واحد بعد واحد، ويخالفهم الأكثرون، ويؤذونهم، ويخرجونهم من أوطانهم، وغير ذلك، وعلى هذا فمطابقة آية: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] ظاهرة؛ لأن قومه كذّبوه وخالفوه، وهكذا الأمم بعدهم.
ثم راجعت الكرماني؛ ففيه ما يؤيده أو يصرِّح به حيث قال: والمراد من حال ابتداء الوحي حالُه مع كل ما يتعلق بشأنه، أيَّ تعلُّقٍ كان، كما في التعلُّق الذي للحديث الهرقلي، وهو أن القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها(1)، انتهى.
(بدء الوحي) قال الحافظُ(2): قال عياض: روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء، وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو، من الظهور، قال الحافظ: ولم أره مضبوطًا في شيء من الروايات التي اتصلت بنا، إلا أنه وقع في بعضها "كيف كان ابتداء الوحي"، فهذا يرجح الأول.
ثم الوحي لغةً: الإعلامُ الخفيُّ، وشرعًا: إعلامٌ بالشرع، وقد يُطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه، أي: الموحى، وهو كلام الله تعالى المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم.
وبسط في هامش "اللامع"(3) الكلام على أنواع الوحي.
وقال الحليمي(4): أنواعه ستة وأربعون.
وقال السهيلي(5): سبعة: الأولى: المنام، والثانية: كصلصلة الجرس، والثالثة: أن ينفث في روعه، والرابعة: أن يتمثل الملك رجلًا، والخامسة: أن يتراءى جبرئيل عليه السلام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، له ستمائة جناح، والسادسة: أن يكلِّمه الله تعالى من وراء حجاب، السابعة: وحي إسرافيل، انتهى مختصرًا.--------------------------------------------
(1) "شرح صحيح البخاري" للكرماني (1/ 15).
(2) "فتح الباري" (1/ 9).
(3) "لامع الدراري" (1/ 494).
(4) انظر: "فتح الباري" (1/ 20).
(5) "الروض الأنف" (1/ 400).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦٩)
قلت: السابعة داخلة في الرابعة والخامسة، وإلا فوحي الملائكة غير إسرافيل أيضًا ثابت في الروايات، كملك الجبال وغيره، فالأوجه عندي اقتصارها على أربعة: أحدها: سماع الكلام القديم، الثانية: بواسطة الملك، الثالثة: التلقي بالقلب، الرابعة: وحي منام، وباقي الأقسام يرجع إِلى هذه الأربعة.
وما قيل: إنها تبلغ إلى ستة وأربعين نوعًا، مستدلًا بحديث: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة"(1) - وقد بسط الكلام على هذا الحديث في "الأوجز"(2) أشدّ البسط -؛ يشكل عليه أن هذه الرؤيا التي رُئيت ستة أشهر كانت قبل النبوة، فكيف عُدَّتْ من أجزائها؟
ويمكن التفصي عنه أنهم قالوا: بدء النبوة في ربيع الأول سنة أربعين من مولده، ففي "الأوجز"(3): وقد كان ابتداء الوحي على رأس الأربعين من عمره صلى الله عليه وسلم، كما جزم به ابن إسحاق وغيره، وذلك في ربيع الأول، ونزول جبرئيل عليه السلام[إِليه] وهو في غار حراء كان في رمضان، وبينهما ستة أشهر، انتهى.
ثم قدَّم الإمامُ الوحيَ على الإيمان أيضًا إشارةً إلى أن كل ما يأتي من العقائد والأحكام وغيرها كلها متفرِّع عن الوحي ومرتب عليه، وأيضًا فإن الوحي قطعي لكونه منه عَزّ اسمه، فالثابت به كله قطعي، ومن المناسبات أن يقال: إن المصنف صدَّر ببدء الوحي، ثم ذكر الإيمان، ثم العلم، ثم الطهارة؛ لأنه جمع في هذا الكتاب وحي السُّنَّة التي هي ينبوع الشريعة، وكان الوحي لبيان الأحكام الشرعية، صدَّره بحديث الأعمال، والعمل يحتاج إلى العلم، والعلم لا يعتبر به إلا بعد الإيمان، فلذا عقَّب الوحي بالإيمان، ثم عقبه بالعلم، ثم عقبه بالطهارة التي هي شرط لأفضل الأعمال وهي الصلاة.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (ح: 6989).
(2) "أوجز المسالك" (17/ 120).
(3) "أوجز المسالك" (17/ 127)، وانظر: "فتح الباري" (12/ 364).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٠)
ومما يجب التنبيه عليه أيضًا أنه سيأتي في آخر التفسير "باب كيف نزل الوحي"، قال الحافظُ: الترجمة الثانية أخص من الأولى.
وعندي، ما أفاده الحافظُ نَوّر الله مرقده متعلق بالجزء الثاني من الترجمة.
والظاهر عند هذا العبد الضعيف أن بين الترجمتين - بين قوله: "كيف كان بدء الوحي"، وبين قوله: "كيف نزل الوحي" -، عمومًا وخصوصًا من وجه، فإن المنظور في الأول بدء الحديث أعم من أن يكون قرآنًا أو غيره، والمنظور هناك كيفية نزول القرآن كما يدل عليه ذكره في كتاب فضائل القرآن أعم من أن يكون بدءًا أولًا كما يظهر من ملاحظة الروايات الواردة في الباب، فتدبَّر.
وقد تقدم في مبدأ الباب، وكذا في الأصول، أن الترجمة عند شيخ الهند من الأصل الحادي والعشرين، وليس غرضه إلا بيان عظمة الوحي على طريق الالتزام، واستنبط ذلك أيضًا من قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [النساء: 163]، إذ ذكره بلفظ صيغة الجمع الدالة على التعظيم، وقد بسط الكلام على ذلك في الأصل الحادي والعشرين من أصول التراجم.
(إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) الإضافة للعهد الخارجي، والمراد سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجملة وإن كانت خبريةً لكنها بمعنى الإنشاء، وينبغي الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كُلّما ذكر، والخلاف في ذلك مشهور، والأصل الاختلافُ في مؤدَّى قوله عزّ اسمه: {صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزاب: 56] أن الأمر للتكرار أم لا؟
وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز"(1) وفيه: قال الحافظ في "الفتح"(2): أما حكمها فحاصل ما وقفتُ عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب، انتهى.--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (3/ 395).
(2) "فتح الباري" (11/ 152).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧١)
(وقول الله عز وجل) بالرفع على حذف الباب عطفًا على الجملة؛ لأنها في محل الرفع، وكذا على تنوين "باب"، وبالجر عطفًا على "كيف" وإثبات "باب" بغير تنوين، والتقدير: باب معنى قول الله تعالى [كذا]، أو الاحتجاج بقوله تعالى كذا، ولا يصح تقدير كيفية قوله تعالى؛ لأن كلامه تعالى لا يكيَّف، قاله عياض، ويجوز الرفع على القطع وغيره، كذا في "الفتح"(1).
({إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا}) مناسبة الآية بالترجمة واضحة من جهة أن صفة الوحي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين، ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في "الدلائل"، كذا في "الفتح"(2)، أو التشبيه في وحي الرسالة فيكون بدؤه كبدء وحيهم، كذا في "اللامع"(3)، أو احتراز عن وحي غير الرسالة، كما في قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] كذا في حاشية "اللامع" عن السندي، أو بيان لمرسِلِ الوحي وهو الله عز وجل.
فإن الوحي يتضمن ثلاثة أشياء: المرسِل، والواسطة، والمرسَل إليه، فهذا بيان للثلاثة، فللأول: أي مبدأ الوحي بقوله: إنا، وللثالث بقوله: إِليك، وللواسطة بقوله: كما أوحينا، فإن الوحي إلى الأنبياء كان عامًّا بواسطة الملَك.
وعندي التشبيه في جميع أنواع الوحي - من المنام والتكلم من وراء حجاب وغيرهما -، فالمعنى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى جميعهم بجميع أنواع الوحي.
وقال الكرماني(4): ذكر البخاري الآية الكريمة؛ لأن عادته أن يستدل للترجمة بما وقع [له] من قرآن أو سُنَّة مسندة وغيرها، وأراد أن الوحي سُنَّة الله في أنبيائه.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 9).
(2) "فتح الباري" (1/ 9).
(3) "لامع الدراري" (1/ 491).
(4) "شرح الكرماني" (1/ 14).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٢)
وقال ابن بطال: معنى هذه الآية أن الله تعالى أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى سائر الأنبياء وحي رسالة لا وحي إلهام؛ لأن الوحي ينقسم إلى وجوه، انتهى.
({إِلَى نُوحٍ. . .} إلخ)، التشبيه بنوح لا يخرج غيره، كما أن تشبيه الأسود بالغراب لا يخرج تشبيهه بالفحم وغيره، أو التشبيه بأُولي العزم من الرسل، فإن ما قبل نوحٍ كانوا أنبياءَ، واختلف في كونهم رُسُلًا، أو التشبيه بكونه رسولًا إلى الكفار، فإِن الكفر قبل نوح لم يَشعْ كشيوعه في زمان نوح، كذا في "اللامع"(1)، أو لأنه أول رسول آذاه قومُه كما وقع مثلُه لنبينا صلى الله عليه وسلم، كذا في "القسطلاني"(2)، أو لأنه أول الآباء بعد الطوفان، ذكره العيني(3).
أو لأن الوحي إلى نوح ومن بعده كان في الأحكام الشرعية، وقبله كان في الأحكام المدنية، والوحي إليه صلى الله عليه وسلم كان من قبيل الأول دون الثاني، فإنهم قالوا: إن العالم كله بمنزلة شخص كان إلى زمن نوح زمان الطفولية، ولذا كان الوحي من قبيل الزراعة والصناعة، وكان زمن نوح ومن بعده زمان الشباب والتكليف، وزمان إبراهيم ومن بعده زمان الكهولية، ولذا خلق في هذا الزمان الفلاسفة واليونانيون، كذا أفاده شيخ الإسلام مولانا حسين أحمد المدني نوَّر الله مرقده في "تقريره"، وقد سبق إليه شيخ الهند في "تراجمه" مختصرًا.
وفي "الفيض"(4): خص نوحًا عليه السلام بذكر دون آدم؛ لأن الوحي قبله كان في الأمور التكوينية، ولم يكن فيه كثير من أحكام الحلال والحرام، كما ذكره الشاه ولي الله في رسالته "تأويل الحديث". وذكر الشاه عبد العزيز رحمه الله: أنه لما هبط آدم عليه السلام من الجنة أعطي بذورًا للزرع، وأكثر--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 491).
(2) "إرشاد الساري" (1/ 83).
(3) "عمدة القاري" (1/ 40).
(4) "فيض الباري" (1/ 79).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٣)
أحكامه كان من هذا القبيل، ثم تغيرت شاكلته من زمن نوح، فنزلت الأحكام والشرائع، كما يعلم من التفاسير: أن الكفر إنما ظهر في السبط السادس من قابيل، وأول رسول بعثه الله لِزَهْقِه هو نوح عليه الصلاة والسلام، ولم يكن قبله كفرٌ، ومن هنا صار لقبه: "نبي الله"، فإنه أول نبي بُعِثَ لإزهاق الكفر، والناس كلهم الآن من نسلِه، فهو آدم الثاني، ومنه نشر العالم بعد لَفِّه، كذا ذكره المؤرخون، انتهى.
({وَالنَّبِيِّينَ}) والجمع المحلّى باللام يفيد الاستغراق، فأشار إلى أن جميع أنواع الوحي إلى جميع الأنبياء يوحى إليك.
(حدثنا الحميدي) مصنِّفٌ مشهور: أبو بكر عبد الله بن الزبير المكي القرشي(1)، بدأ المصنف بروايته لكونه قرشيًا، وقال عليه الصلاة والسلام: "قَدِّموا قريشًا"(2) فبدأ به، أو لكونه مكيًّا وبدأ الوحي في مكة. وثَنّى برواية مالك؛ لأنه مدني، وثنَّى الوحي في المدينة، كذا في "الفتح"(3).
ومن المناسبات في أول سند هذا الكتاب وآخر السند منه: أنهما مشتملان على مادة الحمد، فبدؤه من الحميدي، وانتهاؤه إلى أحمد بن إشكاب، فكأن فيه إشارةً إلى كون الابتداء والانتهاء محمودَيْنِ، وإشارةً إلى حسن نية المصنف في الأول والآخر، وقد يكون إشارةً إلى المداومة على الحمد ما ورد في آخر الحديث من قوله: "سبحان الله وبحمده"، فالإِنسان يحمده تعالى إلى أن يكون منتهاه الجنة التي دعوى أهلها: الحمد لله رب العالمين.--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (10/ 616)، و"تهذيب التهذيب" (5/ 214)، و"فتح الباري" (1/ 10)، و"عمدة القاري" (1/ 42).
(2) "مسند الإمام الشافعي" (1/ 278)، (ح 1354)، وقال الحافظ في "التلخيص" (2/ 151): وقد جمعتُ طرقَه في جزء كبير.
(3) "فتح الباري" (1/ 10).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٤)
(حدثنا سفيان) هو ابن عيينة المكي(1)، يقال: إن الإمام جمع في أول سنده جميع أنواع التحمل من التحديث والإخبار والعنعنة والسماع، كذا في "الفتح"(2)، وليست العنعنة في نسخنا الهندية ولكنها موجودة في نسخة "الفتح" بين سفيان ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبسط الكلام في مقدمة "الأوجز"(3) على الفرق بين ألفاظ التحمل هذه الأربعة، وبيانِ الفرق بين مراتبها من أن الإخبار والتحديث والإنباء كلها سواء في المرتبة، أو فيها فرق في الأولوية؟ فارجع إليه إن شئت التفصيل، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في كتاب العلم في "باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا. . ." إلخ.
(حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري)(4): هكذا في النسخ الهندية، وقد عرفت أنها في نسخة "الفتح" بلفظ العنعنة: عن يحيى بن سعيد، ويقال: إن الحديث متواتر عنه، فروى عنه مائتان وخمسون، وقيل: أكثر من ثلاثمائة، وقيل: سبعمائة، قال الحافظ(5): لكني تتبعته منذ سمعت هذا فلم يبلغ مائة، انتهى.
قلت: الحديث غريبٌ فردٌ باعتبار أوله، مشهور باعتبار آخره، وليس بمتواتر كما قيل، فإنه لم يَرْوِه غيرُ عمر رضي الله عنه، ولم يرو عنه إلا علقمةُ، ولم يرو عنه غيرُ التيمي، ولم يرو عنه غيرُ يحيى بن سعيد واشتهر عنه، كذا في العيني(6).
قال الحافظ(7): هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (8/ 454)، و"تذكرة الحفاظ" (1/ 264)، و"تهذيب التهذيب" (4/ 117).
(2) "فتح الباري" (1/ 10).
(3) "أوجز المسالك" (1/ 212).
(4) انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (5/ 468)، و"تهذيب التهذيب" (11/ 221)، و"شذرات الذهب" (1/ 212).
(5) "فتح الباري" (1/ 11).
(6) انظر: "عمدة القاري" (1/ 45).
(7) "فتح الباري" (1/ 11).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٥)
المشهورون إلا "الموطأ"، ووهم من زعم أنه في "الموطأ" مغترًا بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق مالك.
وقال أبو جعفر الطبري: قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودًا لكونه فردًا؛ لأنه لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد، وهو كما قال، فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرَّد به مَن فوقه، وبذلك جزم الترمذي والنسائي وجماعة.
وأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يُعْرَف إلا بهذا الإسناد، وهو كما قال، لكن بقيدين:
أحدهما: الصحة؛ لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني وغيره.
قلت: بسط العيني(1) في طرقها وأسماء الصحابة الذين روي عنهم هذا الحديث.
وتعقب السيوطي كلام الحافظ، إذ قال في شرح "الموطأ"(2): في رواية محمد بن الحسن عن مالك، أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت، منها حديث الأعمال بالنيات، انتهى، كذا في "السعاية"، وهو كذلك، فالحديث في آخر "الموطأ" لمحمد في باب النوادر.
وما قال الحافظ: وهم من زعم. . . إلخ، أراد به الحافظ ابن دحية.
قال الحافظ(3): ثانيهما - أي: ثاني القيدين -: السياق؛ لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحَّتْ في مطلق النية، كحديث: "يُبْعَثُون على نياتهم"، وحديث: "ولكن جهادٌ ونية"، وحديث: "رُبَّ قتيل بين الصفين، الله أعلم بنيته"، وحديث: "من غزا وهو لا ينوي إلا عقالًا فله ما نوى"، ذكر الحافظ تخريج هذه الروايات، ثم قال: وغير ذلك مما يتعسَّر حصرُه.
وعُرِفَ بهذا التقرير غلطُ من زعم أن حديث عمر رضي الله عنه متواتر، إلا إن--------------------------------------------
(1) انظر: "عمدة القاري" (1/ 46).
(2) "تنوير الحوالك" (1/ 10).
(3) "فتح الباري" (1/ 11).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٦)
حُمِلَ على التواتر المعنوي فيُحتمل، نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد. . . إلى آخر ما بسطه.
وقد نقل المنذري في "الترغيب"(1) عن بعض المتأخرين تواتُرَه ثم ردَّه، وزعم أبو عبد الله الأُبيُّ أن ابن الصلاح ادعى تواتره، وهذا وهمٌ، فإن ابن الصلاح ادعى انحصار المتواتر في حديث: "من كذب عليّ متعمدًا" كما ذكره الحافظُ ابن حجر(2)، وتلميذه السخاوي(3). وقال النووي في "شرح مسلم"(4): قال الأئمة: ليس هو متواترًا وإن كان مشهورًا عند الخاصة والعامة؛ لأنه فقد شرط التواتر في أوله، انتهى.
ومن العجائب أن الحديث الأول من جامع البخاري على القول المشهور غريب كما رأيتَ، والحديث الآخر من الكتاب وهو: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن"، الحديث أيضًا غريب. كما ذكر في آخر هامش "اللامع"(5): أن الحديث تفرد به محمد بن فضيل وشيخه وشيخ شيخه وصحابيه كما في "الفتح"(6)، فلا يتوحش من ينظر كثيرًا بين سطور "الهداية" في الفقه الحنفي لفظ "قلت: غريب"؛ لأن الغرابة لا تستلزم الضعف، وإن كان الغريب قد يستعمل بمعنى الشاذ أيضًا، فتنبه لذلك.
(على المنبر) وُضِعَ سنة سبع أو ثمان، ورجّحه في "البذل"، وفيه أقوال عديدة: من الثانية إلى التاسعة، بسطت في هامشي على "البذل"(7) وأكثر منها في رسالتي "الوقائع والدهور"، يقال: إن عمر رضي الله عنه لما ذكره في الخطبة كما يدل عليه لفظ "على المنبر" أقام الإمام البخاري الحديث مقام خطبة الكتاب.
قال العيني(8) في بيان تعلق الحديث بالترجمة: الثالث: إنما أتى به على قصد الخطبة.--------------------------------------------
(1) "الترغيب" (1/ 57).
(2) انظر: "نزهة النظر" (ص 18).
(3) انظر: "فتح المغيث" (3/ 39).
(4) "شرح صحيح مسلم" (7/ 62).
(5) "لامع الدراري" (10/ 406).
(6) "فتح الباري" (13/ 540).
(7) انظر: "بذل المجهود" (5/ 97).
(8) "عمدة القاري" (1/ 42).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٧)
وقال محمد بن إسماعيل التيمي: لما كان الكتاب معقودًا على أخبار النبي عليه السلام طلب المصنف تصديره بأول شأن الرسالة وهو الوحي، ولم ير أن يقدِّم عليه شيئًا لا خطبةً ولا غيرَها، بل أورد حديث: "إنما الأعمال بالنيات" بدل الخطبة.
وقال بعضهم: ولهذه النكتة اختار سياق هذه الطريق؛ لأنها تضمنت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بهذا الحديث على المنبر، فلما صلح أن يدخل في خطبة المنابر كان صالحًا أن يدخل في خطبة الدفاتر. ولكن تَعَقَّبَ على هذا التوجيه العينيُّ، فارجع إليه لو شئت.
وأيضًا ورد أنه عليه السلام خطب به حين قدم المدينة مهاجرًا، فناسب إيراده في بدء الوحي؛ لأن الأحوال التي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدِّمة لها.
(سمعته يقول) أي: حال كونه يقول؛ لأن "سمعت" لا يتعدى إلى مفعولين، واختار الفارسي أن ما بعد "سمعت" إن كان مما يُسْمَعُ، كسمعتُ القرآن، تَعَدَّت إلى مفعول واحد، وإلا كما هنا تَعَدَّتْ إلى مفعولين، فجملة "يقول" على هذا مفعولٌ ثانٍ، انتهى مختصرًا من "القسطلاني"(1).
وقال القاري في "المرقاة"(2): الأول قول الجمهور، انتهى.
(إنما الأعمال بالنيات): كذا ها هنا بمقابلة الجمع بالجمع، يعني كل عمل بنيته، وقال بعضهم: كأنه أشار إلى أن النية أيضًا تتنوع كما تتنوع الأعمال، كمن قصد بعمله وَجْهَ الله عز وجل، أو تحصيلَ موعوده، أو الاتقاءَ لوعيده، ووقع في معظم الروايات بإفراد النية.
ووجهه: أن النية فعل القلب وهو واحد، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص وهو واحد، كذا في "الفتح"(3)، ثم أورد على الإمام عدمُ المناسبة من بين الحديث والترجمة.--------------------------------------------
(1) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 89).
(2) "مرقاة المفاتيح" (1/ 188).
(3) "فتح الباري" (1/ 12).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٨)
ووُجِّهَ بوجوه:
فقيل: الحديث بمنزلة الخطبة كما تقدم، وقيل: لمجرد تصحيح نية القارئ، وقيل: تنبيه على أن المصنف راعى في الكتاب حسن نيته.
وأورد على الثلاثة المذكورة أنه كان حقه أن يقدم على الترجمة.
وأجيب: بأنه أَخَّرَ الحديث عن الوحي تنبيهًا على أن المنويَّ المذكورَ في الحديث هو الذي يعتبر عند الشارح، ومداره على الوحي، ووُجِّهَ اهتمامًا بشأن الآية.
وقيل: من الناسخين، وتعقب: بأن النُّسَخ متوافرة على ذلك.
ووُجِّهَ: بأن الحديث أيضًا من الوحي، وتعقب: بأن الباب بدء الوحي، فالأوجه في الجواب أن الترجمة بمدلول التزاميٍّ عظمة الوحي، وثبت بالوحي لخلوص نيته صلى الله عليه وسلم كما مرّ في الأصل الحادي والعشرين من الأصول السبعين.
وأجاد في "اللامع"(1) في بيان المناسبة، وبسط الكلام عليها.
وحاصلها: أن بعض الأعمال كثيرًا ما يترتب عليها بعض الفواضل، ويدلُّك عليه قولُه عليه الصلاة والسلام: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير"(2).
وعلى هذا فالحديث بيان لبدء الوحي، أن السبب في بدء الوحي إليه ما جُبِلَ عليه النبي صلى الله عليه وسلم من إخلاص النية وخلوص النصيحة لله ربِّ العالمين، ولسائر خليقته، والتوجيه المذكور فيه مبني على أن لفظة "كيف" كما يسأل بها عن كيفية الشيء وصفته، فكذلك هي مسؤولة بها سببُ وجود الأمر وحدوثه، يقال: كيف جئتَ؟ والمقصود ليس هو استفسار كيفية مجيئه بل سبب إتيانه. . . إلى آخر ما بسط في "اللامع"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: "لامع الدراري" (1/ 493).
(2) أخرجه مسلم (ح: 194).
(3) انظر: "لامع الدراري" (1/ 492).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٩)
وفي الحديث مسألة شهيرة خلافية وهي: الصحة أو الإثابة، ويؤيدنا: أن إزالة النجاسة عن الثوب مثلًا لا تحتاج إِلى النية في الطهارة، وله نظائر تُنْظَر من "القسطلاني"(1)، فكذا الحدث لا يحتاج إلى إزالته إلى النية عندنا بخلاف غيرنا كما هي مبسوطة في كتب الفقه.
وكتب الشيخ في "البذل"(2): لفظ "إنما" للحصر، فالتقدير: إنما الأعمال تعتبر إذا كانت بنية، ولا تعتبر إذا كانت بلا نية، ولا يمكن ها هنا نفس الأعمال لثبوتها حِسًّا وصورةً من غير اقتران النية بها، فلا بد من إضمار شيء يتوجه إليه النفي، ويتعلق به الجار، فقيل: التقدير: صحيحة أو تصح، كما هو رأي الشافعي وأتباعه، وقيل: كاملة أو تكمل، على رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والأظهر أن المقدَّر: معتبرة أو تعتبر، ليشمل الأعمال كلَّها، سواء كانت عباداتٍ مستقلاتٍ كالصلاة والزكاة، فإن النية تعتبر لصحَّتها إجماعًا، أو شروطًا في الطاعات كالطهارة وستر العورة، فإنها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقًا لعدم توقف الشروط على النية في الصحة، خلافًا للشافعي في الطهارة، فعليه بيان الفرق، أو أمورًا مباحة، فإنها قد تنقلب بالنيات حسناتٍ، كما أنها قد تنقلب سيئات بلا خلاف، غاية ما في الباب أن متعلق الصحَّة والكمال يعرف من الخارج ولا محظور فيه.
قال القاري(3): واستثني بعضُ الأعمال من هذا العموم كصريح الطلاق والعتاق؛ لأن تعيين الشارع هذه الألفاظَ لأجل هذه المعاني بمنزلة النية، ولا يخفى أن هذه إنما هو بالنسبة إلى الصحة والجواز، وأما بالنسبة إلى الثواب فلا بد من تصحيح النية، انتهى.--------------------------------------------
(1) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 91).
(2) "بذل المجهود" (8/ 199).
(3) "مرقاة المفاتيح" (1/ 99).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٠)
والحديث المذكور أحد الأحاديث الأربعة التي انتخبها الإمام أبو داود(1) من خمسمائة ألف، وهذا أحدها.
والثاني: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه".
والثالث: "من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه".
والرابع: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهة" الحديث، وقد روي بألفاظ مختلفة، انتهى.
وسبقه الإمام أبو حنيفة إذ انتخب من خمسمائة ألف، وزاد على الأربعة المذكورة حديثًا خامسًا، وهو: "المسلم من سَلِمَ المسلمون" الحديث، ولعل الإمام أبا حنيفة زاده اهتمامًا لشأنه، والإمام أبو داود حذفه لدخوله في الحديث الثاني: "لا يكون المؤمن مؤمنًا" الحديث، وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز"(2).
وفيه قال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في "البستان"(3) بعد قول أبي داود: هو كذلك، فإن الأول يكفي لتصحيح العبادات، والثاني لمعرفة الحقوق، والثالث لمحافظة الأوقات، والرابع لرفع الشك والتردد من اختلاف العلماء وغيره، انتهى.
وقال الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل: حديث النيات ثُلُث العلم، قاله النووي في "شرح البخاري"(4).
وقال المتأخرون: مدار الإسلام على حديث واحد وهو حديث جرير: "الدين النصيحة".
كما بسط الكلام عليه في هامش "اللامع"(5) في آخر كتاب الإيمان، وفيه: قال الحافظ(6): هذا من الأحاديث التي قيل فيها: إنها أحد أرباع--------------------------------------------
(1) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 95).
(2) انظر: "أوجز المسالك" (1/ 188).
(3) "بستان المحدثين" (ص 81).
(4) انظر: "فيض الباري مختصر شرح صحيح البخاري" (ص 11).
(5) "لامع الدرارى" (1/ 612).
(6) "فتح الباري" (1/ 138).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨١)
الدين، وممن عدَّه فيها الإمامُ محمدُ بنُ أسلم الطوسي، وقال النووي: بل هو وحده محصل لغرض الدين كله؛ لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها، انتهى.
(وإنما لكل امرئ ما نوى): جنح القرطبي إلى أنها مؤكِّدة للجملة الأولى، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى، كما بسط الحافظ في "الفتح"(1) أشد البسط.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الجملة الأولى: بيان لمدار الثواب على العبادة، فلا يحصل إلا بالنية، والجملة الثانية: تعميم لكثرة النية في عمل واحد، كما بسطه الشيخ قطب الدين في "مظاهرِ حق"(2) على "المشكاة" بالأردية أشد البسط أيضًا: أن الرجل مثلًا إذا نوى في دخول المسجد الاعتكافَ، والتجنبَ عن المعاصي، وانتظارَ الصلاة، والتبتلَ إلى الله تبارك وتعالى، وتحصيلَ العلم، ومجالسةَ الصالحين، ولقاءَ المسلمين، وغيرَ ذلك من الأمور الكثيرة، فيحصل له ثواب كل ما نوى، انتهى.
وما يَرِدُ عليه أن من صام رمضان نفلًا يقع فرضًا، بسط في جوابه القسطلاني(3) وقال: لا يرد على دعوى الحصر نحوُ صوم رمضان بنية قضاء أو نذر، حيث لم يقع له ما نوى؛ لعدم قابلية المحل. . . إلى آخر ما بسطه.
(فمن كانت هجرته إلى دنيا. . .) إلخ، واختلف في أن حَذْفَ الجملة الأولى وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" من البخاري أو من شيخه الحميدي؟ وقد روي عن الحميدي بكلتا الجملتين كما بسطه الحافظ(4)، انتهى.
والدنيا مشتق من الدنو بمعنى القرب والدناءة.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 14).
(2) "مظاهر حق" (1/ 18).
(3) "إرشاد الساري" (1/ 91).
(4) "فتح الباري" (1/ 15).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٢)
واختلفوا في حقيقة الدنيا كما بسطه أهل السلوك، وقالوا: إن الدنيا غفلة عن الله تبارك وتعالى، لا المال والأهل والمتاع.
قال العارف الرومي:
جيست دنيا از خدا غافل بودن … نى قماش ونقره وفرزند وزن
قال النووي(1): ذكر الإمام البخاري الحديث المذكور في سبعة مواضع من "صحيحه"، فذكره هنا، ثم في "الإيمان"، وفي "النكاح"، و"العتق "، و"الهجرة"، و"ترك الحِيَل"، و"النذور"، انتهى.
قلت: ذكر الإمام الحديث في ستة مواضع بكلتا الجملتين، وحذف الأولى في الموضع الأول، وأورد عليه حبيبي المولوي بدر عالم المهاجر المدني المرحوم لَمّا حضرتُ المدينةَ المنورةَ في سنة ثلاث وثمانين، وقال: كان حق المؤلف أن يذكر الحديث في أول موضعه بتمامه ويختصر فيما بعدُ، وقال: لم أظفر على جوابٍ شافٍ لهذا، فوقع في نفسي على سؤاله أن دفع المضرة لمَّا كان أهمَّ من جلب المنفعة، وكان هذا موضع البداية، فلعل المصنف رحمه الله أراد أن يُنَبِّهَ الطالبين على التحرز عن فساد النية في أول كتابه.
وقد قال الحافظ(2): فالجواب ما قاله أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ في أجوبة له على "البخاري": إن أحسن ما يجاب به هنا أن يقال: لعل البخاري قصد أن يجعل لكتابه صدرًا يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من الناس من استفتاح كتبهم بالخطب المتضمنة لمعاني ما ذهبوا إليه من التأليف، فكأنه ابتدأ كتابه بنية ردّ علمها إلى الله تعالى، فإن علم منه أنه أراد الدنيا أو عَرَّضَ إلى شيء من معانيها فسيجزيه بنيته، ونكب عن أحد وجهَي التقسيم مجانبة للتزكية التي لا يناسب ذكرها في ذلك المقام، انتهى ملخصًا.
وحاصله: أن الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة، والجملة المبقاة--------------------------------------------
(1) "شرح صحيح مسلم" (7/ 62).
(2) "فتح الباري" (1/ 15).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٣)
تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده يحصل القربة أو لا، فلما كان المصنف كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث حَذَفَ الجملة المشعرة بالقربة المحضة فرارًا من التزكية، وأبقى الجملة المترددة المحتملة تفويضًا للأمر إلى ربه المطلع على سريرته المجازي بمقتضى نيته، انتهى.
وقد اشتُهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، المروية في "المعجم الكبير"(1) للطبراني بإِسنادٍ رجالُه ثقات: عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبَتْ أن تتزوَّجه حتى يهاجِرَ، فهاجَرَ فتزوَّجها، فكنا نسميه مهاجِرَ أم قيس".
ولم يقف ابن رجب على من خَرّجه فقال: ذكره كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر له أصلًا بإسناد صحيح، هكذا قال القسطلاني(2)، لكن ذكر ابن رجب في "شرح الأربعين" حديث مهاجر أم قيس، ثم قال: رواه وكيع في كتابه، وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها"، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلًا يصح، انتهى.
ومال إليه الحافظ إذ قال بعد ذكر حديث أم قيس: لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك(3)، انتهى.
واسم المرأه: قَيْلَة، وأما الرجل فلم يسمِّه أحد ممن صَنَّفَ في الصحابة، وهذا السبب وإن كان خاصَّ المورد، ولكن العبرة بعموم اللفظ، والتنصيص على المرأة من باب التنصيص على الخاص بعد العام للاهتمام، قاله النووي في "شرح البخاري"(4).--------------------------------------------
(1) "المعجم الكبير" (8540).
(2) "إرشاد الساري" (1/ 94).
(3) "فتح الباري" (1/ 10).
(4) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 94).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٤)
(أم المؤمنين) تغليبًا، وتدخل فيه النساء، ولكن صح عن عائشة رضي الله عنها: "أنا أمُّ رجالكم لا أمُّ نسائكم"، وهي باعتبار الشرافة والكرامة وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة وتحريم نكاح بناتهن، كذا في "القسطلاني"(1)، لا يقال: إن الآية: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] قطعية، فلم تتناول جميع الأحكام؛ لأن الآية الأخرى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] تدل على إيجاب الحجاب، فالجمع بين الآيتين يدل على ما تقدم.
وقال ابن العربي في "أحكام القرآن"(2): اختلف الناس هل هن أمَّهات الرجال والنساء، أم هنَّ أمَّهات الرجال خاصة؟
فقيل: ذلك عام في الرجال والنساء، وقيل: خاص للرجال؛ لأن المقصود بذلك إِنزالُهن منزلةَ أمهاتهم في الحرمة حيث يتوقع الحِلّ، والحِلّ غير متوقع بين النساء، فلا يحجب بينهن بحرمة.
وقد روي أن امرأة قالت لعائشة: يا أماه، فقالت: لستُ لكِ بأمٍّ، إنما أنا أم رجالكم، وهو الصحيح، انتهى.
وفي "الطحاوي"(3) عن حكّام الرازي قال: قال أبو حنيفة: كان الناس لعائشة محرمًا، انتهى.(4)
(كيف يأتيك الوحي) أجاب عليه الصلاة والسلام بالصورتين فقط، وقد قالوا: يأتي الوحي بسبعة أوجه أو أكثر، كما تقدم، وأجاب عنه في "اللامع"(5) بأن الاقتصار على ذكر القسمين اقتصار على معظم أنواعه، أو يكون ذكر الأقسام الباقية أيضًا، ولكنه لم يذكرها بعض الرواة، وهذا مبني على--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (1/ 97).
(2) "أحكام القرآن" لابن العربي (3/ 542).
(3) "شرح معاني الآثار" (2/ 116).
(4) انظر: "الإجابة لما استدركته عائشة" (ص 132).
(5) "لامع الدراري" (1/ 494).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٥)
أن السؤال عن كل أقسام الوحي، ولكن الظاهر أن مسألته كانت عمَّا يوحى عليه من الكيفية التي تنزَّل عليه الوحي من الله في أكثر أحيانه وغالب أزمانه.
والجواب إذ ذاك يمكن إيراده على ثلاثة أوجه: بيان كيفية الوحي لنفسه، أو الموحي وهو الملَك، أو الموحى إليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى آخر ما بسط في "اللامع"(1).
(وأحيانًا يأتيني مثلُ صلصلة الجرس) أصله صوت وقْع الحديد بعضه على بعض، ثم أُطلق على كل صوت له طنين، وفي مصداقه ستة أقوال:
1 - صوته تعالى القديم، واختاره مولانا السيد أنور شاه في "الفيض"(2).
2 - تخليق الصوت من الله عز وجل في الموحى به بكمال قدرته، كذا في "الأوجز"(3).
3 - الصوت الأصلي للملَك.
4 - صوت أجنحة جبرئيل.
5 - وحكي عن شيخ الإسلام المدني رحمه الله، أنه صوت مجيء جبرئيل، كما يسمع صوت قطار سكة الحديد - رين إنجن - من المسافة البعيدة بنحو خمسة أميال بل أكثر من ذلك.
قلت: وأورد عليه بعض الطلبة أنه لوكان كذلك لكان ينبغي أن يكون محسوسًا للكل، ويرد هذا الإيراد على الأجنحة أيضًا، ويمكن التفصِّي عنه بأن إحساسه من باب الكشف، كما ورد أن جبرئيل يبسط أجنحته ليلة القدر، ولا يكشف هذا إلا لأهل الكشف ولا يظهر لغير أهله، كما لا يسمع الأصم الصوت.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 494، 495).
(2) "فيض الباري" (1/ 20).
(3) "أوجز المسالك" (4/ 256).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٦)
6 - ومال شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي في "تراجمه" أنه أثر تعطل الحواس، إذ قال: أعلم أن من تعطلت حاسة من حواسه يظهر له في تلك الحاسة ما لا يتميز فيه، مثل من تعطلت حاسته البصرية يرى ألوانًا مختلفة متكثرة، ومن تعطلت حاسته السمعية يسمع أصواتًا ممتزجة مختلفة غير متميزة، فقوله: "مثل صلصلة الجرس"، عبارة عن تعطل حاسة السمع عن مسموعات عالم الشهادة، لكي يتفرغ لحفظ ما أوحي عليه، ويعيه كما هو حقه، فتدبر.
وأشكل عليه أن صوت الجرس مذموم لصحة النهي عنه كما في "مسلم" و"أبي داود"، فكيف يشبه به ما فعله الملك مع أن الملائكة تنفر عنه؟
وأجيب: بأنه لا يلزم من التشبيه تساوي المشبَّه والمشبَّه به في جميع الصفات، كمن شَبَّه رجلًا بالأسد فيكون التشبيه في شجاعته لا في نتن رائحة الفم، فذكر ما ألِفَ السامعون سماعه تقريبًا لأفهامهم كما قيل في توجيه العتمة.
فإن قيل: قد روي عن عمر عند أبي داود: "كنا نسمع عنده مثل دَويِّ النحل"(1)، وها هنا كصلصلة الجرس وبينهما تفاوت، أجيب: بأن ذلك بالنسبة إلى الصحابة، وهذا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كذا أفاده الشراح.
والأوجه عندي أنه ليس بحقيقة، بل تقريب وتشبيه، فلا يخالف أيضًا ما ورد: "إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربَتْ الملائكةُ بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان"، انتهى مختصرًا من "الأوجز"(2).
(وهو أشده عليّ) لكون الصوت لم يفهم، أو لانقطاعه إلى عالم--------------------------------------------
(1) لم أجده في "سنن أبي داود"، وأخرجه النسائي في "الكبرى" (رقم 1439)، والمقدسي في "الأحاديث المختارة" (رقم 234)، والحاكم في "المستدرك" (42512)، وأحمد في "مسنده" (1/ 34).
(2) انظر: "أوجز المسالك" (4/ 256، 257)، والحديث أخرجه: "البخاري" (ح: 4701)، و"ابن حبان" (رقم 36)، و"الترمذي" (ح: 3223).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٧)
الملكوت كما يعتري للذاكرين إذا أثّر الذكرُ فيهم، وذكر في هامش "اللامع"(1) في بيان شدة ما يعتري النبيَّ صلى الله عليه وسلم من التعب والكرب حتى يتفصَّد جبينه عرقًا، وقد قال عزّ اسمه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5].
(فيفصم) فيه ثلاث روايات: أشهرها: فتح التحتية وكسر المهملة، والثانية: بضم أوله وكسر الثالثة، والثالثة: بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول، يقال: أفصم المطر إذا أقلع، كما في "الأوجز"(2).
(الملك رجلًا) نصب على المصدرية، أي: تَمَثُّلَ رجلٍ، أو حال، ورجح العيني(3) نصبه بنزع الخافض، والملَك مشتق من الألوكة بمعنى الرسالة، هذا قول سيبويه والجمهور، وأصله: لاك، وقيل: أصله الملك بفتح ثم سكون، وهو الأخذ بالقوة، وقيل: مخفف من مالك، والبسط في هامش "اللامع"(4).
(وإن جبينه ليتفصد عرقًا) يشكل عليه ما سيأتي من قوله: "زَمِّلوني" ذكر في هامش "اللامع"(5) الجمع بينهما، والأحسن أن يقال: إن قولها: "ليتفصد عرقًا": حالة عامة كانت في أكثر أحوال النزول، كما هو ظاهر من الأحاديث الواردة في أحوال نزول الوحي من أنه صلى الله عليه وسلم كانت تأخذه الشدةُ وقت النزول حتى لو كان على بعير لبرك لشدة الثقل، وأوحي إليه مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقل على زيد حتى قال زيد: خفتُ أن ترضّ فخذي، وكانت تأخذه البرحاء في اليوم الشاتي حتى إِنه ليتحدر منه مثلُ الجمان، وغير ذلك من الروايات الكثيرة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "زملوني" فكان في أول الأمر، فإنه صلى الله عليه وسلم كانت تأخذه الحمى في أول أمره فيحتاج إلى التزمُّل والتلفُّف، ثم لما اعتادت نفسه--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 497).
(2) "أوجز المسالك" (4/ 258).
(3) انظر: "عمدة القاري" (1/ 78).
(4) انظر: "أوجز المسالك" (4/ 258).
(5) انظر: "لامع الدراري" (1/ 497).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٨)