Arabic source text

📘 আন-নাবাউল আজিম - ত আমরুশ শারকাউই (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

📘 النبأ العظيم - ت عمرو الشرقاوي (محمد بن عبد الله دراز - ت 1377 هـ)

📘 আন-নাবাউল আজিম - ত আমরুশ শারকাউই (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
النبأ العظيم - ت عمرو الشرقاوي (محمد بن عبد الله دراز)القسم: علوم القرآن وأصول التفسير
الكتاب: النبأ العظيم، نظرات جديدة فى القرآن الكريم
المؤلف: محمد بن عبد الله دراز (ت: 1377 هـ - 1958 م)
اعتنى به: عمرو الشرقاوي
الناشر: عالم الآدب للترجمة والنشر - مصر
الطبعة: السادسة، 1444 هـ - 2022 م
عدد الصفحات: 312
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 17 رمضان 1445

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)

‌‌مقدِّمة الإصدار الثاني للكتاب
الحمد لله الذي أنزلَ على عبده الكتاب، هدى وذكرى لأولي الألباب، والصلاة والسلام على النبي الأوَّاب، مبلِّغ الكتاب، وعلى الآل والأصحاب، صلاة تدوم إلى يوم الحساب، ويكون لنا بها عند الله زلفى وحسن مآب، وبعد:
لقد ترك العلامة د. دراز رضي الله عنه كتبًا متنوِّعة، غير أنَّ أشهرها هو «النبأ»، وظل الكتاب هو المعرِّف بدراز، ولا تزال الأجيال جيلًا بعد جيل تعرف درازًا من خلال «النبأ»، وقد يكتفون به، وقد يلجون إلى عبقرية «دراز» من خلاله.
ولا نبالغ لو قلنا: إن الكتاب مفخرة من مفاخر عصرنا في التأليف.
ولنا أن نبحث عن سرِّ تميز الكتاب، وبلوغه هذه المنزلة، ولا شك أن لارتباط الكتاب بالقرآن المجيد المحفوظ، مع إخلاص صاحبه، فيما نحسب، أثرٌ في انتفاع الناس به، وبعد ذلك نقول:
أولًا: إن لشخصية الرجل، وارتباطه الدائم بالقرآن الكريم أثرٌ عظيم في كتابة كتابه، لقد كان الرجل يقرأ (ستة أجزاء من القرآن يوميًّا!)، كان الأليف المألوف، والمحبُّ العطوف، يرشد بمحبته كما يبين بحجته، كان ذا شخصية زاهدة هادئة، وإيمان قوي عميق، عزوفًا عن الدنيا ومباهجها، معرضًا عن المادة ومفاتنها، شاغلًا نفسه بالباقيات الصالحات، فكنت لا تراه إذا اختلى بنفسه إلا ذاكرًا لله، أو تاليًا لكتابه(1).--------------------------------------------
(1) حصاد قلم: (13)، فيلسوف القرآن، للشنقيطي: (26).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)

ولو تأمَّلنا جميع أعمال الرجل العلمية لوجدناها حول القرآن، وفي خدمته، ولو استمعت إلى أحاديثه الإذاعية عن القرآن لوجدتَّ قلبًا نابضًا يتحدث عن القرآن حديث العالم به، المحب له.
ثانيًا: لقد كان للقرآن أثره البالغ في أسلوب الشيخ وكتابته، انظر مثلًا إلى قوله من النبأ: «أرأيت هذه المراحل الأربع التي سلكها القرآن في دعوة بني إسرائيل كيف رتبها مرحلة مرحلة، وكيف سار في كل مرحلة منها خطوة خطوة.
فارجع البصر كرة أخرى إلى هذه المرحلة الأخيرة منها، لتنظر كيف استخدم موقعها هذا لتحقيق غرضين مختلفين، وجعلها حلقة اتصال بين مقصدين متنائيين.
فالتقى المقصدان فيها على أمر قد قدر.
ألم تر كيف بدأها بأن قص على المؤمنين مقالة أعدائهم في بعض حقائق الإسلام، وعمد إلى هذه الحقائق التي تماروا فيها، فجعل يمسح غبار الشبهة عن وجهها حتى جلَّاها بيضاء للناظرين»(1).
وهكذا يمضي الشيخ في أسلوب من امتزج القرآن بقلبه وعقله، حتى إنه قد اصطبغ بمفرداته، وأخذ من أنواره ما ظهر في كتابه المسطور.
بل إن ذلك يظهر في كتاباته الأخرى، يقول في رسالة لصديق له: «عزيزي أسعد الله وقتك، وأبعد عني سنتك، والله لقد أرقتني ذكراك في مضجعي، وأذهلتني في دراستي، وابتزَّت منى بضعة من زمن ما كان أحوجني إلى صرفها فيما ينفعني ولا يضرني بإثارة كوامن الصدور وإراقة دماء القلوب، لولا أنه القدر استحكم، والمقدور تحتَّم، والله أحكم الحاكمين.
قُضِيَ الأمر، ونفذ القضاء بهذا التنائي، وحيل بين الجسمين أن يتلاقيا، وبين القلبين أن ينالا حظهما من لذة القرب، ولكن ليت شعري هل من الحكمة--------------------------------------------
(1) وهذه سمة عامَّة في لغة الشيخ وتفسيره، انظر: التفسير الإذاعي: (604).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)

أن يترك القُل إذ لا يدرك الكل؟! وأن تجف الأقلام حيث قيدت الأقدام؟! كلا! والله وإن الشوق لشديد إلى نفثة من نفثات يراعكم هي في الحقيقة بعث من بعوث إنسانيتكم الرحيمة كي تداوي قلبًا صدعه الدهر شطرين، وليس له من دواء إلا بلسم خطابكم الشافي إن شاء الله تعالى، فإن كنتم تحبون أن تحققوا فيكم آمال أخٍ تجافت جنوبه عن المضاجع، وإلا فإني لا أستطيع أن أبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء»(1).
هكذا فليكن الارتباط بالقرآن! وهكذا ظهر «النبأ».
وكنت قد اعتنيت بالكتاب، وطبع عدة طبعات بحمد الله تعالى، ثم بدا لي أن أجدد النظر فيه بعد ورود عدد من التصويبات من القراء الكرام، فقمت بذلك بحمد الله وتوفيقه(2)، عبر الخطوات التالية:
أولًا: قدَّمت للكتاب بمقدِّمات:
الأولى: في التعريف بالشيخِ المؤلِّف، وكنت قد أغفلت ترجمته عمدًا في الإصدار الأول لشهرته، وكثرة من ترجم له، وقمت في هذا الإصدار بتلخيص مقاصد ترجمته، استجابة لعدد من القراء الكرام الذين رغبوا في ذلك.
الثانية: تلخيص مقاصد الكتاب، وعرض حججه من غير تفصيل، ليناسب شريحة أكبر من القراء، وليكون معينًا لهم على فهم الخيط الناظم للكتاب.
الثالثة: بيان موقف الفرق الإسلامية من القرآن العظيم، وذكر بعض الأدلة العقلية على نفي التحريف عن القرآن المجيد، ليعرف المسلم اتفاق الأمة الإسلامية على عظمة هذا الكتاب، ونذكر وجوهًا من عنايتهم بكتاب ربهم الذي أنزله لهدايتهم نورًا ورحمة لقوم يعقلون(3).--------------------------------------------
(1) حصاد قلم: (414).
(2) وقد ساعدني في هذا الأخ الكريم محمود ماهر، وأعانني على مراجعة الكتاب، فشكر الله له، وأشكر أيضًا الأخ الكريم الشيخ د. وليد العاصمي فقد أمدَّني بعدد من التصويبات للإصدار الأول منه، وشكر الله تعالى لكل من أرسل تصويبًا للكتاب، واعتنى بذلك.
(3) إن الشبهات المتعلقة بالقرآن، تنقسم إلى قسمين رئيسين:
الأول: الشبهات المتعلقة بالمصدرية والتاريخ.
وهذه الشبهات هي التي تتعلق بالقرآن، من حيث مصدرية الكتاب، وتتعلق به من حيث تاريخه، ويدخل فيها الشبهات المتعلقة: بجمع القرآن، والشبهات المتعلقة بالتحريف في النص القرآني من حيث الزيادة أو النقصان، والشبهات المتعلقة بالقراءات القرآنية.
الثاني: الشبهات المتعلقة بالمعاني.
والشبهات المتعلقة بالمعاني تتفرع إلى قسمين هي الأخرى، بحسب القدم والجدة:
أولًا: العقائدية وأثرها في تفسير القرآن الكريم.
ثانيًا: التأويلية المعاصرة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)

الرابعة: تلخيص كتاب «مدخل إلى القرآن» للمؤلف، لأنَّه مترابط مع كتابنا، ومكمل لبعض جوانبه، ومتشابه معه في الطرح(1).
الخامسة: أثبتُّ مقدِّمة الشيخ لكتاب: «الظاهرة القرآنية»، للأستاذ الكبير: مالك بن نبي، وهي متصلة بموضوع الكتاب، وفيها إشارات حسنة ينبغي الوقوف عليها(2).
ثانيًا: قمت بتصحيح الكتاب على أصح نسخه المطبوعة، واعتمدت على نسخة «دار الثقافة» كأصل؛ لأنَّها أقل النسخ من جهة الأخطاء، ولأنَّها خلت من التدخل في النص كما حصل في كثير من نسخ الكتاب.
وصححت بعض النصوص من نسخة «دار القلم» بعناية الشيخ الفاضل: مصطفى فضلية، وهو صاحب اعتناء كبير بكتب الشيخ دراز، وسيرته، ودراساته .. وغير ذلك مما يتصل بالشيخ رحمهما الله.
واعتمدت كذلك على نسخة «دار طيبة» بتصحيح الشيخ: عبد الحميد الدخاخيني، وهي النسخة المتداولة من فترة بين طلبة العلم، وبها يتواصون.--------------------------------------------
(1) وهو مع أهميته، مغفولٌ عنه عند عموم طلبة العلم، وهو حريٌّ بالدراسة والنظر، واستخراج آراء الشيخ محمد دراز المتعلقة بالقرآن وعلومه، والتي بثَّها فيه، وأصله إحدى الرسائل التي قدمها الشيخ بالفرنسية للحصول على الدكتوراه، وترجمت للعربية.
ومن الكتب المهمة المكملة لمقصود الكتاب:
1 - بحثٌ للدكتوراه مقدم من الدكتور محي الدين بن عمار، بعنوان: جهود محمد عبد الله دراز في التفسير الموضوعي .. دراسة وتحليل، وهو متاح على الشبكة.
2 - التفسير الإذاعي للقرآن الكريم عند العلامة الحكيم محمد عبد الله دراز، د. دعاء محمد رياض، وطبع بمركز إحياء للبحوث والدراسات.
(2) وقد أشار عليَّ بوضعها شيخنا الدكتور: طه نجا، حفظه الله، ونفعنا به، وجزاه عنِّي خير الجزاء.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)

ثالثًا: أعدت تخريج أحاديث الكتاب كاملةً، فالتخريج في الكتاب بأكمله لي، وإن لم أنبه على ذلك في بعض المواضع.
رابعًا: شرحت ما يمكن أن يشكِل من كلام الشيخ رحمه الله.
خامسًا: أضفت بهامش الكتاب عبارات توضيحية لمضامين فقرات الكتاب، ولم أتدخَّل في صلب الكتاب بشيء.
وفي ختام هذا التقديم، أود أن أهدي هذا العمل لأول من سمعت منه اسم الشيخ دراز، وتعرفت منه على هذا الكتاب العظيم، لقد تعرفت على الشيخ دراز أول ما تعرفت عبر كتابه «المختار من كنوز السنة»، ثم على كتابه الذي أشرُف بالتقديم له، والعناية به «النبأ العظيم» من شيخي، والذي هو مني بمقام أبي: أبي عبد الله أحمد بن أحمد العيسوي، حفظه الله، وأتم نعمه عليه وأرضاه.
وأسأل الله أن يتقبله بقبول حسن، وأن ينفع به طلبة العلم وأهله .. وإني لأرجو ألا يبخل عليَّ أحدٌ طالع هفوة في هذا الكتاب - منِّي -، أو شيئًا يحسن إيراده مكان شيء، أن يعجل بإخباري، وإني له لشاكر، ولنصحه - إن شاء الله - لممتثل .. والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
عمرو صبحي علي الشرقاوي
[email protected]

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)

‌‌المقدمة الأولى: التعريف بالمؤلِّف

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)

*‌‌ مقدمة في أهمية معرفة الأعلام:
قال ابن عبد البر (ت: 463) عن سير التابعين وأئمة المسلمين: «وقد جمع الناس فضائلهم وعنوا بسيرهم وأخبارهم، فمن قرأ فضائلهم وفضائل مالك وفضائل الشافعي وفضائل أبي حنيفة بعد فضائل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وعني بها، ووقف على كريم سيرهم وسعى في الاقتداء بهم، وسلك سبيلهم في علمهم وفي سمتهم وهديهم كان ذلك له عملًا زاكيًا نفعنا الله عز وجل بحبهم جميعهم»(1).
وقال ابن الصلاح (ت: 643): «وقد روينا عن مسلم بن الحجاج صاحب (الصحيح) رضي الله عنه أنه قال: (إن أول ما يجب على مبتغي العلم وطالبه أن يعرف مراتب العلماءَ في العلم، ورجحانَ بعضِهم على بعض، ولأن المعرفة بالخواص آصرةٌ ونسب، وهي يوم القيامة وُصلَة إلى شفاعتهم وسبب، ولأنَّ العالم بالنسبة إلى مقتبس علمه بمنزلة الوالد بل أفضل، فإذا كان جاهلًا به فهو كالجاهل بوالده بل أضل).
ولعمري إن من يسأل من الفقهاء عن المزني والغزالي مثلًا، فلا يهتدي إلى بعد ما بينهما من الزمان والمنزلة؛ لمنسوب من القصور إلى ما يسؤوه، ومن النقص إلى ما يهيضه»(2).
وقال ابن الجوزي (ت: 597): «فالله الله وعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال:
فاتني أن أرى الديارَ بطرفي … فلعلي أرى الديار بسمعي»(3).
وقال النووي (ت: 676): «وهذا من المطلوبات المهمات، والنفائس الجليلات، التي ينبغي للمتفقه والفقيه معرفتها، وتقبح به جهالتها، فإن شيوخه في العلم آباء في الدين، وصلة بينه وبين رب العالمين، وكيف لا يقبح جهل--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضله: (2/ 1117).
(2) طبقات الفقهاء الشافعية: (1/ 75).
(3) صيد الخاطر: (454).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)

[الإسناد](1) والوُصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب، مع أنه مأمور بالدعاء لهم، وبرهم، وذكر مآثرهم، والثناء عليهم، وشكرهم»(2).
وقال ابن تيمية (ت: 728): «والكمال لا يحصل إلا بالعلم والقدرة والإرادة التي أصلها المحبة، وحيث كان الإنسان يلتذ بالعلم فلا بد أن تكون هناك محبة لما يلتذ به.
فتارة يكون المعلوم محبوبًا يلتذ بعلمه وذكره، كما يلتذ المؤمنون بمعرفة الله وذكره، بل ويلتذون بذكر الأنبياء والصالحين، ولهذا يقال: (عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة)، بما يحصل في النفوس من الحركة إلى محبة الخير، والرغبة فيه، والفرح به، والسرور واللذة والأمور الكلية تحب النفس معرفتها لما فيها من الإحاطة التي توصلها إلى معرفة المعينات»(3).--------------------------------------------
(1) في الأصل: (الإنسان)، وهو خطأ.
(2) تهذيب الأسماء واللغات: (1/ 17 - 18)، وقال: «اعلم أن لمعرفة أسماء الرجال، وأحوالهم، وأقوالهم، ومراتبهم، فوائد كثيرة، منها: معرفة مناقبهم، وأحوالهم، فيتأدب بآدابهم، ويقتبس المحاسن من آثارهم، ومنها مراتبهم وأعصارهم، فينزلون منازلهم، ولا يقصر بالعالي في الجلالة عن درجته، ولا يرفع غيره عن مرتبته.
ومنها أنهم أئمتنا وأسلافنا، كالوالدين لنا، وأجدى علينا في مصالح آخرتنا التي هي دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا، فيقبح بنا أن نجهلهم وأن نهمل معرفتهم»، تهذيب الأسماء واللغات: (1/ 10 - 11).
(3) الصفدية: (2/ 269).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)

(1)

‌‌مفتاح الشخصية: (مصاحبة الوحي)
يقول أحمد حسن الزيات (ت: 1968): «رجلان يُرْبكان الكاتب إذا حاول أن يكتب عنهما: رجلٌ لا يستطيع أن يجدَ ما يقوله فيه، ورجلٌ لا يستطيع أن يَختصر ما يعرفه عنه»(1).
ولا شك أن العلامة د. محمد دراز (ت: 1377 - 1958) من الضرب الثاني(2).
ويكفينا لمعرفة ضخامة هذه الشخصية أن اسمه قد اقترن بالقرآن، والإنسان يأخذ من أنوار القرآن المجيد بحسب اتصاله به.
لقد كان العلامة د. دراز دائم الاتصال بالوحي قرآنًا وسنة.
أمَّا القرآن المجيد، فيقول عنه صديقه العلامة الكبير الشيخ محمد أبو زهرة (ت: 1974): « .. ثم يذهبُ كلٌّ منَّا إلى مَضْجعِه بعد أن يَؤُمَّنا في صلاةِ العشاء، ولكنه هو يستمرُّ في صَلَواتِه، كان يَتَخفَّفُ من النوم، فكان نومُه قليلًا كنوم الأنبياء، ثم يقومُ الليلَ مُصلِّيًا متهجِّدًا، أو قارئًا للقرآن، وكان رضي الله عنه قد أخذَ نفسَهُ بقراءةِ سُدُسِ القرآنِ في كلِّ يوم، وما كنتَ تراهُ إذا اخْتَلَى بنفسِه إلا مُصَلِّيًا، أو قارئًا للقرآن».
تلك هي حياة الشيخ: للقرآن، ومع القرآن، ولذلك أبقى الله ذكره، وأدام اتصال الناس جيلًا بعد جيل بكتاباته، ينتفعون بها، ويغترفون منها.--------------------------------------------
(1) مجلة الرسالة: (1/ 398 شاملة).
(2) استفدت عامة هذه الترجمة، ومراجعها من الكتب التالية:
1 - جهود محمد عبد الله دراز في التفسير الموضوعي، د. محي الدين بن عمار، رسالة دكتوراه، من جامعة الحاج لخضر، الجزائر: (2012).
2 - النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين: (2/ 239 - 256).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)

وأمًّا السنة، فيقول هو عن نفسه: «أروي (صحيح البخاري)، وجُلَّ (صحيح مُسلم)، مِنْ طَريقِ شُيُوخِنا المصريين قراءةً منهم، وأنا أسمع.
وأمَّا سائر كتب السنة فبالإجازة كتابةً من عالم المغرب السيد محمد عبد الحي الكتاني المحدث المشهور، عند اجتيازه للديار المصرية في طريقه إلى الحج، وبالإجازة والمناولة ومقابلة النسخ والقراءة للبعض والسَّماع للبعض الآخرِ مِنْ أُستاذنا الكبير القارئ المحدثِ الأصولي الفقيه الأديب، الجامع بين أسانيد المشارقة والمغاربة الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي نزيل مِصرَ منذ أعوام»(1).--------------------------------------------
(1) المختار من كنوز السنة: (19).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

(2)

‌‌النشأة الأولى
ولد الشيخ عام (1894) في قرية (محلة دياي) التابعة لمحافظة (كفر الشيخ)، والتي تقع أقصى شمال (مصر) في (دلتا النيل).
والده هو الشيخ «عبد الله دراز» (ت: 1932)(1)، عالمٌ أصوليٌّ، تتلمذ لعدد من أعلام عصره، منهم الشيخ محمد عبده (ت: 1905)، والشيخ سليم البشري (ت: 1917)، والشيخ محمد بخيت المطيعي (ت: 1935)، وقد حقق وشرح «الموافقات»، لأبي إسحاق الشاطبي (ت: 790)، وأشرف ولده على طباعته(2).
وكان الشيخ عبد الله دراز «يأخذ منزله بآداب التقوى؛ يؤم أهله في صلاتي العشاء والفجر، ويقرأ صحيح البخاري في ليالي رمضان، ويسهر على تثقيف أبنائه، وتعويدهم على سنن الخير صلاة وصيامًا وزكاة وحبًّا للمعروف، وبعدًا عن الدنايا»(3).
وقد أخذ عنه ولده «شغفه بكتاب الله، فأخذ عنه ضرورة التلاوة لستة أجزاء منه كل يوم، وما ترك هذه العبادة يومًا من الأيام، وما كنت تراه إلا قارئًا للقرآن، وقراءة عالم مفكر مثله لهذا الورد اليومي، لابد أن تفتح عليه بما يضيء بصيرته، ويمده بأوفر الزاد الشهي»(4).
حفظ الشيخ القرآن، واستظهر بعض المتون العلمية الذائعة لوقته، ثم التحق بالأزهر الشريف، وكان متقدِّمًا في امتحاناته السنوية، ونال الشهادة العالمية عام (1916)، وعُيِّن مدرسًا بالأزهر؛ لأنه الأول في ترتيب الامتحانات، وتعلم الفرنسية، وأتقنها في ثلاث سنوات(5).--------------------------------------------
(1) تنظر ترجمته في تحقيق مشهور آل سلمان للموافقات: (6/ 57 - 67).
(2) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (2/ 243).
(3) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (2/ 242).
(4) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (2/ 255).
(5) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (2/ 242).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

(3)

‌‌هدهد قومه (1)
سافر الشيخ إلى فرنسا عام (1936) مع البعثة التي اختيرت للسفر، ومكث هناك أزيد من عشر سنوات وتحصل على درجة الدكتوراة في رسالته الشهيرة: «دستور الأخلاق في القرآن»(2).
يقول الشيخ أبو زهرة (ت: 1974): «ولقد فارقَنا الدكتور محمد عبد الله دراز إلى أوروبا كما فارقَنا غيرُه، وأقامَ في فرنسا ما شاءَ اللهُ أن يُقيم، وكانتْ إقامتُه أكثرَ من إقامةِ غيرِه أمدًا، وكانت أوفرَ إنتاجًا، فقد أقامَ فيها نحوَ اثنتي عشرةَ سنة، نالَ فيها أعلى الدرجاتِ العلميةِ هنالك.
ولقد عادَ بعدَ هذه الرحلةِ الطويلةِ الشاقَّةِ المُجْهِدَة، وتوقَّعنا أن نجدَ تغيُّرًا في مظهرِه أو مَلْبسِه أو عاداتِه، أو تديُّنِه، كما رأيْنا في بعضِ مَنْ ذهبُوا وأقاموا بعضَ إقامتِه، ولكنَّا وَجَدناهُ كما تَرَكَنا خُلُقًا ودينًا وإيمانًا، فأثبتَ بذلك سلامةَ جوهرِه، لأن جيِّدَ المعادنِ تجلوه التجاربُ وتصقلُه الحوادث من غيرِ أن يفنى ويَبلى.
ولقد ازدادَ استمساكًا بدينِه، وتشدُّدًا فيه، فزاد بهاءً ونورًا وجلالًا.
لم تُقطَع صلتي النفسيَّةُ بذلك الأخِ النابِغةِ منذُ تَعَارفنا، وإن غابَ عني أمدًا، التقينا من بعدِ الغياب، وأُنسُ اللقاءِ يقضي على زمانِ الابتعاد، وكأنّه يطويه أو يمحوه».
ويقول ختَنه الدكتور السيد محمد بدوي: «وكنت مع الطلبة العرب في باريس نلتمس في رحاب الأستاذ الجليل ما نحتاج إليه من رعاية في وقت الشدة، وكان هو يجمعنا في منزله في المناسبات الدينية والقومية ليشعرنا بما--------------------------------------------
(1) إشارة إلى أن الشيخ لم يتأثر بالغرب في باطلهم، ولم يغتر بهم، بل ثبت ثبات المؤمن، كما ثبت هدهد سليمان عليه السلام وتحسر أنه وجد قومًا آتاهم الله ما آتاهم، لكنهم يعبدون الشمس من دون الله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض!
(2) محمد عبد الله دراز، دراسات وبحوث، بأقلام تلاميذه ومعاصريه: (14).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

افتقدناه من جو عائلي بسبب بعدنا عن الأوطان.
وكنَّا نجد عنده كرم الضيافة العربية، ونستمتع بأحاديثه ومناقشاته في شؤون الدين والعلم والسياسة.
وكان رحمه الله لا يضيق بما نثيره من آراء متطرفة أحيانًا، بل يفندها بروح العالم المستنير، وفي سماحة ورحابة صدر، ولا يزال بنا حتى يقنعنا بوجهة نظره المستندة إلى البرهان العلمي والمنطقي»(1).
ولم تكن رحلته في فرنسا بالرحلة المترفة، بل قاسى الشيخ فيها، وتحمل، يقول صهره د. السيد بدوي عن رسالته «دستور الأخلاق في القرآن الكريم»: «وقد استغرقت كتابة هذه الرسالة ما يقرب من ست سنوات.
ويبدو أن العالم الجليل قد شرع فيها في عام (1941) بعد أن انتهت حملة فرنسا، وعاد إلى باريس بعد سنة أمضاها في (بوردو - بجنوب غرب فرنسا) حين اقتربت الجيوش النازية من العاصمة الفرنسية وأصبح سقوطها وشيكًا، وإذا أضفنا إلى هذه السنوات الست خمس سنوات قبلها أمضاها الأستاذ في التعرف على مناهج العلوم في الغرب وتحضير درجة الليسانس، فإنه يكون قد أمضى ما بين إعداد العدة وتنفيذ مشروعه حوالي أحد عشر عامًا.
ولم تكن هذه بالفترة الطويلة إذا قدرنا ما اكتنفها من سنوات الحرب العصيبة، وما أثارته هذه الحرب من مشكلات مادِّية ونفسية كان الأستاذ يتحمل عبئها، ويحاول إبعادها عن أسرته الكبيرة التي صحبته في غربته.
وأذكر أنه اضطر - أثناء هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا - لقضاء أيام طويلة مع أسرته في مخبأٍ تحت الأرض، كان يجمع فيه أوراقه التي يحرص عليها ويشتغل وسط القنابل التي كانت تدوي من حوله، على ضوء شمعة أو مصباح خافت.
وتمت مناقشة الرسالة أمام لجنة مكونة من خمسة من أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس في (15 - 12 - 1947)»(2).--------------------------------------------
(1) دستور الأخلاق في القرآن: (7).
(2) دستور الأخلاق في القرآن: (8 - 9).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

(4)

‌‌مشعل النور
كان الشيخ رحمه الله يمثل الأزهر في العديد من المؤتمرات الدولية؛ فمنها كلمته عن السلام والإسلام في مؤتمر الأديان بباريس عام (1939)، ومثَّل المشيخة في مؤتمر الحقوق الدولية في باريس عام (1951)، ببحثه عن الربا، وكانت آخر المؤتمرات التي مثل فيها الأزهر مؤتمر الأديان العالمي في لاهور بباكستان عام (1958)، وكان بحثه الذي قدم حول: «موقف الإسلام من الأديان الأخرى وعلاقته بها»، وكانت آخر محاضرة له؛ إذ لبى نداء ربه أثناء انعقاد المؤتمر وقبل أن يلقي كلمته بسكتة قلبية مفاجئة، وذلك في يناير (1958)، وعاد جثمانه إلى مصر، وشيعت جنازته بعد أن صلى عليه في (الجامع الأزهر)، قال عن الشيخ محمود شلتوت (ت: 1963): «لقد مات مشعل النور الذي أطفأ مشاعل الجهل»(1).--------------------------------------------
(1) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (2/ 245)، محمد عبد الله دراز، دراسات وبحوث، بأقلام تلاميذه ومعاصريه: (173 - 174)، حصاد قلم: (363).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

(5)

‌‌الُّلباب
«من المهم أن ننبه القارئ غير المتمرس بأعمال دراز إلى أن لُباب فكره يوجد في أربعة كتب وهي (دستور الأخلاق في القرآن)، و (الدين)، و (النبأ العظيم)، و (مدخل إلى القرآن الكريم).
ففي هذه الأعمال سكب دراز روحه وعقله، فهي تُغني غير المتخصص عما سواها، وما عداها من أعمال دراز مجرد توليد وتقريب لما ورد من أفكار كبرى في هذه الكتب الأربعة.
كما أن هذه الكتب - مع (المختارات من كنوز السنة)، و (الميزان بين السنة والبدعة) هي التي وضع دراز عناوينها، أمَّا ما سواها من أعمال فهي جمع لمقالات ومحاضرات متناثرة، وقد وضع جامعوها لها عناوين من تلقاء أنفسهم»(1).--------------------------------------------
(1) فيلسوف القرآن، للشنقيطي: (41)، وأنبه أن من الأعمال الجيدة التي صدرت مؤخرًا: جمع التفسير الإذاعي للشيخ رحمه الله، وقد جمعته د. دعاء محمد رياض، ونشر بعنوان: (التفسير الإذاعي للقرآن الكريم عند العلامة الحكيم محمد عبد الله دراز»، وطبع بمركز إحياء للبحوث والدراسات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

‌‌المقدِّمةُ الثانية
تدعيمُ مقاصدِ كتاب «النَّبأ العَظيم»

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

المقصود بالقرآن في كلامنا، هو: «كتاب الله، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المحفوظ بين الدفتين، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، والمتحدَّى بأقصر سورة منه».
ولقد جاء في القرآن ذاتِه تحديد مصدره، وأنه كلام الله جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وليس لمحمد عليه الصلاة والسلام في القرآن سوى:
(1) الوعي والحفظ، ثم (2) الحكاية والتبليغ، ثم (3) البيان والتفسير، ثم (4) التطبيق والتنفيذ.
[مجمل الحجج في الكتاب]
ويمكننا أن نقسم الحجج على مصدريَّة القرآن إلى قسمين:
1 - الحجج الخارجية.
ونعني بها: البحث عن القرآن من خارجه، لا من جوهره.
2 - الحجج الداخلية.
ونعني بها: البحث عن القرآن في جوهره.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

‌‌القسم الأول: الحجج الخارجية
‌‌الحجة الأولى: إقرار محمد صلى الله عليه وسلم أن القرآن ليس من عنده
‌‌[إقرار محمد صلى الله عليه وسلم أن القرآن ليس من عنده]
لقد أقر النَّبي صلى الله عليه وسلم على نفسه أنَّ القرآن الذي جاء به ليس من كلامه، وإنَّما هو وحي من ربه إليه.
وحجيَّة هذا الإقرار: أنَّ القرآن حجَّ العرب، وعجزوا أمامه، فالمصلحة تقتضي أن ينسب محمد صلى الله عليه وسلم القرآن له، لتروج زعامته، ويرتفع قدره عند هؤلاء القوم، ولم يفعل، وحاشاه أن يفعل!
وإنما لم يفعل؛ لأنَّه صادق أمين، ولم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله.
فإن قال قائل: إنَّه لم يفعل ذلك إلا ليستجلب مزيدًا من الأتباع بنسبة هذا الكلام للرب، ويستدعي لنفسه طاعة وسلطانًا.
فنقول: هذا الكلام فاسد من جهتين:
الجهة الأولى:
أنَّ محمدًا عليه الصلاة والسلام قد صدر عنه الكلام الذي نسبه لنفسه، والكلام الذي نسبه لربه، وأوجب القرآن على الناس طاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

طاعته من طاعة الله تعالى، فهلَّا جعل كل أقواله من كلام الله كما يقول هذا القائل.
الجهة الثانية:
أنَّ هذا الكلام مبني على افتراض باطل، هو: أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد سوَّغ لنفسه أن يصل إلى مقصده، ولو بالكذب والتمويه.
وهذا باطل؛ لأن سيرةَ محمد صلى الله عليه وسلم، وأحوالَه تأبى ذلك.
فإنَّ صفاته وشمائله قبل النبوة وبعدها، تأبى أن يكون كاذبًا، فقد كان أعداؤه قبل أصحابه يشهدون له بالصدق، والأمانة، ولم يقل أحد منهم قط: إنَّه كاذب.
ثم إن في تأخر نزول الوحي عليه في الحوادث المهمة، والتي تتعلق بشأنه الخاص، كحادثة الإفك، والآيات التي تشتمل على عتابه عليه الصلاة والسلام، وتوقفه في تأويل بعض الآيات حتى ينزل الوحي، وسائر أموره العامة = كل ذلك دليل على بطلان أن تكون هذه الشخصية من الشخصيات التي تتوصل إلى مرادها بالكذب والتمويه.
إن صاحب هذا الخلق العظيم وصاحب تلك المواقف المتواضعة بإزاء القرآن، ما كان ينبغي لأحد أن يمتري في صدقه حينما أعلن عن نفسه أنه ليس هو واضع ذلك الكتاب، وأن منزلته منه منزلة المتعلم المستفيد، بل كان يجب أن نسجل من هذا الاعتراف البريء دليلًا آخر على صراحته وتواضعه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)