الأمر للاستحباب حديث أنس بإسناد حسن عند أبي داود "أنه عليه الصلاة والسلام شرب لبنًا فلم يتمضمض"، وأغرب ابن شاهين فجعل حديث أنس ناسخًا لحديث ابن عباس، ولم يقل أحد بالوجوب حتى يقال بالنسخ، انتهى.
قلت: والشرَّاح عامة نقلوا استحباب المضمضة من اللبن، ونقلوا عليه الإجماع، وما يظهر لهذا العبد الضعيف أن في المسألة ثلاثة مذاهب للسلف كما بسطت في هامش "الكوكب":
الأول: الوجوب، كما قال به بعض السلف مستدلين بأحاديث الأمر، وروي عن أبي سعيد: لا وضوء إلا من اللبن؛ لأنه يخرج من بين فرث ودم، وعن أبي هريرة نحوه.
والثاني: الاستحباب، وهو مذهب الجمهور.
والثالث: ترك الاستحباب، وإليه أشار ابن أبي شيبة(1) في تبويبه بلفظ: "من كان لا يتوضأ ولا يمضمض"، وأخرج فيه عن طلحة [قال:] سألت أبا عبد الرحمن عن الوضوء من اللبن قال: من شراب سائغ للشاربين، انتهى ما في هامش "الكوكب"(2) مختصرًا.
(53 - باب الوضوء من النوم. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(3): ودلالة الروايتين على هذا المعنى واضحة، وذلك أنه لمَّا لم يعلم بما يخرج من فيه وقت النعسة فأولى أن لا يعلم بالخارج من إسته إذا نام ورقد، فإن الغفلة في النوم أزيد منها في النعسة، انتهى.
وفي هامشه: ظاهر السياق أن الإمام البخاري ترجم بمسألتين:--------------------------------------------
(1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 58).
(2) "الكوكب الدري" (1/ 123، 124).
(3) "لامع الدراري" (2/ 251).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٦٩)
أولاهما: إثبات الوضوء بالنوم، والثانية: عدم الوضوء بالنعسة، والرواية بظاهرها لا تدل على واحدة منهما، وظاهر كلام الشيخ أنه جعل الترجمة مسألة واحدة وهي الأولى، وإثباتها بما قرره ظاهر، وهو عدم الإدراك بخروج الريح، وهو الموجب للوضوء في النوم.
وظاهر كلام شيخ المشايخ في "التراجم"(1) أنه أيضًا جعل الترجمة مسألة واحدة لكنها هي الثانية إذ قال: استدل المؤلف بظاهر الحديث فإنه صلى الله عليه وسلم لما علل قوله: "فليرقد" بقوله: "فإن أحدكم. . ." إلخ، مع قرب التعليلات لصيرورته محدثًا إلى الذهن، علم أن الحدث لا يتحقق بالنعسة، وإلا لما ترك التعليل الذي هو أقرب ذاهبًا إلى ما علل به، وأمثال هذه الاستدلالات للمؤلف كثيرة فاحفظ فإنه ينفعك، انتهى.
وهذا هو الأصل السادس والثلاثون من أصول التراجم.
وحكى الكرماني(2) عن ابن بطال في إثبات الترجمة أنه لما أوجب عليه الصلاة والسلام قطع الصلاة لغلبة النوم دلّ أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك ولم يغلب عليه أنه معفو، ولا وضوء فيه.
قال الكرماني: وأقول: سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم مصليًا حالة النعاس، فعلم أن النعاس ليس بحدث، وقال: ذكر صلى الله عليه وسلم العلة الموجبة للقطع أن يخلط الاستغفار بالسب، فصار بمنزلة من لا يعلم ما يقول من سكر الخمر الذي نهي عن مقاربة الصلاة فيها، ومن كان كذلك لا تجوز صلاته، انتهى مختصرًا.
قال الحافظ(3): وحمله المهلب على ظاهره فقال: إنما أمر بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدل على أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك عفي عنه، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 90).
(2) "شرح الكرماني" (3/ 61).
(3) "فتح الباري" (1/ 314).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧٠)
وعلى هذا يثبت الجزءان من الترجمة، وأثبتهما السندي(1) أيضًا لكن بطريق آخر قريب مما أفاده شيخ المشايخ إذ قال: كأن المصنف استدل بالحديث على أن النعاس لا ينقض الوضوء، إذ لو كان ناقضًا لما منع الشارع عن الصلاة خشية السب، بل وجب أن يذكر أنه لا تصح صلاته مع النعاس لانتقاض الوضوء، فإذا لم ينتقض به تعين أن يكون الانتقاض بالنوم إذ لا مساغ للقول بعدم الانتقاض أصلًا، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي رحمه الله تعالى قوله: الوضوء من النوم، ولم يورد لهذا حديثًا لشهرته فاكتفى فيه بالشهرة، وجاز أن يكون المراد باب حكم الوضوء من النوم، أي: نوم المصلي، ونوم المصلي؛ كالنعاس في عدم استرخاء المفاصل، فلما لم يكن النعاس ناقضًا كما ثبت بالحديث لم يكن نوم المصلي أيضًا ناقضًا بالقياس عليه، انتهى، وهو دقيق جدًا، وعلى هذا يكون الترجمة جزءًا واحدًا، وهو نوم المصلي خاصة، ويكون ذكر النعسة كالدليل له، ويكون رأي الإمام البخاري موافقًا لما يأتي من مذهب الحنفية أن النوم على هيئة الصلاة ليس بناقض.
ثم قال الحافظ(2): ظاهر كلام البخاري أن النعاس يسمى نومًا، والمشهور التفرقة بينهما، وأن من قرَّت حواسه بحيث يسمع كلام جليسه ولا يفهم معناه فهو ناعس، وإن زاد على ذلك فهو نائم.
قوله: (أو الخفقة) بفتح المعجمة وإسكان الفاء، قال ابن التين: هي النعسة، وإنما كرر لاختلاف اللفظ كذا قال، والظاهر أنه من الخاص بعد العام، قال أهل اللغة: خفق رأسه إذا حركها وهو ناعس، انتهى.
ولذا قال شيخ الإسلام في شرحه: الخفقة: منتهى النعاس، انتهى ما في هامش "اللامع".
وبسط فيه بعد ذلك اختلاف الأئمة في نقض النوم.--------------------------------------------
(1) "حاشية السندي" (1/ 51).
(2) "فتح الباري" (1/ 313).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧١)
(54 - باب الوضوء من غير حدث)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): إنه يستحب ولا يجب، فدلَّت أولى الروايتين على جزئين، والثانية على ثانيهما، انتهى.
يعني: ثبت ندب التجديد بفعله عليه الصلاة والسلام، وجواز عدمه بتقريره عليه السلام.
والظاهر عندي: أن المصنف أراد بذلك الرد على من قال بإيجاب الوضوء لكل صلاة.
قال الحافظ(2) بعد ما حكى عن الجمهور نسخ الوجوب لكل صلاة: وذهب إلى استمرار الوجوب قوم كما جزم به الطحاوي، ونقله ابن عبد البر عن عكرمة وابن سيرين وغيرهما، واستبعده النووي وجنح إلى تأويل ذلك إن ثبت عنه، وجزم بأن الإجماع استقر على عدم الوجوب، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
(55 - باب من الكبائر. . .) إلخ
لعل غرض المصنف التنبيه على أن عدم الاستتار من الكبائر ردًا على من قال كابن بطال: إن العذاب قد يكون على الصغائر أيضًا كما ذكر قوله الحافظ(3) وذكر مستدله والتعقب عليه.
قوله: (عن مجاهد عن ابن عباس. . .) إلخ، وهذا الحديث من منتقدات الدارقطني، قال القسطلاني(4): وانتقد الدارقطني على المؤلف إسقاط طاوس من السند الأول، وقال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه المنصور عن مجاهد عن ابن عباس، وحديث الأعمش أصح، يعني: المتضمن للزيادة.
قال الحافظ: إخراج البخاري الحديث على الطريقين يقتضي صحتهما--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (2/ 165).
(2) "فتح الباري" (1/ 316).
(3) انظر: "فتح الباري" (1/ 317).
(4) "إرشاد الساري" (1/ 517).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧٢)
عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاوس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معًا، انتهى.
(56 - باب ما جاء في غسل البول)
قال ابن بطال: أراد المصنف أن المراد في الحديث من البول بول الناس لا بول سائر الحيوان، فلا حجة فيه لمن استدل به على العموم، وكأنه أراد الرد على الخطابي إذ قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، ومحصل الرد أن العموم في رواية البول مخصوص ببوله لرواية أخرى، كذا في "الفتح"(1).
وأفاد شيخ المشايخ في "التراجم"(2): أن مذهب البخاري في ذلك مثل الشافعي من نجاسة بول الإنسان دون ما يؤكل لحمه، انتهى.
قلت: ليس هذا مذهب الشافعي بل هو وجه لبعض الشافعية، نعم هو مذهب مالك ورواية لأحمد، وأخرى له: نجس، وهو مذهب الشافعية والحنفية، وفي "النور الساري": ولم يذكر سوى بول الناس، هذا من فقه المصنف لما أن فيه ضميرًا يرجع إلى صاحب القبر، وغرضه منه التنبيه على أن بول الناس لا بد أن يغسل، وليس الكلام في الأبوال الباقية وإن فيها اختلافًا كثيرًا، انتهى.
قوله: (إذا تبرز لحاجته. . .) إلخ، قال شيخ المشايخ في "التراجم"(3): التبرز وإن كان في متفاهم العرف يحمل على الغائط لكن الصحابي لما حكى فعله وهو الذهاب إلى الفضاء، والذهاب إليه قد يكون للبول أيضًا فبالنظر إلى هذا العموم استدل البخاري بالحديث على ثبوت الغسل من البول، ومثل هذا الاستدلال كثير شائع عند المؤلف، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 321).
(2) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 93).
(3) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 93).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧٣)
قلت: هذا هو الأصل الخمسون من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول من هذه التراجم، ويمكن عندي أن يقال: إن البول لازم للبراز عادة، وفيه قصة معروفة لأستاذ الأساتذة ملا جيون مؤلف "نور الأنوار".
(باب)
بلا ترجمة، وفي "تراجم(1) شيخ المشايخ": ليس هذا الباب في كثير من النسخ، والصحيح عدمه.
وكتب الشيخ في "اللامع"(2): ولعل زاد لفظ الباب ههنا نظرًا إلى إطلاق البول ههنا فيعم كل بول، وتقييده بالإنسان في الأول، ثم لا يتوهم أن النهي إنما هو مختص ببول نفسه فلا ضير في بول غيره ولو إنسانًا؛ لأن الحكم في مثل هذا لا يتفاوت بين رجل رجل، انتهى.
وفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ: أنه لما كان في بعض طرق الحديث لفظ البول مطلقًا بدون التقييد ببوله نبَّه عليه بلفظ الباب إشارةً إلى مستدل من قال بالتحرز عن الأبواب كلها، وكذا حكى مولانا حسين على في تقريره إذ قال: ولعله أدخل لفظ الباب إشارةً إلى أنه ذكر في هذا الحديث لفظ البول بلا ضمير نفسه، انتهى.
وبسط في هامش "اللامع" أقوال الشرَّاح مبسوطًا، وفي آخره: وقد عرفت مما سبق أن الشراح والمشايخ كلهم اختلفوا في توجيه الغرض في هذا الباب على أقوال عديدة:
منها: رأي شيخ المشايخ أن الباب ههنا لا يصح.
ومنها: رأي القطب الكَنكَوهي أنه للتنبيه على عموم البول.
ومنها: رأي شيخ الهند أنه للتنبيه على كون البول موجبًا لعذاب القبر.--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 93).
(2) "لامع الدراري" (2/ 167 - 170).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧٤)
قلت: ولذا رقم الشيخ عليه في الجدول الرابع في آخر تراجمه نقطة واحدة كما عرفت في الجزء الأول من هذه التراجم، وهو عنده علامة لتشحيذ الأذهان.
ومنها: رأي الحافظ أنه للتنبيه على وجوب غسل ما انتشر من البول على المحل.
ومنها: رأي العلامة العيني أنه للتنبيه على الاختلاف في السند.
ومنها: رأي الكرماني أنه للتنبيه على وجوب غسل البول.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه للتنبيه على وجوب الاستنجاء، أي: الاستبراء والاستجمار للبول، إلى آخر ما في الهامش.
(57 - باب ترك النبي صلى الله عليه وسلم -)
لما كان أوامر النبي صلى الله عليه وسلم بتنظيف المساجد وتطييبها وتطهيرها تقتضي أن تصان عن النجاسات، وإن وقعت منعت ما أمكن، ومقتضاها أن البائل يمنع عنه على الفور لئلا يكثر النجاسة، ترجم المصنف لحديث الباب تنبيهًا على أن المفسدة إذا تزيد بالمنع لا تمنع، فإن البول لا يمنع غالبًا بعد الشروع، ولو امتنع تضرر، وإن هرب بالزجر تفشو النجاسة على بقع المسجد.
وفي "تراجم"(1) شيخ المشايخ: غرض الباب أنه إذا أقبل أمران متعارضان في كليهما مفسدة اختير أهونهما، وكان الأهون ههنا تركه حتى يفرغ؛ لأن تنجس المسجد أمر قد فرغ عنه، فلا يفيد النهي طائلًا إلا إضرارًا وإهلاكًا إياه، انتهى مختصرًا.
وكتب الشيخ في "اللامع"(2): لما كان التشديد في أمر البول يقتضي--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 94).
(2) "لامع الدراري" (2/ 171).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧٥)
أن يشدد في مثل ما فعله الأعرابي وضع بابًا للإشارة أن من المفاسد ما هي مختارة خوفًا من أكثر منها، ومن أشد منها، فلو قطعوا على الأعرابي بوله لربما أدَّى إلى تنجيس سائر المسجد وتنجيس ثياب نفسه، أو كان ذلك مورثًا له مرضًا، انتهى.
(58 - باب صب الماء على البول في المسجد)
لعل المصنف أشار إلى مسألة خلافية، وهي أن الأرض تطهر بصب الماء كما عليه الجمهور، أو يشترط له الحفر أيضًا كما نقلوه عن الحنفية وإن لم يصح النقل عنهم، نعم هذا قول المروزي إذ قال: لا تطهر الأرض إلا بأن تحفر أو يجعل على ظاهرها تراب فتصير النجاسة باطنة، كما في "الأوجز"(1)، أو تطهر بالجفاف أيضًا كما هو مذهب الحنفية وأحد أقوال الثلاثة مع الحنفية، ولا يبعد أن يقال: إن الغرض دفع ما يتوهم من صب الماء الزيادة في تنجيس المسجد.
وفي هامش "اللامع"(2): لم يتعرض له الشيخ ههنا كدأبه في هذا التقرير أنه لا يتعرض غالبًا عما تقدم الكلام عليه، فإنه رحمه الله قد قرر على ذلك في تقرير الترمذي المعروف "بالكوكب الدري"(3)، ثم أجمل الكلام مرة ثانية في تقرير أبي داود المعروف "بالدر المنضود" ولفظه: قوله: "صبوا عليه سجلًا من ماء"، وذلك لإزالة النتن ودفع الوسواس وإن كانت تطهر باليبس أيضًا، ولأن الماء حين جرى ذهب بالنجاسة عن هذا الموضع فطهر للصلاة والتيمم، وباليبس لم تطهر إلا للصلاة غير التيمم، ولم يتعرض الشيخ أيضًا بباب بول الصبيان في "اللامع" لتقدم الكلام عليه في "الكوكب"(4).--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (1/ 652).
(2) انظر: "لامع الدراري" (2/ 171).
(3) انظر: "الكوكب الدري" (1/ 186).
(4) انظر: "الكوكب الدري" (1/ 101).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧٦)
(باب يهريق الماء على البول)
ليس هذا الباب في النسخ الهندية ولا في أكثر النسخ المصرية، بل هو موجود في نسخة القسطلاني(1)، وقال: سقط الباب والترجمة في رواية الأصيلي والهروي وابن عساكر، وقال السندي(2): هذا الباب ساقط عند كثير وسقوطه هو الوجه، والله أعلم، انتهى.
ولا يبعد عندي أن يكون الغرض أن الحكم لا يختص بالمسجد.
قال الحافظ(3): ويستدل به أيضًا على عدم اشتراط نضوب الماء؛ لأنه لو اشترط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يشترط عصر الثوب إذ لا فارق، قال الموفق في "المغني" بعد أن حكى الخلاف: الأولى الحكم بالطهارة مطلقًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئًا، انتهى.
وقال ابن عابدين(4): ولو أريد تطهيرها - أي: الأرض - عاجلًا يصبّ عليها الماء ثلاث مرات وتجفف في كل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صب عليها الماء بكثرة حتى لا يظهر أثر النجاسة، كذا في "شرح المنية" و"الفتح"، وفي "الهداية"(5): ثم لا بد من العصر في كل مرة في ظاهر الرواية؛ لأنه هو المستخرج، انتهى.
قلت: ولا يخفى أن حديث الباب ليس بوارد على الحنفية، بل هو مؤيد لهم؛ إذ قالوا بالطهارة إذا صب الماء بكثرة كما تقدم في كلام ابن عابدين، وأما اشتراط العصر وغيره فقال في "الدر المختار"(6): وهذا كله، أي: الغسل والعصر ثلاثًا فيما ينعصر، وتثليث الجفاف في غيره إذا غسل في إجانة، أما لو غسل في غدير أو صبّ عليه ماءٌ كثير، أو جرى--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (1/ 523).
(2) "حاشية السندي" (1/ 52).
(3) "فتح الباري" (1/ 325).
(4) "رد المختار" (1/ 512).
(5) "الهداية" (1/ 38).
(6) انظر: "رد المختار" (1/ 542).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧٧)
عليه الماء طهر [مطلقًا] بلا شرط عصر وتجفيف وتكرار غمس هو المختار، انتهى بزيادة من ابن عابدين.
(59 - باب بول الصبيان)
قال شيخ المشايخ في "التراجم"(1): غرضه أن التطهير من بول الصبيان يحصل بإتباع الماء لنضحه ولا حاجة إلى الغسل كما هو مذهب الشافعي، انتهى.
قال الحافظ(2): وهل يلتحق به بول الصبايا أم لا؟ وفي الفرق أحاديث ليست على شرط المصنف، انتهى.
قلت: الخلاف فيه مشهور، والأصح من الأقوال الثلاثة للشافعية التفريق، وبه قال أحمد، والثاني النضح فيهما، والثالث الغسل فيهما، وهما شاذان، وبالثالث قلنا ومالك، ولم يقل أحد من الأئمة الأربعة بطهارة البول خلافًا لداود الظاهري، ثم التفريق لعفونة بولها أو لسعة مخرجها، أو خفف في الصبي لكثرة حبه، والحرج يجلب التيسير، والعيني(3): جعل الثالث أقوى.
قوله: (بصبي) واختلف في اسم هذا الصبي، قال الحافظ(4): والذي يظهر لي أنه ابن أم قيس، ويحتمل أنه الحسن أو الحسين لما ورد في الروايات من بولهما، وقال العيني(5): وأظهر الأقوال عندي أنه عبد الله بن الزبير، انتهى.
وقيل: سليمان بن هاشم أو ابن هشام، وهؤلاء كلهم بالوا في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نظمهم بعضهم:--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 95).
(2) "فتح الباري" (1/ 335).
(3) انظر: "عمدة القاري" (2/ 614).
(4) "فتح الباري" (1/ 326).
(5) "عمدة القاري" (2/ 613).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧٨)
قد بال في حجر النبي أطفال … حسن حسين ابن الزبير بالوا
وكذا سليمان بن هشام(1) … وابن أم قيس جاء في الختام
انتهى ملخصًا من "الأوجز"(2)
(60 - باب البول قائمًا وقاعدًا)
كتب شيخ المشايخ في "التراجم"(3): أي: هو جائز، أثبت بالحديث الأولَ والثانيَ بالطريق الأولى، وهكذا قرره الشرَّاح.
وعندي: أن غرض المؤلف من عقد الباب ليس إلا إثبات جواز البول قائمًا، فكأنه قال: يجوز البول قائمًا أيضًا، ولا ينحصر جوازه في القعود فقط.
قلت: ما قالته الشرَّاح هو الأصل التاسع عشر المتقدم في الجزء الأول من أصول التراجم.
وفي هامش "اللامع"(4): قال ابن بطال وتبعه الكرماني: إن دلالة الحديث على القعود بطريق الأولى.
وقال الحافظ(5): يحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي وغيره، فإنه فيه: "بال رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة"، إلى آخر ما بسطه الحافظ.
وهذا أيضًا أصل مطَّرد عند الحافظ كما تقدم في الأصل الثامن والثلاثين، من الأصول المتقدمة.--------------------------------------------
(1) وفي "شرح الإقناع" (1/ 320): "بني هشام"، والصواب: "بن هشام".
(2) "أوجز المسالك" (1/ 644).
(3) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 96).
(4) "لامع الدراري" (2/ 172).
(5) "فتح الباري" (1/ 328).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٧٩)
وتعقب العيني(1) على كلام ابن بطال والحافظ معًا ثم قال: والأحسن أن يقال: لم يذكر القعود لشهرته وعمل الناس عليه، أو إشارةً إلى أنه لم يجد على شرطه، انتهى.
ولا يدخل في هذا الأصل التاسع والثلاثين؛ لأن جواز البول قاعدًا متفق عليه. والأوجه عندي: أن الإمام البخاري مال في ذلك إلى مسلك من أباحه مطلقًا؛ كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير منه شيء فلا بأس به وإلا فمكروه، ومذهب الحنابلة كما في "المغني"(2): يستحب أن يبول قاعدًا لئلا يترشش، وفي "نيل المآرب"(3): ولا يكره البول قائمًا ولو لغير حاجة بشرطين: الأول: أن يأمن تلويثًا، والثاني: أن يأمن ناظرًا، وقال عامة العلماء: إنه مكروه كراهة تنزيه إلا لعذر، وهو مذهب الحنفية، فلما كان مختلفًا فيه أثبت جوازه ولم يذكر للقعود دليلًا لكونه متفقًا عليه، وزاد لفظ القعود في الترجمة لئلا يوهم أفضليته، فإنه لو ترجم بالبول قائمًا وذكر فيه حديث الباب أوهم استحبابه لكونه فعله صلى الله عليه وسلم، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع" بزيادة من "الأوجز"(4).
(61 - باب البول عند صاحبه. . .) إلخ
وفي "تراجم(5) شيخ المشايخ": الغرض من عقد الباب أن ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم "أنه كان إذا تبرز أبعد في المذهب" مخصوص بالغائط لانكشاف العورة من كلا الجانبين، وأما عند البول فيجوز أن يبول مستترًا بالحائط وصاحبه خلفه، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (2/ 620).
(2) "المغني" (1/ 223).
(3) "نيل المآرب" (1/ 53).
(4) انظر: "أوجز المسالك" (1/ 649).
(5) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 97).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٨٠)
قال الحافظ(1): كان المعروف من عادته التباعد، وخالف عادته الشريفة، فقيل: لعله أطال المجلس حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه من رؤية من لعله يمر به، وكان قدَّامه مستورًا بالحائط، أو لعله فعله لبيان الجواز، ثم هو في البول وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة التكشف، ولما يقترن به من الرائحة، انتهى.
(62 - باب البول عند سباطة قوم)
بضم المهملة بعدها موحدة، هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل، وكذا في "الفتح"(2).
ولعل المصنف أشار بذلك إلى ما ذكره الحافظ بحثًا أن إضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار، ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح رواية أبي عوانة في "صحيحه"، وقيل: يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام علم إذنهم بذلك بالتصريح أو بغيره، أو لكون ذلك مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم، انتهى ملخصًا من "الفتح".
وفي "تراجم(3) شيخ المشايخ": قصد المؤلف إثبات أن البول على سباطة قوم غير محتاج إلى الاستئذان منهم؛ لأن سباطة القوم غالبًا يكون محلًا للأنجاس، فلا ضرر لهم بذلك، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 329).
(2) "فتح الباري" (1/ 328).
(3) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 97).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٨١)
(63 - باب غسل الدم)
سكت الشرَّاح عن غرض المؤلف، ولا يبعد عندي أن يكون غرضه التنبيه على أنه لا بد للدم من غسله، فهو متعين فيه وإن كان الوارد فيه أيضًا ألفاظ النضح والرش وغيرهما، فلعل المصنف ذكره فيما بين روايتي النضح والفرك تنبيهًا على أنهما لا يكفينا فيه، والأوجه أن تكون الترجمة شارحة لحديث النضح الوارد فيه.
وكتب الشيخ في "اللامع"(1): يعني بذلك: أنهم وإن اختلفوا في نقض الوضوء بخروجه إلا أنهم متفقون على نجاسته، ثم الرواية الأولى لغسل الثوب، والثانية لغسل البدن، انتهى.
وفي هامشه: وهو كذلك، إلا أنه اختلفوا في مقدار ما يعفى من الدم وبسط فيه اختلافهم في ذلك، وفيه أيضًا: لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بمعنى ذلك ثلاثة أبواب: الأول هذا، والثاني سيأتي في "كتاب الحيض" من "باب غسل دم الحيض"، والثالث ما فيه أيضًا "باب غسل المحيض"، فلا بد من تفريق الأغراض في الثلاثة، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(64 - باب غسل المني وفركه. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): أما الجزء الأول من أجزاء الترجمة فثابت من لفظ الروايتين معًا، وأما الثالث فبلفظ الجنابة، وهو مطلق يعم جنابة الرجل والمرأة، وأما الثاني منها فثابت قياسًا؛ لأن الصلاة لما جازت في الثوب الباقي فيه أثر المني تجوز أيضًا في الثوب الذي فرك منه المني ولم يغسل، وذلك لحصول المقصود فيهما، وهو تقليل النجاسة، فإن المني لما فيه من كثرة الابتلاء لم يعزم إزالته بالكلية، بل عفي قليله وإن--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (2/ 173).
(2) "لامع الدراري" (2/ 175 - 177).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٨٢)
كان نجسًا، وعلى هذا فلا يفوت شيء من أجزاء الترجمة الثلاثة، انتهى.
وفي هامشه: ذكر الإمام البخاري في الترجمة ثلاثة أجزاء: والأول منها ثابت بلا مرية بخلاف الأخيرين، وأجاد الشيخ في إثباتها كلها فللَّه درُّه، وأما الشرَّاح فاختلفوا فيها كما سترى، أما الجزء الثاني وهو الفرك فقال الكرماني(1): إن قلت: الحديث لا يدل على الفرك، قلت: علم منه عدم الاكتفاء بالفرك، والمراد بالباب باب حكم المني غسلًا وفركًا في أن أيهما ثبت في الحديث وما الواجب منهما؟ انتهى.
قلت: هذا هو الأصل التاسع والثلاثون من أصول التراجم.
وقال الحافظ(2): لم يخرج البخاري حديث الفرك بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته؛ لأنه ورد في حديث عائشة، ثم ذكر الروايات عنها في الفرك المروية في غير البخاري، وهذا هو الأصل الثامن والثلاثون من أصول التراجم.
والعلَّامة العيني(3) تعقب على كلام الحافظ حسب عادته أشد التعقب وقال: قوله: اكتفى بالإشارة. . . إلخ، كلام واهٍ إلى آخر ما قاله، ولم يأت بتوجيه لإثبات الترجمة، بل مال إلى أنه لا يثبت منها إلا الجزء الأول فقط، وأنت خبير بأن توجيه الشيخ يعني: إثباته بالقياس أجود من هذا كله، ولا يبعد أيضًا أن يقال: إن إضافة الفرك في الترجمة تنبيه على أن الوارد في الروايات من الغسل ليس للاحتراز كما تقدم في الأصل الرابع والثلاثين من أصول التراجم، وأما الجزء الثالث وهو غسل ما يصيب من المرأة فلا يثبت أيضًا عند العيني.
وقال الكرماني(4): علم من الحديث غسل رطوبة الفرج أيضًا إذ لا شك من اختلاط المني بها عند الجماع، أو أنه ترجم بما جاء في هذا--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (3/ 81).
(2) "فتح الباري" (1/ 332).
(3) "عمدة القاري" (2/ 635).
(4) "شرح الكرماني" (3/ 81).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٨٣)
الباب واكتفى في إيراد الحديث ببعضه، وكثيرًا يفعل مثل ذلك، أو كان في قصده أن يضيف إليه ما يتعلق به ولم يتفق له، انتهى.
وقال الحافظ: في هذه المسألة(1) حديث صريح ذكره المصنف في آخر "كتاب الغسل" من حديث عثمان، ولم يذكره ههنا، وكأنه استنبطه من حديث الباب بأن المني الحاصل في الثوب لا يخلو غالبًا من مخالطته ماء المرأة ورطوبتها، انتهى.
وما يظهر لهذا العبد الضعيف: أن المراد في هذه الترجمة بقوله: "غسل ما يصيب من المرأة" غير المراد من الترجمة الآتية في آخر الغسل "باب غسل ما يصيب من فرج المرأة" كما يدلط عليه فرق ألفاظ الترجمتين، فالمراد ههنا بيان الغسل من مني المرأة، وهناك غسل ما يصيب من رطوبة الفرج، وعلى هذا لا يرد على المصنف أن الترجمة مكررة، وهو الظاهر عندي من كلام الشيخ إذ قال: وأما الثالث فبلفظ الجنابة، وهو يعم جنابة الرجل والمرأة، وعلى هذا فإثباتها بالحديث واضح بلفظ الجنابة والمني، ويدل عليه أيضًا أن الإمام البخاري ذكر في هذا الباب روايات المني وذكر في الباب الآتي روايات الإكسال فلا مني فيها فليس فيها إلا رطوبة الفرج.
ثم لا يذهب عليك أنهم اختلفوا في طهارة المني ونجاسته، وحاصله: أنه نجس عند الحنفية قولًا واحدًا، لكن يعفى قليله ويكفي فرك يابسه، وكذلك هو نجس عند مالك، ولا بد من غسله رطبًا ويابسًا، وعن أحمد والشافعي ثلاث روايات: المشهور منها: أنه طاهر، انتهى مختصرًا.
(65 - باب إذا غسل الجنابة أو غيرها)
لم يذكر الغير صريحًا بل ألحقه به قياسًا، أو أشار إلى ما رواه أبو داود(2) وغيره أن خولة رضي الله عنها قالت: "ليس لي إلا ثوب واحد" الحديث،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 333).
(2) "سنن أبي داود" (ح: 365).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٨٤)
وفيه: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره" ويحتمل أن يكون زيادة "أو غيرها" من الأصل الرابع والثلاثين فلا يحتاج لإثباتها إلى دليل، انتهى من هامش "اللامع"(1).
(66 - باب أبوال الإبل. . .) إلخ
وتقدم قريبًا في "باب غسل البول" اختلاف الأئمة في أبوال ما يؤكل لحمه، وظاهر تبويب المصنف أنه مال إلى طهارتها موافقًا لمذهب الإمام مالك خلافًا للحنفية والشافعية والجمهور، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (والسرقين. . .) إلخ، بكسر المهملة وإسكان الراء وحكي فيه فتح أوله.
وكتب الشيخ في "اللامع"(2): ولا يمكن خلوه من البول على أن الدابة إذا بالمت في محل فإن رشاش بوله ينتضح على جوانب هذا المحل وأطرافه، فلا ريب في كون بعض منه تحت قدمي أبي موسى.
والجواب: أنه لم يصرح بصلاته ثم على غيره شيء وهو المراد، وإنما كان صلى على شيء طاهر وبذلك يصح قوله: "ههنا وثم سواء" فإن السرقين متفق على نجاسته، فافهم، انتهى.
وفي هامشه: دفع الشيخ بقوله: ولا يمكن خلوه من البول. . . إلخ، ما يرد على المصنف أن الترجمة في الأبوال والأثر في السرقين.
والأوجه عندي في الجواب: أنهم لم يفرقوا بين الأبوال والأرواث في النجاسة، فيصح الاستدلال بأحدهما على الآخر، وما أجابه الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: إنه لم يصرح بصلاته على غير شيء بذلك أجاب عامة الشرَّاح.
والأوجه عندي في الجواب: أن الظاهر أن أبا موسى صلى في موضع كان السرقين قريبًا منه، وعليه كان الإشكال بقرب السرقين، ويدل على ذلك--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (2/ 179).
(2) "لامع الدراري" (2/ 180).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٨٥)
لفظ الثوري في "جامعه": "على مكان فيه سرقين"، وأوضح منه في الدلالة لفظ البخاري: و"السرقين والبرية إلى جنبه"، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
قوله: (في مرابض الغنم)، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): هذا لا يقوم حجة أيضًا، فإن المدعى يثبت لو أثبتوا أنه كان يصلي فيها على غير شيء، مع أنا نقول: إن الأرض تطهر باليبس والجفاف، ولا يقبل العقل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليها وهي مبلولة بأبوالها، مع أن الذي أثبتم من الرشاش أسرع ما يكون جفافًا، ومثل هذا الجواب جار في الرواية الأولى أيضًا، انتهى.
قلت: لم يتعرض الشيخ لقصة العرنيين؛ لأنه أشبع الكلام عليه في "الكوكب"(2) في "باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه"، وهذا الحديث مختصر سيأتي مفصلًا في "باب القسامة" إن شاء الله تعالى.
(67 - باب ما يقع من النجاسة في السمن والماء)
كتب الشيخ في "اللامع": ظاهر كلامه أنه ذاهب إلى ما ذهب إليه مالك من أن الماء لا ينجسه اختلاط نجس ما لم يغير أحد أوصافه قل الماء أو كثر، ودلالة كلام الزهري على هذا المعنى ظاهرة، فأما كلام حماد فمعناه: أن الريشة لما لم يكن في وقوعها بالماء تغيير له، لم ينجس الماء، وكذلك كلام الزهري في العاج معناه: أنه لو كان مطلق الاختلاط منجسًا من دون اعتبار الغلبة لكان الدهن يتنجس بملاقاته العاج، والعلماء لا يبالون بذلك، فعلم أن النجاسة متوقفة على غلبة أحد أوصاف النجاسة.
والجواب: أما عن كلام الزهري الأول فإنه في الماء الكثير لا مطلقًا، وأما من كلام حماد فإن الريشة ليست بنجسة إذا يبس ما عليها، وكذا--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (2/ 182).
(2) "الكوكب الدري" (1/ 102).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٨٦)
العظم، فلا يمكن الاحتجاج بكلام الزهري الثالث أيضًا، مع أنه لا عبرة بكلام هؤلاء مخالفًا لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، ثم إن دلالة الروايات على الترجمة حسب ما قصد المؤلف ظاهرة، فإنه قصد أن السمن إنما لم يتنجس؛ لأن أحد أوصافه لم يتغير لوقوع الفأرة فيه، وكذلك الاستدلال بطهارة المسك فإن الأمة قد اتفقت على طهارته مع أنه دم في الأصل، فعلم أن الحكم يتغير من الطهارة إلى النجاسة وبالعكس بتغير الذات، فكذلك بتغير بعض الأوصاف، فأما إذا لم يتغير بوقوع النجس فيه شيء من الأوصاف الثلاثة فلا معنى لتغير الحكم عليه من الطهارة إلى النجاسة.
والجواب للإمام وللشافعي رحمهما الله في حكمهما بنجاسة الماء وإن لم يتغير أحد أوصافه: أن التغير غير منحصر فيما ذكرتم، بل التغير قد يتطرق إلى الشيء ولا يحس به إحدى الحواس الظاهرة، وقد علم ذلك بإعلام من الشارع، وأيضًا فإن تحديد الشارع على خلاف بين المذهبين فيه يدل على أن الأمر غير مبني على التغير مطلقًا قلَّ الماء أو كثر، وإنما هذا سبيل الكثير ويتنجس ما دونه بملاقاة القليل من النجاسة أيضًا، انتهى.
وفي هامشه: قوله: "باب ما يقع. . ." إلخ، قال الحافظ(1): أي: هل ينجسها أم لا؟ أو لا ينجس الماء إلا إذا تغير دون غيره؟ وهذا الذي يظهر من مجموع ما أورده المصنف في الباب من أثر وحديث، انتهى.
والمسألة خلافية شهيرة، واختلفت العلماء في ذلك على أقوال كثيرة بلغها مولانا عبد الحي في "السعاية" و"التعليق الممجد"(2) إلى خمسة عشر مذهبًا، وأشبع الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على هذه المسألة في "الكوكب"(3)، وأوسع المذاهب في ذلك مذهب الظاهرية أن العبرة لغلبة النجاسة، ثم بعد ذلك مذهب مالك، وهو رواية لأحمد: أن الماء طاهر ما لم يتغير أحد--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 342).
(2) انظر: "التعليق الممجد" (1/ 269 - 271)، و"السعاية" (1/ 382).
(3) انظر: "الكوكب الدري" (1/ 88 - 97).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٨٧)
أوصافه، والثانية لأحمد، وهو مذهب الشافعي: أن العبرة للقلتين، والرابع مذهب الحنفية: أن العبرة رأي المبتلى به، كما بسط في "الكوكب"، وقيَّده بعضهم لسهولة العوام بعشر في عشر، ومسألة العاج والريش بسط الكلام طى اختلاف الأئمة فيهما في هامش "اللامع".
والجملة: أن الريش طاهر عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعي، وأما العاج والعظام فطاهر عند الحنفية، ونجس عند الشافعي وأحمد، وفرَّق مالك بين المذبوح وغيره والبسط في هامشه.
وفيه أيضًا: أما مسألة السمن فهي خلافية شهيرة، ومسلك الإمام البخاري في ذلك على ما هو المشهور عند الشرَّاح والمشايخ أن السمن ونحوه مثل الماء في ذلك لا يتنجس بملاقاة النجاسة حتى يتغير أحد أوصافه، ولذا جمع الماء والسمن ههنا، وترجم في "كتاب الصيد" "باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد والذائب" وذكر فيه أيضًا حديث الباب، ولا فرق عنده في الجامد وغيره، وهو مذهب الزهري والأوزاعي، وحكاه الحافظ في "الفتح"(1) روايةً لأحمد.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الرواية لأحمد في الكثير دون القليل، كما بسطت الروايات الثلاث لأحمد في "الأوجز"(2).
والجمهور على التفريق بين الجامد والمائع لما في رواية أبي داود(3) وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوه وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه"، ولا ينافيه رواية ميمونة هذه المجملة كما بسطت في "الأوجز".
ومال مولانا الشيخ أنور شاه الكشميري كما في "فيض الباري"(4) أن الظاهر من تبويب البخاري أنه مال إلى الفرق بين النجاسة الجامدة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 669).
(2) "أوجز المسالك" (1/ 382).
(3) "سنن أبي داود" (ح: 3842)، و"مسند أحمد" (2/ 233).
(4) انظر: "فيض الباري" (1/ 332).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٨٨)