مثلًا: يمكن أن تكون الترجمة ها هنا باب سبب كون حب الأنصار من الإيمان، ونحو ذلك، فلكلِّ أحد أن يترجم بما شاء، وللناس فيما يعشقون مذاهب.
(وكان شهد بدرًا) بسط القسطلاني في إعراب هذه الجملة وما بعدها أشد البسط، وقال(1): أشار الراوي بذلك إلى المبالغة في ضبط الحديث وأنه عن تحقيق وإتقان، ولذا ذكر أن الراوي شهد بدرًا وأنه أحد النقباء، والمراد به التقوية، فإن الرواية تترجَّح عند المعارضة بفضل الراوي وشرفه.
(أحد النقباء) جمع نقيب وهو الناظر، وكانوا اثني عشر، كذا في "القسطلاني"، وذكر صاحب "مجمع البحار"(2) في الحادية العشرة النبوية أنه صلى الله عليه وسلم على دأبه كان يعرض نفسه على القبائل موسم الحج ويقول: "من ينصرني ويأخذني معه حتى أؤدي كلام ربي"، فلقي رهطًا من الخزرج ودعاهم فآمنوا وكانوا ستة، منهم أسعد بن زرارة، وفي الثانية كانت بيعة العقبة الأولى حيث قدم من الأنصار اثنا عشر أحدهم عبادة بن الصامت، وفي الثالثة كانت بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين، انتهى.
وهل كانت هذه البيعة الأولى أو الثانية؟ ذكرهما في بين سطور النسخة الهندية، انتهى.
وما يظهر من "العيني"(3) أن عُبادة كان فيهما، إذ ذكر له بيعة الثالثة بيعة الرضوان.
وقال مسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي في "تراجمه"(4): النقباء جمع نقيب، وهو الناظر على القوم وضمينهم.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (1/ 170).
(2) انظر: "مجمع بحار الأنوار" (5/ 272، 273).
(3) انظر: "عمدة القاري" (1/ 234).
(4) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 29).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٤٩)
اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطًا من الخزرج فقال: "ألا تجلسون أكلِّمكم؟ " قالوا: بلى، فجلسوا فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن فأجابوا، فلما انصرفوا إلى بلادهم وذكروه لقومهم فشا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى في العام القابل اثنا عشر رجلًا إلى الموسم من الأنصار أحدهم عبادة بن الصامت، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى فبايعوا ثم انصرفوا، وخرج في العام القابل الآخر سبعون رجلًا منهم إلى الحج، فواعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة أوسط أيام التشريق، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس لا غير، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم داعيًا إلى أمر الله مرغِّبًا إلى الإسلام تاليًا للقرآن فأجبناه للإيمان، فقلنا: ابسط يدك نبايعك عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا"، فأخرجنا من كل فرقة نقيبًا، وكان عبادة نقيب بني عوف فبايعوه، هذه هي بيعة العقبة الثانية، انتهى.
قوله: (وحوله عصابة من أصحابه فقال: بايعوني)، قال النووي(1): كان ذلك في أول الأمر في ليلة العقبة قبل الهجرة من مكة، وقبل فرض الجهاد، انتهى.
وهذا الذي جزم به النووي أن هذه البيعة بيعة العقبة قد جزم به القاضي عياض والقرطبي.
وقال العيني(2): إن القاضي عياض وجماعة من الأئمة الأجلَّاء قد جزم بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى بمنى، ثم استدل على ذلك بأمور ذكرها.
وأما الحافظ ابن حجر فمال إلى أنها بيعة أخرى بعد الفتح، وقال(3):--------------------------------------------
(1) "شرح صحيح مسلم" (7/ 9).
(2) "عمدة القاري" (1/ 240).
(3) "فتح الباري" (1/ 66).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥٠)
والحق عندي أن المبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما نصُّ(1) ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، وسيأتي في هذا الكتاب في كتاب الفتن، وغيره من حديث عبادة أيضًا، ثم أطال في إثبات ذلك، ولخَّص القسطلاني(2) تعقبَ العيني على الحافظ، ولخَّص في "فيض الباري"(3) كلام الحافظين فأجاد، فإن كانت هذه البيعة بيعة بعد فتح مكة فالحديث نصٌّ في بيعة السلوك، كما يدل عليه قول الراوي: "وحوله عصابة من أصحابه"؛ لأن المخاطبين حينئذ الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، وهذه الألفاظ التي وردت في الحديث هي ألفاظ البيعة عن مشايخ السلوك، وما زاد بعضهم من بعض الألفاظ فهو لمصلحة وقتية، كما زاده النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا في بعض المواقع من عدم السؤال وعدم النياحة.
نعم لو كانت هذه البيعة بيعة العقبة فلا حجة فيه على بيعة السلوك؛ لأنها كانت بيعة الإسلام، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أنهما بيعتان، إحداهما: بيعة العقبة، والثانية: بيعة السلوك التي يأتي ذكرها في تفسير سورة الممتحنة، واشتركت ألفاظ البيعة في كلتيهما.
وبسط الكلام مولانا النواب صدِّيق حسن خان القنوجي البهوفالي من علماء منكري التقليد، البحثَ في المبايعة في "عون الباري"(4) فقال: قوله: "فبايعناه على ذلك"، وقد صدرت مبايعات أخرى منها هذه البيعة التي في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة، وأنها وقعت بعد فتح--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل، وفي "الفتح": "كان".
(2) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 171، 172).
(3) انظر: "فيض الباري" (1/ 87).
(4) "عون الباري" (1/ 142، 143، 144).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥١)
مكة، وفي هذا الحديث دلالة على أن البيعة سُنَّة في الدين، واستفاض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس كانوا يبايعونه: تارةً على الهجرة والجهاد، وتارةً على إقامة أركان الإسلام، وتارةً على الثبات والقرار في معارك الكفار، وتارةً على هجر الفواحش والمنكرات كما في حديث الباب، وتارةً على التمسُّك بالسنَّة والاجتناب عن البدعة والحرص على الطاعات، كما بايع نسوة من الأنصار على أن لا يخنّ، وبايع ناسًا من فقراء المهاجرين على أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل عن فرسه فيأخذه ولا يسأل أحدًا، رواه ابن ماجه(1)، وقد نطق به الكتاب العزيز كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]، وقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} الآية [الممتحنة: 12].
ومما لا شك فيه ولا شبهة أنه إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فِعلٌ على سبيل العبادة والاهتمام بشأنه، فإنه لا ينزل عن كونه سُنَّةً في الدين، بقي أنه صلى الله عليه وسلم كان خليفة الله في أرضه، عالمًا بما أنزله الله تعالى من القرآن والحكمة، معلّمًا للكتاب والسُّنَّة، مزكِّيًا للأمة، فما فَعَلَه على جهة الخلافة كان سُنَّةً للخلفاء، وما فعله على جهة كونه معلّمًا للكتاب والحكمة ومزكِّيًا للأمة كان سُنَّةً للعلماء الراسخين.
وهذا "صحيح البخاري" شاهد على أنه صلى الله عليه وسلم اشترط على جرير عند مبايعته "والنصح لكل مسلم"(2)، وأنه بايع قومًا من الأنصار فاشترط أن لا يخافوا في الله لومة لائم ويقولوا بالحق حيث كانوا، فكان أحدهم يجاهر الأمراء والملوك بالرد والإنكار إلى غير ذلك، وكل ذلك من باب التزكية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.--------------------------------------------
(1) "سنن ابن ماجه" (ح: 1837، 2867)، وأخرجه أيضًا: مسلم (ح: 1043).
(2) أخرجه البخاري (ح: 524).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥٢)
فالبيعة على أقسام: منها بيعة الخلافة، ومنها بيعة الإسلام، ومنها بيعة التمسك بحبل التقوى، ومنها بيعة الهجرة والجهاد، ومنها بيعة التوثق في الجهاد، وكانت بيعة الإسلام متروكة في زمن الخلفاء، أما في زمن الراشدين منهم فلأن دخول الناس في الإسلام في أيامهم كان غالبًا بالقهر والسيف، لا بالتأليف وإظهار البرهان، ولا طوعًا ولا رغبة، وأما في زمن غيرهم فلأنهم كانوا في الأكثر ظَلَمَةَ فَسَقَة لا يهتمون، وكذلك بيعة التمسك بحبل التقوى كانت متروكة، أما في زمان الخلفاء الراشدين فلكثرة الصحابة الذين استناروا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم فتأدبوا في حضرته فكانوا لا يحتاجون إلى بيعة الخلفاء، وأما في زمن غيرهم فخوفًا من افتراق الكلمة وأن يظن بهم مبايعة الخلافة فتهيج الفتن، ثم لما اندرس هذا في الخلفاء انتهز أكابر العلماء والمشايخ الفرصةَ، وتمسَّكوا بسُنَّة البيعة، إلى آخر ما بسطه.
(تفترونه بين أيديكم وأرجلكم) خصَّ الأيدي والأرجل بالافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحًا وبعضكم يشاهد بعضًا، ويحتمل أن يكون المراد بالأيدي والأرجل القلب؛ لأنه هو الذي يترجم عنه اللسان، ويحتمل أن يكون قوله: "بين أيديكم" أي: في الحال، وقوله: "وأرجلكم" أي: في المستقبل؛ لأن السعي من أفعال الأرجل.
وقيل: أصل هذا كان في بيعة النساء، وكنَّى بذلك - كما قال الهروي في "الغريبين" - عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولًا، انتهى من "الفتح"(1) ملخصًا، وذكر شيء من الكلام عليه في "الأوجز"(2).
(ولا تعصوني في معروف) هو ما يحسن، وهو ما لم ينه الشارع عنه، ويقال: هو ما عُرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا، قاله شيخ الإسلام زكريا--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 65).
(2) "أوجز المسالك" (17/ 436).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥٣)
الأنصاري(1)، وفي "القسطلاني"(2): وقيد به مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بغير المعروف، للتنبيه على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وخص ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره للاهتمام به.
(فهو كفارة له) بسط الكلام عليه القسطلاني، وقال: قال الجمهور: هي كفارة، وتوقف بعضهم لحديث أبي هريرة عند الحاكم وصحَّحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا أدري الحدود كفارة أم لا"، وأَوَّلَه بأنه قبل العلم، وأشكل بقتل المرتد، فإن عقوبة المرتد القتل بلا خلاف، وقتله هذا لا يكون كفارة إجماعًا.
قلت: يمكن التفصِّي عنه بأن المرتد ليس بأهل للكفارة لكونه خارجًا عن الإسلام، والكفارة إنما تكون على المعاصي غير الكفر، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48].
ومستدَلَّات الحنفية من النصوص الآيات والأحاديث ستأتي في كتاب الشهادات والحدود، منها قوله عزَّ اسمه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} الآية [المائدة: 38]، وفيها الحجة بوجهين: الأول: أنه جعل في الآية القطع نكالًا، وهو يكون زاجرًا، والثاني: أنه عَزَّ اسمه ذكر بعد ذلك: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ} الآية [المائدة: 39]، ذكر التوبة بفاء التعقيب بعد القطع، وكذا في حد القذف ذكر: {إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [آل عمران: 89] أي: بعد استيفاء الحد.
ومنها آية المحاربة، وفيها: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، فقد جمع الله بين عذاب الدنيا والآخرة، وأسقط عذاب الآخرة بالتوبة في قوله: {إلا الَّذِينَ تَابُوا} الآية كما بسط في هامش "اللامع"(3) في كتاب الشهادات، وفيها بسط في الأحاديث--------------------------------------------
(1) انظر: "تحفة الباري" (1/ 41).
(2) "إرشاد الساري" (1/ 171).
(3) "لامع الدراري" (7/ 65).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥٤)
الدالة، منها حديث أبي داود(1) في قصة لصٍّ أُتي به قد اعترف، فأمر به فقطع، وجيء به فقال: "استغفر الله وتُبْ عليه" [فقال: أستغفر الله وأتوب إليه]، فلم أمره صلى الله عليه وسلم بالتوبة بعد القطع؟ وقد أخرج أيضًا في قصة ماعزٍ وقد رجم قال: ذهبوا يسبّونه، فنهاهم، وذهبوا يستغفرون له فنهاهم، قال: "هو رجل أصاب ذنبًا حسيبه الله"(2)، وغير ذلك من الروايات المذكورة هناك.
والجواب عن حديث الباب بأنها من عموم الكفارات، فإن كل أذى للمؤمن حتى الشوكة يشاكها كفارة للمؤمن، كما وردت في الروايات الكثيرة من باب ثواب المرض(3).
(ثم ستره الله) يعم من تاب ومن لم يتب، وقال الجمهور: إن التوبة ترفع المؤاخذة، لكن لا اطلاع على قَبول التوبة، كذا في "القسطلاني"(4).
(12 - باب من الدين الفرار من الفتن)
وقد تقدم أن الإمام ذكر في كتاب الإيمان الإسلام والدين لاتحادهما مصداقًا، قال تعالى ذكره: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} الآية [آل عمران: 19]، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} الآية [آل عمران: 85]، وترجم هنا بالدين، ولم يقل "من الإيمان" كما قال فيما سبق رعايةً للفظ الحديث.
وقال الطيبي: اصطلحوا على ترادف الإيمان والدين والإسلام، ولا مشاحة فيه، كذا في "تراجم مسند الهند"(5)، وأشكل في "اللامع"(6): أن الترجمة لا تطابق الحديثَ حيث دلت الترجمة على كون الفرار من الفتن--------------------------------------------
(1) "سنن أبي داود" (ح: 4380).
(2) "سنن أبي داود" (ح: 4432).
(3) انظر: "صحيح البخاري" (ح: 5640)، و"صحيح مسلم" (ح: 2572)، و"سنن الترمذي" (ح: 3038).
(4) "إرشاد الساري" (1/ 172).
(5) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 30).
(6) "لامع الدراري" (1/ 554).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥٥)
بعض أجزاء الدين وأبعاضه على ما هو مدلول من التبعيضية، وهو الذي كان المؤلف متصدِّيًا لإثباته، وسكت في "اللامع" عن الجواب، بل وقع البياض بعد قوله: والجواب، وذكر في هامشه كلامًا طويلًا، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
ثم قال العيني(1): وجه المناسبة بينه وبين الباب السابق أن البيعة من الأنصار في السابق كانت فرارًا بدينهم من الفتن.
(شَعَف) بمعجمة ومهملة مفتوحتين جمع شعفة بالتحريك، أي: رؤوس الجبال.
(ومواقع القطر) عطف على "شعف"، أي: بطون الأودية، كذا في "القسطلاني"(2).
(يفر بدينه) فالعزلة ممدوحة إلا لقادر على إزالتها، فتجب الخلطة عينًا أو كفاية، واختلف فيها عند عدمها، فمذهب الشافعي تفضيل الصحبة، وقال آخرون بتفضيل العزلة كما بسطه القسطلاني.
قلت: محل هذا البحث ما سيأتي من باب التعرب في الفتنة.
(13 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أعلمكم بالله)
أشكل إدخاله في كتاب الإيمان، والمسألة من كتاب العلم على الظاهر، وفي "تراجم شيخ الهند": أن الشرَّاح اختلفوا في توجيه ذلك، والمرجَّح عندي أن المصنف أراد بذلك التنبيه على الزيادة والنقصان في التصديق القلبي الذي هو فعل القلب بإثبات التفاوت في العلم الذي هو فعل القلب، وإليه أشار بقوله: "المعرفة فعل القلب".
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي رحمه الله أنه لما كان ورد في بعض الروايات بدله: "أنا أعرفكم بالله"، فسَّر المعرفة، وأشار إلى ترادف العلم--------------------------------------------
(1) انظر: "عمدة القاري" (1/ 244).
(2) "إرشاد الساري" (1/ 173).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥٦)
والمعرفة، وتمامه في هامش "اللامع"(1).
وقال القسطلاني(2) في آخر الباب السابق: لما كان الفرار من الفتن لا يكون إلا على قدر قوة دين الرجل وهي تدل على قوة المعرفة شرع بذكر ذلك فقال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم. . . إلخ.
وظاهر كلام الكرماني أن الغرض رد على الكرَّامية القائلة بأن الإيمان هو النطق فقط.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": اعلم أن العلم نوعان: كسبي: وهو حاصل بالاختيار وغيره، وهو الواقع في القلب بالاضطرار، والمعتبر في الإيمان من التصديق ما كان اختيارًا منه، لا ما وقع في القلب ضرورةً وليس كسبًا له، وهو المعبَّر عنه في قوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146].
والكسبي هو الممدوح عليه، فهو المراد في قوله: "أنا أعلمكم بالله"، ولا ريب في أنه فعل القلب لثبوت المؤاخذة عليه بالآية، فكان حاصل الترجمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أثبت لنفسه الأعلمية، والعلم هو الإيمان، ثبت التفاوت بين أفراد الإيمان والمؤمنين، ولما كان الإيمان هو الكسبي من العلم لا مطلقه احتج عليه بالآية، فإن المؤاخذة لما لم تكن إلا على الأفعال الاختيارية كان المأمور به هو العلم الكسبي لا العلم الضروري، وهو المراد في الرواية؛ لأنه مذكور في معرض المدح، ولا مدح إلا على الاختياري.
وأيضًا ففي قوله: "أتقاكم" حجة أخرى على قَبول الإيمان الزيادة والنقصان؛ لأن التقوى هو الإيمان، أو لأن التقوى اجتناب السيئات، وهو داخل في الإيمان، فكان التفاوت فيه بالزيادة والنقصان تفاوتًا بهما في الإيمان لما أن الكل يتصف بالتغير إذا تغيرت أجزاؤه، وبسط في هامش "اللامع" في شرح ما ذكر الشيخ، وفيه: يشكل على المصنف إيراد هذا الباب في كتاب الإيمان، وكان حقه كتاب العلم.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 556).
(2) "إرشاد الساري" (1/ 174).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥٧)
قال الكرماني(1) وتبعه شيخ مشايخنا مسند الهند الدهلوي في "التراجم" إذ قالا: فإن قلت: ما وجه تعلق هذه الترجمة بالإيمان؟ قلت: العلم بالله، وكذا المعرفة به هو التصديق به فهو من الإيمان؛ لأن الإيمان إما التصديق أو التصديق مع العمل، فالمقصود بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد إيمانًا منهم، وبيان أن الإيمان هو بعضه فعل القلب ردًّا على الكرَّامية، انتهى.
(14 - باب من كره أن يعود في الكفر. . .) إلخ
من عادة المصنف ذكر الأضداد في الكتب؛ لأن بضدِّها تتبين الأشياء، ولذا ذكر الكفر في الإيمان، وذكر فيه: "باب كفران العشير وكفر دون كفر"، و"باب المعاصي من أمر الجاهلية"، و"باب ظلم دون ظلم"، و"باب علامة المنافق"، وذكر في كتاب العلم "باب رفع العلم وظهور الجهل"، وذكر في الاستسقاء "باب دعاء القحط وقول النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلها سنين كسني يوسف"، ونظائرها كثيرة.
وفي "تراجم شيخ الهند": إشارة إلى أن المصنف رحمه الله أشار بذلك إلى أن الفرار من الفتن وغيره كما هو داخل في الإيمان كذلك كراهة الكفر أيضًا من الإيمان، انتهى.
قلت: أو هو إشارة إلى أن مجرد الكراهة للكفر لا تكفي، بل ينبغي الكراهة مثل كراهته من الإلقاء في النار، والأوجه: أنه أشار بذلك إلى أن الكراهة من القلب أيضًا داخل في الفرار من الفتن، فيكون مشعرًا إلى ما في أبي داود(2) مرفوعًا: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها"، كذا في "المشكاة".--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (1/ 111)، "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 31).
(2) "سنن أبي داود" (ح: 4345).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥٨)
(15 - باب تفاضل أهل الإيمان)
قال القسطلاني(1): لما ذكر في الحديث السابق ثلاث خصال، والناس مختلفون فيها شرع في ذكر تفاضل الأعمال، انتهى.
قال الحافظ(2): قوله: "في الأعمال" في ظرفية، ويحتمل أن تكون سببية، أي: التفاضل الحاصل بسبب الأعمال، انتهى.
واختاره شيخنا الدهلوي في "التراجم"(3) إذ قال: وفي للتعليل، انتهى.
وذكر الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع"(4): أن المصنف رحمه الله أشار بذلك إلى إثبات ما ذهب إليه الفقهاء والمتكلمون من أن الزيادة والنقصان إنما هما باعتبار الكيفيات الزائدة والثمرات المترتبة، فأما نفس التصديق المنجي من الخلود فأمر بسيط لا يقبل الزيادة والنقصان، فزاد لفظ الأعمال في الترجمة إشارةً إلى ما ورد في الروايات مثل ذلك، كما في رواية أبي سعيد الخدري المسوقة قريبًا، فإنما هو التفاوت بحسب الأعمال، ثم إن صنيعه [هذا] وكذلك ما سلكه في أكثر الأبواب ردٌّ على المرجئة، انتهى.
والظاهر عند هذا العبد الضعيف أن المصنف مال إلى النقص والزيادة في التصديق القلبي أيضًا، كما هو ظاهر من عامة تراجمه، فإنه تقدم قريبًا "المعرفة فعل القلب"، وقرنه بقوله: "أعلمكم"، لكن قوله في الترجمة هذه لفظ: "الأعمال" يؤيد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وبسط في هامش "اللامع" الكلام على شرح كلام الشيخ.
وفيه: وحكى مولانا محمد حسن المكي في تقريره: قوله: "باب--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (1/ 178).
(2) "فتح الباري" (1/ 72).
(3) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 33).
(4) "لامع الدراري" (1/ 557 - 559).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥٩)
تفاضل أهل الإيمان" المقصود من مثل هذا الباب كما سيجيء من قوله: "باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها"، وكذا ما مر من قوله: "يزيد وينقص"، أن الأعمال ليست بداخلة في أصل الإيمان وهو التصديق، وليست بأركان له، بل هي مكملة له، فهي أجزاء للإيمان الكامل، وهذا بعينه مذهب المتكلمين، فلا نزاع هنا أصلًا.
وقوله: "من خردل من إيمان" وصِغَرُ إيمانه هذا باعتبار الكيفية فقط، وذلك لعدم الأعمال له أصلًا، فالحاصل: أن الإيمان يزيد كيفًا بكثرة الأعمال وينقص كيفًا بقلَّتها، حتى إن من لم يكن له أعمال أصلًا يكون إيمانه في غاية الصغر كيفًا، فثبت تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
ويمكن أن يقال: إن قوله في الترجمة "في الأعمال"، شارحة لما في الحديث "من خردل من إيمان"، وغرضه بيان أن المراد بالإيمان في الحديث هو الأعمال بدليل ما ورد في رواية أخرى بدله لفظ: "من خير"، فيكون حاصل الترجمة أن المؤمنين متفاوتون في الأعمال، فبعضهم عمله أزيد من البعض الآخر، ولكن مع ذلك مقصود البخاري واضح، فإنه بصدد إثبات الزيادة والنقصان في الإيمان، وقد أثبت فيما قبلُ كون الأعمال من الإيمان، فثبت بهذا الباب التفاضل في الإيمان، والله أعلم.
(قال وهيب) أي: لم يشك وهيب كما شك مالك، بل ذكر لفظ الحياة بدون الشك، وروى لفظ "خير" بدل الإيمان، كذا في "تراجم مسند الهند"(1).
(قال: الدين) كتب الشيخ في "اللامع": قوله: "الدين"، ومقتضى زيادته لفظ "الأعمال" في الترجمة أن يحمل الزيادة في دين عمر، وكذلك زيادة من تضمنه الحديث الأول على أن كمالهم في الدين هذا ناشٍ من كثرة القربات، ففيه فضل تنبيه على نفي الجزئية، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 33).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦٠)
وفي هامشه: وهذا ظاهر من صنيع المصنف، إذ ذكر الحديث في التفاضل بالأعمال، انتهى.
قال الحافظ(1): ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القمص بالدين، وقد ذكر أنهم متفاضلون في لبسها، فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان، انتهى.
(16 - باب الحياء من الإيمان)
أي: يمنع صاحبه عن ارتكاب المعاصي كما يمنعه الإيمان، فسُمي إيمانًا مجازًا من باب تسمية الشيء باسم ما يقوم مقامه، كذا في "تراجم مسند الهند"(2)، وقال القسطلاني(3): كما ذكر في السابق تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ذكر ههنا ما ينقص به الإيمان، انتهى.
قلت: أو مراتب الحياء متفاوتة جدًا، فلا بد من تفاوت درجات الإيمان.
قال النووي(4) في الحديث المتقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "الحياء شعبة من الإيمان": قال القاضي وغيره من الشرَّاح: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأنه يكون تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم فهو من الإيمان بهذا، ولكونه باعثًا على أفعال الخير ومانعًا من المعاصي.
وأما كونه خيرًا كله ولا يأتي إلا بخير، فقد يستشكل من حيث إن صاحب الحياء قد يستحيي أن يواجه بالحق رجلًا يجلّه فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 74).
(2) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 33).
(3) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 184).
(4) "شرح صحيح مسلم" (1/ 281).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦١)
والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا المانع المذكور ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز ومهانة وضعف، وإنما تسميته حياءً من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع عن التقصير في حق ذي الحق، ويدل عليه ما ذكرناه عن الجنيد، انتهى.
فقد حكى عنه قبل ذلك فقال: روينا في رسالة الإمام القشيري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد رحمه الله تعالى قال: الحياء رؤية الآلاء، أي: النعم، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمَّى الحياء، انتهى.
(17 - باب {فَإِنْ تَابُوا} الآية)
أي: عن الشرك، ليوافق الحديث الوارد فيه، وهو قوله: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"، كذا في "تراجم مسند الهند"(1).
وفي "اللامع"(2): علق التخلية على التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فعلم أن الإيمان لا معتبر به بحسب الكمال بدونهما، فكانتا من الأجزاء للإيمان، أي: الكامل، انتهى.
ثم حديث الباب قد اعترض عليه بوجهين:
الأول: أنه قد استبعد قوم صحته من جهة أن هذا الحديث لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر رضي الله عنهما في قتال مانعي الزكاة، كما ذكر الحافظ(3)، وذكر الجواب عنه وبسط في هامش "اللامع"(4) فيما يتعلق بمانعي الزكاة في أوائل كتاب الزكاة، وذكر هناك ما يكفي عما يتعلق بهذا الإشكال، وجواب الحافظ: أن ابن عمر لعله لم يحضر المناظرة، أو حضر ولكنه لم يستحضر الحديث، وجوابه عندي: أن الحديث وارد في--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 34).
(2) "لامع الدراري" (1/ 560).
(3) "فتح الباري" (1/ 76).
(4) انظر: "لامع الدراري" (5/ 7 - 19).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦٢)
الجاحدين، والمناظرة كانت في المتأولين المقرِّين بالفرضية، المنكرين لوجوب الأداء إلى الإمام.
والإشكال الثاني: أن مقتضى حديث الباب قتال كل من امتنع عن التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟
وأجاب الحافظ عن ذلك بستة أجوبة، منها: أن يقال: إن الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام.
(18 - باب من قال: إن الإيمان هو العمل)
يعني بذلك: أن العمل وإن كان المتبادر منه عند الإطلاق أعمال الجوارح إلا أنه كثيرًا ما يطلق على العمل القلبي أيضًا، كما استشهد عليه بالآية والرواية، فمن قال منهم في تفسير الإيمان: إنه العمل، لم يعن به عمل الجوارح حتى يرد عليه أنه كيف خالف البداهة، بل غرضه هو الإيمان والعمل القلبي، والله أعلم، كذا في "اللامع".
وقال مسند الهند في "تراجمه"(1): المراد بالعمل ههنا مجموع عمل اللسان والقلب والجوارح، والاستدلال عليه بمجموع الآيات والأحاديث، إذ يدل كل من القرآن والسُّنَّة على بعض الدعوى بحيث يدل الكل [على الكل]، انتهى.
ثم رأيت أن العلامة الكرماني(2) سبق إلى ذلك، ولا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم ههنا "باب من قال: إن الإيمان هو العمل"، وتقدم في أول كتاب الإيمان هو قول وفعل، وظاهر ما قال شيخ الهند: أن الغرض من الأول كان إثبات أن الأعمال هي أجزاء، والمقصود ههنا أن--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 34، 35).
(2) "شرح الكرماني" (1/ 124).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦٣)
الإيمان هو العمل، فغرض الترجمتين إثبات التلازم والعلاقة من الطرفين، أو دفع ما يتوهم من العطف في نحو قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 6].
وقال القسطلاني(1) تحت قوله تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61] أي: فليؤمن المؤمنون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام، وهذا يدل على أن الإيمان هو العمل كما ذهب إليه المصنف، لكن اللفظ عام ودعوى التخصيص بلا برهان لا تقبل، نعم إطلاق العمل على الإيمان صحيح من حيث إن الإيمان هو عمل القلب، لكن لا يلزم من هذا أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرض البخاري من هذا الباب وغيره إثبات أن العمل من أجزاء الإيمان ردًّا على من يقول: إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان، فحينئذ لا يتم مقصوده على ما لا يخفى، وإن كان مراده جواز إطلاق العمل على الإيمان فلا نزاع فيه؛ لأن الإيمان عمل القلب وهو التصديق، انتهى.
وقال السندهي(2): لما ورد في مواضع من كتاب الله تعالى عطف العمل على الإيمان، والعطف للمغايرة، توهم أن الإيمان لا يطلق عليه اسم العمل شرعًا، فوضع هذا الباب لإثبات أن اسم العمل شرعًا يشمل الإيمان، واستدل عليه بقوله تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ} الآية [مريم: 63]، لا بناءً على أن معنى {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}: تؤمنون، فإنه بعيد، بل بناءً على أن الإيمان هو السبب الأعظم في دخول الجنة، فلا بد من شمول {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} له، وكذا قول عدة أهل العلم لبيان شمول العمل لقول: لا إله إلا الله، على معنى: أي حتى عن قول لا إله إلا الله، لا لبيان اقتصار العمل، والمراد - والله تعالى أعلم - عما كانوا يعملون فعلًا وتركًا، فيشمل السؤال من قال ومن ترك، وكذا قوله: {لِمِثْلِ هَذَا}. . . إلخ، العمل فيه يشمل الإيمان، لا أن المراد به الإيمان فقط.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (1/ 186).
(2) "حاشية السندي" (1/ 13).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦٤)
والحاصل: أنه في هذه الآية وقع الاقتصار على ذكر العمل مع أن الموضع موضع ذكر الإيمان والعمل جميعًا، فلا بد من القول بشمول العمل للإيمان وهو المطلوب، وعلى هذا فما وقع في القرآن من عطف العمل على الإيمان في مواضع فهو من عطف العام على الخاص لمزيد الاهتمام بالخاص، والله تعالى أعلم، انتهى.
ويؤخذ من هذا الجوابُ لاعتراض القسطلاني على المصنف.
ومحصل الأقوال في غرض الترجمة ثلاثة:
الأول: أن المراد بالعمل هو العمل القلبي الذي هو التصديق، وهو مختار العارف الكبير المحدث الكَنكَوهي، والعلامة الكشميري(1).
والثاني: أن المراد به عمل الجوارح، والغرض دفع ما يتوهم من مغايرة العمل للإيمان بسبب العطف، واستدل على عدم التغاير بآيات أوردها، وأما العطف فمن قبيل عطف العام على الخاص لمزيد الاهتمام بالخاص، وهو مختار العلامة السندي(2)، وإليه مال شيخ الهند.
والثالث: أن المراد به أعم من عمل القلب واللسان والجوارح، وهو الذي مال إليه الشرَّاح ومسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي، وعلى هذا فغرضه الرد على من أنكر كون العمل من الإيمان، كما صرح به القسطلاني(3) وابن بطال والنووي وغيرهم، وهو الغرض أيضًا على مختار السندي، والله أعلم.
(19 - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة)
لم يتكلم على هذا الباب مسند الهند قُدِّس سرُّه، وتكلم عليه شيخ الهند في "تراجمه"، وشيخ المشايخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "لامع--------------------------------------------
(1) انظر: "فيض الباري" (1/ 109)، و"لامع الدراري" (1/ 561).
(2) "حاشية السندي" (1/ 13).
(3) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 187).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦٥)
الدراري"، ومآل كلامهما واحد، إلا أنهما اختلفا في التعبير والسياق، وأجاد كل منهما الكلام على ذلك، ونذكرهما تفهيمًا وتوضيحًا لتغير السياق والسباق، ونكتب أولًا ما أفاده شيخ الهند معرِّبًا لكلامه، ثم بعد ذلك نذكر كلام شيخ المشايخ من "اللامع".
قال شيخ الهند قُدِّس سرُّه: اختلف العلماء في العلاقة بين الإسلام والإيمان وكيفية النسبة بينهما، وبعضهم يرون الترادف والاتحاد، والأكثر يرجِّحون المساواة، وبعضهم يقولون بالعموم والخصوص، والآيات القرآنية والأحاديث أيضًا مختلفة الظواهر، وقد ذكرها المحدثون والمتكلمون، واستدل بهما الفريقان، لذا نقل المؤلف رحمه الله للإسلام معنيين: أحدهما: الاستسلام والانقياد الظاهري الذي يظهره صاحبه لطمع مال أو خوف قتل وأسر ونحوه، وهذا يقال له المجاز الشرعي أيضًا، والحقيقة الشرعية، أي: مجموعة الأمور الدينية كلها، فاندفع بذلك اختلاف النصوص، وأيضًا وأصبح خلاف أهل العلم فيه خلافًا لفظيًا، وكذلك الآيات والحديث مثل: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} الآية [الحجرات: 14]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أو مسلمًا" في رواية سعد بن أبي وقاص يظهر منهما المغايرة بين الإيمان والإسلام، وهذا يخالف صراحة مدعى الأبواب السابقة؛ لأن مغايرة الإسلام يستلزم مغايرة الأعمال، فبهذا الباب زالت هذه الشبهة أيضًا.
وتوضيح كلامه قُدِّس سرُّه أن للإسلام إطلاقين: فمرة يطلق مرادفًا للإيمان، وأخرى يطلق بمعنى الاستسلام الظاهر، والأول: هو الإسلام بالحقيقة، وهو المعتبر عند الشرع، والثاني: مثلًا أن يكون مخافة القتل والأسر أو لطمع في الغنيمة، وهو إسلام ظاهرًا، وإن لم يصحبه التصديق لم ينفعه، وهذا محمل ما يتراءى في الظاهر من الاختلافات بين النصوص، ولما كان الظاهر من بعض النصوص مخالفة الإيمان للإسلام، كما يفيد قوله صلى الله عليه وسلم لسعد: "أو مسلمًا"، فيؤخذ منه مغايرة الإيمان للأعمال، فإن
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦٦)
الأعمال إسلام، وقد أثبت المصنف فيما تقدم أن الأعمال داخلة في الإيمان، فدفع بهذه الترجمة هذه الشبهة أيضًا بأن الإسلام الذي يغاير الإيمان هو الذي يكون على الظاهر لا ما كان على الحقيقة.
وقال الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): اعلم أن للإسلام المعتبر شرعًا لزومًا بالإيمان كما أن للإيمان ملازمة بالإسلام، ولو كان التسليم والانقياد حكمًا لا حقيقةً، وقد سبق بعض بيانه في أول كتاب الإيمان، ولما كان كذلك كان الإسلام والإيمان غير منفك أحدهما عن الآخر ولا متحقق كل منهما دون الثاني، إلا أن الإسلام كما يطلق على هذا المعنى المتلازم للإيمان فكثيرًا ما يطلق أيضًا على الانقياد الظاهري الذي لم يعتبر عند الشرع إلا في حق إجراء أحكام المسلمين على من اتصف به، وذلك لتعذر وقوف الناس على سرائر القلوب وضمائرها فيما بينهم، فلم يكن [بُدٌّ] من نصب علامة لهم يعرفون به المسلم عن غيره، وهذا الإطلاق للإسلام جار في عرف الشريعة، وفي كثير من الآيات والروايات، فبوَّب المؤلف بابًا لذلك إشارةً منه إلى أن الإسلام والإيمان المعتبرين وإن لم يتحقق أحدهما دون الآخر، إلا أنه قد يطلق في الشرع لفظ الإسلام بإطلاق آخر غير ما ذكرناه أولًا، فيشتبه الأمر على الناظر.
وأيضًا ففي كلامه إشارة إلى أن من ذهب منهم إلى المغايرة بينهما، فإنما غرضه التغاير بحسب المفهوم لا المصاديق، فإن المسلم صفة بحسب الظاهر، والمؤمن صفة له بحسب اعتقاده، وإن كانا متلازمين وجودًا، أو قصد بالمغايرة أنهما يتغايران بحسب ذلك الإطلاق الآخر للإسلام الذي هو غير معتبر به شرعًا كما في قوله تعالى: {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}، فإنهم لم يؤمروا أن ينسبوا إلى أنفسهم ذلك الإسلام الحقيقي المعتبر شرعًا، إذ لو كانوا متصفين به لما صح نفي الإيمان عنهم لِما أنهما متلازمان، بل--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 565 - 568).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦٧)
أمروا أن يسندوا إليها صورة الإسلام وظاهره، وهذا هو المراد في الرواية حيث نهى سعدًا أن يحكم على رجل بالإيمان لكونه أمرًا مبطنًا عنه خفيًا أمره عليه، وكذلك الإسلام الحقيقي.
نعم إن له أن يحكم على من رآه آتيًا بأوامر الشرع مجتنبًا عن ارتكاب نواهيه بأنه مسلم بمعنى منقاد، وذلك لأنه متيقن به غير مشكوك فيه، وأما الحكم بالإيمان والإسلام الحقيقيين فلا يمكن إلا ظنًّا عبرةً للظاهر، وهو وإن كان جائزًا لِما أُمرنا به من بناء الحكم على ظواهر ما نراه، إلا أنه خلاف الأدب لكون الحكم بحسب الواقع على ما لم يعلم، فافهم فإن فيه دقة ما.
ثم إن كلمة "أو" في قوله صلى الله عليه وسلم: "أو مسلمًا" ظاهرها أنها بمعنى "بَل"، حيث أراد النبي صلى الله عليه وسلم رده عما قال فيه، وجزم إلى ما هو متيقن به منه وهو الانقياد الظاهري، وذلك لعدم تيقن سعد بما في قلبه من الإيمان والكفر، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم منه أنه مؤمن كما هو الظاهر من قوله وهو: "أحب إليّ"، ويمكن كونها أيضًا للشك، فإنه لما لم يتبين عنده إيمانه أو نفاقه والتبس عليه فلم يكن تعيين أحد الأمرين من شأنه، فكان عليه أن يقول: إني أراه مؤمنًا إن كان باطنه كظاهره، أو مسلمًا إن لم يكن كذلك، فقوله صلى الله عليه وسلم: "أو مسلمًا" عطف على مفعول قوله: "أراه" ومثل ذلك في الكلام كثير، انتهى.
وفي هامشه: وفي تقرير الشيخ المكي رحمه الله عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: قوله: "على الحقيقة" أي: على الحقيقة الشرعية بل يكون على الحقيقة اللغوية، وجزاء الشرط محذوف: فلا يعتبر به عند الله، و"الأعراب" المنافقون، وقوله: "أسلمنا" فإطلاق الإسلام ههنا حقيقة لغوية ومجاز شرعي، إذ لا فرق في الشرع بين الإيمان والإسلام والدين إلا بالاعتبار، وبسط في هامش "اللامع" الكلام على هذا الباب أشد البسط، وذكر فيه
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦٨)