Arabic source text

📘 আল-আবওয়াব ওয়াত তারাজিম লি সহীহিল বুখারী (মুহাম্মাদ যাকারিয়া আল-কান্ধলভী - মৃত্যু 1402 হিজরী)

📘 الأبواب والتراجم لصحيح البخاري (محمد زكريا الكاندهلوي - ت 1402 هـ)

📘 আল-আবওয়াব ওয়াত তারাজিম লি সহীহিল বুখারী (মুহাম্মাদ যাকারিয়া আল-কান্ধলভী - মৃত্যু 1402 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الشريفة ذهبت عنه تلك الهيبة التي كانت تأخذه الحمَّى بسببها، وأما الشدة فبقيت في أكثر أحوال النزول، والمناسبة بالترجمة بأن هذه الحالة الواردة في الحديث مبدأ لكل وحي يكون مثل هذا النوع.
(وكان يخلو بحراء) وهو مأخذ الصوفية في التجرُّد، ولعلَّهم خصُّوه بالأربعينية لقصة موسى عليه السلام {وَوَاعَدْنَا مُوسَى} الآية [الأعراف: 142]، ولحديث النطفة والعَلَقة والمضغة، فإن التغير فيها في الأربعينات، فعُلم أن له دخلًا خاصًّا في تغير الأحوال، وبسط القسطلاني(1) في تخصيص جبل حراء للتعبد، قال السهيلي في "الروض"(2): وهو الجبل الذي نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له ثبير وهو على ظهره: اهبط عني فإني أخاف أن تُقْتَلَ على ظهري فأعذَّب، فناداه حراء: إليَّ إليَّ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى.
(فيتحنث) من التحنُّث، وهو إلقاء الحنث، فإن التفعُّل تأتي لسلب المأخذ، وقيل: هو بمعنى يتحنَّف، أي: يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاءً في كثير من كلامه، وقد وقع في رواية ابن هشام في "السيرة" يتحنَّف بالفاء، كذا في "الفتح" و"القسطلاني"(3).
قال ابن هشام(4): تقول العرب: التَّحَنُّث والتَّحَنُف، يريدون الحنيفية، فيبدلون الفاء بالثاء، كما قالوا: جَدَفَ وجَدثَ، يريدون القبر، انتهى.
(وهو التعبد) تفسير للتحنث من أحد الرواة وهو الزهري، كما جزم به الطيبي فسَّره به مجازًا، و"الليالي" ظرف ليتحنث لا التعبد، وذكرُ الليالي يتناول الأيامَ بالأَولى، فإن البارزين إلى الفلوات يرجعون إلى بيوتهم في الليالي، فلو قال: أيامًا، لأوهم الرجوع إلى البيت في الليل، ويشكل أن العبادة لم تُشرع بعدُ، فالجواب أنهم اختلفوا في كيفية تعبُّده بناءً على أنه هل كان متعبدًا بشرع سابق أو لا؟ ففيه ثلاثة أقوال:--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (1/ 106).
(2) "الروض الأنف" (2/ 392).
(3) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 105)، و"فتح الباري" (1/ 23).
(4) "السيرة النبوية" (1/ 235).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٩)

الأول: أنه لم يكن متعبدًا بشرع سابق، قال في "الدر المختار" تبعًا لصاحب "البحر": وهو المختار عندنا، قال ابن عابدين(1): نسبه في "التقرير الأكملي" إلى محققي أصحابنا، قال: لأنه عليه الصلاة والسلام قبل الرسالة في مقام النبوة لم يكن من أمة نبي قط، انتهى.
قلت: وعزاه القاضي عياض، والحافظ ابن حجر، وعمر بن نجيم في "النهر الفائق"(2) إلى الجمهور.
قال القاضي عياض في "الشفاء"(3): واحتجوا بأنه لو كان كذلك لَنُقِل، ولَمَا أمكن كتمُه وسترُه في العادة، إذ كان من مهم أمره، وأولى ما اهْتُبِلَ به من سيرته، ولفخر به أهل تلك الشريعة، وَلاحْتجوا به عليه، ولم يُؤْثَرْ شيء من ذلك جملةً.
والقول الثاني: الوقف، ذهب إليه إمام الحرمين، والغزالي، وابن الأنباري، وغيرهم، واختاره السبكي.
والقول الثالث: أنه كان متعبّدًا بشرع سابق، قال ابن بدران الحنبلي في "المدخل": كان نبينا صلى الله عليه وسلم قبل البعثة متعبّدًا في الفروع بشرع مَن قبله عند القاضي والحلواني، وأومأ إليه أحمد، واختاره ابن الحاجب والبيضاوي وابن الهمام.
ثم اختلفوا في تعيينه، فقيل: آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، واختاره ابن عقيل والمجد ابن تيمية، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، وقيل: بجميع الشرائع، حكاه بعض شراح "المحصول" عن المالكية، قال ابن الهمام(4): والمختار أنه متعبد بما ثبت أنه شرع إذ ذاك، إلا أن يثبتا متضادين فبالأخير لعدم معلومية طريقه فيما ركن إليه، انتهى.--------------------------------------------
(1) "رد المحتار" (2/ 13).
(2) "النهر الفائق" (1/ 157)، و"فتح الباري" (12/ 355)، و"الشفاء" (ص 327).
(3) "الشفاء" (ص 327).
(4) انظر: "تيسير التحرير" (3/ 129 - 130).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩٠)

وعلى القول الأول بماذا كان يتعبد؟ قيل: بما يُلقى إليه من أنوار المعرفة، وقيل: بما يحصل له من الرؤيا، وقيل: بالتفكر، وقيل: باجتناب رؤية ما كان يقع من قومه.
(حتى بلغ مني الجهد): برفع الدال على الفاعلية، أي: بلغ الجهد مبلغه، وبالنصب على المفعولية، أي: بلغ الغطُّ مني جهدَه، أي: غايته، أو بلغ جبرئيل جهدَه وقوتَه.
وأشكل بأن البشر لا يطيق غاية جهد الملك، ويزيد هذا الإشكال في قصة صك موسى عليه السلام وَجْهَ عزرائيل عليه السلام حتى فُقئت عينه، وقد ذكر على هذا الحديث الكلام في "اللامع"(1) وهامشه في "كتاب الجنائز" مفصَّلًا حتى أنكر بعض الجهلة هذا الحديث، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
والجواب عن أصل الإشكال: بأن من تزيَّا بزيِّ غيره فإنه تنتقل إليه جميع ميزات ذلك الشيء، لذا ترى أن الجن عندما يكونون في زي الثعابين والعقارب فإنهم يموتون بضربة أو ضربتين فقط، كما تشهد عليه الوقائع الكثيرة، مع أنها لو كانت في زيها الأصلي لما استطاع أحدٌ الوقوفَ لها البتة، فكذلك لما كان جبرئيل عليه الصلاة والسلام في زيِّ رجلٍ فجهدُه لا يتعدى جهدَ الرجال المعتاد، وتحمُّلُ النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثرَ من ذلك، فلا إشكال مطلقًا، ولذا لا يشكل فقء عين عزرائيل عليه السلام بصك موسى عليه الصلاة والسلام، لكن قال القاري(2): لا يلزم من تشكُّلِ الملَك بصورة الآدمي وتبدُّلِه عن أصل هيئته الملَكية سلبُ القوة عنه ونفي الغلبة منه، فإن الأمر المعنوي لا يتغير بتغير الهيكل الصوري، انتهى.
وقال الحافظ(3): ما المانع أن يكون قَوّاه الله على ذلك ويكون--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (14/ 367 - 370).
(2) "مرقاة المفاتيح" (10/ 105).
(3) "فتح الباري" (12/ 357).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩١)

من جملة معجزاته، ثم رجَّح الحافظ رواية الرفع فقال: والترجيح هنا متعين لاتحاد القصة، ورواية الرفع لا إشكال فيها، وهي التي ثبتت عن الأكثر فترجَّحَتْ، وإن كان للأخرى توجيه، وقد رجَّح شيخُنا البُلقينيُّ بأن فاعل "بلغ" هو الغط، والتقدير: بلغ مني الغطُّ جهدَه، أي: غايته، فيرجع الرفع والنصب إلى معنى واحد، وهو أولى، انتهى.
ثم التثليث إشارة إلى أن المؤدِّب لا يزيد الضربَ على ثلاثة مرَّات، حكاه السُّهيلي(1) عن شريح القاضي التابعي، وقيل: الغطة الأولى للتخلي عن الدنيا، والثانية للتفرغ لما يوحى إليه، والثالثة للمؤانسة، كذا في "القسطلاني"(2).
والأوجه عندي أن الأولى لحصول النسبة الإلقائية، والثانية لحصول النسبة الإصلاحية، والثالثة: لحصول النسبة الاتحادية، فالتوجه عند العارفين أربعة أنحاء: انعكاسي، وإلقائي، وإصلاحي، واتحادي، وتفصيل هذه التوجهات الأربعة في هامش "اللامع"(3) بذيل هذا الحديث جدير بأن يُنْظَر.
ولم يحتَجْ صلى الله عليه وسلم إلى الأولى؛ لأنها حصلت بمجرد لقاء جبرئيل عليه السلام لصفاء قلبه صلى الله عليه وسلم بالخلوة في حِراء ستة أشهر، ولا يقال: إِنه يلزم منه فضل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أمر ابتدائي، وأول أحواله صلى الله عليه وسلم، ثم ترقَّى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كل يوم حتى سبق على جبرئيل بمراحل، إلى أن قال جبرئيل:
اكَر يك سر موـ> برتر برم … فروغِ تجلي بسوزد برم
فلما ارتقى صلى الله عليه وسلم إلى هذه المرتبة العليَّة قبل الهجرة بكثير، فما ظنك فيما ارتقى عليه الصلاة والسلام بعد ذلك.
وقد يقال: إنهم ذكروا ثلاث عوالم: الأول: عالم الناسوت، والثاني: عالم الملكوت، والثالث: عالم اللاهوت.--------------------------------------------
(1) انظر: "الروض الألف" (2/ 400).
(2) انظر: "إرشاد الساري" (14/ 479).
(3) "لامع الدراري" (1/ 500).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩٢)

فيقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت النبوة كامنة فيه، ففي حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره: "قالوا: يا رسول الله! متى وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد"(1)، وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة ذكرها السيوطي في "الخصائص"(2)، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل إتيان جبرئيل إليه في عالم الناسوت متصفًا بصفات الإنسان، فلما أتاه جبرئيل وغطّه ذهبت عنه ما هو من صفات الناسوت، ودخل في عالم الملكوت الذي هو عالم الملائكة الذي من لوازمه التجرُّدُ والانقطاعُ عن ملابسات الناس، والانخلاعُ عن لوازم البشرية، وبعد ذلك ترقَّى النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى عالم اللاهوت الذي هو كناية عن حضرة الربوبية، فحصل ما حصل مما لا يأتي في البيان، والله أعلم.
({اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} الآية) لا يقال: فيه تكليف بما لا يطاق؛ لأنه ليس تكليف بل تلقين، كما يقول المعلِّم لتلميذه، ظنه النبي صلى الله عليه وسلم تكليفًا فقال: "ما أنا بقارئ"، وقيل: كان في يد جبرئيل عليه السلام ثوب حرير مكتوب عليه هذه الآيات، فالجواب إِذًا: أنه لم يكن داخلًا فيما لا يطاق، لكنه صلى الله عليه وسلم ظنه كذلك هضمًا لنفسه، كذا في بعض تقارير شيخ الإسلام المدني، وقصة ثوب حرير إنما وقعت في مرسل عُبيد بن عمير الليثي عند ابن إسحاق وهو منام، كما ذكره ابن إسحاق مفصَّلًا، كما في "الفتح"(3) وغيره.
ثم مسألة تكليف ما لا يطاق خلافية: جَوَّزَتْه الأشاعرة، ومنعته الحنفية والمعتزلة، كما في "المسايرة"(4) وشروحها. وفي "البداية"(5) بهذه الآيات لطائف ذكرها الشرَّاح، ثم اختلف في أول ما نزل، والجمهور على أنه خمس آيات من {اقْرَأْ} إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ}.--------------------------------------------
(1) انظر: "سنن الترمذي" (3609)، و"المستدرك" (2/ 609).
(2) "الخصائص الكبرى" (1/ 7).
(3) انظر: "فتح الباري" (1/ 24، 12/ 356).
(4) انظر: "المسامرة" (ص 197).
(5) انظر: "البداية والنهاية" (3/ 6 وما بعدها).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩٣)

وورد عن علي رضي الله عنه: أول ما نزل سورة الفاتحة، وقيل: أول ما نزل {الْمُدَّثِّرُ}، والجمع أن هذه الآيات أول ما نزل مطلقًا، ثم الفاتحة، ثم المدثر باعتبار تواتر النزول، فإنه فتر الوحي قبلها ثلاث سنين، كذا في "التفسير العزيزي"، وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع"(1) في "كتاب التفسير" أشد البسط، والقول الأول صحَّحه القاضي ابن العربي، والقاضي عياض، وابن كثير، وابن القيم(2)، وقال النووي(3): هذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، انتهى.
ولا يذهب عليك أنه استدل بهذا الحديث على أن البسملة ليست من السورة، وهي مسألة مشهورة أجملَ الكلام عليها في "الأوجز"(4)، وبسط في هامش "اللامع"(5).
وحاصل المذاهب أربعة أقوال:
الأول: أنها ليست من القرآن، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد وطائفة من الحنفية.
والثاني: أنها آية من كل سورة أو بعض آية، وهو المشهور عن الشافعي.
والثالث: أنها آية من الفاتحة دون غيرها، وهو رواية عن الشافعي وأحمد.
والرابع: أنها آية مستقلة من القرآن ليست من السور، وهو قول ابن المبارك وداود، وهو المنصوص عن أحمد، وقال أبو بكر الرازي: هو مقتضى أبي حنيفة.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (9/ 184).
(2) انظر: "زاد المعاد" (1/ 84)، و"تفسير ابن كثير" (4/ 528).
(3) "شرح صحيح مسلم" (1/ 480).
(4) "أوجز المسالك" (2/ 142).
(5) "لامع الدراري" (9/ 196).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩٤)

(فرجع بها): أي: بالآيات المذكورة المحفوظة، أو بالكيفية المذكورة.
(يرجف): لثقل القراءة، أو لغط جبرئيل عليه السلام، أو لاتحاد الروح بالملكية، ولا يشكل عليه أن الاتحاد سبب التقوية لا الاضطراب؛ لأن الانتقال عن حالة معهودة وإن كان بسبب ما يقوي الطبع قد يفضي إلى مثل ذلك، كمن استعمل مسكًا كثيرًا، فإنه قد يُفضي إلى حالة سُكْرية وإن كان مقوّيًا غايةَ التقوية.
(زَمِّلوني زَمِّلوني): قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفف، وذكر في "الأرواح الثلاثة": أنه سئل العارف الكبير الحاجّ إمداد الله المهاجر المكي نَوَّرَ الله مرقده عن وجه التلفُّف والتزمُّل، هل خاف النبي صلى الله عليه وسلم جبرئيل عليه السلام؟
فقال: لا، بل لما شاهد النبي صلى الله عليه وسلم جبرئيل وانكشفت عليه حقيقةُ نفسه فهابها، ولم يستطع أن يتحمَّلها لعظمتها وكبرها، فإن الحقيقة تختفي في غير الجنس، فإذا ورد أحد من أبناء جنسه تنكشف عليه حقيقته، كما اشتهر أن رجلًا اقتنى جرو أسد، فكان يصبح ويمسي في أغنامه، ويروح ويسرح، كأنه فرد منها حتى شَبّ ولم يعلم نفسه ما هو، حتى إنه رأى يومًا صورته في الماء، فعلم أنه ليس من جنس الأغنام، بل هو شيء آخر ذو هيكل مهيبٌ بسلٌ شجاعٌ، فلما تحقق ذلك دخل في الأغنام فافترس هذه، وأكل أخرى، وجرح تلك، وقتل أخرى، حتى وقع الصياح والعويل فيهن، وفررن وانتشرن.
وكما أن رجلًا جميلًا ذا بهاء وسناء كأن وجهَه قطعةُ قمر، لو كان في بعض الجزائر التي يسكنها ذوو الأشكال البشعة القبيحة والوجوه الدميمة لما ظهر منه الدلال والغنج، وما هو من شؤون المحبوبين الحسان، حتى إذا ورد عنده رجل مثله في الحسن والجمال، وأظهر التدلل والتشكل والتغنج، فيظهر عليه حقيقة نفسه، ويظهر حينئذ شؤون المحبوبية.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩٥)

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في جُهّال مكة مثل ذلك الأسد والرجل الجميل اللذَيْن لم يعرفا أنفسهما، ولم تنكشف عليه حقيقة نفسه، فلما رأى من هو من أبناء جنسه وهو جبرئيل، فإنه غُذي بلُبان العلم، ورُبِّي به، ولذا كانت سفارة الوحي إليه، كما أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - غُذُّوا بلُبان العلم، ورُبُّوا بتلك الصفة، فظهرت صورته، وله حقيقة في جبرئيل، وكانت في غاية العظمة والكمال، فلم يستطع أن يتحمَّلها، فخاف نفسه الشريفة، لا أنه خاف جبرئيل.
قال مولانا أمير شاه خان - رحمه الله تعالى - ناقل ذلك: وكان مولانا محمود حسن الديوبندي المعروف بشيخ الهند يسمعه منه كرَّات ومرَّات، ويلتذ ويتمايل من الفرح والسرور.
قال حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي قُدِّس سرُّه في حاشية "الأرواح الثلاثة" ما حاصله: أن هذا التوجيه للحديث على ذوق الصوفية، وليس في النصوص ما يدفعه.
وأما توهم مصادمته لقوله صلى الله عليه وسلم: "لقد خشيت على نفسي"، فمدفوع بأنه ليس معناه: خشيتُ جبرئيلَ، بل معناه: خشيتُ أن لا أتحمل أعباء الرسالة، فإنه يحتاج إلى قوة بليغة خاصة، وقد كانت تلك القوة مغلوبة في ذلك الوقت.
وأما قول خديجة رضي الله عنها: "ووالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك تَصِلُ الرحمَ. . ." إلخ، فاستدلال عقلي على أنه صلى الله عليه وسلم يُعطى من الله الكريم قوةً على تحمل ذلك، فإن هذه القوة ثمرة لتأييد الحق، وهذه الأوصاف جالبة لتأييد الحق.
وأما ذهابها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة، فكان لطلب تأييد هذا الاستدلال العقلي بالدليل النقلي.
وأما ذكر ورقةَ سيدَنا موسى عليه الصلاة والسلام فكان تنظيرًا منه لحصول التحمل في مثل ذلك، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكًّا في نبوته، ثم

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩٦)

إن الله تعالى قدَّر بحكمته البالغة طريقًا لحصول الصبر والتحمُّل بأن حبس الوحي أيامًا ففتر، واشتاقت نفسه الشريفة للوحي حتى إنه اغتمَّ بسبب الفترة غمًّا شديدًا، وذهب إلى شواهق الجبال لكي يُلقي نفسَه، ولكن تبدَّى له جبرئيل قائلًا إنك رسول الله حقًّا، فاطمئنت نفسُه، وسكن جأشُه، فلما اشتاق واشتد شوقُه وإن عليه تحملُ أعباء الرسالة، فإن الشيء يسهل تحملُه بعد اشتياق النفس إليه.
وقد ذكر العارف الرومي في "المثنوي المعنوي" توجيهًا نحوه لنحو تلك القصة، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبرئيل أن يريه صورته الأصلية، فقال له جبرئيل: إنك لا تقدر على النظر إليّ في تلك الحال، فلما أَصَرّ عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم تَبَدَّى له جبرئيل له ستمائة جناح، قد سَدّ الأفق، فخرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيًّا عليه، فنزل جبرئيل واحتضنه حتى سكن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال العارف الرومي ما حاصله: إن المتأثر إنما كان جسم النبي صلى الله عليه وسلم لا حقيقته وروحه، بل الحقيقة المحمدية لا يقدر جبرئيل أن يتحمَّلها، ولذلك لما تقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فوق السِّدرة، وقال لجبرئيل: تَقَدَّمْ، فاعتذر إليه جبرئيل قائلًا: إنه لو تقدم مقدار شعرة لَذَابَ واحترق، والله تبارك وتعالى أعلم، انتهى معرّبًا وملخصًا.
(لقد خشيت. . .) إلخ، اختلفوا في الخشية على اثني عشر قولًا، بسطت في "اللامع"(1) وهامشه، وهي: الجنون، والهاجس، والموت، والمرض، ودوامه، والعجز عن التحمُّل، والعجز عن رؤية الملَك، وعدم الصبر على الأذى، وخوف القتل، ومفارقة الوطن، وتكذيبهم، وتعييرهم.
وأوجه الأقوال: الثالث: الموت، أو السادس، ورجَّح شيخ المشايخ القطب الكَنكَوهي السادسَ، وكذا رجَّحه النووي في "شرح مسلم"(2)، وهي خشية عدم تحمل أعباء النبوة.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 501).
(2) "شرح صحيح مسلم" (1/ 480).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩٧)

وحاصل قول العلامة السندي(1): أنه عليه الصلاة والسلام لم يَخْشَ، بل قال ذلك القول لانعطاف رأفة خديجة رضي الله عنها عليه صلى الله عليه وسلم لتكون مُعينة له من أول الأمر، مخافة أن تنكر ذلك، ورجَّحه شيخ الإسلام المدني رحمه الله.
(فقالت خديجة: كلا والله. . .) إلخ، أفاد شيخ الهند رحمه الله في "تراجمه": أن الحديث ظاهر في بداية الوحي عند الشرَّاح، وهو الظاهر، والأوجه عندي - أي: عند شيخ الهند - أن مقصود الرواية بيان هذه الأوصاف الجليلة التي تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان بخلقته جامعًا للمَلَكات الفاضلة، والأخلاق الحميدة، والأفعال الحسنة التي هي مبدأ الوحي ومنشأ النبوة.
قلت: والأوجه عندي أن هذه الصفات التي ذكرتها خديجة عليها السلام في النبي صلى الله عليه وسلم هي التي ذكرها ابن الدغنة في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عند مهاجرته إلى الحبشة، وهي أصرح دليل على حصول النسبة الاتحادية لأبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان قلبه على قلبه صلى الله عليه وسلم سواء، وهي كانت موجبة لاتصال خلافته بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكر شيء من ذلك في هامش "اللامع"(2) في كتاب الشروط في عمرة الحديبية عند قول أبي بكر: "فاستَمْسِكْ بغَرْزِه"، والبسط منه في "جزء عمرات النبي" صلى الله عليه وسلم(3) تحت هذا القول.
(وتكسب المعدوم) الكسب قد يتعدى إلى مفعول كقوله: كسبت المال، وقد يتعدى إلى مفعولين كما في: كسبت غيري المال، وهذا من قبيل الثاني، وروي من الإفعال فلا إشكال، وفي هامش "الهندية" عن الكرماني والعيني(4): قوله: "تكسب" بفتح التاء، وهو المشهور الصحيح في الرواية، والمعروف في اللغة، ورُوي بضمها.--------------------------------------------
(1) انظر: "حاشية السندي على صحيح البخاري" (1/ 7).
(2) "لامع الدراري" (7/ 145).
(3) (ص 329).
(4) انظر: "شرح الكرماني" (1/ 36)، و"عمدة القاري" (1/ 90).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩٨)

وفي معنى المضموم قولان: أصحهما: أن معناه تكسب غيرك المعدوم، أي: تعطيه له تبرعًا، ثانيهما: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق، يقال: كسبت مالًا وأكسبت غيري. وفي معنى المفتوح قولان: أصحهما: أن معناه كمعنى المضموم، ويقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته مالًا، والأول أفصح وأشهر، والثاني: أن معناه تكسب المال، وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثم تجود به وتنفقه في وجوه المكارم.
وقيل: المعدوم عبارة عن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب، [وسماه معدومًا] لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف في المعيشة، انتهى.
(على نوائب الحق) قال القسطلاني(1): النوائب تكون في الخير والباطل، ولذا قيده بالحق، أو إِشارة إلى النوائب السماوية، فإن الإعانة فيها تكون مشكلة، ومن يعين فيها يكون في نوائب الدنيا أشدَّ إعانة.
(ابن عم خديجة) بالنصب بدلًا عن "ورقة"، ويجب كتابة ألف ابن، كذا في "القسطلاني"(2)، وقوله: "ابن عم" هكذا في "التفسير" في رواية أبي ذر الهروي، وفي رواية غيره: "يا عم" بحذف الابن، وكذا في مسلم: "أَيْ عم" بحذف لفظ ابن، وجمع بينهما النووي(3) بالتعدد، واستبعده الحافظ ابن حجر(4) لاتحاد مخرج الحديث، ومال إلى أن الرواية بحذف الابن وهم، وقال الزرقاني في "شرح المواهب"(5): عندي أنها قالت: "ابن عم" على حذف حرف النداء فتصحَّفَتْ ابن بأَيْ، انتهى.
قلت: وهذا إنما يتمشى في رواية مسلم بلفظ: "أي عم"، وأما رواية البخاري فبلفظ: "يا عم"، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 110).
(2) "إرشاد الساري" (1/ 110).
(3) "شرح صحيح مسلم" (1/ 482).
(4) "فتح الباري" (1/ 25).
(5) "شرح المواهب" (1/ 398).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩٩)

(وكان يكتب الكتاب) بيان لمهارته وغاية اطلاعاته على مُرادات الكتب، حتى إنه كان يترجمها، إلى آخر ما بسط في "اللامع"(1) وهامشه، ولا يذهب عليك أن في متن النسخة الهندية: "وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب الإنجيل بالعبرانية"، وفي نسخة الحاشية بدل "بالعبرانية": "بالعربية"، وهو كذلك في كتاب التفسير، ولا تعارض بين النسختين؛ لأنه كان يقدر على اللسانين.
(الناموس) بمعنى الجاسوس، وفرَّق بعضهم بأن الأول صاحب سر الخير، والثاني: صاحب سر الشر، كما بسط في هامش "اللامع"(2)، قال البخاري في "كتاب الأنبياء"(3): الناموس صاحب السر الذي يُطْلِعُه بما يَسْتُرُه عن غيره، انتهى.
(نزل الله على موسى) ولم يقل: على عيسى، مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى عليه السلام مشتمل على الأحكام الكثيرة ككتاب نبينا، بخلاف كتاب عيسى عليه السلام فإنه أمثال وعِبَرٌ، أو لأن نبوة موسى مسلَّمة عند اليهود والنصارى معًا، بخلاف نبوة عيسى عليه السلام فإنه ينكرها كثير من اليهود، كذا في "القسطلاني"(4).
ويشكل عليه: أن ورقة لم يكن نبيًّا، فكيف عَلِمَ بهذه الأمور؟
ويمكن التفصِّي عنه: بأنه عَلِمَ مِنَ الكتب السابقة، وهذا ظاهر في أنه أقرّ بنبوته عليه الصلاة والسلام ولكنه مات قبل الدعوة، فيكون مثل بحيرا، لكن في إثبات صحبته نظر، ثم ذكر(5) الروايات الدالة على إسلامه، وأنه أول مؤمن، وهكذا ذكر الاختلاف العيني(6)، وبسط الروايات في إِسلامه مع الكلام عليه، وذكره الحافظ في القسم الأول من "الإصابة"(7)،--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 503).
(2) "لامع الدراري" (1/ 505).
(3) "صحيح البخاري" (3392).
(4) "إرشاد الساري" (1/ 111).
(5) أي: القسطلاني.
(6) "عمدة القاري" (1/ 108).
(7) "الإصابة" (6/ 317).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠٠)

وقال الحافظ(1): خرج ورقة وزيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام لما كَرِهَا عبادةَ الأوثان فتنصَّرَ ورقةُ، وسيأتي ذكر زيد في "المناقب"، انتهى.
(بمثل ما جئت به) عبَّره بالماضي للتيقن.
(توفي ورقة) بمكة بعد البعث بقليل، ولا يصح ما قال الواقدي: إنه خرج إلى الشام، فلما بلغه أنه عليه الصلاة والسلام أُمِرَ بالقتال رجع لينصره، حتى إذا كان ببلاد لخم وجذام أخذوه فقتلوه، كذا في "القسطلاني"(2).
(وفتر الوحي) واختلف في مدة الفترة على أربعة أقوال؛ فقيل: سنتان، وقيل: ونصف، وقيل: ثلاث سنين، واختار الحافظ ابن حجر(3) أنها كانت أيامًا، ثم الذي نزل بعد الفترة "المدثر" كما في "الصحيحين"، ووقع عند ابن إسحاق أنه "الضحى" وفيه نظر، فإنها نزلت بعد فترة أخرى كانت ليلتين أو ثلاثًا، كما هو مصرَّح في تفسير البخاري وغيره، وإنما فتر مدة كذا ليتدبر في مقتضى الآيات المنزلة مع ما في التأخير من الازدياد بالأشواق، وفي التتابع من تواتر الكَلَف عليه، فلو تتابع من أول الأمر ربما أدَّى إلى هلاكه، كما بسط في "اللامع"(4) وهامشه.
(قال ابن شهاب): أخبرني عروة بما سبق (وأخبرني أبو سلمة) بما سيأتي فهو عطف على "أخبرني" المقدم.
(تابعه عبد الله بن يوسف): الضمير يرجع إلى يحيى بن بكير، أي: عبد الله بن يوسف وأبو صالح تابعا يحيى بن بكير في الرواية عن الليث، فرواه عن الليث ثلاثة: يحيى، وعبد الله، وأبو صالح، قوله: "وتابعه هلال"، أي: تابع عقيلَ بنَ خالد هلالُ بنُ رَدّاد عن ابن شهاب، فالأولى: متابعة تامة، والثانية: ناقصة، والمتابعة إن كانت في أول السند تسمَّى: تامة وهي أقوى، وإن كانت في أثناء السند تسمَّى: ناقصة.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 25).
(2) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 113).
(3) انظر: "فتح الباري" (1/ 27).
(4) "لامع الدراري" (1/ 509).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠١)

قال النووي: ومما يحتاج إليه المعتني بـ "صحيح البخاري":
فائدة ننبه عليها: وهي أنه تارةً يقول: تابعه مالك عن أيوب، وتارة يقول: تابعه مالك، ولا يزيد، فإذا قال: مالك عن أيوب فظاهر، وأما إذا اقتصر على: تابعه مالك، فلا يُعْرَف لمن المتابعة إلا من يَعْرِف طبقات الرواة ومراتبهم.
وقال الكرماني(1): فعلى هذا لا يعلم أن عبد الله يروي عن الليث أو غيره.
قلت: الطريقة في هذا أن تنظر طبقة المتابِع بكسر الباء، فتجعله متابِعًا لمن هو في طبقته بحيث يكون صالحًا لذلك، كذا في "العيني"(2)، انتهى من هامش "الهندية"، وبسط النووي في شرح هذا الموضع أنواع المتابعة.
(وكان مما يحرِّك شفتيه) والحروف كلها ليست بشفوية، فكان حقه: مما يحرك لسانه، من قبيل إرادة الكل بذكر البعض، أو من باب الاكتفاء، والأوجه عندي: أن تحريكهما ظاهر بخلاف تحريك اللسان، وسيأتي في "التفسير"(3): "وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه" بذكرهما معًا، فلا إشكال إِذَنْ.
(قال ابن عباس: فأنا أحركهما. . .) يشكل أن مولد ابن عباس قبل الهجرة بثلاث سنين، والآية في بدء النزول كما يدل عليه تبويب البخاري، ولذا لم يقل ابن عباس لفظ: كما رأيت، كما قاله سعيد بن جبير، ويحتمل أنه أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من الصحابة، كذا في "القسطلاني"(4)، والأوجه عندي: أنه يستحب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل، ويريه الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (1/ 43).
(2) "عمدة القاري" (1/ 115).
(3) "صحيح البخاري" (ح: 4929).
(4) "إرشاد الساري" (1/ 117).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠٢)

(لا تحرك به لسانك) لا منافاة بينه وبين ما تقدم من قول ابن عباس رضي الله عنه: "كان يحرك شفتيه" كما بسطه القسطلاني تبعًا "للفتح" والكرماني والعيني، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الثاني بيان لنهي قراءته صلى الله عليه وسلم مع جبرئيل عليه السلام، والقراءة تكون باللسان، والأول كان بيانًا لرؤية القراءة، والرؤية مما يتعلق بالشفتين كما تقدم.
(جمعه لك في صدرك) وعند الفلاسفة الحافظة في الدماغ، وعند المتكلمين والأصوليين منبع الكل القلب، كذا أفاده شيخ الإسلام المدني في بعض تقاريره، وفي "إزالة الخفاء"(1): أن جمعه في الصدر تفقه من ابن عباس رضي الله عنهما.
والوجه عندي: أنه إشارة إلى جمع القرآن في المصاحف، انتهى.
ويؤيده ما أخرجه الطبري(2) عن قتادة أن معنى {جَمْعَهُ} تأليفه.
({ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}) وفسَّره غير ابن عباس ببيان ما أشكل من معانيه، وكان عليه السلام يسأل جبرئيل عما أشكل عليه في أثناء القراءة فقال ذلك، وفي لفظ {ثُمَّ} دليل للجمهور على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وتُعقب بأن المراد تمام القرآن للضمير، وليس كله بمجمل، فالمراد الظهور، ثم تعقب عليه بأن قوله: {بَيَانَهُ} جنس مضاف، فيعم جميع أصنافه من إظهاره وتبيين أحكامه وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك، وهذه المسألة خلافية شهيرة بسطها أصحاب الأصول.
وفي "التحرير" وشرحه "التقرير"(3): أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى الحاجة عند الجمهور، منهم أصحابنا والمالكية وأكثر الشافعية، واختاره الرازي وابن الحاجب، وعن الحنابلة، وعبد الجبار الجبائي وابنه، وبعض الشافعية كأبي إسحاق المروزي، والقاضي أبي حامد منعه، انتهى، كذا في "القسطلاني".--------------------------------------------
(1) "إزالة الخفاء" (1/ 50).
(2) انظر: "تفسير الطبري" (20/ 225).
(3) انظر: "التقرير والتحبير" (3/ 49)، و"عمدة القاري" (1/ 123).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠٣)

والحاصل: أن الأول: جمعه في صدرك، والثاني: تلاوته، والثالث: توضيحه، كذا في "القسطلاني" وابن كثير(1).
والمناسبة بجزء الترجمة وهو الوحي ظاهر، وبالبدء؛ لأن حاله هذا كان في البدء قبل نزول هذه الاية، وعلى أصل شيخ الهند كونه عزَّ اسمه محافظًا للفظه وبيانه ظاهر في عظمته، وكتب حضرة شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: أنه يستفاد من الحديث عدة أمور مهمة، منها: إتيان جبرئيل عليه السلام بالوحي عليه، وكون الشدة عليه صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي، حتى إنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بنفسه مع جبرئيل عليه السلام للشدة المذكورة، وبذل جهده صلى الله عليه وسلم لضبط الوحي، وقد تكفل البارئ عَزّ اسمه بفضله ورحمته جمعه وقرآنه، فقال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17]، فسهل الأمر وارتفع خوف السهو والخطأ والنسيان عنه صلى الله عليه وسلم، فحصل بذلك الاطمئنان له عليه الصلاة والسلام، وعلم بأن الذات القدسية المبدأ للوحي هي المتكفلة بحفظه، فحصل الاعتماد الكلي على الوحي، انتهى.
قلت: قال عزّ اسمه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
({إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ})، أي: في صدرك ({وَقُرْآنَهُ})، أي: قراءتك إياه وجريانه على لسانك.
({فَإِذَا قَرَأْنَاهُ})، أي: عليك بقراءة جبرئيل عليه السلام ({فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ})، أي: استمع قراءته.
(ح) فيه ستة أقوال على ما تفحَّصت وبسطت في مقدمة "الأوجز"(2)، مرجعها إلى قولين: الأول: أنه خاء معجمة، والآخر: أنه حاء مهملة.
وعلى الأول احتمالان: أحدهما: إشارة إلى آخر الحديث، فهو مخفف من "إلخ"، وثانيهما: إشارة إلى قوله بسند آخر.--------------------------------------------
(1) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 119)، و"البداية والنهاية" (3/ 22).
(2) انظر: "مقدمة الأوجز" (1/ 215).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠٤)

وعلى الآخر فأربعة أقوال: الأول: أنه رمز الصحة يكتب دقيقًا لئلا يلتبس بالعبارة، ودفعًا لما يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، والثاني: أنه مأخوذ من التحويل، والثالث: من الحائل، والرابع: إشارة إلى قولهم: الحديث.
والمعروف عند المحدثين أنه إذا انتهى القارئ إلى هذا الموقع يقول: ح بفتح الحاء المهملة، ويستمرّ في قراءة ما بعدها، انتهى مختصرًا.
قال الحافظ(1) في "باب ظلم دون ظلم": هكذا وقع في النسخ صورة "ح"، فإن كان من أصل التصنيف فهي مهملة مأخوذ من التحويل على المختار، و [إن] كانت مزيدة من بعض الرواة فيحتمل أن تكون مهملة كذلك أو معجمة مأخوذة من البخاري؛ لأنها رمزه، أي: قال البخاري: وحدثني، انتهى.
قلت: ما أفاده الحافظ يختص بما وقع في "البخاري": "ومعمر نحوه"، والحاصل: أن عبد الله بن المبارك حدَّث عنه عبَّدان عن يونس وحده، وحدَّث [عنه] بشر عن يونس ومعمر معًا، أمَّا باللفظ: فعن يونس، وأما بالمعنى: فعن معمر، يعني: أن في لفظ "نحوه" إشارة إلى اختلاف بينهما في اللفظ، وهذا على ما هو المعروف عند أهل الأصول أنهم يقولون: "مثله" إذا اتفق الحديثان في اللفظ و"نحوه" إذا اتفقا في المعنى، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"(2).
(أجود الناس) ولا ينافي هذا فقره عليه الصلاة والسلام؛ لأن فقره كان لشدة جوده، ولا يأتيه شيء إلا يجود به.
(وكان أجود ما يكون) حال كونه "في رمضان" برفع "أجود" اسم "كان" و"ما" مصدرية، أي: أجود أكوانه، و"في رمضان" سدّ مسدَّ الخبر، أو "أجود" مبتدأ مضاف إلى المصدر، و"في رمضان" خبره، والجملة خبر--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 87).
(2) "لامع الدراري" (1/ 511).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠٥)

"كان"، واسمه الضمير إليه صلى الله عليه وسلم، أو بنصب "أجود" خبر "كان" واسمه الضمير إليه صلى الله عليه وسلم، كذا في "القسطلاني"(1).
قال الطيبي(2): فيه تخصيص بعد تخصيص للترقي، الأول: جوده على سائر الناس، الثاني: جوده في رمضان على جوده في غيره، الثالث: جوده عند لقاء جبرئيل.
(فيدارسه القرآن) والحكمة فيه ليكون سُنَّةً في عرض القرآن على من هو أحفظ منه، كذا في "القسطلاني"(3)، واختلف في أنه كان يدارس كل القرآن أو حسب ما نزل، والأوجه عندي الثاني، والبسط في هامش "اللامع"(4)، ثم الترجمة بعظمة الوحي من المدارسة واضح.
وأما على ظاهر الترجمة من البدء فلا يبعد أن يكون إشارة إلى البدء الزماني بأنه كان في رمضان، إذ يقولون بأن أول نزول جبرئيل في غار حراء كان في السابع عشر من رمضان، ولا يذهب عليك أن للكلام الإلهي مناسبة خاصة بشهر رمضان، ولذا يقولون: إن صحف إبراهيم عليه السلام نزلت في غرة رمضان، أو في الثالث منه، وأعطي داود عليه السلام الزبورَ في الثامن عشر أو الثاني عشر من رمضان، وأعطي موسى عليه السلام التوراةَ في السادس منه، وأعطي عيسى عليه السلام الإنجيلَ في الثاني عشر أو في الثالث عشر، كما ذكرتُ في رسالتي "فضائلِ رمضان" باللسان الأردي.
قال الحافظ(5): أخرج أحمد والبيهقي في "الشعب" عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت التوراة لِسِتٍّ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه، والزبور لثمان عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان"، وهكذا نقله السيوطي--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (1/ 121).
(2) انظر: "شرح الطيبي" (4/ 209)، و"مرقاة المفاتيح" (4/ 600).
(3) "إرشاد الساري" (1/ 122).
(4) "لامع الدراري" (1/ 512 - 513).
(5) "فتح الباري" (9/ 5).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠٦)

في "الإتقان"(1) عن الحافظ، وزاد: وفي رواية: "وصحف إبراهيم لأول ليلة".
قال السيوطي: لكن يشكل على هذا ما اشتهر من أنه صلى الله عليه وسلم بُعِث في شهر ربيع، ويجاب عن هذا بما ذكروه أنه نبِّئ أولًا بالرؤيا في شهر مولده، ثم كانت مدتها ستة أشهر، ثم أوحي إليه في اليقظة، ذكره البيهقي وغيره، انتهى.
وفي "تراجم شيخ الهند": أن حديث ابن عباس في مدارسته صلى الله عليه وسلم مع جبرئيل في شهر رمضان الذي هو أفضل الشهور يظهر منه اختصاص واضح بالوحي برمضان، ويناسب قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، فكأن المصنف أشار به إلى البدء الزماني للوحي وأنه في رمضان، كما قد ورد ذلك في بعض الروايات التي ليست على شرط المؤلف.
وعلم من قوله: "كان أجود بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان" أن كمالاته صلى الله عليه وسلم كانت تتزايد كثيرًا عند نزول الوحي حتى تتعدى منافعها إلى غيره، ويظهر من جميع هذه الأمور عظمة الوحي وبركته، انتهى.
(من الريح المرسلة) قال في "اللامع"(2): والفضيلة عليها في أنها لا تبقي ولا تذر شيئًا أتت عليه، فكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبقي شيئًا مما هو في ملكه.
(إن هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف على المشهور، ويقال أيضًا بكسر الهاء والقاف وسكون الراء، اسم عَلَم له فهو غير منصرف للعَلَمية والعجمية، وهو صاحب حروب الشام، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي صلى الله عليه وسلم ولقبه قيصر، وكذا كل من ملك الروم يقال له: قيصر، كما أن ملك فارس يسمَّى بكسرى، وملك الحبشة بالنجاشي، وملك--------------------------------------------
(1) "الإتقان" (1/ 54).
(2) "لامع الدراري" (1/ 513).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠٧)

الترك: خاقان، وملك القبط بفرعون، وملك مصر بالعزيز، وملك حِمْير بتُبَّع، انتهى، كذا في هامش "اللامع"(1) عن الكرماني، وزاد العيني(2) ألقابًا أُخَرَ كثيرة لسلاطين الأقطار.
واختلف في إسلام هرقل، فالجمهور على أنه آثر المُلْكَ على الإيمان، وقد غزا مؤتة سنة ثمان من الهجرة، وكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك ولم يسلم، وذهب بعضهم منهم صاحب "الاستيعاب" أنه أسلم ولم يظهره للخوف على نفسه، والبسط في هامش "اللامع"(3).
وهل هو الذي فتح عليه في زمن عمر رضي الله عنه، فقيل: نعم، وقيل: بل هو حفيده.
وذكر البخاري هذا الحديث مطولًا في ثلاثة مواضع: ها هنا، وفي كتاب الجهاد في "باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة"، وفي التفسير في تفسير قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} الآية [آل عمران: 64]، وذكره في عشرة مواضع مختصرًا، صفحاته في المطبوعات الهندية(4) هي: 13 و 368 و 393 و 411 و 418 و 450 و 884 و 926 و 1068 و 1125.
ومناسبة حديث هرقل بالباب على ما قاله القسطلاني(5): لما فرغ عن بدء الوحي شرع في أوصاف الموحى إليه، وقال أيضًا: فإن قصة [هرقل] متضمِّنة كيفية حاله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر.
قال الحافظ(6): فإن قيل: ما مناسبة حديث أبي سفيان في قصة هرقل ببدء الوحي؟--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 514).
(2) انظر: "عمدة القاري" (1/ 130).
(3) "لامع الدراري" (1/ 514).
(4) انظر أرقامه في الطبعة الجديدة المرقمة من بيروت: (51، 2681، 2804، 2936، 2978، 3174، 5980، 6260، 7196، 7541).
(5) "إرشاد الساري" (1/ 143).
(6) "فتح الباري" (1/ 44).

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠٨)