صحابي بنفسه، ولا يمكن أنه تقدم على القوم وأمَّهم دون أن يحقق أمر صلاة الكسوف، كيف هي؟ وقد كانت معه جماعة من الصحابة ولم ينقل عن أحد منهم إنكار على ما فعله، ولو أنكروا عليه لنقل كما نقل إنكار أخيه الأصغر منه سنًا وعلمًا، فكان ذلك حجة قوية على أنهم سلموا ذلك منه واستحسنوه.
وأما إنكار عروة فإن مبناه أنه سمع من عائشة ما يخالف صلاة ابن الزبير، فظن أنه خالف السُّنَّة، مع أن عائشة لم تكن حين الصلاة إلا في حجرتها، فلا تدري الأمر على ما هو عليه في نفس الأمر، كيف! وقد رواه غيرها ممن شهد الوقعة وتحرَّى فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها كما هو مذكور في روايات أبي داود ولم ينقلوا إلّا ما اختاره الأحناف رضي الله عنهم، ومع ذلك كله فهي مترددة في رواية القصة، فقد روي عنها أربع ركوعات وستة، فهذا أدلّ حجة على أنها لم يتعين عندها أحد الأمرين وإلا لما اختلفت الروايات عنها، فعلم أنها مع ترددها في تعيين عدد الركوع روت كل واحد من الراويين على حسب ما ترجح عندها من الاحتمال حين روايتها لتلك الرواية، والله تعالى أعلم، وبسط في هامشه في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
(5 - باب هل يقول: كسفت الشمس. . .) إلخ
ترجم الإمام البخاري بلفظ: "هل"، قال الزين ابن المنيِّر: أتى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء.
قال الحافظ(1): ولعله أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزهري عن عروة قال: "لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت"، وهذا موقوف صحيح رواه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 535).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٨٤)
عنه، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح.
وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلَّطه لثبوته بالخاء في القمر، وكان هذا هو السر في استشهاد المؤلف به في الترجمة.
وقيل: يقال في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغير إلى سواد، والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل في الشمس: خسفت أو كسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أنهما مترادفان، إلى آخر ما في هامش "اللامع"، وفيه: مال العيني(1) إلى أن الاستفهام في الترجمة ليس للنفي والإنكار.
والأوجه عندي: أن الترجمة من الأصل الثاني والثلاثين، وأشار بلفظ: "هل" في الترجمة إلى مجرد الاحتمال الناشئ من قول عروة، والمقصود استعمال كل من اللفظين في كل منهما، كما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه، إذ قال(2): قوله: فقال في كسوف الشمس والقمر، فيه الترجمة حيث ذكر الراوي أوّلًا لفظ الكسوف لهما، ثم ذكر بلفظ: "لا يخسفان"، فعلم جواز إطلاق اللفظتين معًا، وإن كان الغالب في القمر الخسوف كما ورد في الآية، وفي الشمس الكسوف، والله أعلم.
ثم ذكر الإمام رحمه الله في الترجمة الآية الشريفة، قال الحافظ(3): في إيراده لهذه الآية احتمالان، أحدهما: أن يكون أراد أن يقال: خسف القمر كما جاء في القرآن، ولا يقال: كسف، وإذا اختص القمر بالخسوف أشعر باختصاص الشمس بالكسوف، والثاني: أن يكون أراد أن الذي يتفق--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (5/ 315).
(2) "لامع الدراري" (4/ 197 - 199).
(3) "فتح الباري" (2/ 535).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٨٥)
للشمس كالذي يتفق للقمر، وقد سُمي في القرآن بالخاء في القمر، فليكن الذي للشمس كذلك، انتهى.
(6 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يخوِّف الله عباده. . .) إلخ
قال الحافظ(1) تحت حديث الباب: فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر، وقد ردّ ذلك عليهم ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الآتي حيث قال: "فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة"، قالوا: فلو كان الخسوف(2) بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى. ومما نقض ابن العربي وغيره أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة، وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين. . . إلى آخر ما بسط فيما اعتقدوا من ذلك والرد عليهم، فارجع إليه لو شئت.
قال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: وربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: "يخوِّف الله بهما عباده"، وليس بشيء؛ لأن لله أفعالًا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك، فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها.
وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 537).
(2) وفي "الفتح": "الكسوف".
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٨٦)
قوله: (تابعه أشعث. . .) إلخ، بسط الكلام على ذكر من قال: "يخوِّف" ومن لم يقل، لما فيه من الرد على ما تقدم من أهل قول الهيئة: إنه أمر عادي فلا تخويف فيه. وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" في توضيح هذه المتابعات لاختلاف نسخ البخاري في ذكر قوله: "تابعه أشعث"، ففي النسخ التي بأيدينا ذكره بعد ذكر متابعة موسى، ورجح الحافظ تقديمه، وباختلاف ذلك يختلف غرض المتابعة، وبسط الكلام على ذلك الحافظان ابن حجر والعيني(1)، وسكت عنه الكرماني، ولخص القسطلاني كلام الحافظ، كما ذكر في هامش "اللامع"(2)، فارجع إليه لو شئت.
(7 - باب التعوذ من عذاب القبر. . .) إلخ
قال الحافظ(3): قال ابن المنيِّر: مناسبة التعوّذ عند الكسوف: أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر وإن كان نهارًا، والشيء بالشيء يذكر، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة، انتهى.
قلت: أو: لما أن عذاب القبر أوحي إليه صلى الله عليه وسلم إذ ذلك، كما يشير حديث الباب، وبه جزم الحافظ(4) في "باب ما جاء في عذاب القبر" من "كتاب الجنائز"، ويشكل عليه ما تقدم من عذاب القبر في الرجلين يعذبان في كبير: النميمة والبول، فإن ظاهره أنه كان في مقدم المدينة، وغير ذلك من الروايات التي ذكرها البخاري في "باب عذاب القبر"، ومع ذلك جزم الحافظ بأن عذاب القبر أعلم به النبي صلى الله عليه وسلم في سنة الكسوف، وأول ما خالف ذلك، وقال: فانتفى التعارض.--------------------------------------------
(1) انظر: "عمدة القاري" (5/ 318)، و"فتح الباري" (2/ 536).
(2) "لامع الدراري" (4/ 200).
(3) "فتح الباري" (2/ 538).
(4) انظر: المصدر السابق (3/ 236).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٨٧)
(8 - باب طول السجود في الكسوف)
قال الحافظ(1): وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من أنكره، واستدل بعض المالكية على ترك إطالته بأن الذي شُرع فيه التطويل شرع تكراره كالقيام والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود فلا يشرع تطويله، وهو قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار، انتهى.
قال القسطلاني(2): واختلف في استحباب إطالة السجود في الكسوف، وصحح الرافعي عدم إطالته كسائر الصلوات، وعليه جمهور أصحاب الشافعي، وصحح النووي التطويل وقال: إنه المختار بل الصواب، وعليه المحققون من أصحابنا، انتهى.
قلت: وهكذا يستحب التطويل عند الأئمة الثلاثة الباقية مالك وأحمد وأبي حنيفة كما بسط في "الأوجز"(3) عن متونهم.
(9 - باب صلاة الكسوف جماعة. . .) إلخ
قال الحافظ(4): أي: وإن لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم، وبه قال الجمهور. وعن الثوري: إن لم يحضر الإمام صلّوا فرادى، انتهى.
وما تعقب عليه العيني(5) بقوله: قلت: إذا لم يكن الإمام حاضرًا كيف يصلون جماعة؟. . . إلخ، فليس بوجيه، فإن الحافظ رحمه الله قيَّد الإمام بقوله: الراتب، ولم ينف الإمام رأسًا. وفي هامش "اللامع": وأداؤها بالجماعة سُنَّة عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة، وقال بعضهم: لا تشرع لها الجماعة، انتهى.
وقال العيني: قال صاحب "الذخيرة" من أصحابنا: الجماعة فيها--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 538).
(2) "إرشاد الساري" (3/ 100).
(3) انظر: "أوجز المسالك" (4/ 62).
(4) "فتح الباري" (2/ 540).
(5) "عمدة القاري" (5/ 322).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٨٨)
سُنَّة، ويصلي بهم الإمام الذي يصلي الجمعة والعيدين، وفي "المرغيناني": يؤمهم فيها إمام حيّهم بإذن السلطان، ولا يصلون في مساجدهم بل يصلون جماعة واحدة، ولو لم يقمها الإمام صلى الناس فرادى، انتهى.
(10 - باب صلاة النساء مع الرجال. . .) إلخ
قال الحافظ(1): أشار بهذه الترجمة إلى رد قول من منع ذلك، وقال: يصلين فرادى، وهو منقول عن الثوري وبعض الكوفيين. وفي "المدونة": تصلي المرأة في بيتها وتخرج المتجالَّة، وعن الشافعي: يخرج الجميع إلا من كانت بارعة الجمال، انتهى.
وقال العيني(2): وأبو حنيفة يرى بخروج العجائز فيها غير أنهن يقفن وراء صفوف الرجال، وعند أبي يوسف ومحمد: يخرجن في جميع الصلوات لعموم المصيبة، فلا يختص ذلك بالرجال، انتهى.
(11 - باب من أحبّ العتاقة في كسوف الشمس)
العتاقة بفتح العين المهملة، قيَّده بالكسوف نظرًا إلى لفظ حديث أورده في الباب، وإلا فكذلك حكم الخسوف كما يأتي في "كتاب العتق" بلفظ: "كنا نؤمر عند الخسوف بالعتاقة".
قال القسطلاني(3): وهل يقتصر على العتاقة، أو هي من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟ الظاهر الثاني لقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]، وإذا كانت من التخويف فهي داعية إلى التوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البر، كل على قدر طاقته، ولما كان أشد ما يتوقع من التخويف النار، جاء الندب بأعلى شيء يتقي به النار؛ لأنه قد جاء: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار"،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 543).
(2) "عمدة القاري" (5/ 328).
(3) "إرشاد الساري" (3/ 108).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٨٩)
فمن لم يقدر على ذلك فليعمل بالحديث العام وقوله عليه الصلاة والسلام: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، ويأخذ من وجوه البر ما أمكنه، قاله ابن أبي جمرة، انتهى.
(12 - باب صلاة الكسوف في المسجد)
لعله إشارة إلى ردِّ ما يتوهم من بعض الروايات من الخروج إلى المصلَّى، ويحتمل أنه نَبَّهَ بذلك على أنها تخالف في هذا صلاة العيد والاستسقاء، ثم ليس في الحديث ذكر المسجد، نعم يؤخذ من قوله: "بين ظهراني الحجر"، إذ كانت لاصقة بالمسجد، وقد ورد في حديث الباب عند مسلم(1) بلفظ: "فخرجت في نسوة بين ظهراني الحجر في المسجد" الحديث.
(13 - باب لا تنكسف الشمس لموت أحد. . .) إلخ
هذا هو البحث الثالث من المباحث المذكورة في أوّل "كتاب الكسوف"، قال الحافظ(2): قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خَلْقان مسخَّران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع من أنفسهما. وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الشفقة على أمته وشدة الخوف من ربه تبارك وتعالى، انتهى.
(14 - باب الذكر في الكسوف)
صنيع المؤلف ظاهر في أنه أراد عقد التراجم على جميع ما ورد في الأحاديث من العبادات والمعالجات لدفع الكسوف، وقد تقدم ما قال الحافظ في "باب الصدقة في الكسوف"(3): ورد الأمر في الأحاديث التي--------------------------------------------
(1) "صحيح مسلم" (903).
(2) "فتح الباري" (2/ 528).
(3) المصدر السابق (2/ 529).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩٠)
أوردها في الكسوف بالصلاة والصدقة والذكر والدعاء وغير ذلك، وقد قدم منها الأهم فالأهم، انتهى.
(15 - باب الدعاء في الكسوف. . .) إلخ
قال الحافظ(1): وورد الأمر بالدعاء أيضًا من حديث أبي بكرة وغيره، ومنهم من حمل الدعاء والذكر على الصلاة لكونهما من أجزائها، والأول أولى؛ لأنه جمع بينهما في حديث أبي بكرة حيث قال: "فصلوا وادعوا"، انتهى. وهو الظاهر من التراجم؛ إذ المصنف ترجم لكل واحد منها على حدة.
(16 - باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد!. . .) إلخ
قال الحافظ(2): ذكر فيه حديث أسماء مختصرًا معلقًا، وقد تقدم مطولًا من هذا الوجه في "كتاب الجمعة"، انتهى.
قلت: سكتوا عن غرض الترجمة، والأوجه عندي في الغرض ما تقدم في "كتاب الجمعة"، وذكر هذه الترجمة ههنا أيضًا اهتمامًا بشأنها، وتنبيهًا على أن هذه اللفظة تكون في كل خطبته صلى الله عليه وسلم من الجمعة والكسوف وغيرهما.
(17 - باب الصلاة في كسوف القمر)
قال الحافظ(3): أورد فيه حديث أبي بكرة من وجهين مختصرًا ومطولًا، وليس في المختصر ذكر القمر لا بالتنصيص ولا بالاحتمال، والجواب أنه أراد أن يبين أن المختصر بعض الحديث المطول، وبه تحصل المطابقة، وحكى ابن التين أنه وقع في رواية الأصيلي: "انكسف القمر"--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (2/ 548).
(2) المصدر السابق (2/ 547).
(3) المصدر السابق (2/ 548).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩١)
بدل الشمس، وهذا تغيير لا معنى له، وكأنه عسرت عليه مطابقة الحديث بالترجمة، فظن أن لفظه مغير، فغيره هو إلى ما ظنه صوابًا، وليس كذلك، انتهى.
وذكر القسطلاني كلام ابن التين ولم يتعقب عليه بشيء، بل قال(1): وروى ابن أبي شيبة هذا الحديث بلفظ: "انكسفت الشمس أو القمر"، وفي رواية هشيم: "انكسفت الشمس والقمر"، انتهى.
قال العيني(2): أشار الكرماني إلى المطابقة بأن معرفة الصلاة في كسوف الشمس تغني عن معرفة الصلاة في كسوف القمر، فمن ذلك حصل الاستغناء بذكر أحدهما عن الآخر.
قلت: هذا ليس بسديد، ثم ذكر العيني كلام الحافظ المتقدم وتعقب عليه، فارجع إليه لو شئت.
ثم ذكر في هامش "اللامع" في خسوف القمر بحثين:
الأول: أن الخسوف وقع مرتين في زمنه صلى الله عليه وسلم، والكسوف لم يقع إلّا مرة واحدة، كما قال العشماوي، وفي "شرح الإحياء": إن الخسوف وقع في السنة الرابعة في جمادى الآخرة، ولم يشتهر أنه صلى الله عليه وسلم جمع له الناس، وفي "سيرة ابن حبان": إن القمر خسف في السنة الخامسة، وهكذا في "تاريخ الخميس".
والبحث الثاني: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخسوف؟ فقال مالك: لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم صلى إلا في خسوف الشمس، وبه جزم ابن القيم، وحكى القاري عن الدارقطني بسنده عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات في أربع سجدات، وسنده جيد.
وأما عند الأئمة الأربعة، فعندنا الحنفية وكذا المالكية: صلاة الخسوف كسائر النوافل بدون تكرار الركوع وبدون الخطبة، إلّا أن الجماعة--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (3/ 117).
(2) "عمدة القاري" (5/ 335).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩٢)
مكروهة فيها عند مالك، وغير مسنونة عند الحنفية، وعند الشافعي: هي كصلاة الكسوف بتكرار الركوع بالجماعة جهرًا، وكذا عند أحمد، إلّا أنهما إختلفا في الخطبة بعدها، ثابتة عند الشافعي دون أحمد، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع".
(17 م - باب صب المرأة على رأسها الماء. . .) إلخ
ليس هذا الباب في نسخة الحافظ ولا القسطلاني، ولا في المصرية التي عليها حاشية السندي، نعم هو موجود في نسخة العيني، قال القسطلاني(1): وقع في رواية المستملي: "باب صب المرأة على رأسها. . ." إلخ، بدل قوله: "باب الركعة الأولى في الكسوف أطول" الثابت في رواية الكشميهني والحموي، والظاهر أن المصنف ترجم لها وأخلى بياضًا ليذكر لها حديثًا كعادته، فلم يتفق، فضم بعضهم الكتابة بعضها إلى بعض، فوقع الخلط، ووقع في رواية أبي علي ابن شبويه عن الفربري أنه ذكر "باب صب المرأة" أوّلًا، وقال في الحاشية: ليس فيه حديث، ثم ذكر "باب الركعة الأولى أطول"، وأورد فيه حديث عائشة هذا، وكذا في "مستخرج الإسماعيلي".
قال الحافظ ابن حجر(2): فعلى هذا فالذي وقع من صنيع شيوخ أبي ذر من اقتصار بعضهم على إحدى الترجمتين ليس بجيد، أما من اقتصر على الأولى وهو المستملي فخطأ محض، إذ لا تعلق لها بحديث عائشة، وأما الآخران فمن حيث إنهما حذفا الترجمة أصلًا، وكأنهما استشكلاها فحذفاها، انتهى.
قلت: ذكر الترجمة من غير ذكر حديث أصل مستقل من أصول التراجم المذكورة في المقدمة، وهو الأصل السابع والعشرون، فارجع إليه لو شئت.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (3/ 120).
(2) "فتح الباري" (2/ 548).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩٣)
(18 - باب الركعة الأولى في الكسوف أطول)
قال القسطلاني(1): والركعة الثانية أطول من الثالثة، وهي أطول من الرابعة، قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامَيْها وركوعَيْها أطول من الركعة الثانية بقيامَيْها وركوعَيْها، واتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه، وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله: "وهو دون القيام الأول" هل المراد به الأول من الثانية، أو يرجع إلى الجميع، فيكون كل قيام دون الذي قبله، ورواية الإسماعيلي بلفظ الأولى، فالأولى أطول بدل قوله: الأول، والأول أطول تعيين هذا الثاني، انتهى مختصرًا.
(19 - باب الجهر بالقراءة في الكسوف)
قال الحافظان ابن حجر والعيني(2): سواء كان للشمس أو للقمر، قلت: فعلى هذا ميل المصنف إلى الجهر فيهما، ولعل استدلاله بعموم اللفظ، فإن لفظ الخسوف يستعمل فيهما كما تقدم، والمسألة خلافية، فعند أبي يوسف يجهر، وبه قال أحمد، وقالت الأئمة الثلاثة بالسر في كسوف الشمس، وبالجهر في الخسوف، وقول محمد مختلف فيه، قال النووي: مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنه يُسر في الكسوف ويجهر في الخسوف، وما حكاه النووي عن مالك هو المشهور عنه، بخلاف ما حكاه عنه الترمذي من الجهر، قال المازري: ما حكاه الترمذي عنه رواية شاذة، قلت: ويقال: عن مالك روايتان، والمشهور السر، والبسط في "الأوجز"(3)، انتهى من هامش "اللامع".--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (3/ 119).
(2) "فتح الباري" (2/ 549)، و"عمدة القاري" (5/ 337).
(3) "أوجز المسالك" (4/ 75)، و"لامع الدراري" (4/ 188).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩٤)
وقال الحافظ تحت الحديث الأول(1): استدل به على الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير بذلك على خسوف القمر، وليس بجيد؛ لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر بلفظ: "كشف الشمس" الحديث، انتهى.
ثم براعة الاختتام سكت الحافظ عنه، والظاهر عندي أن وقت الكسوف يشبه بما يراه الميت في القبر أول ما يوضع فيه من بقية ضوء النهار، ففي "المشكاة" برواية ابن ماجه(2): عن جابر رضي الله عنه: "إذا أدخل الميت القبر مثلت له الشمس عند غروبها"، الحديث، ولذا تعوذ عليه الصلاة والسلام عند الكسوف من عذاب القبر، أو يقال: إن المعروف عندهم أن الكسوف يكون لموت عظيم، فإنه وإن كان باطلًا عند الشرع لكنه مذكِّر له.
* * *--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 549).
(2) "سنن ابن ماجه" (4272).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩٥)
17 - أبواب سجود القرآن
قال الحافظ(1): كذا للمستملي، ولغيره: "باب ما جاء في سجود القرآن وسُنَّتها"، انتهى. قلت: وهكذا في النسخ الهندية التي بأيدينا.
قوله: (وسُنَّتها) في هامش "اللامع"(2): لم يتعرض الشرَّاح لغرض هذا اللفظ في الترجمة نصًا، وما يظهر من كلامهم أنهم حملوه على إثبات كون السجدة سُنَّة ردًا على من قال بوجوبه. وهكذا يفهم من كلام شيخ المشايخ في "تراجمه"(3).
وهذا الغرض ليس بوجيه عندي لوجهين، الأول: أن الإمام البخاري لم يتعرض في الباب لشيء يناسب هذا المعنى، والثاني: أن الإمام البخاري أشار إلى هذا المعنى فيما سيأتي قريبًا في "باب من رأى أن الله تعالى لم يوجب السجود"، فلو أراد إثبات السُّنِّية ههنا تكرر الترجمة.
فالأوجه عندي في غرض الترجمة أن المراد بالسُّنَّة معناها اللغوي، أي: طريقتها، وعلم من الرواية أنها بعد قراءة الآية كما يدل عليه لفظ: فسجد، ولذا قال القسطلاني(4): لو سجد قبل تمام الآية ولو حرفًا لم يعتبر، ويمكن أن يقال: إن المراد به بدء سُنِّيتها ومشروعيتها، فالترجمة حينئذ من الأصل التاسع والخمسين من أصول التراجم، وعلم من الحديث أن مبدءها من سورة النجم.
قال الحافظ(5): أفاد المصنف في رواية إسرائيل الآتية في تفسير سورة النجم: أن النجم أول سورة أنزلت فيها سجدة، وهذا هو السر في بداءة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 551).
(2) "لامع الدراري" (4/ 205).
(3) (ص 301).
(4) "إرشاد الساري" (3/ 124).
(5) "فتح الباري" (2/ 552).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩٦)
المصنف في هذه الأبواب بهذا الحديث، وأما سورة "اقرأ" وإن كان أول السور نزولًا وفيها أيضًا سجدة، لكن السابق منها أوائلها، وأما بقيتها فنزل بعد ذلك، انتهى.
(2 - باب سجدة {تَنْزِيلُ} السجدة)
قال الحافظ(1): قال ابن بطال: أجمعوا على السجود فيها، وإنما اختلفوا في السجود بها في الصلاة، انتهى. كما تقدم في "باب ما يقرأ في صلاة الفجر" من "كتاب الجمعة" من مذهب مالك أنه كره أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وستأتي المسألة في باب مستقل.
قال الحافظ(2): وقد اختلف تعليل المالكية بكراهته، فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض، وقيل: لخشية التخليط على المصلين، وقيل: لخشية اعتقاد العوام أنها فرض، إلى آخر ما بسط من الرد على تلك الوجوه.
وفي هامش الهندية(3) عن "الخير الجاري": لم يذكر في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم سجد فيها أم لا؟ فلعله استفاد ذلك من تسمية السورة بتنزيل السجدة، أو يقال: إن الترجمة شارحة للحديث، ويكون إشارة إلى ما جاء في طريق لغيره، انتهى.
(3 - باب سجدة ص)
الظاهر أن المصنف رحمه الله مال إلى السجود فيها؛ لأن في الرواية سجوده صلى الله عليه وسلم، قال العلامة العيني(4): فِعْله صلى الله عليه وسلم أولى من قول ابن عباس، وقد روى ابن المنذر عن علي أن العزائم: حم، والنجم، واقرأ، والم تنزيل. وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأُخر، انتهى من "الفتح"(5).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (2/ 552).
(2) المصدر السابق (2/ 378).
(3) (3/ 7).
(4) "عمدة القاري" (5/ 347).
(5) "فتح الباري" (2/ 552).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩٧)
واختلفوا في عدد سجود القرآن على اثني عشر قولًا، بسطت في "الأوجز"(1)، والمعروفة منها أربعة:
الأول والثاني: مذهب الحنفية والشافعية إذ قالوا: إنها أربع عشرة سجدات إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في سجدة ص، فقالت بها الحنفية والمالكية، ولم يقل بها الشافعية، وهما روايتان عن أحمد، وفي السجدة الثانية من الحج، إذ قالت بها الشافعية والحنابلة، ولم يقل بها الحنفية والمالكية.
والمذهب الثالث: مذهب الإمام مالك المعروف عنه أنه قال بإحدى عشر سجدات، بإسقاط الثلاثة من المفصل وثانية الحج، وهو القول القديم للشافعي.
والرابع: المعروف المشهور في شروح الحديث من مذهب الإمام أحمد أنه قال بخمس عشرة سجدات، يعني: مع سجدة ص وثانية الحج، لكن المعروف في متون الحنابلة موافقته للشافعية.
(4 - باب سجدة النجم. . .) إلخ
أسقطها مالك في ظاهر الرواية والشافعي في القديم إذ قالا: ليس في المفصَّل سجدة، وكذا قال جماعة، ذكر أسماءهم العيني(2) في المذهب الثاني من المذاهب العشرة في السجود، وأسقط النجم خاصة أبو ثور كما في المذهب الخامس، وتقدم مذاهب الأئمة الأربعة في الباب السابق.
(5 - باب سجود المسلمين مع المشركين)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(3): أراد بذلك إثبات أنه لا يتوقف السجود على الطهارة، والاستدلال بالرواية من حيث إنه ذكر فيها سجود--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (4/ 291).
(2) "عمدة القاري" (5/ 344).
(3) "لامع الدراري" (4/ 209 - 214).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩٨)
المشركين، ومن الظاهر أنهم لم يكونوا على وضوء، ولم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وأيضًا فإن المذكور فيها سجود المشركين والمسلمين، ولم يذكر فيها أن المسلمين كانوا على وضوء أو على غير وضوء، فيستوي الأمران فيها، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ(1): قوله: "كان ابن عمر رضي الله عنهما يسجد على غير وضوء"، كذا لأكثر الرواة، وفي رواية الأصيلي بحذف "غير"، والأول أولى، ولم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلّا الشعبي، انتهى.
قلت: وظاهر ترجمة البخاري أنه ذهب أيضًا إلى جواز السجدة بلا وضوء، وقال السندي(2): أراد أن اختلاط المشركين بالمسلمين لا يضر في سجود المسلمين، مع أن المشرك نجس غير متوضئ، وقوله: "كان ابن عمر. . ." إلخ، بمنزلة الترقي في ذلك، أي: بل كان ابن عمر لا يوجب الوضوء للسجود، فكيف يضر اختلاط المشرك النجس؟ ولم يرد اختيار قول ابن عمر، والاستدلال عليه بسجود المشركين ضرورة أن فعل المشرك ما كان إلّا صورة السجود لا معناه، فلا وجه للاستدلال به، انتهى.
قال الحافظ: اعترض ابن بطال(3): إن أراد البخاري الاحتجاج لابن عمر بسجود المشركين فلا حجة فيه؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة، وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله: والمشرك نجس، فهو أشبه بالصواب، وأجاب ابن رُشيد بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر على السجود مع عدم أهليته، فالمتأهل لذلك أحرى، ويؤيده الحديث بأن من لم يسجد عوقب عليه، انتهى.
وما ذكر الشرَّاح ههنا في سبب سجود المشركين من قصة الغرانيق--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 553).
(2) "حاشية السندي" (1/ 190).
(3) "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (3/ 57).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٩٩)
بسط الكلام عليه شيخنا في "البذل"(1)، وهذا العبد في هامش "اللامع" فارجع إليه لو شئت، وفيه: والذي اختاره الشيخ الكَنكَوهي في "الكوكب" هو الذي اختاره شيخ المشايخ في "تراجمه"(2)، إذ قال: ذكر المفسرون في هذه القصة أنه جرى على لسانه صلى الله عليه وسلم من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، فلذلك سجد المشركون معه حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينهم؛ لأنه يثني على آلهتنا، لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثين، بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه صلى الله عليه وسلم، والقصة موضوعة كما قال الذهبي وغيره من المحدثين، وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير المخلوقات أنه تسلَّط عليه الشيطان، حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات، ثم حاشا هذا، وقد قال الله تعالى في حق عامة الصلحاء: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]، فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع يوم المحشر الذي أقسم الله بعمره فقال: "لعمرك يا حبيبي"، بل الحق أن المشركين إنما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(6 - باب من قرأ السجدة ولم يسجد)
قال الحافظ(3): يشير بذلك إلى الرد على من احتج بحديث الباب على أن المفصَّل لا سجود فيه كالمالكية، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور؛ لأن ترك السجود فيها لا يدل على تركه مطلقًا لاحتمال أنه كان إذ ذاك بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة، أو ترك لبيان الجواز، وبه جزم الشافعي، انتهى.
وعلى هذا فتكون الترجمة شارحة بأن عدم سجوده صلى الله عليه وسلم كان لعارض، وأيضًا فيه تأييد لظاهر الرواية عن الحنفية أن وجوبها على التراخي، ورواية--------------------------------------------
(1) "بذل المجهود" (6/ 71 - 74)، و"لامع الدراري" (4/ 211).
(2) (ص 301).
(3) "فتح الباري" (2/ 555).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٠)
التاتارخانية على الفور شاذة كما في "الفيض"(1).
ويمكن أن يقال: إن غرض المصنف أن السجدة سواء كانت واجبة أو سُنَّة ليست على الفور، وحديث الباب استدل به من لم يرَ السجدة واجبة كما استدل به الزرقاني عليه كما في "الأوجز"، ومن أوجبها حمله على ما تقدم من الوجوه في كلام الحافظ.
(7 - باب سجدة {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ})
فيه تعريض على المالكية؛ لأنه ليس عندهم في المفصَّل سجدة، كذا في "الفيض"(2).
(8 - باب من سجد لسجود القارئ)
إشارة إلى مسألة خلافية كما ستأتي، وظاهر لفظ الترجمة أن ميل المؤلف إلى مسلك الحنابلة والمالكية، وبه جزم الحافظ، إذ قال(3): وفي الترجمة إشارة إلى أن القارئ إذا لم يسجد لم يسجد السامع، انتهى.
والصحيح من مسالك الأئمة الأربعة ما في هامش "اللامع"(4)، إذ قال: والجملة أن السجدة واجبة عندنا الحنفية على التالي والسامع مطلقًا قولًا واحدًا، سواء قصد السماع أم لا؟ وسواء كان التالي أهلًا للإمامة أم لا؟ وهكذا عند الشافعية في المرجح عندهم كما في فروعهم، إلا أن السجدة ليست بواجبة عندهم بل سُنَّة، كما سيأتي مفصلًا، فقالوا: إنها سُنَّة للسامع ومؤكدة على المستمع، وعند الحنابلة السجدة على السامع مشروط بثلاثة شروط: الاستماع، أي: قصد السماع، وأهلية التالي الإمامة للسامع، وسجدة التالي، وهكذا عند المالكية مع شرط رابع أن لا يقصد بتلاوته إسماع الناس، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (2/ 391).
(2) المصدر السابق (2/ 392).
(3) "فتح الباري" (2/ 556).
(4) انظر: "لامع الدراري" (4/ 215).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠١)
(9 - باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة)
كتب الشيخ في "اللامع"(1): لعله قصد بذلك إثبات أن السجود حتم لا يترك لعذر، والذي ترجم بعد ذلك بهذا العنوان لا يعنيه، فالغرض منه بيان الحكم لمن لم يجد موضعًا للسجود للزحمة ماذا يفعل، هل يؤخر إلى وقت غير وقته هذا، أو يسجد على ظهر آخر، أو يسقط عنه على حسب اختلافهم في ذلك؟ ولعدم تعيين إحدى الاحتمالات ترك الخبر مبهمًا، ولا يظهر من الرواية المذكورة ثمة شيء، انتهى.
وفي هامشه: وهذا واضح جيد، والعجب أن الشرَّاح كلهم سكتوا عن غرض الترجمة ههنا، وكذا سكتوا عن بيان الفرق بين الترجمتين، انتهى.
(10 - باب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود)
أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى المسألة الخلافية الشهيرة في سجدة التلاوة، هل هي واجبة أم لا؟ وكأن الإمام البخاري لم يوافق قول من أنكر الوجوب، ولذا ترجم بلفظ: "من رأى" كما قالوا في مثل هذه التراجم، كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم، وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز"(2).
والحاصل: أنها واجبة عند الحنفية، وسُنَّة مؤكدة عند الشافعية والحنابلة، وفضيلة أو سُنَّة قولان مشهوران للمالكية، وعن أحمد: أنها واجبة في الصلاة لا خارجها، انتهى من هامش "اللامع"(3).
(11 - باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها)
أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي قراءة السجدة في الصلاة، بسط الكلام عليها في "الأوجز"(4)، والجملة أنها--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (4/ 216).
(2) "أوجز المسالك" (4/ 275).
(3) "لامع الدراري" (4/ 218).
(4) "أوجز المسالك" (4/ 280).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٢)
جائزة بلا كراهة عند الشافعية إلّا أنهم قالوا: لا يقصد بقراءته السجدة في غير صبح جمعة، وإلا فتبطل صلاته لو سجد عالمًا بتحريمه، وعند الحنابلة مكروه في السرية دون الجهرية، فلو قرأ لم يسجد، وعند الحنفية كما في "الدر المختار"(1): يكره للإمام أن يقرأها في مخافتة، ونحو جمعة وعيد، وإلّا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو بسجودها، وأما مذهب المالكية فقد تقدم في "باب سجدة تنزيل السجدة".
(12 - باب من لم يجد موضعًا للسجود. . .) إلخ
تقدم الفرق بين هذا الباب وبين ما سبق من "باب ازدحام الناس. . ." إلخ، قال الحافظ(2): أي: ماذا يفعل؟ قال ابن بطال(3): لم أجد هذه المسألة إلّا في سجود الفريضة، وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة، واختلف السلف، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون وأحمد، وقال عطاء: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك والجمهور، وظاهر صنيع البخاري أنه يذهب إلى أنه يسجد بقدر استطاعته ولو على ظهر أخيه، انتهى من هامش "اللامع"(4).
ثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، ولا يبعد عندي أن يقال: إن السجود هبوط إلى الأرض شبيه بالهبوط إلى القبر، أو يقال: إنه يستأنس من قوله: ما يجد أحدنا مكانًا. . . إلخ، ففيه إشارة إلى كثرة الأموات حتى لا يجد موضعًا للدفن.
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: "الدر المختار" (2/ 720).
(2) "فتح الباري" (2/ 560).
(3) "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (3/ 64).
(4) "لامع الدراري" (4/ 216).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ١٠٣)