وقال الشيخ سعد الحصين -حفظه الله- عن هذه القصة كما في "مجلة الأصالة" العدد (24) 15/ شوال/ 1420 هـ (ص: 50 - 52):
التاريخ المدون وحده لا يصلح مرجعاً في أمور الشريعة، لأن التاريخ مبني على ظن كاتبه وعاطفته، والشريعة مبنية على يقين الوحي في الكتاب والسنة وفقه الأئمة الأولين في نصوصه، ولكن النفس البشرية إلا ما رحم ربي تميل إلى الباطل، ويثقل عليها الحق وقد استجاب أكثر خطباء ووعاظ القصص والفكر والحركية في العقود الثلاثة الأخيرة، لدواعي الهوى والعاطفة من النفس، ودوافع النفث والتسويل من الشيطان، فحولوا أكثر دروس العلم الشرعي وحلق الذكر وخطب الجمعة إلى أساطير من كتب التاريخ يحسبها الظمآن ماءً، حتى إذا جاءها وجدها ألواناً من السراب، تبعده عن الماء، وتصده عن الصراط المستقيم إليه، ومن هذه الأساطير أسطورة ألهبت حماس الشباب، وحناجرهم، وعواطفهم، وأضاعت شرع الله لخطبة الجمعة التي فرضها الله مرة في الأسبوع لتعليم المسلمين أحكام الإسلام، وتذكيرهم بأيام الله وآلائه، وإعدادهم للقائه وحسابه وجزائه، ومجمل الأسطورة أن علجاً من الروم أهان امرأة مسلمة، فصاحت وامعتصماه، فحركت صرختها غيرة المعتصم وغضبه، فأوطأجيش المسلمين أرض الروم أخذاً بثأر المرأة التي استنجدت به، وهدف الأسطورة تقديم مثل صالح قدوة لقادة المسلمين،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 373)
لتعود للإسلام عزته -قد تكون واحدة من الروايات- التي يتفنن وعاظ وخطباء الفكر والقصص، في نحتها والتغني بها صحيحة، ولكن ذلك لا يجعل المعتصم نفسه تجاوز الله عنا وعنه قدوة صالحة للراعي المسلم، ولا للرعية المسلمة للأسباب التالية:
• لم يُذكر المعتصم تجاوز الله عنا وعنه بالعلم الشرعي، بل قالت عنه كتب الأعلام: أنه كره العلم في صغره ومات شبه أمي.
• غزو المعتصم بلاد الروم وفتح عمورية كما يذكر التاريخ ليس من القتال في سبيل الله، إذا صدق كُتَّاب التاريخ في الرواية، فجيش المسلمين وأنفسهم وأموالهم لا تعرَّض للأخطار والأهوال غضباً، ولا من أجل الحمية، ولا لإظهار الشجاعة، وإنما يكون القتال لغرض واحد أن تكون كلمة الله هي العليا، قال الله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39)} {الأنفال: 39}. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، وفي رواية: ويقاتل غضباً فمن في سبيل الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) متفق عليه.
• لو كان مجرد الغزو والفتح مثالاً يحتذا لكان يزيد -تجاوز الله عنا وعنه- ابن معاوية رضي الله عنه أولى منه باتخاذه قدوة، فهو من كبار
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 374)
الطبقة الأولى من التابعين، وثاني ولاة المسلمين بعد عصر الخلفاء الراشدين عهد إليه بالولاية والده معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، أحد كبار الصحابة، ورواة الحديث، استكتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعمله في القيادة والولاية أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، وفتح الله في عهد يزيد على المسلمين المغرب الأقصى، وبخارى وخوارزم، وهو أول من غزا القسطنطينية، وكان أمير جيش المسلمين في هذا الغزو، وكان من بينهم بعض الصحابة، مثل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وعنهم أجمعين، ولكن العلماء المحققين يقفون من أمثال يزيد والمعصتم موقفاً وسطاً، فهم لا يحبونهم ولا يسبونهم تجاوز الله عمَّن مات لا يشرك بالله شيئاً.
• المعتصم تجاوز الله عنا وعنه أحدث من الفتنة في الدين شراً مما نُسب إلى يزيد من القتل في المدينة النبوية، قال الله تعالى {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} {البقرة: 191}. وكذلك ما افتراه عليه بعض فرق الضلال من الأمر بقتل الحسين رضي الله عنه. وقد امتحن المعتصم علماء الإسلام وبخاصة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، بفتنة خلق القرآن التي بدأت في عهد أخيه المأمون، واستمرت في عهده وعهد ابنه الواثق، حتى جاء ابنه المتوكل فأزالها، وانتصر للسنة ولإمام السنة وأخرجه من سجن الثلاثة -تجاوز الله عنا وعنهم-
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 375)
ورفعه إلى المقام الذي يليق به، في صدر مجلس الملك والحكمة، جزاهما الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
• إذا سلمنا بما أورده المؤرخون عن هذا كله، فكيف يُقرُ من وهبه الله نعمة الإسلام والعقل أن انتصار وليّ أمر المسلمين لرواية ظنية عن امرأة مجهولة الحال أرجح في ميزان العدل والإيمان من انتصار للسنة ومنهاج السنة وأئمة السنة؟!
لقد أوصل الفكر والحركية -بقلة نصيبهما من العلم والتثبت- أكثر شباب الصحوة في العقود الأخيرة إلى مثل ما أوصل الجهل والتقليد من قبلهم من الضُّلَّال عن منهاج النبوة في الدين والدعوة؛ فتغلب الهدف الأدنى على الهدف الأعلى، والمهم -بل غير المهم- على الأهم في علمهم وعملهم، في خطبهم ودعوتهم وكفاحهم. وإن نظرة صادقة، واستقراءاً محققاً للقضايا التي تحرَّك لها دعاةُ الفكر والحركية وأتباعهم، وبذلوا فيها أموال المسلمين وجهودهم وحماسهم، بل ودماءهم في العقدين الأخيرين، لتبيّن أن المحرك الأول والأخير: كسب الأرض باسم الدين! لا الدين نفسه الذي لا يكاد أكثر المسلمين يعرف وجه الحق فيه! ولم تكن هذه الأرض بأوثانها أو بدعها أو إلحادها تحرك ساكناً من القلوب والأبدان والألسن والهمم والأقلام، مِنْ قَبْل أن يثور الخلاف على التراب والولاية عليه. رد الله المسلمين جميعاً إلى دينهم رداً جميلاً. اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 376)
(29) قصة: (وصف حسَّان بن ثابت رضي الله عنه شاعر النبي صلى الله عليه وسلم بالجبن).
(لا تصح)
وخلاصة القصة: أنه اشتهر عند كثير من المؤرخين والكتاب أن حسَّان بن ثابت رضي الله عنه كان جباناً.
واستدلوا أن حسَّان بن ثابت رضي الله عنه كان في حصنٍ مع النساء والصبيان فجاء رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن، فطلبت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها من حسَّان أن ينزل فيقتله، فاعتذر حسّان وقال: ما أنا بصاحب هذا، فقامت صفية وشدت وسطها وأخذت عموداً، ثم نزلت إليه فضربته حتى قتلته.
هذا ملخص القصة التي اعتمدها كثيرون في رمي حسَّان بن ثابت بالجبن.
قلت: وقد ضعَّف جمع من أهل العلم هذه القصة، منهم:
(1) السهيلي رحمه الله، قال: مجمل هذا الحديث عند الناس على أن حسان كان جباناً شديد الجبن، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره وذلك لأنه حديث منقطع الإسناد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 377)
(2) ابن عبد البر رحمه الله في "الاستيعاب" (1/ 348) قال: وقال أكثر أهل الأخبار والسير: إن حساناً كان من أجبن الناس، وذكروا من جُبنه أشياء مستشنعة أوردوها عن الزبير أنه حكاها عنه، كرهت ذكرها لنكارتها. ومن ذكرها قال: إن حساناً لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من مشاهده لجبنه، وأنكر بعض أهل العلم بالخبر ذلك وقالوا: لو كان حقاً لهجي به. اهـ. …
(3) سماحة الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله قال ما معناه: إن ما يُقال في حسَّان ووصفه بالجبن كذب لا يصح، ولا يجوز أن يقال عنه فهو أحد الصحابة المشهورين، وأشعاره تدل على شجاعته، أما قصته مع صفية فلا أعلم لها أصلاً(1).
(4) شيخنا الوادعي-رحمه الله في تعليقه على "المستدرك" (4/ 139) رقم (6945 - 6946).
(5) أحمد بن مسفر الزهراني في "نقض إفتراءات المؤرخين والنقاد حول شخصية حسَّان بن ثابت".
(6) سليمان بن صالح الخراش في كتابه "حسَّان بن ثابت لم يكن جباناً".--------------------------------------------
(1) تحت المجهر" (ص: 140 - 141).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 378)
قلت: وقد ورد وصف حسَّان بن ثابت رضي الله عنه بالجبن في أكثر من رواية كلها لا تصح؛ منها:
(1) عن أم عروة بنت جعفر بن الزبير بن العوام عن أبيها عن جدها قال: لما خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه يوم أحد، خلفهنَّ في فارع وفيهنَّ صفية بنت عبد المطلب وخلف فيهنَّ حسان بن ثابت … إلخ. ذكر هذا الخبر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (2/ 521) وابن عساكر في "تاريخه". وهذه الرواية مسلسلة بالضعفاء والمجاهيل، فأم عروة بنت جعفر لا تعرف فهي مجهولة، ووالد أم عروة لا يعرف، وجد أم عروة لا يعرف، فهذه الرواية ضعيفة جداً.
(2) عن يونس بن بكير عن هشام عن أبيه عن صفية … إلخ. ذكرها الذهبي رحمه الله في "السير" (2/ 522) وهي ضعيفة، هشام وأبوه مجهولان(1).--------------------------------------------
(1) "اتهامات كاذبة" (1/ 37) للحازمي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 379)
(30) قصة: (الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية).
(باطلة)
وملخص هذه الوصية: أن رجلاً اسمه أحمد، زعموا أنه كان خادماً للحجرة التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه سهر ليلة من الليالي -ليلة الجمعة- يتلو القرآن، وبعد ذلك أخذته سنة من النوم، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم فناداه باسمه وقال: … يا شيخ أحمد، فقال: لبيك يا رسول الله … فذكر أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له أن أمته وقعت في كثير من المعاصي وسرد بعضها.
وفي ختام الوصية ذكر أن من يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد فإن له قصراً في الجنة …
(1) ذكر هذه الوصية المكذوبة محمد رشيد رضا في "مجلة المنار" في مواضع متفرقة … فقال في أثناء جواب له عن سؤال عن هذه الوصية:
هذه الوصية ملفقة، سبقها أمثال لها كثيرة، وكلها معزوة إلى اسم الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف، أو خادم الحجرة النبوية الطاهرة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 380)
وقال أيضاً: والظاهر أن الذين يلفقون هذه الوصايا من الجهال، يظنون أنه ربما يكون لنشرها تأثير عظيم في المسلمين، وأنهم يقصدون النفع، ويستحلون في التوسل إليه تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، كما كان يفعل بعض الوضاعين بأحاديث الترغيب والترهيب، مع علم أولئك بقوله صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فإنه روي متواتراً في الكتب الستة وغيرها من المسانيد والمعاجم عن عشرات من الصحابة، ثم ينسخها بعض العوام حيث لا مطابع، ويطبعونها في مثل هذه البلاد لتصديقهم بما في آخرها من الوعد والوعيد، ومن العجب أن الذين يجددون تلفيق الوصية لا يتركون اسم الشيخ أحمد، كأنه خالد في الحرم النبوي الشريف، وكأنه أعطي خدمة الحجرة الطاهرة خالدة تالدة لا تؤثر فيها أحداث الزمان ولا مرور السنين ولا تغير الحكومات، ويلوح في ذاكرتي أن بعض زوار المدينة سأل عن الشيخ أحمد هذا منذ سنين كثيرة فلم يجد في الحرم النبوي من يعرفه.
ومن دلائل كذب هذه الوصية أسلوبها العامي، على أن الوصية الجديدة دون ما سبقها في اللحن واصطلاحات العامية.
ومنها وهو أقواها: زعم مختلقها أن النبي صلى الله عليه وسلم صار محجوباً عن ربه وعن الملائكة، بسبب ذنوب الناس وهذه أعظم العقوبات التي توعد الله تعالى بها الفجار الكفار بقوله {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} {المطَّففين: 15}
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 381)
فجميع ما نعاه على المسلمين من المعاصي هو دون الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، بأصل الوصية والكذب على الله بزعمه أنه عاقب أفضل رسله بذنب غيره، كما يعاقب الكفار في الآخرة، وهو مغفور له بنص القرآن … إلخ كلامه. "مجلة المنار" (25/ 418 - 419).
وقال في موضع آخر: والوصية مكذوبة قطعاً، لا يختلف في ذلك أحد شم رائحة العلم والدين، وإنما يصدقها البلداء من الأميين، ولا شك أن الواضع لها من العوام الذين لم يتعلموا اللغة العربية، ولذلك وضعها بعبارة عامية سخيفة لا حاجة إلى بيان أغلاطها بالتفصيل، فهذا الأحمق المفتري ينسب هذا الكلام السخيف إلى أفصح الفصحاء وأبلغ البلاغاء صلى الله عليه وسلم. إلى أن قال: ولا شك أن واضع هذه الوصية متعمد لكذبها ولا ندري أهناك رجل يسمى الشيخ أحمد أم لا؟ "مجلة المنار" (7/ 615).
(2) ولسماحة الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله رسالة مستقلة بعنوان: "تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف" في إبطال هذه الوصية وبيان نكارتها من أربعة أمور، وإليك نص هذه الرسالة:
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين حفظهم الله بالإسلام، وأعاذنا وإياهم من شر مفتريات الجهلة الطغام، آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 382)
أما بعد:
فقد اطلعت على كلمة منسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف بعنوان: (هذه وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف).
قال فيها: كنت ساهراً ليلة الجمعة أتلو القرآن الكريم، وبعد تلاوة قراءة أسماء الله الحسنى، فلما فرغت من ذلك تهيأت للنوم فرأيت صاحب الطلعة البهية رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أتى بالآيات القرآنية والأحكام الشريفة رحمة بالعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فقال: يا شيخ أحمد. قلت: لبيك يا رسول الله يا أكرم خلق الله، فقال لي: أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة، ولم أقدر أن أقابل ربي، ولا الملائكة، لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفاً على غير دين الإسلام، ثم ذكر بعض ما وقع فيه الناس من المعاصي.
ثم قال: فهذه الوصية رحمة بهم من العزيز الجبار، ثم ذكر بعض أشراط الساعة.
إلى أن قال: فأخبرهم يا شيخ أحمد بهذه الوصية، لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد، ومن محل إلى محل، بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها، أو يرسلها، حرمت
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 383)
عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيراً أغناه الله، أو كان مديوناً قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه، ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله أسود وجهه بالدنيا والآخرة.
وقال: والله العظيم ثلاثاً هذه حقيقة، وإن كنت كاذباً أخرج من الدنيا على غير الإسلام، ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن كذَّب بها كفر.
هذه خلاصة ما في الوصية المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولقد سمعنا هذه الوصية المكذوبة مرات كثيرة، منذ سنوات متعددة، تنشر بين الناس فيما بين وقت وآخر، وتروج بين الكثير من العامة، وفي ألفاظها اختلاف.
وكاذبها يقول: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فحمَّله هذه الوصية، وفي هذه النشرة الأخيرة التي ذكرناها لك أيها القارئ.
زعم المفتري فيها: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين تهيأ للنوم لا في النوم.
فالمعنى أنه رآه يقظة.
زعم هذا المفتري في هذه الوصية: أشياء كثيرة هي من أوضح الكذب، وأبين الباطل، سأنبهك عليها قريباً في هذه الكلمة إن شاء الله، ولقد نبهت عليها في السنوات الماضية، وبينت للناس أنها من أوضح
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 384)
الكذب، وأبين الباطل، فلما اطلعت على هذه النشرة الأخيرة ترددت في الكتابة عنها، لظهور بطلانها وعظم جراءة مفتريها على الكذب، وما كنت أظن أن بطلانها يروج على من له أدنى بصيرة، أو فطرة سليمة، ولكن أخبرني كثير من الإخوان أنه قد راجت على كثير من الناس، وتداولوها بينهم وصدقها بعضهم، فمن أجل ذلك رأيت أنه يتعين على أمثالي الكتابة عنها، لبيان بطلانها، وأنها مفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يغتر بها أحد، ومن تأملها من ذوي العلم والإيمان، أو ذوي الفطرة السليمة، والعقل الصحيح، عرف أنها كذب وافتراء، من وجوه كثيرة، ولقد سألت بعض أقارب الشيخ أحمد المنسوبة إليه الفرية، عن هذه الوصية فأجابني بأنها مكذوبة على الشيخ أحمد، وأنه لم يقلها أصلاً، والشيخ أحمد المذكور قد مات من مدة، ولو فرضنا أن الشيخ أحمد المذكور، أو من هو أكبر منه، زعم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم أو اليقظة، وأوصاه بهذه الوصية، لعلمنا يقيناً أنه كاذب، أو أن الذي قال له ذلك شيطان، ليس هو الرسول صلى الله عليه وسلم لوجوه كثيرة:
الوجه الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُرى في اليقظة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ومن
زعم من جهلة الصوفية أنه يُرى النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة، أو أنه يحضر المولد أو ما أشبه ذلك فقد غلط أقبح الغلط، ولبس عليه غاية التلبيس، ووقع في خطأ عظيم، وخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، لأن الموتى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 385)
إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا، ومن قال خلاف ذلك فهو كاذب كذباً بيناً، أو غالط ملبس عليه، لم يعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح، ودرج عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان.
الوجه الثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول خلاف الحق لا في حياته ولا في وفاته، وهذه الوصية تخالف شريعته مخالفة ظاهرة من وجوه كثيرة، كما يأتي. وهو صلى الله عليه وسلم قد يُرى في النوم، ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه، لأن الشيطان لا يتمثل في صورته، كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف، ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي، وصدقه، وعدالته، وضبطه، وديانته، وأمانته، وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم في صورته، أو في غيرها، ولو جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث قاله في حياته من غير طريق الثقات العدول الضابطين لم يعتمد عليه، ولم يحتج به، أو جاء من طريق الثقات الضابطين ولكنه يخالف رواية من هو أحفظ منهم وأوثق، مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين لكان أحدهما منسوخاً لا يعمل به، والثاني ناسخاً يعمل به حيث أمكن ذلك بشروطه، وإذا لم يمكن ذلك ولم يمكن الجمع وجب أن تطرح رواية من هو أقل حفظاً، وأدنى عدالة، والحكم عليها بأنها شاذها لا يعمل بها، فكيف بوصية لا يُعرف صاحبها الذي نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تُعرف عدالته وأمانته، فهي والحالة هذه حقيقة بأن تُطرح ولا يُلتفت إليها، وإن لم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 386)
يكن فيها شيء يخالف الشرع، فكيف إذا كانت الوصية مشتملة على أمور كثيرة تدل على بطلانها، وأنها مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتضمنة لتشريع دين لم يأذن به الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار).
وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، وكذب عليه كذباً صريحاً خطيراً، فما أحراه بهذا الوعيد العظيم، وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة، وينشر للناس أنه قد كذب هذه الوصية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن من نشر باطلاً بين الناس ونسبه إلى الدين لم تصح توبته منه إلا بإعلانها وإظهارها حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه وتكذيبه لنفسه لقول الله عز وجل {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} {البقرة: 159 - 160} فأوضح الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن من كتم شيئاً من الحق لم تصح توبته من ذلك إلا بعد الإصلاح والتبيين، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة ببعث رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أوحى الله إليه من الشرع الكامل،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 387)
ولم يقبضه إليه إلابعد الإكمال والتبيين، كما قال عز وجل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} {المائدة: 3}. ومفتري هذه الوصية قد جاء في القرن الرابع عشر يريد أن يلبس على الناس ديناً جديداً، يترتب عليه دخول الجنة لمن أخذ بتشريعه، وحرمان الجنة، ودخول النار لمن لم يأخذ بتشريعه، ويريد أن يجعل هذه الوصية التي افتراها أعظم من القرآن وأفضل، حيث افترى فيها أن من كتبها وأرسلها إلي بلد، أو من محل إلى محل بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وهذا من أقبح الكذب، ومن أوضح الدلائل على كذب هذه الوصية، وقلة حياء مفتريها، وعظم جرأته على الكذب، لأن من كتب القرآن الكريم وأرسله من بلد إلى بلد أو من محل إلى محل لم يحصل له هذا الفضل إذا لم يعمل بالقرآن الكريم، فكيف يحصل لكاتب هذه الفرية وناقلها من بلد إلى بلد، ومن لم يكتب القرآن ولم يرسله من بلد إلى بلد لم يحرم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مؤمناً به تابعاً لشريعته، وهذه الفرية الواحدة في هذه الوصية تكفي وحدها للدلالة على بطلانها، وكذب ناشرها، ووقاحته، وغباوته وبعده عن معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الهدى.
وفي هذه الوصية سوى ما ذكر أمور أخرى كلها تدل على بطلانها وكذبها، ولو أقسم مفتريها ألف قسم أو أكثر على صحتها، ولو
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 388)
دعا على نفسه بأعظم العذاب، وأشد النكال على أنه صادق لم يكن صادقاً، ولم تكن صحيحة، بل هي والله ثم والله من أعظم الكذب، وأقبح الباطل، ونحن نشهد الله سبحانه ومن حضرنا من الملائكة، ومن اطلع على هذه الكتابة من المسلمين شهادة نلقى بها ربنا عز وجل، أن هذه الوصية كذب وافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخزى الله من كذبها، وعامله بما يستحق.
ويدل على كذبها وبطلانها سوى ما تقدم أمور كثيرة:
الأول منها: قوله فيها: (لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفاً على غير دين الإسلام) لأن هذا من علم الغيب، والرسول صلى الله عليه وسلم قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته، وهو في حياته لا يعلم الغيب، فكيف بعد وفاته لقول الله سبحانه وتعالى {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} {الأنعام: 50}. وقوله تعالى {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} {النمل: 65}.
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يُذاد رجال عن حوضي يوم القيامة، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ … شَيْءٍ شَهِيدٌ} {المائدة: 117}.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 389)
الثاني: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية، وأنها كذب قوله فيها: (من كتبها وكان فقيراً أغناه الله، أو مديوناً قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية) إلى أخره.
وهذا من أعظم الكذب، وأوضح الدلائل على كذب مفتريها، وقلة حيائه من الله ومن عباده، لأن هذه الأمور الثلاثة لا تحصل بمجرد كتب القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب هذه الوصية الباطلة، وإنما يريد هذا الخبيث التلبيس على الناس، وتعليقهم بهذه الوصية حتى يكتبوها ويتعلقوا بهذا الفضل المزعوم ويدعوا الأسباب التي شرعها الله لعباده، وجعلها موصلة إلى الغنى وقضاء الدين ومغفرة الذنوب، فنعوذ بالله من أسباب الخذلان وطاعة الهوى والشيطان.
الأمر الثالث: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية قوله فيها:
(ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة).
وهذا أيضاً من أقبح الكذب، ومن أبين الأدلة على بطلان هذه الوصية وكذب مفتريها، كيف يجوز عقل عاقل أن من لم يكتب هذه الوصية التي جاء بها رجل مجهول في القرن الرابع عشر، يفتريها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزعم أن من لم يكتبها يسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن كتبها كان غنياً بعد الفقر، وسليماً من الدين بعد تراكمه عليه،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 390)
ومغفوراً له ما جناه من الذنوب، سبحانك هذا بهتان عظيم. وأن الأدلة والواقع يشهدان بكذب هذا المفتري وعظم جرأته على الله وقلة حيائه من الله ومن الناس، فهؤلاء أمم كثيرة لم يكتوبوها فلم تسود وجوههم، وههنا جم غفير لا يحصيهم إلا الله قد كتبوها مرات كثيرة فلم يُقْضَ دينهم ولم يزل فقرهم، فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب، وهذه صفات وجزاءات لم يأت بها الشرع الشريف لمن كتب أفضل كتاب وأعظمه وهو القرآن الكريم، فكيف تحصل من كتب وصية مكذوبة، مشتملة على أنواع من الباطل، وجمل كثيرة من أنواع الكفر، سبحان الله ما أحلمه على من اجترأ عليه بالكذب.
والأمر الرابع: من الأمور الدالة على أن هذه الوصية من أبطل الباطل وأوضح الكذب قوله فيها: (ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن كذب بها كفر).
وهذا أيضاً من أعظم الجرأة على الكذب ومن أقبح الباطل، يدعو هذا المفتري جميع الناس إلى أن يصدقوه بفريته، ويزعم أنهم بذلك ينجون من عذاب النار، وأن من كذَّب بها كفر، لقد أعظم والله هذا الكذَّاب على الله الفرية، وقال -والله غير الحق- أن من صدَّق بها هو الذي يستحق أن يكون كافراً لا من كذب بها، لأنها فرية وباطل وكذب لا أساس له من الصحة، ونحن نشهد الله على أنها كذب، وأن مفتريها كذَّاب يريد أن يشرع ما لم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 391)
يأذن به الله، ويدخل في دينهم ما ليس منه، والله قد أكمل الدين وأتمه لهذه الأمة من قبل هذه الفرية بأربعة عشر قرناً، فانتبهوا أيها القراء والإخوان، وإياكم والتصديق بمثل هذه المفتريات، وأن يكون لها رواج فيما بينكم، فإن الحق عليه نور لا يلتبس على طالبه، فاطلبوا الحق بدليله، واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم، ولا تغتروا بحلف الكذَّابين، فقد حلف إبليس اللعين لأبويكم على أنه لهما من الناصحين، وهو أعظم الخائنين، وأكذب الكذَّابين كما حكى الله عنه ذلك في سورة الأعراف حيث قال سبحانه {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)} {الأعراف: 21}. فاحذروه واحذروا أتباعه من المفترين فكم له ولهم من الأيمان الكاذبة، والعهود الغادرة، والأقوال المزخرفة للإغواء والتضليل، عصمني الله وإياكم وسائر المسلمين من شر الشياطين، وفتن المضلين، وزيغ الزائغين، وتلبيس أعداء الله المبطلين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويلبسوا على الناس دينهم، والله متم نوره وناصر دينه ولو كره أعداء الله من الشياطين وأتباعهم من الكفار والملحدين.
وأما ما ذكره هذا المفتري، من ظهور المنكرات فهو أمر واقع، والقرآن الكريم والسنة المطهرة قد حذرا منها غاية التحذير، وفيهما الهداية والكفاية.
ونسأل الله أن يُصلح أحوال المسلمين، وأن يمن عليهم باتباع الحق، والاستقامة عليه والتوبة إلى الله من سائر الذنوب، فإنه التواب الرحيم والقادر على كل شيء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 392)