التورك، فإن جلسته عند هؤلاء يقارب جلسة المرأة عندنا، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه بعد نقل عبارة العيني: والظاهر عندي أن في عبارة العيني سقوطًا من الكاتب لأن ذلك الكلام يخالفه كلام العيني بنفسه فيما سيأتي قريبًا من قوله: وأما جلوس المرأة فهو التورك عندنا، انتهى.
واعلم أن ها هنا مسألتين: إحداهما: التفريق بين جلسة الرجل والمرأة، فالتفريق بينهما مسلك الحنفية والحنابلة، بخلاف المالكية والشافعية فإنهم لم يفرقوا بينهما، والمسألة الثانية: سُنَّة الجلوس فعندنا الافتراش مطلقًا في جميع الصلوات، والتورك مطلقًا عند مالك، وأما عند الشافعي وأحمد فالجمع بينهما بأن السُّنَّة عند الشافعية في الجلسات بين الصلاة كالحنفية وفي الجلسة الأخيرة كالمالكية، وعند أحمد الافتراش في الجلسات كلها كالحنفية إلا في صلاة فيها تشهدان فيتورك في الثاني منهما، والإمام البخاري ترجم بسُنَّة الجلوس، ولم يحكم في الترجمة بشيء، بل ذكر فيها الروايتين، فالظاهر أن الترجمة على الأصل الرابع من أصول التراجم، ويحتمل أن يكون من الأصل الخامس والثلاثين.
قال الحافظ(1): قال ابن المنيِّر: ضمن هذه الترجمة ستة أحكام: وهي أن هيئة الجلوس غير مطلق الجلوس، والتفرقة بين الجلوس للتشهد الأول والأخير وبينهما وبين الجلوس بين السجدتين، وأن ذلك كله سُنَّة، وأن لا فرق بين الرجال والنساء، وأن ذا العلم يحتج بعمله، انتهى.
قال الحافظ: وهذا الأخير إنما يتم إذا ضم أثر أم الدرداء إلى الترجمة، انتهى.
والظاهر عندي أن غرضه من أثرها أن لا فرق بين ذلك في الرجال والنساء كما قال به الشافعية.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 305).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٢٩)
وفي تقرير المكي: قوله: فقيهة، فعلم أن جلسة الرجل للمرأة أيضًا جائز، وهو الغرض للبخاري، انتهى.
ثم اختلفوا في أن أم الدرداء هذه كبيرة أو صغيرة، أما الكبيرة فهي صحابية اسمها خيرة بنت أبي حدرد، والصغيرة تابعية اسمها هجيمة، واختلفوا أيضًا في أن قوله: "وكانت فقيهة" من قول البخاري أو من كلام مكحول إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"(1). فارجع إليه لو شئت.
(146 - باب من لم ير التشهد الأول واجبًا. . .) إلخ
اعلم أن الإمام البخاري ترجم للتشهد ثلاثة أبواب، الأول هذا واستدل له بأنه صلى الله عليه وسلم قام إلى الثالثة ولم يرجع إلى الجلوس، فلو كان فرضًا لا بد من الرجوع إليه وهذا واضح جدًا، ولما كانت المسألة كالإجماعية جزم بالحكم فيها، ولم يلتفت إلى الخلاف لشذوذه، كما بسط في "الأوجز"(2) من أن التشهدين معًا سُنَّة مؤكدة عند مالك، ولا يذهب عليك أن سجدة السهو عندهم يجب بترك السنن المؤكدة، وعن أحمد الإيجاب فيها، والصواب في مذهبه أن التشهد الأول واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا ويسجد السهو في السهو، والثاني ركن، كما في "المغني"(3).
وأما عند الشافعي فالتشهد الثاني عنده من الأركان، والأول من الأبعاض التي تجبر بسجدة السهو، وعندنا الحنفية الثاني واجب، وكذا الأول في ظاهر الرواية، وقيل: الأول سُنَّة، والمعروف [في المتون] الأول، والواجب عندنا ما يجبر بسجدة السهو، إذا عرفت ذلك فظهر لك أن ترجمة الإمام توافق الأئمة الأربعة، فإنه لم يقل أحد منهم: إنه فرض وركن من أركان الصلاة، وما حكي عنهم من الوجوب في ذلك كالحنفية والحنابلة فهو وجوب دون وجوب، فالنفي في الترجمة عن الوجوب الذي--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (3/ 359، 360).
(2) "أوجز المسالك" (3/ 425).
(3) "المغني" (2/ 217).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣٠)
بمعنى الفرض، لكن بقي حينئذ أنه إذا لم يكن ركنًا وفرضًا فماذا حكمه؟ فترجم لذلك الترجمة الثانية "باب التشهد في الأولى" ولم يفصح في ذلك بحكم على عادته المعروفة، كما في الأصل الخامس والثلاثين لكنه أتى فيها رواية تدل على حكمه، وهو وجوب سجدة السهو وهو مذهب الأئمة الأربعة وإليه ميل البخاري إذ أورد فيه رواية سجود السهو، ثم لما كان حكم التشهد الآخر غير الأول عند الجمهور أفرد له ترجمة ثالثة ولم يذكر فيها أيضًا حكمًا على الأصل المذكور، لكنه ذكرها على نسق الترجمة الثانية إشارة منه إلى أن حكمهما عنده واحد، وأتى فيها رواية ألفاظ التشهد تجديدًا وتكميلًا للفائدة، انتهى ما في هامش "اللامع".
(147 - باب التشهد في الأولى)
كتب الشيخ في "اللامع"(1): أي: بيان حكمه إذا تركه المصلي ماذا يفعل؟ والباب المعقود قبل ذلك إنما كان المقصود منه بيان أن التشهد ليس ركنًا للصلاة تفوت بفوته، فلا تكرار، وأيضًا ففي هذا الباب دلالة على أن السجود للسهو واحد لا يتكرر بتكرر السهو، وترك الواجبين، فإن التشهد لما كان واجبًا والقعدة الأولى واجبًا وبتركهما لم يسجد إلا سجدتين لا أربعًا علم أن السجود غير متكرر بتكرر السهو، ولو عقد الباب لهذا لكان أبعد من توهم التكرار، انتهى.
قلت: هو واضح لكن الباب حينئذ يكون من أبواب السهو الآتية بعد ذلك، لا من أبواب صفة الصلاة، فالظاهر من محل التبويب أن المقصود هو الذي تقدم في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وعلى ما اخترته كما تقدم في الباب السابق لا إشكال في التراجم الثلاثة، ولا شائبة للتكرار فيها، انتهى.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (3/ 363).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣١)
(148 - باب التشهد في الآخرة)
كتب الشيخ في "اللامع"(1): دلالة الرواية عليه من حيث إن المذكور فيها غير مقيد بالأولى والآخرة فلا يتقيد بشيء منهما، بل يثبت في كل جلسة ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم طويلة، انتهى.
وقد عرفت فيما سبق غرض الإمام البخاري بإفراد هذه الترجمة عندي الإشارة إلى اختلافهم في حكم التشهدين، وذكر ألفاظ التشهد فيه تجديدًا للفائدة ولا تختص هذه الألفاظ بالأخير، بل يعم التشهدين، ومع ذلك تقييد الإمام البخاري الترجمة بالتشهد الأخير إشارة إلى بعض طرقه على الأصل الحادي عشر، وذكر تشهد ابن مسعود في هذا الباب مصير منه إلى اختياره، انتهى.
(149 - باب الدعاء قبل السلام)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): أشار بزيادة لفظ: "قبل السلام" إلى أن الدعاء لم يثبت إلا في القعدة الأخيرة، وإن كان المذكور في الرواية مطلقًا، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني(3): الحديث يدل على أن الدعاء كان في الصلاة فدلالته على الترجمة من حيث إن لكل مقام ذكرًا مخصوصًا، فيتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ عن الكل، وهو آخر الصلاة، أو علم من مثل الحديث الذي في الباب بعده، انتهى.
وتعقب عليه الحافظ(4): بأن ما قال الكرماني من أن لكل مقام ذكرًا فيه نظر؛ لأن التعين الذي ادعاه لا يختص بهذا المحل إلى أن قال: والذي يظهر لي أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث تعيينه بهذا--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (3/ 369).
(2) "لامع الدراري" (3/ 371).
(3) "شرح الكرماني" (5/ 185).
(4) "فتح الباري" (2/ 318).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣٢)
المحل، فقد وقع في بضع طرق حديث ابن مسعود بعد ذكر التشهد "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"، انتهى مختصرًا.
وعلى هذا فيكون الترجمة من الأصل الحادي عشر، وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: "في صلاتي" يعم جميعها، فمن مظانها هذا الموطن، انتهى.
قلت: وهذا هو الأصل الخمسون من أصول التراجم.
قال الحافظ(1): ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر رضي الله عنه عن ذلك كان عند قوله لما علمهم التشهد: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"، ومن ثم أعقب المصنف الترجمة بذلك، انتهى.
يعني: ومن ثم ذكر البخاري بعد ذلك "باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد"، انتهى. إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(150 - باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد)
تقدم بعض ما يتعلق بهذا الباب في الباب السابق.
قال الحافظ(2): يشير إلى أن الدعاء السابق في الباب الذي قبله لا يجب، وإن كان قد ورد بصيغة الأمر، وأفرط ابن حزم فقال بوجوبها في التشهد الأول أيضًا، ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يترجم بعد التشهد بابًا للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر في هذا الباب أيضًا حديثًا يتعلق بها، ولا يقال: إن حديثها لم يكن على شرطه، فإنه يترجم بها في "كتاب الدعوات"، ويذكر فيه حديث كعب بن عجرة، وفيه صلاة التشهد، وأخرج أيضًا بمعناه حديث الخدري اللَّهم إلا أن يقال: إنها ليست بواجبة عنده في الصلاة، فهي داخلة في عموم الأدعية في الصلاة، وذكرها ها هنا كان يوهم الإيجاب، والمسألة خلافية شهيرة بين الأئمة، قال--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 320).
(2) "فتح الباري" (2/ 320).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣٣)
الموفق(1): الصلاة في التشهد واجبة في صحيح المذهب، وهو قول الشافعي، وعن أحمد: أنها غير واجبة، وهذا قول مالك والشافعي(2) وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: هو قول جل أهل العلم إلا الشافعي، انتهى.
(151 - باب من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى)
كتب الشيخ في "اللامع"(3): الظاهر أن المراد إثبات أن المسح وعدمه كلاهما جائز، ويمكن أن يكون القصد إثبات عدم الجواز بمعنى أن الترك على حاله هو الأولى، والمعنى على الأول: باب من لم ير المسح سُنَّة، وعلى الثاني: باب من لم ير المسح مكروهًا، والرواية يمكن الاستدلال بها على كل من المرامين، انتهى.
وفي هامشه: قال ابن المنيِّر ما حاصله: ذكر البخاري المستدل ودليله ووُكّل الأمر فيه لنظر المجتهد هل يوافق الحميدي أو يخالفه، وإنما فعل ذلك لما يتطرق إلى الدليل من الاحتمالات؛ لأن بقاء أثر الطين لا يستلزم نفي مسح الجبهة، إذ يجوز أن يكون مسحها وبقي الأثر بعد المسح، ثم بعد ذكر عدة احتمالات قال: وفي قوله: رأيت الحميدي. . . إلخ، إشارة إلى أنه يوافقه على ذلك، ومن ثم لم يتعقبه، انتهى.
قلت: في قوله: إشارة إلى أنه يوافقه. . . إلخ، أن المعروف في أصول التراجم أن الترجمة من باب من قال كذا، إشارة إلى أن المصنف لم يره، وقد تقدم ما فيه في أصول التراجم، فمجرد ذكره قول الحميدي ليس بحجة على أنه وافقه لاحتمال أنه ذكر قوله لبيان من في الترجمة كما أشار إليه ابن المنيِّر من أن الإمام ذكر المستدل وهو الحميدي ودليله، ووكّل--------------------------------------------
(1) "المغني" (2/ 228، 229).
(2) كذا في الأصل، وفي "الشرح الكبير" بدله: "الثوري" وهو الصحيح (ز).
(3) "لامع الدراري" (3/ 378).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣٤)
الأمر فيه إلى المجتهد، وتقدم في "باب السجود على الأنف في الماء والطين" اختلاف الأئمة في ذلك، انتهى.
(152 - باب التسليم)
قال الحافظان(1) ابن حجر والعيني: أي: في آخر الصلاة، وإنما لم يشر إلى حكمه هل هو واجب أم سُنَّة؟ لوقوع الاختلاف فيه، لتعارض الأدلة.
قال العيني: واختلف العلماء في هذا، فقال مالك والشافعي وأحمد: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أن التسليم ليس بفرض حتى لو تركه لا تبطل صلاته، انتهى مختصرًا.
(153 - باب يسلم حين يسلم الإمام. . .) إلخ
قال الحافظ(2): قال ابن المنيِّر: ترجم بلفظ الحديث، وهو محتمل؛ لأن يكون المراد أنه يبتدأ السلام بعد ابتداء الإمام له، فيشرع فيه قبل أن يتمه الإمام، ويحتمل أن يكون المراد أن المأموم يبتدأ السلام إذا أتمه الإمام، فلما كان محتملًا للأمرين وكل النظر فيه إلى المجتهد، انتهى.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أراد أن الثاني ليس بشرط؛ لأن اللفظ يحتمل الصورتين، فأيهما فعل المأموم جاز، وكأنه أشار إلى أنه يندب أن لا يتأخر المأموم في سلامه بعد الإمام متشاغلًا بدعاء وغيره، ويدل عليه ما ذكره من أثر ابن عمر، انتهى.
وبهذا الأخير جزم العلامة العيني(3) وقال: في هذا عن أبي حنيفة روايتان، في رواية: يسلم بعد سلام إمامه، وفي رواية: يسلم مع الإمام،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 322)، و"عمدة القاري" (4/ 597).
(2) "فتح الباري" (2/ 323).
(3) "عمدة القاري" (4/ 600).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣٥)
وقال الشافعي: يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى، انتهى.
قلت: وقد تقدم حكم المتقدم على الإمام في "باب متى يسجد من خلف الإمام" وتقدم هناك أن المشهور عن المالكية أن المقارنة في السلام مفسدة، وعند الشافعي وأحمد مكروه.
(154 - باب من لم يرد السلام على الإمام)
كتب الشيخ في "اللامع"(1): يمكن أن يكون المراد بذلك بيان حكم من لم ينو الإمام بتسليمته، واكتفى بلفظ التسليمة، وتخصيص الإمام بالذكر لأن من تركه فهو لمن سواه أترك، فصار المعنى أن من لم ينو في تسليمته أحدًا واكتفى بمجرد اللفظ ولم يفهم المراد به ولا عين المسلم عليه فماذا حكمه؟ ثم أثبت بإطلاق الرواية وعدم تقييد التسليم فيها بشيء من النيات وغيرها أن صلاته جائزة لا تفسد، وأما أنه هل ترك بذلك سُنَّة أو مستحبًا؟ فأمر آخر غير متعرض به ها هنا، والله أعلم، ولعل معنى قوله: واكتفى بتسليم الصلاة على هذا التقدير أنه لم ينو بتسليمته إلا الخروج من الصلاة لا غير، انتهى.
وفي هامشه: غرض الترجمة عندي واضح لا غبار عليه، والعجب أن المشايخ والشرَّاح اختلفوا في غرضه على أقوال مع وضوح غرض البخاري بذلك، وهو أنه أراد الرد على من قال بتسليمة ثالثة ردًا على الإمام لرواية أبي داود(2): عن سمرة قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نرد على الإمام، وأخرج مالك في "الموطأ" عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه إذا قضى تشهده، وأراد أن يسلم قال: السلام عليكم عن يمينه، ثم يرد على الإمام فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه، وبسط في "الأوجز"(3): أن مذهب الإمام مالك وحدة السلام للإمام والفذ تلقاء وجهه وتثليث السلام للمأموم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (3/ 381).
(2) "سنن أبي داود" (1001).
(3) "أوجز المسالك" (2/ 250).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣٦)
وقال الحافظ(1): أورد البخاري فيه حديث عتبان واعتماده فيه على قوله: "وسلمنا حين سلم" فإن ظاهره أنهم سلموا نظير سلامه، وسلامه إما واحدة، وهي التي يتحلل بها من الصلاة، وإما هي وأخرى معها، فيحتاج من يستحب تسليمة ثالثة على الإمام بين التسليمتين - كما تقوله المالكية - إلى دليل خاص، وإلى رد ذلك أشار البخاري، وقال ابن بطال: أظنه قصد الرد على من يوجب التسليمة الثانية، وقد نقله الطحاوي عن الحسن، وفي هذا الظن بعد، انتهى.
قلت: والبعد ظاهر، فإن التسليمتين ثبتا من فعله صلى الله عليه وسلم في روايات عديدة ذكرها العيني(2) عن عشرين صحابيًا، فكيف يمكن أن يرد عليه البخاري، وأعجب منه ما قال الكرماني(3): يحتمل أن يراد به التسليمة الأولى التي بها تحلل الصلاة، وأن يراد ما في التحيات من "سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" المتناول للإمام، انتهى.
فإنه لا تعلق له بالترجمة بقوله: "باب من لم يرد السلام" اللَّهم إلا أن يقال: إنه أثبتها بعدم ذكر الثالث واكتفى في العمل على رواية أبي داود المذكورة بالتسليمة الأولى في الصلاة أو بتسليمة التحيات، انتهى.
(155 - باب الذكر بعد الصلاة)
سكتوا عن غرض المصنف بذلك، ويحتمل عندي أن يكون غرضه الرد على من كره الفصل بين المكتوبات والرواتب بالأوراد، وحمل الروايات الواردة في ذلك على الفراغ من الرواتب كما بسط البحث في ذلك شارح "المنية" وغيره، ويحتمل أيضًا في غرض الترجمة أنه أراد بذلك دفع ما توهم به بعض الخلف من أن الأدعية الواردة في دبر الصلاة محمولة على ما قبل السلام، قال ابن القيم: دبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 323).
(2) "عمدة القاري" (4/ 601).
(3) "شرح الكرماني" (5/ 189).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣٧)
شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان، انتهى.
ولذا ترجم الإمام بلفظ الذكر بعد الصلاة، وأورد فيه حديث الدبر أيضًا تنبيهًا على أن المراد منه بعد الصلاة، ويحتمل أيضًا أن الإمام أشار بلفظ الذكر في الترجمة وإيراده حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ التكبير إلى أن المراد منه مطلق الذكر لا تخصيص التكبير، ولذا فسَّر الكرماني قول ابن عباس في الحديث بالتكبير، أي: بذكر الله، انتهى من هامش "اللامع".
وبسط فيه الكلام على حديث الباب أشد البسط، ومما يجب التنبيه عليه أن رفع الأيدي في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة أنكره بعض العلماء وليس بوجيه، فإنه ثابت في الروايات الكثيرة كما بسط في "إعلاء السنن" للشيخ التهانوي، و"آثار السنن" للعلامة النيموي ومحمد الزبيدي في "رسالة رفع اليدين بعد الصلاة" المطبوعة على آخر "المنتقى" طبع في الهند، ولشيخنا التهانوي فيها رسالة وجيزة مسماة بـ "استحباب الدعوات عقيب الصلوات" وفيها عن ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(1) برواية أنس مرفوعًا: "ما من عبد يبسط كفيه في دبر كل صلاة يقول: اللَّهم" الحديث، وفيها عن "ميزان الاعتدال" أنه حديث ضعيف، لكنه يعمل به في الفضائل، ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة(2) في "مصنفه" عن الأسود العامري عن أبيه قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا" الحديث، ولا يخفى أن أئمة الحديث ذكروا أن رواية الضعيف مع الضعيف توجب الارتفاع من درجة السقوط إلى درجة الاعتبار.
وقال السيوطي في "فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء": وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن الزبير في حديث طويل "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته" رجاله ثقات، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمل اليوم والليلة" (138).
(2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 302).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣٨)
وذكر فيها أقوال العلماء عن نصوص الأئمة الأربعة ثم قال: فتحصل من ذلك كله أن الدعاء دبر الصلوات مسنون ومشروع في المذاهب الأربعة.
قوله: (لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ومثله يعد مرفوعًا عند الشيخين والجمهور خلافًا لمن أوقفه، كذا قال الحافظ(1)، ثم رفع الصوت بالذكر لم يقل به أحد من الأئمة أو الفقهاء إلا ابن حزم، وأوله الشافعي بأنه كان للتعليم، كذا في هامش "الهندية".
(156 - باب يستقبل الإمام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"(2): أراد بذلك إثبات أن ذلك جائز لا ضير فيه، وأما إثبات المداومة عليه وأنه السُّنَّة فغير مقصود ها هنا وإن كان صحيحًا في نفسه، انتهى.
وفي هامشه: ترجم الإمام بأربع تراجم مسلسلة، كلها يتعلق بمسألة واحدة، وهي مسألة الجلوس بعد الصلاة، فترجم أولًا "باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم" وأشار بذلك إلى جوازه كما اختاره الشيخ، أو إلى ندبه كما اختاره بعض المشايخ، ولعل الشيخ قُدِّس سرُّه اختار الجواز؛ لأن الإمام إذ ذاك مخير بين الاستقبال إلى الناس والتحول إلى اليمين أو الشمال كما سيأتي مفصلًا فلا ترجيح لإحدى الصور على الأخرى.
وفي تقرير المكي: ليس المراد به الانصراف للدعاء بعد الصلاة لا يكون بعدها سُنَّة، فإنه لم يكن باستقبال الناس، بل بالانصراف إلى الأيمن أو الأيسر، وما جاء فيه من لفظ الاستقبال فالمراد به الانصراف مجازًا لأن في الانصراف أيضًا بعض الاستقبال، بل المراد به - أي: في الباب - الاستقبال التام إلى الناس بعد الصلاة لأمر كالوعظ والترغيب في شيء أو نحوه، انتهى. وهذا هو الأوجه عندي، ثم بسط فيه الكلام في--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 325).
(2) "لامع الدراري" (3/ 400).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٣٩)
حكمة الاستقبال وكيفية الانحراف من الشروح وكتب الفقه، وفيه: وعلم من هذا كله أن الإمام عند جمهور العلماء مخير في الجلوس بعد الصلاة سواء يجلس مستقبل القوم أو على يمينه أو يساره، والثالث أرجح عند الحنفية كما في "العيني" عن "التوضيح"، والثاني عند أكثر الشافعية كما في "الفتح" وهو مختار الإمام أحمد، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(157 - باب مكث الإمام في مصلَّاه بعد السلام)
وهذه الترجمة هي الثانية من التراجم الأربعة.
كتب الشيخ في "اللامع"(1): قصد بذلك إثبات أن ما ورد في النهي عنه فإنما هو تنزه وأدب، ومع ذلك فلو صلى هناك فإن صلاته جائزة صحيحة، والاستدلال بالرواية على هذا المدعى ظاهر، انتهى.
وفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ أن التطوع في موضع الفرض جائز لا بأس به، وما ورد من النهي أدب وبيان للأولى، وعلى هذا فالترجمة مستأنفة لا تعلق لها بما سبق.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنها متعلقة بما سبق كالثالثة والرابعة، والغرض أن ما تقدم من استقبال القوم ليس بواجب حتى لو مكث على حاله مستقبل القبلة فهو جائز، وعلى هذا ذكر التطوع في مكانه استطراد؛ لأنه أيضًا يكون مستقبل القبلة.
وشرح الحافظ هذه الترجمة بوجه آخر، إذ قال(2): "باب مكث الإمام. . ." إلخ، أي: بعد استقبال القوم، فيلائم ما تقدم، ثم إن المكث لا يتقيد بحال من ذكر أو دعاء أو تعليم أو صلاة نافلة، ولهذا ذكر في الباب مسألة تطوع الإمام في مكانه، انتهى.
وأنت خبير بأن تقدير المكث بعد الانحراف بهذا المقدار مشكل، فإن--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (3/ 407).
(2) "فتح الباري" (2/ 335).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٤٠)
الوارد في الروايات من الأدعية دبر الصلاة يزيد على هذا المقدار بكثير، انتهى.
وقال العيني(1): هذا باب في بيان مكث الإمام، ولم يبيِّن البخاري حكمه، هل هو مستحب أو مكروه؟ لأجل الاختلاف فيه بين السلف، فأكثر العلماء على كراهته إلا أن يكون مكثه لعلة، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يقوم، وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح فهو مخير، وقال أبو محمد من المالكية: ينتقل في الصلوات كلها ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه شيء من سجود السهو ولا غيره، انتهى.
ثم التطوع في المكان الذي صلَّى فيه الفريضة ظاهر صنيع البخاري أنه لا بأس بذلك عنده.
قال العيني(2): الجمهور على أن الإمام لا يتطوع في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وكرهه ابن عمر للإمام ولم ير به بأسًا لغيره، وعن القاسم: أن الإمام إذا سلم فواسع أن ينتقل في مكانه، وذكر ابن التين أنه قول أشهب، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(158 - باب من صلَّى بالناس فذكر حاجته فتخطاهم)
هذه هي الثالثة من التراجم الأربعة.
كتب الشيخ في "اللامع"(3): أثبت بذلك أن النهي عن التخطي في الجمعة وغيرها سواء، وأن المنهي عنه ما إذا وجد بدًّا منه وكان في غير حاجة، وأما عند الحاجة فلا، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح وظاهر، والغرض على ما اخترته فيما سبق أنها أيضًا متعلقة بما سبق أن المكث المذكور سواء كان مستقبلًا للقوم أو منحرفًا إلى جهة ليس بواجب، بل مندوب إن لم تكن له حاجة،--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (4/ 622).
(2) "عمدة القاري" (4/ 623).
(3) "لامع الدراري" (3/ 412).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٤١)
فإن كانت يجوز له الخروج من المسجد سريعًا، وذكر التخطي في الترجمة لمزيد إفادة، وهي التي ذكرها الشيخ قُدِّس سرُّه من أن النهي عنه مقيد بعدم الاضطرار إليه، وهو مختار الحافظين(1) ابن حجر والعيني إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(159 - باب الانفتال والانصراف. . .) إلخ
هذه هي الرابعة من التراجم الأربعة.
اختلف العلماء في أن المراد بذلك الذهاب إلى حاجته أو الجلوس في المسجد منحرفًا إلى اليمين والشمال والخلاف في ذلك وسيع، وما يظهر لي أن عامة الفقهاء حملوها على الجلوس بعد الصلاة ولذا سووا بين الصور الثلاثة من الاستقبال والتحول يمينًا وشمالًا، ولا يبعد أن الإمام ترجم له مستقبلًا لذلك الاختلاف، فالغرض عندي أن الاستقبال المذكور فيما سبق ليس بمتعين، بل لو شاء جلس منحرفًا إلى اليمين أو الشمال لكنهم لما اختلفوا في المراد بالانصراف ترجم له بترجمة مستقلة، والقرينة على ما اخترته أن الإمام البخاري جمع في الترجمة بين الانفتال والانصراف، فكأنه أشار إلى أن المراد بالانصراف ها هنا هو الانفتال وهو الانحراف جالسًا، كما يشير إليه حديث أبي داود(2): أنه صلى الله عليه وسلم سلَّم عن يمينه وعن يساره ثم انفتل كانفتال أبي رمثة، فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى، الحديث، وهذا كالنص على أن هذا الانفتال كان جالسًا لا ذاهبًا إلى بيته، وعلى ذلك حمل الشيخ ابن تيمية أحاديث الانصراف إذ ترجم أولًا "باب الانحراف بعد السلام وقدر اللبث بينهما" إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (2/ 337)، و"عمدة القاري" (4/ 627).
(2) "سنن أبي داود" (ح: 1007).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٤٢)
(160 - باب ما جاء في الثوم النّي والبصل)
ها هنا عدة أبحاث:
الأول: في ذكر هذه الترجمة ها هنا دون أبواب المساجد.
قال الحافظ(1): هذه الترجمة والتي بعدها من أحكام المساجد، وأما التراجم التي قبلها فكلها من صفة الصلاة لكن مناسبة هذه الترجمة من جهة أنه بنى صفة الصلاة على الصلاة في الجماعة، ولهذا لم يفرد ما بعد "كتاب الأذان" بكتاب؛ لأنه ذكر فيه أحكام الإقامة ثم الإمامة ثم الصفوف ثم الجماعة ثم صفة الصلاة، فلما كان ذلك كله مرتبطًا بعضه ببعض واقتضى فضل حضور الجماعة بطريق العموم ناسب أن يورد فيه من قام به عارض كأكل الثوم، ومن لا يجب عليه ذلك كالصبيان، ومن تندب له في حالة دون حالة كالنساء، فذكر هذه التراجم فختم بها صفة الصلاة، انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري ذكر هذه الأبواب بمنزلة مسائل شتى في آخر أبواب الصلاة، ولما كانت هذه الأبواب متضمنة لمسائل عديدة من الصلاة وغيرها أفردها بالذكر.
والبحث الثاني: أن الإمام ذكر في هذا الباب مسألتين: أولاهما: بقوله: "ما جاء في الثوم النّي. . ." إلخ، وأشار بذلك عندي إلى الاختلاف في جواز أكل هذه الأشياء، وهذه المسألة لم تكن من باب الصلاة، لكنه ذكرها تبعًا للمسألة الآتية لاستنباطهما من أحاديث الباب ولذا جمعهما في باب، وأفرده عما سبق.
قال الكرماني(2): الثوم ونحوه من البقول حلال بالإجماع، وحكي تحريمها عن أهل الظاهر؛ لأنها تمنع من حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 339).
(2) "شرح الكرماني" (5/ 200).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٤٣)
والمسألة الثانية: التي أشار إليها في الترجمة بقوله: "وقول النبي صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ، أيضًا خلافية، وكان منشأ الخلاف اختلافهم في المراد بقوله: "سجدنا" فذكره بعينه في الترجمة، وفي "الكرماني" عن النووي: مذهب بعض العلماء أن النهي خاص بمسجده صلى الله عليه وسلم، والجمهور على أنه عام لكل مسجد، انتهى.
والبحث الثالث: أن الإمام ذكر في الترجمة الكراث أيضًا وليس له ذكر في الحديث.
قال الحافظ(1): أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر رضي الله عنه فقد رواه مسلم(2) من رواية يحيى القطان عن ابن جريج بلفظ: "من أكل من هذه البقلة الثوم"، وقال مرة: "من أكل الثوم والبصل والكراث" وهذا أولى من قول بعضهم: إنه قاسه على البصل، ويحتمل أن يكون استنبط الكراث من عموم الخضراوات، فإنه يدخل فيها دخولًا أوليًّا لأن رائحته أشد.
البحث الرابع: أنه ذكر في الترجمة من الجوع أو غيره.
قال الحافظ(3): لم أر التقييد بالجوع وغيره صريحًا، لكنه مأخوذ من كلام الصحابي في بعض طرق حديث جابر عند مسلم(4): بلفظ: "فغلبتنا الحاجة" الحديث، انتهى.
وعلى هذا فغرض الترجمة أنه إذا منع عنها في حالة الجوع والحاجة فغيرهما بالأولى، أو يقال: إن الإمام البخاري أشار بذلك إلى عموم روايات الباب لا يختص بحاجة وغيرها فتكون الترجمة من الأصل الخمسين، وعلى ما اختاره الشرَّاح تكون مركبة من الأصل الحادي عشر والتاسح عشر إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 339).
(2) "صحيح مسلم" (ح: 564).
(3) "فتح الباري" (2/ 340).
(4) "صحيح مسلم" (ح: 564).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٤٤)
(161 - باب وضوء الصبيان. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"(1): "قوله: وضوء الصبيان"، أي: إنه ثابت سُنَّة وإن لم يكن واجبًا عليهم، والحجة عليه قوله: "فقمت وتوضأت" وغير ذلك "ومتى يجب عليهم الغسل والطهور". والحجة عليه قوله: "على كل محتلم". "وحضورهم الجماعة العيدين والجنائز" أورده دفعًا لما يتوهم من قوله صلى الله عليه وسلم: "جنبوا مساجدكم الصبيان" الحديث، أن الصبيان لا يجوز لهم حضور المسجد والمصلى وغيرهما لأن حضورهم لا بأس به إذا وقع الأمن من التلويث، والحجة عليه الرواية الأولى والرابعة والخامسة والسادسة، وكل ذلك بَيّن بأدنى تفكر. "وصفوفهم" أي: وهذا باب في بيان صفوفهم كيف هي، والحجة عليه قوله: "فصففت عليه أنا واليتيم"، وقول ابن عباس: دخلت في الصف، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" أشد البسط، وفيه: أن هذا الباب أيضًا عندي من مسائل شتى، ولذا أفرده عما سبق، ولذا ذكر فيه مسائل شتى من وضوئهم وحضورهم الجماعة وغير ذلك.
قال العيني(2): الترجمة مركبة من ستة أجزاء، انتهى.
قلت: هذا إذا عد قوله: "ومتى يجب عليهم الغسل والطهور" واحدًا، والظاهر أنهما اثنان، والمراد من الطهور الوضوء لتقابله بالغسل، فتكون الترجمة مركبة من سبعة أجزاء.
وقوله: "وصفوفهم". الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية، وهي التي أشار إليها الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: كيف صفوفهم، فإنهم اختلفوا في الصبيان هل يجعل لهم--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (3/ 424).
(2) "عمدة القاري" (4/ 638).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٤٥)
صفوف مستقلة أو يدخلون في صفوف الرجال؟ قال الشعراني: قول الشافعي مع قول مالك إنه يقف خلف الإمام الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء، وبعض أصحاب الشافعي على أن يقف بين كل رجلين صبي ليتعلم الصلاة منهم، انتهى إلى آخر ما بسط الاختلاف من كتب الفروع في هامش "اللامع".
(162 - باب خروج النساء إلى المساجد. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"(1): فيه دلالة على أن جواز خروجهن مقيَّد بعدم الفتنة كيف ما كان، فلما كان الغلس والليل سببين لارتفاع الفتنة جاز خروجهن فيهما، فإذا كانتا سببين للفتنة كما نشاهده في زماننا لم يجز الحضور فيهما أيضًا، انتهى.
قال العيني(2): لما كان في هذا الباب خلاف بين الأئمة لم يجزم البخاري بنفي ولا إثبات، انتهى.
قلت: تقييد الإمام البخاري الترجمة بالليل والغلس يشير إلى جواز خروجهن بهذا القيد، ولذا قالت الشرَّاح: إن الإمام أشار بالترجمة إلى أن المطلق من الروايات في هذا الباب مقيد بذلك القيد واستنبط منه الشيخ قيد عدم الفتنة، هو لطيف جدًا، وموافق لما اختاره جمهور الفقهاء من المنع عن خروجهن في هذا الزمان مطلقًا لما نشاهده من الفتن الشهيرة إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" من اختلاف العلماء في هذه المسألة من كتب الفروع والشروح.
(164 - باب صلاة النساء خلف الرجال)
كتب الشيخ في "اللامع"(3): يعني بذلك أن مقامهم خلف مقام--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (3/ 432).
(2) "عمدة القاري" (4/ 646).
(3) "لامع الدراري" (3/ 438).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٤٦)
الرجال، ودلالة الرواية على الترجمة في لفظ: "قبل أن يدركهن"، فإن انصراف النساء قبل أن يدركهن الرجال لا يمكن إلا وهن خلفهم، فلو كن متقدمات أو متوسطات لم يتصور ذلك، انتهى.
قال العيني(1): غرض الترجمة بيان أن صلاة النساء خلف صفوف الرجال؛ لأن مبنى أمرهن على الستر وتأخرهن من الرجال أستر لهن إلى آخر ما قال.
قلت: وعلى هذا يكون الباب من الأصل الحادي والأربعين إشارة إلى ما ورد: "أخروهن من حيث أخرهن الله" وهو الأوجه عندي.
وقال السندي(2): المراد قيامهن في الجماعة خلف صفوف الرجال، ويحتمل أن يقال: المراد اقتداؤهن بالرجال في الصلاة، ولعل هذا هو توجيه ذكر هذا الباب مرتين في الكتاب كما في بعض النسخ، فيحمل مرة على تأخر الصف ومرة على صحة الاقتداء، انتهى مختصرًا.
قلت: والتكرار في نسخة الكرماني، ولم يتعرض لذلك الحافظان ابن حجر والعيني، نعم تعرض له القسطلاني إلى آخر ما في هامش "اللامع".
(165 - باب سرعة انصراف النساء من الصبح. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"(3): هذا مشير أيضًا إلى منعهن منه عند الفتنة، انتهى.
وفي هامشه: هذا أيضًا عندي من الأصل الحادي والأربعين، أشار الإمام البخاري بذلك إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"، قال الزيلعي: أخرجه الجماعة إلا البخاري، انتهى. فإن المرأة كلما كانت في آخر الصفوف تكون أسرع للخروج.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (4/ 650).
(2) "حاشية السندي" (1/ 156).
(3) "لامع الدراري" (3/ 440).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٤٧)
قال الحافظ(1): قيَّد الترجمة بالصبح لأن طول التأخير فيه يفضي إلى الإسفار، فناسب الإسراع بخلاف العشاء، فإنه يفضي إلى زيادة الظلمة فلا يضر المكث، انتهى.
(166 - باب استئذان المرأة زوجها. . .) إلخ
الظاهر عندي: أن الترجمة شارحة، يعني: أن المراد في الحديث الاستئذان للصلاة لا لغيرها لما تقدم في "باب خروج النساء إلى المساجد بالليل" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا بلفظ: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن"، فهذا نص في ذلك، ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: الخروج إلى المسجد؛ لأنه خروج إلى مناجاة ربه، فإن المصلي يناجي ربه، انتهى.
أي: البراعة في لفظ الخروج، وعندي أن الخروج إلى المسجد خروج إلى بيت الله وهو منتهى الموت، أو يقال: إن الخروج إلى مناجاة ربه هو المرتب على الموت.
وهذا آخر الجزء الثاني من الأبواب والتراجم للبخاري
وقد أمعن النظر فيه وأوضح إجماله الأعزان المكرمان ختني المولوي
الحافظ محمد عاقل صدر المدرسين بمدرسة مظاهر العلوم، والختن الآخر
المولوي الحافظ محمد سلمان من أكابر المدرسين بالمدرسة المذكورة،
جزاهما الله عني وعن سائر الناظرين لهذا الجزء أحسن الجزاء،
وبارك الله في علومهما وأذاقهما شراب حبه،
ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى أوله "كتاب الجمعة"،
والحمد لله أولًا وآخرًا،
والصلاة والسلام على رسوله سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه سرمدًا ودائمًا
29/ ذو القعدة سنة: 1392 يوم الخميس
محمد زكريا عفي عنه--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 351).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٤٨)