الدال - السير أوَّل الليل، ومن الإدِّلاج - بالدال المكسورة المشددة - سير آخر الليل.
وأما الرواية فهو بضم الدال، وهو مثل قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 114] كأنه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرًا يقطع طريقه إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأن هذه الأوقات أفضل أوقات المسافر، بل على الحقيقة: الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة، فنبَّه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم، إلى آخر ما بسط فيه.
وفي "فيض الباري"(1): وكان مولانا قطب العالم الشيخ الكَنكَوهي رحمه الله يؤوِّله بالذكر في الغدوة والروحة وشيء من الدلجة، وإن ورد الحديث في الجهاد، انتهى.
(30 - باب الصلاة من الإيمان)
لما ذكر في الحديث السابق الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات، والصلاة أفضل العبادات، نبَّه بذلك على الصلوات الخمس، فإن الفجر: الغدوة، والظهرين: الروحة، والعشائين: شيء من الدلجة، كذا في العيني(2) مختصرًا.
قوله: ({وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. . .) إلخ، [البقرة: 143]، قال الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع"(3): أيَّد به الترجمة لما فيه من إطلاق الإيمان على الصلاة إطلاق الكل على جزئه، ففيه دخول الصلاة وهي من الأعمال في الإيمان مع أن مراتب المصلين بحسب تفاوت صلواتهم في الحسن والقَبول متفاوتة، فيتطرق بذلك تفاوت في مراتب الإيمان، ولعل غرضهم - رضي الله تعالى عنهم - ليس هو السؤال عن نفس الأجر، بل المسألة إنما وقعت لأنهم لمَّا علموا أن الناسخ خير من المنسوخ--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (1/ 131).
(2) انظر: "عمدة القاري" (1/ 354).
(3) "لامع الدراري" (1/ 581 - 583).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٨٩)
أو مثله، وقد علموا أيضًا أن إكمال الدين يومًا فيومًا يقتضي أن يكون الحكم الآتي بعد حكم أكمل منه وأفضل عند الله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يحوَّل إلى الكعبة، فكان ذلك أول دليل أيضًا على فضل الصلاة إليها، فاشتبه أمر الثواب المرتب على صلاتهم إلى بيت المقدس هل يساوي أجور صلاتنا إلى الكعبة أو يكون دون ذلك؟ انتهى.
قوله: (عند البيت) وقال شيخ الهند في "تراجمه": الذي يحتاج إلى البيان والتوضيح هو قوله: "عند البيت" فإنه مما يختلج في القلب، ولذا حمله بعض الشرَّاح على التصحيف، وأَوَّلَه بعض المحققين بما لا يخلو عن تكلف، والأحسن عندنا أن لا يتكلف بأيّ تأويل، بل يجعل الظرف متعلقًا بالصلاة على ما هو الظاهر، ويكون التقدير: صلاتكم إلى البيت المقدس.
وإنما كنا نحتاج إلى التأويل أو دعوى التصحيف لو كان المصنف قال: إلى البيت، وأما قوله: "عند البيت" فقرينة على أن تلك الصلوات لم لكن إلى البيت، فإذا لم تكن إلى البيت فلا بد أن تكون إلى البيت المقدس، وهذا مما لا شك فيه، ولما كانت الصلوات التي صُلِّيت قبل الهجرة عند البيت الحرام إلى البيت المقدس كثيرة، مع كونها أُدِّيت في المسجد الحرام الذي هو مقام مقدس ومكان أفضل، فيستبعد جدًّا ضياعها، فلذا وقع التصريح بها بخلاف الصلوات التي صُلِّيت إلى البيت المقدس بعد الهجرة فإنها لم تكن بتلك الكثرة، وأيضًا ما صليت في المسجد الحرام، فلم يقع الاحتياج إلى الإشارة إليها، وأيضًا هذا أوفق وألصق بشأن النزول، فتأمل ولا تعجل، انتهى.
وقيل: هو تصحيف، والصواب: إلى غير البيت، فإنها كانت إلى بيت المقدس، وقال الحافظ(1): لا تحريف بل المقصود دقيق، وهو أن الصلاة إلى غير البيت مع كونه عند البيت إذا لم تضع فهي مع البعد عنه إلى غير--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (1/ 107).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩٠)
البيت كيف تضيع، كذا في "القسطلاني"، انتهى. والبسط في هامش "اللامع"(1).
وقيل: المراد بالبيت مكة، وكانت الصلاة عنده إلى بيت المقدس، كذا في "الكرماني"(2).
وقال السندي(3): الظرف ليس متعلقًا بالصلاة حتى يرد أنه تصحيف، والصواب: صلاتكم لغير البيت، بل هو متعلق لقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ} أي: ما كان الله ليضيع صلاتكم قبل استقبال البيت، أي: لا يبطل الله صلاتكم حين استقبلتم البيت، فإن استقبال البيت خير، فلا يترتب عليه فساد الأعمال السابقة، والله أعلم.
(أول صلاة صلاها) قال الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع"(4): والذي استظهرت عليه الروايات أن التحويلة إنما وقعت في صلاة الظهر، وباقي الروايات مؤولة، فإما أن يقال: إن راوي العصر لم يصل معه الظهر، فظن أن العصر أول صلاة صلاها إلى الكعبة، أو يكون المعنى: أول صلاة صلاها من صلوات العصر لا مطلقًا، أو غير ذلك من التأويلات، انتهى.
قلت: واختلفت الروايات في ذلك كثيرًا، بُسطت في هامش "اللامع"، والبسط منه في "الأوجز"(5).
والحاصل: أنه اختلفت الروايات في تعيين الصلاة: أهي الظهر أو العصر؟ وفي الموضع الذي وقع فيه التحويل: أهو المسجد النبوي، أو مسجد بني سلمة مسجد القبلتين؟
واختار الواقدي، ومحمد بن حبيب الهاشمي، وابن الجوزي في--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (1/ 214)، وانظر: "لامع الدراري" (1/ 582).
(2) "شرح الكرماني" (1/ 163).
(3) "حاشية السندي" (1/ 16).
(4) "لامع الدراري" (1/ 583 - 585).
(5) انظر: "أوجز المسالك" (4/ 187).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩١)
"التلقيح": أن التحويل وقع في مسجد بني سلمة في صلاة الظهر، وقيل: وقع في المسجد النبوي في صلاة الظهر.
وقال الحافظ ابن كثير(1): المشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.
وقال الحافظ ابن حجر(2): التحقيق أن أول صلاة صلاها في مسجد بني سلمة - لما مات بشر بن البراء بن معرور - الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، انتهى.
والأوجه عندي: أن أول صلاة صلاها هي العصر، وكتب مولانا الشيخ محمد حسن المكي من تقرير الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه كما في هامش "اللامع"(3): أن ما اشتهر أن تحويل النبي صلى الله عليه وسلم كان في وسط الصلاة فكذب وغلط فاحش، بل نزل التحويل أولًا، ثم صلى الصلاة إلى البيت، انتهى.
قوله: (وأهل الكتاب): وفي هامش الهندية بالرفع عطفًا على اليهود من عطف العام على الخاص، وقيل: المراد النصارى، وفيه نظر؛ لأنهم لا يصلون قِبَلَ بيت المقدس، فكيف تعجبهم؟ قاله السيوطي في "التوشيح"(4)، قال القسطلاني(5): وإعجابهم ليس لكونه قبلتهم بل بطريق التبعية لهم، انتهى.
قال الحافظ(6): وفيه بُعد؛ لأنهم أشد الناس عداوة لليهود، ويحتمل أن يكون بالنصب والواو بمعنى مع، أي: يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس.--------------------------------------------
(1) "تفسير ابن كثير" (1/ 193).
(2) "فتح الباري" (1/ 97).
(3) "لامع الدراري" (1/ 585).
(4) "التوشيح" (1/ 205).
(5) "إرشاد الساري" (1/ 217).
(6) "فتح الباري" (1/ 97).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩٢)
(31 - باب حسن إسلام المرء)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): قوله: "فحسن إسلامه"، وكذلك قوله: "إلى سبعمائة ضِعف" يدلان على زيادة الإيمان ونقصه حيث كان الحُسن متفاوتًا، وكذلك تفاوت ما بين أجور الحسنات من العشرة إلى سبعمائة ضعف ينبئ عن ذلك، وكذلك في قوله تعالى من الباب السابق: {لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، دلالة على تفاوت مراتب الإيمان حسب تفاوت مراتب الصلاة في الحسن والقبول، فإن الصلاة لما كانت إيمانًا كان تفاوت درجاتها تفاوتًا في درجات الإيمان ومراتبه، وتفاوت ما بين المصلين مستغن عن البيان، انتهى.
وفي هامشه: قوله: تفاوت ما بين المصلين إلخ، ففي "أبي داود"(2) من حديث عمار بن ياسر رفعه: "إن الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، وثمنها" الحديث، وما أفاده الشيخ من قوله: كان الحُسن متفاوتًا إلخ، كتب في هامش "اللامع": بذلك جزم الحافظ دون العيني، قال القسطلاني(3): قول الحافظ(4): إن الحديث يرد على من أنكر الزيادة النقص في الإيمان؛ لأن الحُسن تتفاوت درجاته، تعقبه العيني(5) بأن الحسن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقص، قابلية الذات، إلى آخر ما ذكره.
وفي "القول الفصيح": ثم لا يخفى أن الصلاة في أوقاتها آية باهرة لحسن إسلام المرء {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} الآية [البقرة: 45]، فجاء تعقيب الصلاة بباب حسن إسلام المرء في غاية الحسن واللطافة، انتهى.
قلت: لما ذكر في الباب الأول حرص الصحابة على دينهم وشفقتهم--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 586).
(2) "سنن أبي داود" (796).
(3) "إرشاد الساري" (1/ 219).
(4) "فتح الباري" (1/ 100).
(5) انظر: "عمدة القاري" (1/ 374).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩٣)
على إخوانهم حيث اغتموا على صلواتهم السابقة، وكذا على إخوانهم الذين ماتوا على الصلاة إلى البيت المقدس قبل التحويل، وكذا وقع له نظير ذلك في تحريم الخمر، فنزل: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} إلى قوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)} [المائدة: 93]، وقوله: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30] ذكر هذا الباب، فذكر الدليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب عليها، كذا في "الفتح"(1).
وبسط الكلام في هامش "اللامع"(2) على حديث الباب، وفيه الكلام أيضًا على أن الكافر هل يثاب على حسناته إذا أسلم؟ كما مال إليه إبراهيم الحربي من الحفاظ من أصحاب أحمد بن حنبل، وابن بطال، والسهيلي، والقرطبي، وابن المنيِّر من المالكية، وجزم به النووي من الشافعية، قال في "شرح المهذب"(3): والصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة، وقد نقل الإجماع عليه، ومن أطلق بخلاف ذلك فهو غالط مخالف للسُّنَّة الصحيحة التي لا معارض لها، انتهى.
وهكذا نقل عن اللقاني من الحنفية.
(32 - باب أحب الدين إلى الله أدومه)
والمراد الدوام على الأعمال، ففيه إطلاق الدين على الأعمال، كذا في "شرح النووي"(4)، أو الدوام قابل للقلة والكثرة فهو غرض الترجمة، كذا في "القسطلاني"(5)، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 100).
(2) "لامع الدراري" (1/ 588).
(3) "المجموع" (3/ 4).
(4) انظر: "مختصر شرح صحيح البخاري" للنووي (ص 101).
(5) "إرشاد الساري" (1/ 221).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩٤)
قال الحافظ(1): مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال؛ لأن المراد بالدين هنا العمل، والدين الحقيقي هو الإسلام، والإسلام الحقيقي مرادف للإيمان، فيصح بهذا مقصوده، ومناسبته لما قبله من قوله: "عليكم بما تطيقون"، لأنه لما قدَّم أن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة، أراد أن ينبِّه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير مطلوب، وقد تقدم بعض هذا المعنى في "باب الدين يسر"، انتهى.
وفي "اللامع"(2): قوله: "أحب الدين. . ." إلخ، والحب مختلفة مراتبه، فكذا الإيمان لترتبه عليه في الرواية، وباقي المعنى ظاهر.
وفي هامشه: قوله: "أحب الدين"، قال الكرماني(3): أي أحب الأعمال، إذ الدين هو الطاعة، ومناسبة الكتاب من جهة أن الدين والإسلام والإيمان واحد، وقال الخطابي(4): أحب الدين أحب الطاعة، والدينُ في كلامهم الطاعةُ، ومنه الحديث في صفة الخوارج: "يمرقون من الدين"(5)، أي: من طاعة الإمام، ويحتمل أن يكون أراد بذلك أحب أعمال الدين بحذف المضاف.
(33 - باب زيادة الإيمان ونقصانه)
قال الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(6): أراد بذلك الزيادة والنقصان بحسب تزايد المؤمن به وتناقصه، كما يدل عليه قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، فإن هذا الإكمال لم يكن إلا إكمال الأحكام والشرائع، وهو حق لا ريب فيه، وهذا هو المراد بقوله تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، وقوله تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]، وذلك لأنه كلما نزل حكم آمنوا به، فكانت في إيمانهم زيادة بحسب زيادة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 101).
(2) "لامع الدراري" (1/ 589).
(3) "شرح الكرماني" (1/ 171).
(4) "أعلام الحديث" (1/ 174).
(5) أخرجه البخاري (ح: 3344)، ومسلم (ح: 1064).
(6) "لامع الدراري" (1/ 591).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩٥)
الأحكام، وكذلك يراد بقول المؤلف: إنه كلما ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص، أن الدين لما كان كاملًا إذ ذاك كان الإيمان بما دونه ناقصًا نسبة إلى ذلك الذي استقر عليه الأمر وقت الإكمال وإن كان كاملًا في نفسه، فلا يلزم نقصان إيمان من مات منهم قبل إكمالها، والله أعلم، وهذا نسبة إلى الإيمان التفصيلي، فلمن آمن بعد إكمال الشرائع مزية على المؤمنين الذين ماتوا قبل الإكمال.
وأما الإيمان الإجمالي، فكلهم سواء فيه حيث آمن الأولون بعين ما آمن به الآخرون، نعم لا ينطبق على هذا المعنى للترجمة ما أورد فيه من الرواية؛ لأنه لا يمكن التفريق والتفاوت بين المؤمنين باعتبار المؤمن به، فكيف يمكن أن يقال في قوله: "أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان"(1): إنه تقليل باعتبار قلة المؤمن به؟ وذلك لأن الإيمان بالبعض دون البعض مما أُمرنا أن نؤمن به عين الكفر، فلا جواب إلا باعتبار التفاوت في الأعمال.
فيكون حاصل الرواية: أن المؤمنين بعد ما آمنوا بما أمروا بالإيمان به، يتفاوتون بينهم تفاوتًا كثيرًا، فمنهم من ليس له من الخير إلا ذرة، ومنهم من له فوق ذلك، فأما إذا عمَّم في الترجمة بحيث يشمل الزيادة والنقصان بحسب الكيفية، والتفاوت بحسب المؤمن به، فالتطبيق بين الترجمة والرواية سهل، فإن مراتب الكيفيات ودرجات التصديق متفاوتة، فمنهم من أشد استيقانًا ومنهم من دون ذلك، إلا أن الكل منهم متصفون بالإيمان المتوقف عليه النجاة من الخلود في النار، وهذه المراتب من الذرة أو ما فوقها فيما فوق ذلك، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في هامشه، وفيه:
قال الحافظ(2): تقدم قبلُ بستة عشر بابًا "باب تفاضل أهل الإيمان في--------------------------------------------
(1) أخرج البخاري (ح: 22)، ومسلم (ح: 183، 184)، والنسائي (ح: 5010).
(2) "فتح الباري" (1/ 103).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩٦)
الأعمال"، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري بمعنى حديث أنس الذي أورده ههنا، فتعقب عليه بأنه تكرار، وأجيب عنه بأن الحديث لما كانت الزيادة والنقصان فيه باعتبار الأعمال أو باعتبار التصديق ترجم لكل من الاحتمالين، وخصَّ حديث أبي سعيد بالأعمال، لأن سياقه ليس فيه تفاوت بين الموزونات، بخلاف حديث أنس ففيه التفاوت في الإيمان القائم بالقلب من وزن الشعيرة والبُرة والذَّرة.
قال ابن بطال: التفاوت في التصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمه كان تصديقه مثلًا بمقدار ذرة، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرة أو شعيرة، إلا أن أصل التصديق الحاصل في قلب كل مؤمن لا يجوز عليه النقصان، ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة، انتهى.
وقال شيخ الهند قُدِّس سرُّه في "تراجمه" ما تعريبه:
لقد ذكر المؤلف رحمه الله في الترجمة الأولى من كتاب الإيمان قوله: "يزيد وينقص"، ثم أوضح تفاوت مراتب الإيمان في التراجم المتعددة بالعناوين المختلفة، وقد تقدم الكلام عليها في مواقعها، والآن هنا ترجم أيضًا بالزيادة والنقصان في الإيمان، ومفهومه أيضًا مفهوم الترجمة الأولى، بل إنه لم يغير العنوان أيضًا فهو تكرار الترجمة بعينها، لذا أقول: إنه قد تقدم في الأبواب السابقة أن المؤلف رحمه الله، أثبت في الباب الأول الزيادة والنقصان في الإيمان الكامل، يعني: مجموعة التصديق والأعمال، وفي هذا الباب يظهر بعد التأمل الشديد أنه أثبت بزيادة الشرائع والأحكام، يعني: الزيادة والنقصان في الإيمان باعتبار المؤمن به، ويمكن تصديق ما قلنا - إن شاء الله - من التعمق والخوض في الآيات والأحاديث المذكورة في الباب.
والحاصل: أن نفس الإيمان والأعمال ومجموعهما، والمؤمن به، لكل من هذه الوجوه أثبت المؤلف التفاوتَ في الإيمان والزيادةَ والنقصانَ فيه في الأبواب المختلفة بالنصوص الصحيحة، وراعى في ذلك الاحتياط واتباع السلف، والله تعالى أعلم، انتهى.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩٧)
وبسط الكلام في هامش "اللامع"(1) على تلك المسألة، وفيه على قول الشيخ قُدِّس سرُّه: "وأما إذا عمَّم في الترجمة. . ." إلخ: وحاصل ما أفاده الشيخ أن الزيادة في ترجمة الباب تَعمّ زيادة المؤمن به كما هو نص آية الإكمال وزيادةَ التصديق القلبي كما مال إليه الحافظ تحذرًا عن تكرار الترجمة، وهذا واضح، وعلى هذا فلا يبقى إشكال تكرار الترجمة، ولا إشكال عدم التوافق بين الترجمة والآية والرواية.
قوله: (في قلبه وزن ذرة من خير) قال السيوطي(2): الذرة الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس، وقيل: النملة الصغيرة، قال ابن بطال: قال المهلب: الذرة أقل الموزونات، وهي في الحديث التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص، وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة فإنما هي زيادة من الأعمال يكمل التصديق بها، وليست زيادة في نفس التصديق.
فإن قيل: لما أضاف هذه الأجزاء التي في الشعيرة والبرة الزائدة على الذرة إلى القلب دلَّ على أنها زائدة من التصديق لا من الأعمال، والجواب: أنه لما كان الإيمان التام إنما هو قول وعمل، والعمل لا يكون بنية وإخلاص من القلب، جاز أن ينسب العمل إلى القلب، إذ تمامه بتصديق القلب، وقد عبَّر عن هذه الأجزاء من الأعمال مرة بالخير ومرة بالإيمان، وكل شائع سائغ.
وقال غير المهلب: ويحتمل أن تكون الذرة وأختاها [التي] في القلب ثلاثتها من نفس التصديق؛ لأن قول لا إله إلا الله، لا يتم إلا بتصديق القلب، والناس يتفاضلون في التصديق، إذ يجوز عليه الزيادة بزيادة العلم لقوله تعالى: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} [التوبة: 124]، وكذا بزيادة المعاينة لقوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]، وقوله: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 593).
(2) "التوشيح" (1/ 210)، وانظر: "فتح الباري" (1/ 104).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩٨)
الْيَقِينِ} [التكاثر: 7]، حيث جعل له مزية على علم اليقين، كذا في "الكرماني"(1).
قلت: ومال إلى الزيادة في نفس التصديق النووي(2)، والسيف الآمدي، والصفي الهندي، وصحَّحه الحافظ ابن رجب الحنبلي، وقال: وهو أصح الروايتين عن أحمد بن حنبل، وجمهور المتكلمين على أن نفس التصديق لا يقبل الزيادة والنقصان، وهو المشهور عن الحنفية، وقالوا: لئن سلمنا الزيادة في نفس التصديق فلا نسلم أنه بمقومات الماهية بل بغيرها، وقد صرَّح القاضي عياض بأن هذه المراتب من الشعيرة والبُرة والذرة إنما هي لشيء زائد على مجرَّد الإيمان؛ لأن مجرد الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ، وإنما يكون هذا التجزُّؤ لشيء زائد عليه من عمل صالح، أو ذكر خفي، أو عمل من أعمال القلب من الشفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، أو نية صادقة، والله أعلم.
قوله: (لو نزلت علينا هذه الآية) قال القسطلاني(3) في أول "كتاب الاعتصام": قال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة، وعرفة، وعيد اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده، انتهى.
وما أورد عليه القاري في "الحظ الأوفر" ليس بوجيه عندي.
وفي هامش "اللامع"(4) قوله: "قد عرفنا. . ." إلخ، وفي تقرير مولانا الشيخ محمد حسن المكي رحمه الله تعالى، عن الشيخ الكَنكَوهي قال: يعني: قد جعل الله لنا ذلك اليوم عيدًا، يعني: العيد يكون بجعل الله لا باتخاذنا كما هو زعمكم وفعلكم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (1/ 175، 176).
(2) انظر: "مختصر شرح صحيح البخاري" للنووي (ص 103).
(3) "إرشاد الساري" (15/ 263).
(4) "لامع الدراري" (1/ 594).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩٩)
قلت: ويؤيد ذلك ما قال الحافظ في "الفتح"(1) في جواب من قال: كيف طابق الجواب السؤال في جواب عمر بمعرفة الوقت والمكان؟ فقال: عندي أن في هذه الرواية اكتفى بالإشارة؛ لأن في رواية الطبري في "التفسير" والطبراني في "الأوسط": "نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد"، وفي أخرى لهما: "وهما لنا عيدان"، وفي "الترمذي" من حديث ابن عباس: "نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة".
قال الحافظ: فإن قيل: كيف دلَّت هذه القصة على ترجمة الباب؟ أجيب: من جهة أنها بيَّنت أن نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها، والله أعلم، وقد جزم السدي بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الحلال والحرام، انتهى.
(34 - باب الزكاة من الإسلام)
وفي الحاشية الهندية(2): قوله: " {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} " [البينة: 5] أي: المذكور من الأشياء دين الملة المستقيمة، ووجه قيام الآية بالترجمة أن الآية دلَّت على أن الزكاة من الدين، والدين عند الله الإسلام، فيكون الزكاة من الإسلام، كذا في "التوضيح".
قال الحافظ(3): ويأتي فيه ما مضى في "باب الصلاة من الإيمان"، والآية دالة على ما ترجم له؛ لأن المراد بقوله: {دِينُ الْقَيِّمَةِ} دين الإسلام، والقيِّمة المستقيمة، وإنما خص الزكاة بالترجمة؛ لأن باقي ما ذكر في الآية والحديث قد أفرده بتراجم أخرى، انتهى.
قوله: (لا أزيد على هذا. . .) إلخ، اختلف في توجيهه على أقوال بسطت--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 105).
(2) (1/ 263).
(3) "فتح الباري" (1/ 106).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠٠)
في الصيام من "اللامع"(1)، والصلاة من "الأوجز"(2).
والأوجه عندي: أن ما سيأتي في صيام البخاري من قوله: "والله لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض"(3) ينافي التأويل المشهور من التبليغ، واختلفوا في جوابه أيضًا، والأوجه فيه عندي: أن المقتصر على الواجبات دون الآتي بالتطوعات ناج بلا ريب كما صرح بذلك النووي، وسيأتي في الصيام من كلام الحافظ، ومع هذا لما كانت التطوعات مكملات للفرائض فلا بد من إتيانها، فإن إتيان الصلاة بآدابها وبكمالها عسير جدًا.
وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته شيء قال الرب تبارك وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوع يكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ "الحديث، أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي(4)، واللفظ له، بسط الكلام على الحديث أيضًا في "الأوجز"(5).
(35 - باب اتباع الجنائز من الإيمان)
قال الحافظ(6): ختم به المصنف معظم التراجم التي وقعت له في شُعب الإيمان؛ لأن ذلك آخر أحوال الدنيا، وإنما أخَّر ترجمة أداء الخمس من الإيمان لمعنى سنذكره، انتهى.
قلت: لم نجد ما وعده الحافظ نوَّر الله مرقده من سبب تأخير باب أداء الخمس. . . إلخ فيما وعده، ومثل هذا يقع كثيرًا في "الفتح" أن قدوة--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 330).
(2) "أوجز المسالك" (3/ 595).
(3) "صحيح البخاري" (ح: 1891)، وفيه: "والذي أكرمك، لا أتطوع. . ." إلخ.
(4) "سنن أبي داود" (ح: 864)، "سنن ابن ماجه" (ح: 1425)، "سنن الترمذي" (ح: 413).
(5) "أوجز المسالك" (3/ 562).
(6) انظر: "فتح الباري" (1/ 108).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠١)
المحدثين الحافظ ابن حجر نوَّر الله مرقده كثيرًا ما يَعِدُ ذكر بعض الأبحاث في موضع ثم لا نجده فيها، والظاهر أن هذا من قصور تتبعنا، ولا يبعد أنه رضي الله تعالى عنه يريد ذكره، ولما وصل إلى الموضع الموعود نسيه.
(36 - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله)
قال النووي في "شرحه"(1): فيه رد على المرجئة في قولهم الباطل: إن الله تعالى لا يعذب على شيء من المعاصي من قال: لا إله إلا الله، ولا يحبط شيئًا من أعماله، وأن إيمان المطيع والعاصي سواء، وذكر أقوال الصحابة والتابعين الخائفين عن ذلك، انتهى.
وقال القسطلاني(2): لا يقال في الباب تقوية لمذهب الإحباطية القائلين بإحباط الأعمال بالسيئات، وحكموا على العاصي بالكفر؛ لأن مراد المصنف إحباط الثواب فقط، انتهى.
بسط الشيخ قُدِّس سرُّه على هذا الباب في "اللامع"(3) كلامًا طويلًا لا يسعه هذا المختصر، وكذا بسط في هامشه في تأييد كلام الشيخ وتوضيح أقوال السلف، وجملة ما قال الشيخ: أشار المؤلف بذلك إلى أن المؤمن ليس من شأنه أن يأمن على نفسه الحبط والكفر، فإن المرء ما دام حيًّا يُخاف عليه الفتنة، فلا بد له من دوام المراقبة.
ثم إن للحبط مراتب: أدناها: أن لا يقع عمله على أفضل ما ينبغي أن يقع عليه، وأوسطها: أن لا يكون له قبول، وأعلى مراتب الحبط: سلب الإيمان والتأدية إلى الكفر، وبحسب هذه المراتب يتفاوت الإيمان قوة وضعفًا، وإن لم يكن لأحد من المؤمنين أمن من مراتب الحبط كلها، إلا أن غالب حاله الكون في مرتبة من تلك المراتب، وبحسبه يختلف اتصافه--------------------------------------------
(1) انظر: "مختصر شرح صحيح البخاري" للنووي (ص 115)، وفيه: "ولا يحبط أعماله بشيء من الذنوب".
(2) "إرشاد الساري" (1/ 233).
(3) "لامع الدراري" (1/ 596).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠٢)
بالإيمان، وكذلك التشبيه بإيمان جبرئيل لما لم يثبت من الصحابة علم أن بين المؤمنين بحسب إيمانهم تفاوتًا، فمن مؤمن إيمانه في أعلى مراتب اليقين، ومنهم دون ذلك، وكذلك الإصرار على الكبيرة لما كان مفضيًا إلى الكفر وحبط الأعمال كان الأبعد من الإصرار أبعد من الكفر وأقوى إيمانًا ممن هو أقرب إلى الكفر بإصراره على الكبيرة.
والرواية التي أوردها في الباب محمولة على ما وضع عليه الترجمة، فكانت الترجمة بيانًا لما هو المراد بالكفر في الرواية، وإذا خيف على المؤمن حَبْطُ أعماله بأنواعه التي ذكرت فكان الإصرار على الكبائر مفضيًا إلى الكفر كان ذلك ردًّا على المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يضر معه معصية، فكأن الباب مقصود له كما تدل عليه الرواية الموردة في الباب، انتهى.
وقال شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه:
ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب ترجمتين: الأولى: خوف المؤمن، والثانية: ما يحذر، [و] ذكر لإثبات الترجمة الأولى أقوال إبراهيم التيمي وغيره من التابعين، وللترجمة الثانية الآية القرآنية، ثم أورد روايتين يظهر علاقتهما بالترجمة الثانية واضحًا، والظاهر أن الغرض من الترجمة الأولى: هو أن المؤمن ينبغي له أن يكون خائفًا من النفاق، ومن الترجمة الثانية: المقصود فيه صريح وهو التخويف عن المعاصي.
والحاصل: أنه بعد الفراغ من أجزاء الإيمان ومكملاته أراد بيان المفسدات والمضرات الإيمانية، وهي شيئان:
الأول: النفاق، والثاني: المعاصي مع الإصرار بدون توبة. ولما لم يكن في روايات الباب ذكر الإصرار بغير توبة ذكر الآية في الترجمة لإثباته، وحصل إبطال المرجئة أيضًا، والرواية الأولى صريحة في ذلك، انتهى.
وفي "النور الساري": المناسبة بين هاتين الترجمتين بأن الترجمة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠٣)
الأولى فيه أن يخاف المؤمن من حبط الأعمال، وليس فيه وجه الحبط، ولعل في الترجمة الثانية بيان سبب حبط الأعمال ووجهه، وهو الإصرار على التقاتل والعصيان، ويحتمل أن يقال: إن الترجمة الثانية عام والأولى فرد منها، وإنما أفرد الأولى بالذكر لاهتمام شأنه، والله أعلم، انتهى.
قال الحافظ:(1) قوله: "ما يحذر" هذه ترجمة أخرى، فصل بين الترجمتين بآثار لتعلقها بالأولى فقط، وأما الحديثان فالأول منهما يتعلق بالثانية، والثاني بالأولى، ففيه لف ونشر غير مرتب، انتهى.
قوله: (وهو لا يشعر. . .) إلخ، كأنه أشار إلى مسألة خلافية.
قال النووي: المراد بالإحباط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر؛ لأن الرجل لا يكفر إلا بما يفعل شيئًا عالمًا أنه الكفر، ورد عليه الكرماني(2)، وقال: الجمهور على أنه يكفر بموجب الكفر وإن لم يعلم أنه كفر.
وقال ابن عابدين(3): قال في "البحر": والحاصل: أن من تكلم بكلمة الكفر هازلًا أو لاعبًا كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده، كما صرَّح به في "الخانية"، ومن تكلم بها اختيارًا جاهلًا بأنها كفر ففيه اختلاف، انتهى.
قوله: (ابن أبي مليكة. . .) إلخ، كتب شيخ الهند قُدِّس سرُّه في "تراجمه" ما تعريبه: وأما قول ابن أبي مليكة: "ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبرئيل وميكائيل"، فالمراد منه أن السلف لم ينقل منهم مثل هذه الكلمات، ويخشى منها المغالطة أيضًا فينبغي الاحتراز عنها، فإن الإمام أبا حنيفة رحمه الله عند ما قال بذيل تحقيق مسألة الإيمان: إيماني كإيمان جبرئيل، أضاف بعدها: ولا أقول: إيماني مثل إيمان جبرئيل، فسدَّ بذلك باب المغلطة.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 111).
(2) "شرح الكرماني" (1/ 187).
(3) "رد المحتار" (6/ 358).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠٤)
والإمام محمد رحمه الله عندما رأى حال الناس فأوضح وقال: لا أقول: إيماني كإيماني جبرئيل، بل أقول: آمنت بما آمن به جبرئيل، ولم يتركوا شيئًا من الاحتياط إلا وأخذوا به، ومن لم يفهم مع ذلك أيضًا فحسيبه الله.
وانظروا الإمام البخاري نفسه مع احتياطه الكامل في مسألة خلق القرآن كم لاقى من مخالفيه ومعترضيه، وما ورد في منقبة القرآن الكريم قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26]، فقد حصل لهؤلاء الأكابر بسبب الحسَّاد من هذه المنقبة نصيبهم، انتهى.
وفي هامش "اللامع"(1): قال صاحب "الدر المختار"(2) في مسألة الطلاق: إن الكاف للتشبيه في الذات، و"مِثْلٌ" للتشبيه في الصفات، ولذا قال أبو حنيفة: إيماني كإيمان جبرئيل لا مثل إيمان جبرئيل، كذا في "البحر".
قال ابن عابدين: لزيادته في الصفة من كونه عن مشاهدة فيحصل به زيادة الاطمئنان، كما أشير إليه في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} الآية [البقرة: 260]، وبه يحصل زيادة القرب ورفع المنزلة، لكن ما نقل عن الإمام هنا يخالفه ما في "الخلاصة" من قوله: قال أبو حنيفة: أكره أن يقول الرجل: إيماني كإيمان جبرئيل، ولكن يقول: آمنت بما آمن به جبرئيل، وكذا ما قاله أبو حنيفة في كتاب "العالم والمتعلم": إن إيماننا مثل إيمان الملائكة؛ لأنا آمنَّا بوحدانية الله تعالى وربوبيته وقدرته، وما جاء من عند الله تعالى بمثل ما أقرت به الملائكة وصدقت به الأنبياء والرسل، فمن ههنا إيماننا مثل إيمانهم؛ لأنا آمنا بكل شيء آمنت به الملائكة مما عاينته من عجائب الله ولم نعاينه نحن، ولهم بعد ذلك علينا فضائل في الثواب على الإيمان وجميع العبادات، ولا يخفى أن بين هذه العبارات--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 600).
(2) انظر: "رد المحتار على الدر المختار" (4/ 495).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠٥)
الثلاث تخالفًا بحسب الظاهر، ويمكن التوفيق بحمل الأولى على العالِم، والثانية على غيره لقوله: أكره أن يقول الرجل، والثالثة على ما إذا فصَّل وصرَّح بالمؤمن به وإن كان بلفظ المثلية لعدم الإبهام بعد التصريح، فيجوز للعالم والجاهل، انتهى.
وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1) في شرح قول ابن أبي مليكة فقال: وقيل: هذا رد على الإمام الهمام قدوة الأنام أبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه، فيما قاله من أن إيماني كإيمان جبرئيل، فإن كان الأمر على ما زعمه صاحب القيل، فحسبنا الله ونعم الوكيل، فإن الإمام رضي الله تعالى عنه لم يرم في مقالته هذه شططًا، ولم يركب فيها زيغًا عن المحجة ولا غلطًا.
أما أولًا: فلأن المقالة المعزية إليه في بعض التصانيف هي هذه: إيماني كإيمان جبرئيل، ولا أقول: مثل إيمان جبرئيل، وقد عُرف الفرق بينهما، فإن الأول: يقتضي مشاركة في أي وصف كان، والثاني يستدعي المماثلة والمساواة، وعلى هذا فلا ضير في تشبيه إيمانه بإيمانه باعتبار اتحاد المؤمَن به فيهما، فإن جبرئيل مؤمن بعين ما آمن به كل مؤمن، فالإيمان الإجمالي يتَّحد منهم أجمعين، وإنما الفرق والتفاضل بحسب تفاصيله، ولم يشبه إيمانه التفصيلي بإيمانه التفصيلي.
وأما ثانيًا: فلأن الإيمان متزايد بتزايد مراتب اليقين ومتناقص بتناقصه، وهذا بعد أن يكون داخلًا في الحدِّ المعتبر شرعًا للإيمان، وأما ما دونه الذي لم يدخل تحت التصديق واليقين فلا كلام فيه، وإنما الكلام ههنا في مراتبه، فنقول: إذا كان المناط في قوة الإيمان وضعفه هو اليقين، فأي استحالة في بلوغ أحد من العباد المؤمنين ما بلغه الملائكة من الإذعان واليقين، والفرق بين علم اليقين وعين اليقين وإن كان كثيرًا شائعًا إلا أنه--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 599 - 602).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠٦)
لا منع عن بلوغ بعض درجات علم اليقين من بعضهم حدًا ينتهي إليه يقين المشاهدة والعيان من الآخرين.
ويؤيده قول علي رضي الله عنه: لو كُشف الغطاء لما ازددت يقينًا، فإن ورد شيء عليه رضي الله تعالى عنه في مقالته هذه لكان وروده مسلمًا على مقالة الإمام أيضًا، إلى آخر ما بسط فيه بستة وجوه في توضيح كلام الإمام الأعظم.
وفي هامشه: أن الإيراد المذكور على الإمام أبي حنيفة منقول عن بعض مشايخ الدرس، ولم يقل أحد من الشرَّاح المعروفين من النووي والكرماني والحافظَين - ابن حجر والعيني - والقسطلاني وغيرهم، أنه ردٌّ على الإمام أبي حنيفة، ويدل على ذلك أيضًا أن المنقول في كلام الإمام البخاري: إيماني كإيمان جبرئيل وميكائيل، وليس لفظ ميكائيل في شيء من الكتب عن الإمام أبي حنيفة، ولا يبعد أن يكون هذا قول أحد من معاصري الإمام البخاري.
(37 - باب سؤال جبرئيل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم له. . .) إلخ
قال شيخ الهند قُدِّس سرُّه في "تراجمه" ما تعريبه:
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في الترجمة ثلاثة أمور:
الأول: سؤال جبرئيل وهي الأسئلة الأربعة، وقد أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأربعة كلها،
والثاني: أمره صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس بالإيمان وشرح الإيمان لهم.
والثالث: قوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85].
أما مقصود المؤلف رحمه الله من الأمر الأول فقد أوضحه بقوله: "فجعل ذلك كله دينًا" يعني: أن الأصول والفروع، والعقائد والأعمال، والإيمان
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠٧)
والإسلام، والإخلاص والأخلاق، كل ذلك داخل في الدين، وهذه الترجمة الأولى هي غرض المؤلف من التراجم الثلاثة، وهي التي ذكر لها الحديث المسند، فكل الأمور المذكورة في الأبواب السابقة المتفرقة جاءت في هذا الباب الواحد مع بعض الزيادة.
والمراد بالإيمان في هذا الحديث التصديق القلبي، والمراد بقوله: "أن تعبد الله" التوحيد باللسان، وتدخل فيه كلمة الشهادة كما صرَّح العلامة السندي(1).
وفي حديث عبد القيس سمَّى هذه الأمور إيمانًا، وفي الآية الكريمة أطلق على الإسلام دينًا، فثبت بهذه النصوص أن الإسلام والإيمان والدين يصح إطلاق أحدهما على الآخر، والسلف كانوا يحبون اتباع الإطلاقات الواردة في النصوص، ولا يرغبون إلى المباحث الكلامية التي استخرجها المتأخرون، كما صرَّح بها الشرَّاح، فظهر بهذا الباب صحة كل الأبواب السابقة التي وردت فيها مثل هذه الإطلاقات، والله تعالى أعلم.
قوله: (كأنك تراه. . .) إلخ، أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب"(2) إذ كتب: وهذا جامع لمراتب الإحسان، فكلما زادت المراقبة حسن الإحسان، وقوله الآتي: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" بيَّنه الشارحون بحيث يكون مرتبته أدوَن من التي قبلها، فقالوا: وإن لم تقدر على ذلك فاعبده كأنه يراك، وهذا بعيد.
أما أولًا: فلأن المراقبة في ذلك أشد؛ لأنه تبارك وتعالى لما كان ناظرًا إليه ورائيًا حاله، وراقب العبد ذلك، اشتد أمر الإحسان وزاد فيه، لا أنه يكون مرتبة دونى(3) نسبة إلى الأولى.
وأما ثانيًا: فلأن المناسب حينئذ هو أن يقال: كأنه يراك، وهذا غير--------------------------------------------
(1) انظر: "حاشية السندي على صحيح البخاري" (1/ 18).
(2) "الكوكب الدري" (3/ 340 - 342).
(3) مؤنث دون.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠٨)