به من الأحكام، قال الحافظ(2): وقد أخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعًا: "عمر الذباب أربعون ليلة، والذباب كله في النار إلا النحل" وسنده لا بأس به، قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبًا له بل ليعذب أهل النار به، قال الجوهري: يقال: إنه ليس شيء من الطيور يلغ إلا الذباب، وقال أفلاطون: الذباب أحرص الأشياء حتى إنه يلقي نفسه في كل شيء ولو كان فيه هلاكه، ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكانت ألَحّت عليه ذبابة فقال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطته من الهيئة الحاصلة، انتهى.
وفي "الفيض"(3): وقد مرّ منّا أن الغمس إنما هو إذا لم يكن الشيء حارًّا، فإنه إذا كان حارًّا شديدًا كالشاي فإن الغمس لا يزيده إلا شرًّا، انتهى.
قلت: وهذا رأيه وإلا فالواقع في الحديث هو الأمر المطلق، والله تعالى أعلم.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: "ثم ليطرحه" وعندي في قوله: "فليغمسه" وأيضًا في قوله: "داءً"(4).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 251).
(2) "فتح الباري" (10/ 250).
(3) "فيض الباري" (6/ 71).
(4) انظر: "مقدمة لامع الدراري" (9/ 118).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٦٢)
77 - كتاب اللباس
قال العلَّامة العيني(1): أي: هذا كتاب في بيان أنواع اللباس وأحكامها، واللباس ما يلبس، وكذلك الملبس واللبس بالكسر واللبوس أيضًا ما يلبس، وأورد ابن بطال هذا الكتاب بعد الاستئذان، ولا وجه له، انتهى.
وفي "الأوجز"(2) عن القاري عن "القاموس": لبس الثوب كسمع، لبسًا بالضم ولباسًا بالكسر، وأما لبس كضرب لبسًا بالفتح فمعناه خلط، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42]، وإنما ذكرته للالتباس على كثير من الناس، انتهى.
قال القسطلاني(3): واللبس بالكسر والملبس كمقعد ومنبر: ما يلبس، انتهى.
قلت: مقصود المصنف بهذا الكتاب بيان اللباس ومتعلقاته من أبواب الزينة، فإن المصنف قد أدرج في هذا الكتاب كثيرًا من الأبواب التي ليست هي من جنس اللباس كالتزعفر للرجال والتلبيد والذبائب، وجملة من أبواب الطيب وإصلاح الشعر وغير ذلك، وقد اختلف صنيع المحدثين ههنا، فترجم الإمام النسائي "كتاب الزينة" بدل كتاب اللباس، وترجم الإمام أبو داود بترجمتين فترجم أولًا "كتاب اللباس" ثم ترجم بـ "كتاب الترجل"، وذكر فيه جملة من الأبواب التي يتعلق بالزينة، وأما الإمام أبو عيسى الترمذي فقد ذكر بعض هذه الأبواب تحت عنوان "كتاب اللباس" وبعضها في "أبواب الاستئذان والآداب".--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (15/ 3).
(2) "أوجز المسالك" (16/ 145)، و"مرقاة المفاتيح" (8/ 234).
(3) "إرشاد الساري" (12/ 588).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٦٣)
(1 - باب قول الله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} الآية [الأعراف: 32])
هكذا في النسخ الهندية و"القسطلاني"، وسقط لفظ "باب" في نسخة "الفتح" و"العيني"، بل ذكرا هذه الآية تحت "كتاب اللباس".
قال الحافظ(1): كأنه أشار إلى سبب نزول هذه الآية، وقد أخرجه الطبري بسنده عن ابن عباس قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة يصفّرون ويصفّقون، فأنزل الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} الآية [الأعراف: 32]، وسنده صحيح، انتهى.
وذكر هذا الحديث الحافظ ابن كثير(2) أيضًا في تفسير هذه الآية وعزاه إلى أبي القاسم الطبراني وزاد في آخر الحديث: "فأمروا بالثياب".
وفي "الأوجز"(3): التجمل بالثياب مشروع بل مندوب، فإنه تبارك وتعالى منّ بذلك على عباده بقوله: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا} [الأعراف: 26]، وفي "تفسير الجلالين": هو ما يتجمل به من الثياب، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
ثم لا يخفى عليك أن الأولى والأنسب لهذا المقام هو قوله تبارك وتعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} الآية، فهذه الآية هي التي ذكر فيها اللباس والزينة صريحًا، ومع ذلك لم يذكرها البخاري بل صدَّر "كتاب اللباس" بالآية الأخرى كما ترى، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، وما يظهر لهذا العبد الضعيف: أن من دأب الإمام البخاري كما تقدم في تفسير سورة الطلاق واضحًا هو إيثار الأخفى على الأجلى، فلذلك اختار هذه الآية، وأيضًا فإن المصنف قد ذكر في هذا الكتاب جملة من الأبواب التي يتعلق بالزينة كما تقدم آنفًا، فناسب ذكر هذه الآية لهذا الوجه أيضًا،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 253).
(2) "تفسير ابن كثير" (2/ 525).
(3) "أوجز المسالك" (16/ 145).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٦٤)
فإنه ذكر في هذه الآية لفظ الزينة، وهذا بحث لطيف لعلك لم تجده في غير هذا الكتاب.
قوله: (في غير إسراف ولا مخيلة. . .) إلخ، قال العلامة السندي(1): متعلق بالكل، والإسراف والمخيلة يتصوران في التصدق أيضًا، انتهى.
(2 - باب من جرّ إزاره من غير خيلاء)
أي: فلا بأس به، قال القسطلاني: قال النووي(2): ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نصّ الشافعي على الفرق، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلا فمنع تنزيه، والأحاديث المطلقة يجب حملها على المقيدة بالخيلاء، انتهى ملخصًا.
وهكذا نقل القسطلاني(3) عن نصّ الشافعي أن التحريم مخصوص بالخيلاء وإلا كره تنزيهًا.
وفي "الفيض"(4): وجرُّ الثوب عندنا ممنوع مطلقًا، فهو إذنْ من أحكام اللباس، وقصر الشافعية النهي على قيد المخيلة، فإن كان الجر بدون التكبر فهو جائز، وإذنْ لا يكون الحديث من أحكام اللباس، إلى آخر ما ذكر.
(3 - باب التشمر في الثياب)
وهكذا في نسخة "الفتح"(5) هو بالشين المعجمة وتشديد الميم، انتهى.
وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": "التشمير" بالياء من التفعيل، وهو رفع أسفل الثوب.--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري بحاشية السندي" (4/ 23).
(2) انظر: "شرح النووي" (7/ 313).
(3) انظر: "إرشاد الساري" (12/ 593).
(4) "فيض الباري" (6/ 72).
(5) "فتح الباري" (10/ 256)، و"عمدة القاري" (15/ 6)، و"إرشاد الساري" (12/ 591).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٦٥)
قال الحافظ(1): ويؤخذ من حديث الباب أن النهي عن كفّ الثياب في الصلاة محله في غير ذيل الإزار، ويحتمل أن تكون هذه الصورة وقعت اتفاقًا فإنها كانت في حالة السفر وهو محل التشمير، انتهى.
(4 - باب ما أسفل من الكعبين ففي النار)
كذا أطلق في الترجمة ولم يقيده بالإزار كما في الخبر إشارةً إلى التعميم في الإزار والقميص وغيرهما، وكأنه أشار إلى لفظ حديث أبي سعيد، وقد أخرجه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه أبو عوانة وابن حبان، كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي سعيد، ورجاله رجال مسلم، وكأنه أعرض عنه لاختلاف وقع فيه على العلاء وعلى أبيه، انتهى(2).
قلت: ولفظه عند أبي داود(3) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار فقال: على الخبير سقطت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج - أو لا جناح - فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جرّ إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه"، كذا في "الأوجز"(4).
قلت: لكن فيه أن حديث أبي سعيد هذا الذي أحال عليه الحافظ قُدِّس سرُّه ليس بمطلق، بل سياقه في حق الإزار كما ترى، اللَّهم إلا أن يقال: إنه لم يقيد في سياق هذا الحديث قوله: "من أسفل من الكعبين" بقوله: "من الإزار"، كما قيد بذلك في حديث الباب.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (10/ 256).
(2) انظر: "فتح الباري" (10/ 256).
(3) "سنن أبي داود" (رقم 4093).
(4) "أوجز المسالك" (16/ 180).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٦٦)
(5 - باب من جرّ ثوبه من الخيلاء)
أي: بسبب الخيلاء، فكلمة "من" للتعليل، والغرض من الترجمة ظاهر من أن المنع لا يختص بالإزار، ففي "المشكاة"(1) برواية أبي داود(2) والنسائي(3) وابن ماجه(4) من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جرّ منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة".
وفي "الأوجز"(5): وقد أخرج أبو داود عن ابن عمر قال: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص، قال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار؛ لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي. قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النصّ بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك، انتهى.
قال الحافظ(6): وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، قال الحافظ: والحاصل: أن للرجال حالين: حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان، إلى آخر ما ذكر.
قلت: هكذا نقلوا في حق الرجال أن الجائز في أزرهم أنها إلى الكعبين، لكن لم يصرِّحوا في حكم الكعبين من أن الغاية هل هي داخلة في المغيّا أم لا؟ ويستفاد من روايةٍ أن الكعبين داخلان في المنع فلا يجوز سترهما، فقد ذكر الحافظ(7): أخرج النسائي وصحح الحاكم أيضًا--------------------------------------------
(1) "مشكاة المصابيح" (رقم 4332).
(2) "سنن أبي داود" (رقم 4094).
(3) "سنن النسائي" (رقم 5334).
(4) "سنن ابن ماجه" (رقم 3576).
(5) "أوجز المسالك" (16/ 180، 181).
(6) "فتح الباري" (10/ 259).
(7) "فتح الباري" (10/ 257).
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: ١٦٧)