فقال الشيخ: ها هنا تقرير أنيق كتبه حبيبنا مولانا محمد يحيى الكاندهلوي - أدخله الله تعالى جنة الفردوس - عن شيخه وشيخنا مولانا الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي - جعله الله مع النبيين والصديقين -، قال الأستاذ - أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده -: قد اختلفت أقوال فقهائنا الخفية - كثّر الله جمعهم - في طهارة المخرج واليد إذا بقيت رائحة النجاسة بعد زوال أجرامها، فمنهم من حكم بالطهارة إذا زال جرمها وإن بقيت منها رائحة، ومنهم من ذهب إلى أنها لا تطهر إذًا إلا إذا بقي من أثرها ما يتعسر إزالته، ولعل مبنى الاختلاف ما اختلف فيه من حقيقة الرائحة هل هي بانفصال أجزاء صغار من ذي الرائحة التي لا تدرك بصغرها، أو بتكيف الهواء بكيفية الرائحة؟. . . إلى آخر ما بسطه في "البذل".
قلت: ولعل الإمام البخاري أراد بالترجمة التنبيه على هذا الاختلاف، ورجح أن مسح اليد لم يكن للتطهير بل للتنظيف، كما يدل عليه قوله في الترجمة: "لتكون أنقى"، وإليه أشار الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "الكوكب" فقال في رواية ميمونة هذه التي في الباب: هذا الدلك للمبالغة في التنظيف بإزالة ما عسى أن يبقى شيء من الدسومة بعد زوال عين النجس ليكون أبعد من الكراهية والتنفر في غسل سائر الأعضاء لا سيما المضمضة والاستنشاق، انتهى.
وقد كتب مولانا محمد حسن المكي في "تقريره": مسح اليد بالتراب ثابت لكن في هذا الزمان تشبه بالهنود فالأولى تركه، وكان الشيخ قُدِّس سرُّه قد يقول: لا اعتبار لهذا التشبه، انتهى.
(9 - باب هل يدخل الجنب يده. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"(1): نعم يجوز له ذلك وإن كان الأولى أن يغسلها، وإلى هذا أشار بإيراد الروايات والآثار الدالة على جواز الأمرين--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (2/ 217 - 220).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٩)
كليهما، ثم إن الغرض منه طهارة الماء المستعمل وطهوريته، وقد عرفت قبل ذلك أن الاستعمال لا يتحقق إلا عند إقامة قربة أو إزالة حدث، فاستدلاله مبني على عدم الفرق بين المستعمل في الغسل بدون إزالة حدث وبينه لها، وكذا على عدم الفرق بين الطاهر والطهور، وفي قوله: "تختلف أيدينا" لم يذكر أنا كنا نغسل الأيدي أولًا، وكذا في الرواية الثالثة والرابعة: من إناء واحد من الجنابة، ولم يذكر تقديم غسل الأيدي وبينهما رواية تدل على استحباب غسل اليد أولًا، ثم إن الأجوبة عن الاستدلالات المخالفة ظاهرة بأدنى تدبر فيما ذكرنا وفي استدلالاته رحمه الله، انتهى.
وفي هامشه: قال المهلب(1): أشار البخاري إلى أن يد الجنب إذا كانت نظيفة جاز له إدخالها الإناء قبل أن يغسله؛ لأنه ليس شيء من أعضائه نجسًا بسبب كونه جنبًا، انتهى.
والأوجه عندي: أن غرض المصنف بيان جواز إدخال اليد ردًا على ما روي عن ابن عمر أنه قال: "من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي فهو نجس" أخرجه ابن أبي شيبة(2)، وحكاه عنه العيني(3) أيضًا، وجمع بينه وبين ما رواه عنه البخاري بوجوه، ولا تعارض بينهما عندي؛ لأن أثر ابن أبي شيبة نص في الجنابة، وأثر البخاري ظاهر في الحدث الأصغر، وفي "فيض الباري"(4) عن "الفتاوى" لابن تيمية، عن الإمام أحمد: أن الجنب إن أدخل يده في الماء نجسه، انتهى.
لكن الموفق(5) حكى مذهبهم: أن الماء طاهر لا إشكال فيه، نعم حكي عن الإمام أحمد اختلاف الروايات في أن الماء هل يبقى مطهرًا أم لا؟ ثم الآثار والروايات التي ذكرها البخاري لما لم تكن صريحة في عدم--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (1/ 373).
(2) (1/ 82)، وفيه: "منه نجس" بدل "فهو نجس".
(3) "عمدة القاري" (3/ 28).
(4) "فيض الباري" (1/ 354).
(5) انظر: "المغني" (1/ 280).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٠)
الغسل نبَّه على ذلك بقوله: "هل"، ولم يتعرض الشرَّاح ولا المشايخ عن لفظ: "هل".
وقال شيخ المشايخ في "التراجم"(1): غرض الباب إدخال الجنب يده في الإناء قبل الغسل إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة مع سُنِّية الغسل؛ لأن الحديث الأول من الباب ثبت منه بطريق الدلالة جواز الإدخال قبل الغسل، والحديث الثاني ظاهر في الغسل، فطريق الجمع بينهما أن يحمل الأول على الجواز، والثاني على السُّنِّية، وأما ثبوت الإدخال قبل الغسل بالحديث الأول بطريق الدلالة، فلأن قول عائشة رضي الله تعالى عنها تختلف أيدينا، يدل على وقوع الغسالة في الإناء ظاهرًا، فلما لم يتنجس الماء لسقوط غسالة الجنب فيه ولم يحترز منه، فالظاهر أنه لا يجب الاحتراز من إدخال اليد فيه أيضًا قبل الغسل، إذ لا شيء غير الجنابة في اليد، انتهى.
(10 - باب من أفرغ بيمينه. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"(2): رد بذلك ما اشتهر أن الإفراغ باليمين على الشمال من صنيع النساء، والرواية وإن كانت دالة على إفراغه بيمينه على شماله إذا قصد غسل فرجه، إلا أن المطلق يثبت في ضمن المقيد، فيعلم بذلك جواز هذا الفعل وإن لم يكن حين يغسل فرجه، انتهى.
وفي هامشه: سكت الشرَّاح عن غرض المصنف بهذه الترجمة، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه الغرض كما ترى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري نبَّه بذلك على دقيقة وهي أن في الغسل أمرين: أحدهما: صب الماء، والثاني: دلك الأعضاء، ومعلوم أن الأفعال الشريفة مصدرها اليمين، فنبَّه الإمام بأن صب الماء أشرف من دلك--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 110).
(2) "لامع الدراري" (2/ 221).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١١)
الأعضاء، فالأول وظيفة اليمين، والثاني وظيفة اليسار، ولا يبعد أيضًا أنه نبَّه بالترجمة على ترجيح صب الماء باليمنى على اليسرى لما في ذلك من اختلاف الروايات، ففي "سنن أبي داود"(1) من حديث مسدد بسنده إلى عائشة: و"يصب الماء على يده اليمنى"، وفي أخرى له عن ميمونة: "فأكفأ الإناء على يده اليمنى"، قال الخطابي: محله ها هنا فيما إذا كان يغترف من الإناء، فأما إذا كان ضيقًا كالقمقم فإنه يضعه عن يساره ويصب الماء منه على يمينه، انتهى.
وفيه على قول الشيخ: والرواية وإن كانت دالة. . . إلخ.
قال الحافظ(2): اعترض على المصنف بأن الدعوى أعم من الدليل، والجواب: أن ذلك في غسل الفرج بالنص وفي غيره بما عرف من شأنه أنه كان يحب التيامن، انتهى.
قلت: والأوجه منه: أنه تقدم قريبًا في باب المضمضة حديث ميمونة هذا، وفيه: "فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما ثم غسل فرجه"، فهذا نص في إفراغ اليمين على اليسار في غير الفرج، ونظر المؤلف يكون على جميع الروايات فيوردها في غير مظانها تشحيذًا للأذهان، انتهى.
(11 - باب تفريق الغسل والوضوء)
كتب الشيخ في "اللامع"(3): يعني بذلك إثبات جواز التفريق بين أركانهما، فهو رد على من ذهب إلى فرضية الموالاة، انتهى.
وفي هامشه: الظاهر في غرض الترجمة الرد على وجوب الموالاة، وعليه بنى الشرَّاح كلامهم.
وذكر الكرماني(4) فيه احتمالًا آخر إذ قال: إن قلت: ما معنى--------------------------------------------
(1) "سنن أبي داود" (ح: 242، 245).
(2) "فتح الباري" (1/ 375، 376).
(3) "لامع الدراري" (2/ 221).
(4) "شرح الكرماني" (3/ 127).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٢)
الترجمة، هل المراد منه بيان عدم وجوب الموالاة أو بيان عدم دخول الوضوء في الغسل، حتى لو كان محدثًا بالحدثين لا يكفيه الغسل، بل يأتي مستقلًا؟
قلت: لفظ الترجمة يحتملهما، والظاهر الأول، انتهى مختصرًا.
وكتب شيخ المشايخ في "التراجم"(1): ثبت بحديث الباب التفريق بين أفعال الوضوء، فثبت في الغسل أيضًا بالمقايسة إذ لا فرق بينهما، وأيضًا لا قائل بالفصل، ولذا ضم قوله: "والوضوء" في الترجمة إلى الغسل؛ لأن الثابت بالحديث ليس إلا التفريق في الوضوء، انتهى.
(12 - باب إذا جامع ثم عاد. . .) إلخ
وفي "تراجم(2) شيخ المشايخ": مقصوده إثبات جواز ذلك مع سُنِّيته أن يتوضأ بين الجماعين، وذلك ثابت بالأحاديث الأخر، انتهى.
ويحتمل عندي أنه أشار إلى ترجيح رواية أنس عند أبي داود(3): فجعلها غسلًا واحدًا كما رجحه أبو داود، ويحتمل أيضًا أنه أراد الرد على وجوب الوضوء على المعاود كما قال به الظاهرية وابن حبيب المالكي.
ثم لا يذهب عليك ما قال ابن عابدين(4): أفتى بعض الشافعية بحرمة جماع من تنجس ذكره قبل غسله إلا إذا كان به سلس فيحل؛ كوطء المستحاضة مع الجريان، ويظهر أنه عندنا كذلك لما فيه من التضمخ بالنجاسة بلا ضرورة لإمكان غسله، بخلاف وطء المستحاضة ووطء السلس، فتأمل، انتهى.
قوله: (وهن إحدى عشر) تفرد بذلك هشام، ولم يجتمعن في زمان،--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 112).
(2) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 112).
(3) انظر: "سنن أبي داود" (ح: 218).
(4) "رد المحتار" (1/ 495).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٣)
ووجه بأنه جمع مع التسع مارية وريحانة، كذا في "الفتح"(1).
قلت: ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم تزوج إحدى عشر نسوة لكنهن لم يجتمعن في زمن واحد؛ لأن خديجة رضي الله تعالى عنها توفيت بمكة ولم ينكح غيرها في حياتها، ثم تزوج سودة وعائشة رضي الله تعالى عنهما بمكة، ثم تزوج حفصة في السنة الثانية أو الثالثة، ثم تزوج زينب بنت خزيمة في رمضان من السنة الثالثة من الهجرة، وعاشت بعد ذلك ثمانية أشهر وتوفيت في آخر الربيعين في السنة الرابعة، ولم يكن إذ ذاك في نكاحه عليه الصلاة والسلام إلا ثلاثة غيرها، وباقي النسوة التسع غيرها وغير خديجة بقيت بعده صلى الله عليه وسلم، وآخرهن نكاحًا ميمونة في عمرة القضاء من السنة السابعة من الهجرة كما بيَّنته في رسالتي "حكايات الصحابه" باللغة الأردية.
(13 - باب غسل المذي والوضوء منه)
وفي "تراجم(2) شيخ المشايخ": غرض الباب ما ذهب إليه بعض العلماء من أن المني يطهر بالفرك مخصوص به، وليس في المذى إلا الغسل، وأيضًا لا يجب فيه الاغتسال بل الوضوء فقط، ويحتمل أن يكون غرض الباب أن جواز الاقتصار على استعمال الأحجار ليس إلا في الخارج المعتاد، أعني: البول والغائط، وأما في غيره فيجب استعمال الماء والغسل، انتهى.
قلت: تحتمل الترجمة وجوهًا عديدة، فيحتمل أن يكون إشارةً إلى أنه لا يكفي النضح كما قال به أحمد، أو إشارة إلى أنه لا يكفي الحجر منه كما هو رواية لمالك وأحمد، أو إلى أنه لا يجب استيعاب الذكر بالغسل كما قال به بعض المالكية وبعض الحنابلة كما في "الفتح"(3)، وبسط الكلام--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 378).
(2) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 113).
(3) "فتح الباري" (1/ 380).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٤)
على هذه الأقوال في "الأوجز"(1)، وفيه: اعلم أن العلماء بعد ما أجمعوا على أن في المذي الوضوء دون الغسل، وعلى أن المذي نجس ولا خلاف فيهما لمن يعتد به، اختلفوا ها هنا في ثلاثة مسائل:
إحداها: الاكتفاء بالحجر، فلا يجوز عند بعض المحدثين، إذ قالوا: يتعين الماء لغسله، وقال عياض: اختلف أصحابنا في المذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول أو لا بد من الماء، انتهى.
وعندنا الحنفية يجوز الاكتفاء على الحجر كما صرح به في "البدائع"(2) وغيره، وصححه النووي من الشافعية، وقال الحافظ(3): وهو المعروف في المذهب، وكذلك الاكتفاء على الحجر هو رواية عن الإمام أحمد كما يظهر من كلام "المغني"(4) و"الشرح الكبير".
والمسألة الثانية: هل يغسل موضع النجاسة فقط أو الذكر بتمامه فقط، وهو رواية عن المالكية كما في "الباجي"، أو مع الأنثيين أيضًا وهو رواية عن الحنابلة كما في "المغني"، والأول قول الجمهور كما قاله الحافظ.
والمسألة الثالثة: ما حكى الطحاوي عن بعضهم وجوب الغسل بمجرد خروج المذي، والجمهور أن حكمه حكم البول وغيره من نواقض الوضوء من عدم وجوب الوضوء على الفور، انتهى مختصرًا من "الأوجز" والبسط فيه.
ولعل الإمام البخاري أشار في الترجمة بلفظ: "والوضوء منه" إلى هذه المسألة الثالثة، واستدل الطحاوي للجمهور بحديث علي بلفظ: "فيه الوضوء وفي المني الغسل".--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (1/ 473، 474).
(2) "بدائع الصنائع" (1/ 149).
(3) "فتح الباري" (1/ 380)، وانظر: "شرح صحيح مسلم" (2/ 218).
(4) "المغني" (1/ 233).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٥)
(14 - باب من تطيب ثم اغتسل. . .) إلخ
لعل الغرض منه أن الظاهر أن فيه إضاعة المال لكن أبيح لضرورة النشاط في الجماع، وفي "التراجم"(1) لشيخ المشايخ: غرضه أنه لو لم يبالغ في الدلك وغيره عند الاغتسال حتى لا يذهب عنه أثر الطيب الذي كان قد استعمله قبل فلا بأس، بل هو جائز ثابت الأصل، انتهى.
ويحتمل أنه نظر إلى الباب السابق "باب مسح اليد بالتراب لتكون أنقى" فأشار إلى أن بقاء الطيب لا ينافي الإنقاء، ويحتمل أيضًا أن قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، يشير إلى المبالغة في الإنقاء، فنبّه به على أن ذلك لا ينافيه.
(15 - باب تخليل الشعر. . .) إلخ
قال الحافظ في "باب الوضوء قبل الغسل"(2): التخليل ليس بواجب اتفاقًا إلا إن كان الشعر ملبدًا، انتهى.
ولا يذهب عليك أن ها هنا مسألتين:
إحداهما: التفريق بين الرجل والمرأة، والجمهور - منهم الأئمة الثلاثة - أنه لا فرق بينهما في نقض الضفائر وأنه ليس بواجب، وهي إحدى الروايتين عن الحنفية، والثانية: عنهم وهو المرجح عندهم كما في هامش "الكوكب"(3) مبسوطًا: التفريق بين الرجال والنساء في نقض الضفائر لرواية ثوبان عند أبي داود(4): "أنهم استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: أما الرجل فلينثر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها".--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 114).
(2) "فتح الباري" (1/ 360).
(3) "الكوكب الدري" (1/ 141).
(4) "سنن أبي داود" (ح: 255).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٦)
قلت: والعجب من ابن رسلان إذ قال(1): ظاهر الحديث التفريق بين الرجل والمرأة، ولم أر من قال به، انتهى.
والمسألة الثانية: التفريق بين غسل الجنابة والحيض في نقض الضفائر، فالجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة أن لا تفريق بينهما، وصححه الموفق(2) في مذهبهم، والرواية الثانية عن أحمد أنها تنقضه في الحيض دون الجنابة كما في "النيل"(3)، وظاهر ميل المصنف من تراجمه إلى قول أحمد في المسألة الثانية إذ ترجم ها هنا بلفظ: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته. . . إلخ، وترجم في كتاب الحيض بـ "باب نقض المرأة شعرها. . ." إلخ، وها هنا مسألة أخرى ثالثة، وهي غسل ما استرسل من الشعر، ففي "الأوجز"(4): قال المغني: وفي غسل المسترسل من الشعر روايتان لأحمد: إحداهما: يجب غسله، وبه قال الشافعي، والثاني: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، انتهى.
قلت: والمرجح عندنا الحنفية كما في "الشامي"(5): يجب غسل المنقوض لا المضفور، وعد في "مختصر الخليل"(6) من المالكية في الواجبات ضغث مضفور لا نقضه، انتهى.
وقد كتبت في هامش "اللامع" أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى المسألة الثانية، ثم ظهر لي في غرض الترجمة أن المؤلف أشار إلى أن نقض الضفائر ليس بواجب بل يكفي بَلّ أصول الشعر.--------------------------------------------
(1) انظر: "بذل المجهود" (2/ 285).
(2) انظر: "المغني" (1/ 302).
(3) "نيل الأوطار" (1/ 369).
(4) "أوجز المسالك" (1/ 508)، وانظر: "المغني" (1/ 301).
(5) انظر: "رد المحتار" (1/ 287).
(6) انظر: "الخرشي على مختصر خليل" (1/ 168).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٧)
(16 - باب من توضأ في الجنابة. . .) إلخ
تقدم في الباب الأول من كتاب الغسل الاختلاف في أن الوضوء سُنَّة مستقلة أو تقديم لأعضاء الوضوء، والترجمة تؤيد الثانية، والاستدلال بالرواية خفية، وقيل: كان الأليق بهذا الباب حديث عائشة المتقدم بلفظ: "ثم غسل سائر جسده"، وقيل: قرينة الحال والعرف يخص أعضاء الوضوء، وقيل: الترجمة تعين المراد بالحديث أن المراد من قوله: "جسده" أي: ما خلا أعضاء الوضوء، واختار الحافظ أن البخاري حمل قوله: "ثم غسل جسده" على المجاز بقرينة قوله: "ثم غسل رجليه"، فإن كانا داخلين في الجسد فأي حاجة إلى غسلهما بعد، وهذا أشبه بتصرفات البخاري إذ من شأنه الاعتناء بالأخفى أكثر من الأجلى، انتهى مختصرًا من "الفتح"(1).
وأطال السندي(2): في استدلال المؤلف بهذا الحديث على الترجمة.
وكتب شيخ المشايخ في "تراجمه"(3): غرض المصنف أن إعادة غسل سائر أعضاء الوضوء غير لازم، والاستدلال بظاهر الحديث.
وفي "الأوجز"(4): الوضوء في الغسل، أوجبه داود مطلقًا، وقال قوم: إذا كان الفعل مما يوجب الجنابة والحدث، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: إن الغسل يجزئهما، قاله القاري(5).
وقال ابن قدامة في "المغني"(6): إن لم يتوضأ أجزأه بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركًا للاختيار، يعني: يجزئه الغسل عنهما إذا نواهما، نص عليه أحمد، وعنه رواية أخرى:--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 383).
(2) انظر: "حاشية السندي" (1/ 60).
(3) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 114).
(4) "أوجز المسالك" (1/ 498).
(5) "مرقاة المفاتيح" (2/ 33).
(6) "المغني" (1/ 289).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٨)
لا يجزئه الغسل عن الوضوء حتى يأتي به قبل الغسل أو بعده، وهو أحد قولي الشافعي، انتهى.
وقال ابن العربي(1): يجب الوضوء إذا مس فرجه في الغسل، انتهى.
والأوجه عندي في غرض الترجمة: أن في غسل الجسد يكون إمرار اليد على الفرج عادةً، فأشار المصنف بهذه الترجمة إلى أنه لا ينقض الوضوء.
(17 - باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"(2): لعل المراد بذلك إثبات أن التيمم للخروج من المسجد وإن كان أدبًا كما هو المشهور بين أصحابنا لكنه غير واجب، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتيمم لخروجه من المسجد، وأما إن كان قصده الرد على من ذهب إلى ذلك من الحنفي فغير صحيح، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم وعليًّا رضي الله عنه جاز لهما الخروج والمرور والدخول في المسجد جنبًا، فكيف يقاس عليه غيره ممن ليس بمنزلة هذين، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ(3): إشارة إلى رد من أوجب ذلك كما نقل عن الثوري وإسحاق، وكذا قال بعض المالكية فيمن نام في المسجد فاحتلم: يتيمم قبل أن يخرج، انتهى.
قلت: وهذه مسألة كينونة الجنب في المسجد، وأما دخول الجنب في المسجد للعبور وغيره فمسألة أخرى خلافية بسطت في "اللامع".
(18 - باب نفض اليدين من غسل الجنابة)
الظاهر عندي أن المصنف أشار بذلك إلى رد ما روي من المنع عن ذلك.--------------------------------------------
(1) انظر: "عارضة الأحوذي" (1/ 163).
(2) "لامع الدراري" (2/ 224، 226).
(3) "فتح الباري" (1/ 383).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٩)
قال الحافظ(1): أورد الرافعي وغيره حديثًا ضعيفًا: "لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان"، قال ابن الصلاح: لم أجده، وقد أخرجه ابن حبان في "الضعفاء"، وابن أبي حاتم في "العلل"، ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحًا لأن يحتج به، انتهى.
وكتب شيخ المشايخ في "تراجمه"(2): أي: أنه جائز، وعندي أن غرضه إثبات طهارة الغسالة، إذ النفض لا يخلو عن إصابة الرشاش بالبدن، انتهى.
(19 - باب من بدأ بشق رأسه. . .) إلخ
البداية بالرأس لكونه أكثر شعثًا من بقية البدن، وباليمين مثل دأبه في الطهور وغيره، واختلف الحنفية في أنه هل يبدأ بالرأس؟ وهو الأصح وظاهر الرواية، وقيل: يبدأ بمنكبه الأيمن ثم الأيسر ويثلث بالرأس، وقيل: يثني بالرأس ويثلث بالمنكب الأيسر، قاله ابن عابدين(3): وفي "المغني"(4): ويبدأ بشقه الأيمن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في طهوره.
وقال النووي في "شرح المهذب"(5) في بيان سنن الغسل: والابتداء بالأيامن، فيغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، وهذا متفق على استحبابه، وقال الرافعي في مكملات الغسل: الرابع يفيض الماء على رأسه ثم على الشق الأيمن ثم على الشق الأيسر، انتهى.
ويحتمل عندي: أن المؤلف نبَّه بهذه الترجمة على أن البداية بالوضوء كما روي من دأبه عليه السلام ليس بواجب، بل يجوز البداية بالرأس أيضًا.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 362).
(2) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 115)
(3) "رد المحتار" (1/ 295).
(4) "المغني" (1/ 287).
(5) "المجموع شرح المهذب" (2/ 184).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٢٠)
(20 - باب من اغتسل عريانًا وحده. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): قصد بذلك أن التستر أفضل وإن كان خاليًا كما يدل عليه تعليله، ويمكن أن يكون ذلك حيث خاف أن يطلع عليه أحد، وأما إذا أمن كما في المغتسل فلا، فلا يكون ذلك خلافًا لما هو المشهور بين علمائنا، انتهى.
وفي هامشه: اعلم أن الإمام البخاري ترجم ها هنا بترجمتين: الأولى هذه والثانية الآتية بقوله: باب التستر، وعامة المشايخ والشرَّاح كلهم على أن المراد بالأولى جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة مع أفضلية التستر، والمراد بالثانية حرمته بمحضر من الناس.
قال الحافظ(2) في الترجمة الأولى: قوله: (في خلوة) أي: من الناس، وهو تأكيد لقوله: وحده، وقال في الثانية: لما فرغ من الاستدلال لأحد الشقين وهو التعري في الخلوة أورد الشق الآخر، انتهى.
وبنحوه قال غيره من الشرَّاح، وقال شيخ المشايخ في "التراجم"(3): "باب من اغتسل عريانًا" أي: هو جائز، والأولى الستر في ذلك الوقت أيضًا، ثم قال: "باب التستر في الغسل" أي: أنه واجب، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الترجمة الأولى هو الذي أفادوه، وليس الغرض من الترجمة الثانية الشق الثاني، أي: إيجابه عند الناس، فإنه معروف لا يحتاج إلى إثباته ولا يختص بالغسل، فإن التعري بمحضر من الناس حرام مطلقًا، وأيضا إذا أثبت المصنف أفضلية التستر في الوحدة فأي فاقة بقيت إلى إثبات التستر عن أعين الناس، فالأوجه عندي في غرض الترجمة الثانية إثبات أفضلية التستر لا على البدن وإن كان الغسل بالإزار، كما يومئ إليه الروايات الموردة فيها.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (2/ 226، 229).
(2) انظر: "فتح الباري" (1/ 385، 387).
(3) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 116).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٢١)
وقال العيني(1): لا خلاف في أن التستر أفضل كما قاله البخاري، وبجواز الغسل عريانًا في الخلوة قال مالك والشافعي وجمهور العلماء، وروي عن ابن عباس أنه لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، وإذا سئل عن ذلك قال: إن له عامرًا، وروي عن عطية مرفوعًا: "من اغتسل بليل في فضاء فليحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك وأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه"، ونص أحمد فيما حكاه ابن تيمية على كراهة دخول الماء بغير إزار، انتهى مختصرًا.
وأنت خبير بالفرق بين الغسل في الصحراء عريانًا وبين الغسل في المستحم والأبنية المعدة لذلك، كما أشار إليه الشيخ في تقريره بقوله: كما يدل عليه تعليله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس"، قال الموفق(2): من اغتسل عريانًا بين الناس لم يجز ذلك؛ لأن كشفها للناس محرم، وإن كان خاليًا جاز، ويستحب التستر وإن كان خاليًا، وقال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا متسترًا، انتهى.
وقال الكرماني(3): قال العلماء: كشف العورة في الخلوة بحيث لا يراه آدمي إن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف في كراهته وتحريمه، والأصح عند الشافعي أنه حرام، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع" والبسط فيه.
(21 - باب التستر في الغسل عند الناس)
تقدم في الباب السابق غرض هذه الترجمة عند الشرَّاح وعند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العليا.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (3/ 57).
(2) "المغني" (1/ 306).
(3) "شرح الكرماني" (3/ 140).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٢٢)
(22 - باب إذا احتلمت المرأة)
قال الحافظ(1): إنما قيَّده بالمرأة مع أن حكم الرجل كذلك لموافقة صورة السؤال، وللإشارة إلى الرد على من منع منه في حق المرأة دون الرجل كما حكاه ابن المنذر وغيره عن إبراهيم النخعي، انتهى.
قلت: وها هنا مسألتان بسط الكلام عليهما في "الأوجز":
إحداهما: احتلام المرأة، ففي "الأوجز" في سؤال أم سليم وإنكار عائشة عليها بقولها: "أفٍّ لك هل ترى ذلك المرأة؟ " ولعلها أنكرتها؛ لأنها لم تعلم لندرتها في النساء مع حداثة سن عائشة، وقيل: لا يحتلم كل النساء.
وثانيهما: إثبات المني للمرأة، وأجمع عليه فقهاء الأمصار ولم يخالف فيه إلا طائفة من الفلاسفة، فقال أرسطاطاليس: لا مني لها غير أن دم الطمث لها فيه قوة التوليد، وقال ابن سينا: إن لها رطوبة شبيهة بالمني لا يصدق عليه المني، لكن المختار عند محققي الفلاسفة والأطباء أيضًا وجود المني لها، كذا في "السعاية"، انتهى ما في "الأوجز"(2).
(23 - باب عرق الجنب. . .) إلخ
قال الحافظ(3): تقدير الكلام بيان حكم عرق الجنب، وبيان أن المسلم لا ينجس، وإذا كان لا ينجس فعرقه ليس بنجس، ومفهومه أن الكافر ينجس فيكون عرقه نجسًا، وتمسك بظاهره بعض أهل الظاهر فقال: إن الكافر نجس العين، وقوَّاه بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 388).
(2) "أوجز المسالك" (1/ 543، 547)، و"السعاية" (1/ 306).
(3) "فتح الباري" (1/ 390).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٢٣)
النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجة الجمهور حل نكاح الكتابيات، ولا يخلو المضاجع عن العرق، وأغرب القرطبي إذ نسب القول بنجاسة عرق الكافر إلى الشافعي، انتهى مختصرًا من "الفتح".
وهكذا حكى العيني(1) قول القرطبي وقال: قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما، قال القرطبي: الكافر نجس عند الشافعي، وقال ابن حزم: العرق من المشركين نجس، انتهى.
فما في "الفيض"(2) من نسبة نجاسة بدن الكافر إلى مالك لعله سهو من الكاتب، وفي هامشي على "البذل"(3): قال ابن رسلان: قوله: المسلم ليس بنجس، وكلك الكافر عندنا وعند مالك وجمهور المسلمين من السلف والخلف، ثم قال: وأغرب القرطبي في الجنائز من "شرح مسلم" فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي.
(24 - باب الجنب يخرج. . .) إلخ
قال الحافظ(4): قوله: "وغيره" بالجر، أي: وغير السوق، ويحتمل الرفع عطفًا على "يخرج" من جهة المعنى، وقوله: قال عطاء. . . إلخ، هذه الأفعال هي المرادة بقوله: "وغيره" بالرفع في الترجمة، انتهى.
وغرض الترجمة عند الشيخ الكَنكَوهي(5) عدم وجوب الغسل على الفور، فقد كتب على قوله: قال عطاء. . . إلخ، يعني بذلك: أن الغسل لا يجب له على الفور لجواز الاشتغال بتلك الأمور بقول عطاء، فكان له الخروج إلى الأسواق وغيرها لما جاز له تأخير الاغتسال، ثم إن السوق--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (3/ 73).
(2) انظر: "فيض الباري" (1/ 362).
(3) انظر: "بذل المجهود" (2/ 212).
(4) "فتح الباري" (1/ 391).
(5) انظر: "لامع الدراري" (2/ 230).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٢٤)
وغيره سواء في الحكم، فكان إثبات جواز أحدهما إثباتًا لجواز الآخر، أو يقال: لما ثبت المطلق ثبت جوازه في أي فرد كان، فيثبت الجواز في السوق وغيره، انتهى.
وفي هامشه: قلت: فالظاهر أن المصنف أراد تقوية ما في أبي داود(1) في "باب الجنب يؤخر الغسل" عن عائشة: "ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل آخره، فقال غضيف: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة"، وعلى هذا فلا إشكال في الأثر ولا في الرواية، ولعل السر في تبويب المصنف بلفظ: "الجنب يخرج ويمشي" ما حكى العيني(2) برواية ابن أبي شيبة، والبيهقي عن جماعة من الصحابة، ذكر العيني أسماءهم أنهم كانوا إذا أجنبوا لا يخرجون ولا يأكلون حتى يتوضأوا، انتهى.
(25 - باب كينونة الجنب في البيت. . .) إلخ
قال الحافظ(3): قيل: أشار المصنف بهذه الترجمة إلى تضعيف ما ورد عن علي رضي الله عنه مرفوعًا: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا جنب" رواه أبو داود(4) وغيره، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالجنب في حديث علي من لم يرتفع حدثه كله ولا بعضه، وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنه إذا توضأ ارتفع بعض حدثه على الصحيح، انتهى.
قلت: والأوجه عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العليا أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى تقرير حديث علي بأنه محمول على عدم--------------------------------------------
(1) "سنن أبي داود" (ح: 226).
(2) انظر: "عمدة القاري" (3/ 74)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 75)، و"السنن الكبرى" (1/ 204).
(3) "فتح الباري" (1/ 392).
(4) "سنن أبي داود" (ح: 227)، و"سنن النسائي" (ح: 261)، و"السنن الكبرى" (1/ 201).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٢٥)
الوضوء، وذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل"(1) على حديث علي: قال الخطابي(2): يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الملائكة الذين هم الحفظة، فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب، ثم قيل: إنه لم يرد بالجنب ها هنا من أصابته جنابة، فأخّر الاغتسال إلى أوان حضور الصلاة، ولكنه الذي يجنب فلا يغتسل ويتهاون به، ويتخذه عادة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في غسل واحد، وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء"، انتهى.
(26 - باب نوم الجنب)
ليست هذه الترجمة في نسخة "الفتح".
وقال الحافظ(3): هذه زائدة للاستغناء عنها بباب الجنب يتوضأ ثم ينام، ويحتمل أن يكون ترجم على الإطلاق وعلى التقييد فلا تكون زائدة، انتهى.
قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الفقير أنه صرح بجوازه لدفع توهم أن النوم أخو الموت، وحقه أن لا ينام جنبًا ولما تقدم من باب النوم على الطهارة.
(27 - باب الجنب يتوضأ ثم ينام)
قال الحافظ(4): قال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بلفظ الأمر، وجاء بصيغة الشرط وهو متمسك لمن قال بوجوبه، وقال ابن عبد البر: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وبسط الحافظ الكلام على اختلاف النقلة في مذاهب الأئمة، ورجح رواية الاستحباب عنهم، وقال: نقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب إلى آخر ما في "الفتح".--------------------------------------------
(1) "بذل المجهود" (2/ 206).
(2) "معالم السنن" (1/ 118).
(3) "فتح الباري" (1/ 393).
(4) "فتح الباري" (1/ 394).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٢٦)
وكتب الشيخ في "البذل"(1): ذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه، وتمسكوا بحديث عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء"، إلى آخر ما بسط الشيخ، وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز"(2) أيضًا، وفيه: قال العيني(3): ذهب طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه، وغسل ذكره ويديه وهو التنظيف، وذلك يسمى عند العرب وضوءًا، قالوا: وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل، إلى آخر ما فيه.
(28 - باب إذا التقى الختانان)
أجمع الشرَّاح على أن المراد بالتقائهما الإيلاج، ومجرد الالتقاء لا يوجب الغسل عند أحد، وهل هو مجاز عن الإيلاج؟
والأوجه عندي: أنه لازم للإيلاج، ليس بمجاز عنه، والبسط في "الأوجز"(4)، وبسط الكلام على المسألة في هامش "اللامع" أيضًا، وفيه: قال ابن العربي في "شرح الترمذي"(5): هذه المسألة عظيمة الموقع في الدين مهمة في مسائل الدين، وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم لم يروا غسلًا إلا من الإنزال، ثم روي أنهم رجعوا عن ذلك، ثم روي عن عمر أنه قال: من خالف ذلك جعلته نكالًا، وانعقد الإجماع على وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وما خالف في ذلك إلا داود ولا يعبأ بخلافه، فإنه لولا الخلاف ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه أن الغسل مستحب، وهو أحد أئمة الدين وأجلّ علماء المسلمين معرفةً وعدلًا، وما بهذه المسألة من خلاف، فإن الصحابة اختلفوا فيها ثم--------------------------------------------
(1) "بذل المجهود" (2/ 188).
(2) "أوجز المسالك" (1/ 518).
(3) "عمدة القاري" (3/ 78).
(4) انظر: "أوجز المسالك" (1/ 509)، و"لامع الدراري" (2/ 231).
(5) "عارضة الأحوذي" (1/ 169).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٢٧)
رجعوا عنها واتفقوا على وجوب الغسل بالتقائهما وإن لم ينزل.
ثم بسط ابن العربي في تضعيف رواية الماء من الماء وقال: العجب من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في إيجاب الغسل وبين حديث عثمان وأُبي في نفي الغسل إلى آخر ما بسط في تضعيف حديث عثمان وأبي، ثم اختلفوا في ميل الإمام البخاري في ذلك هل إلى قول داود أو إلى قول الجمهور كما هو رأي الشيخ إذ قال(1): قوله: "هذا أجود وأوكد. . ." إلخ، يعني به: الوجوب، والآخر منسوخ لا معمول، فإن أفعل التفضيل عند أئمة الحديث كثيرًا ما يستعمل لمعنى التوكيد والتشديد، ولا يعنون به الزيادة على الغير في مأخذ الاشتقاق حتى يكون الآخر - أي: المفضل عليه - جيدًا وآكدًا إلى آخر ما بسطه الشيخ.
وإليه يشير كلام شيخ المشايخ في "التراجم"(2) إذ قال: أي: الغسل عند ذلك أحوط اجتهادًا، أي: من حيث الاجتهاد عند المصنف هو الغسل الذي عقد الباب السابق لأجله، وذكر الباب اللاحق إنما هو لمحض الإحاطة بجوانب ثم ترجيح الراجح، انتهى.
وذكره ابن العربي احتمالًا كما سيأتي وهو الظاهر عند الحافظ ابن حجر، وهو الأوجه عندي؛ لأن الإمام البخاري ترجم لالتقاء الختانين وأورد فيه حديث إيجاب الغسل ولم يذكر فيه حديث الإكسال، ثم لما ذكر حديث الإكسال لم يترجم عليه إلا غسل ما يصيب من الفرج، قال ابن العربي بعد ما تعقب على البخاري(3): ويحتمل قول البخاري: "الغسل أحوط"، يعني: في الدين من باب حديثين تعارضا فقدم الذي يقتضي الاحتياط في الدين، انتهى.--------------------------------------------
(1) انظر: "لامع الدراري" (2/ 233، 237).
(2) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 119).
(3) "عارضة الأحوذي" (1/ 170).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٢٨)