[قوله حدثنيه على بن مجاهد إلخ] كان جرير قد تداخله النسيان في كبره فأراد أن ينبه أن روايتي هذه مما يرويها علي بن مجاهد عني فكان إسناده أولاً: حدثني علي بن مجاهد قال حدثنا جرير عن ثعلبة عن الزهري، ثم آل أمر الإسناد بعد أخذ جرير عن مجاهد (1) حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا جرير قال حدثنا علي بن مجاهد قال حدثنا جرير عن ثعلبة عن الزهري ولما كان علي بن مجاهد ثقة أخذ أستاذه بقوله وإن لم يتذكر روايته (2) إياه، فأفهم، ومن العجائب في هذا المقام ما وقع لبعض من لا ممارسة له بهذا الفن فقال علي بن مجاهد عنين بكسر العين وتشديد الياء والنون فقال معناه أن عليًا وإن كان عنينًا غير قادر على النساء إلا أنه ثقة فسبحان الله.
[قوله عن ربيعة بن يزيد] هذا هو المعطوف عليه لقوله عن أبي عثمان لا كما يتوهم من ظاهر العبارة أن عقبة (3) بن عامر وأبا عثمان في درجة واحدة بل الأمر على ما وصفناه من العطف، وكذلك فيما بعد في قوله عن معاوية بن صالح عن--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل والصواب بعد أخذ جرير عن علي بن مجاهد.
(2) قال الحافظ في شرح النخبة: إن روى عن شيخ حديثًا وجحد الشيخ مرويه فإن كان جزمًا كان يقول كذب على أو ما رويت له رد ذلك الخبر لكذب واحد منهما لا بعينه ولا يكون ذلك قادحًا في واحد منهما للتعارض أو كان جحده احتمالاً، قبل ذلك الحديث في الأصح لأن ذلك يحمل على نسيان الشيخ وقيل لا يقبل، وفي هذا النوع صنف الدارقطني كتاب ((من حدث ونسى)).
(3) هكذا في الأصل والصواب على الظاهر محله أبا إدريس فتأمل ثم لا يذهب عليك أن لفظ ((أشهد)) يوجد في جميع النسخ الهندية في الموضعين، ولا يوجد في المصرية في الموضع الثاني، وكذا نفاه صاحب المشكاة فقال رواه الترمذي في جامعة إلا كلمة ((أشهد)) قبل أن محمدًا، انتهى، فتأمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر عن عمرو عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عمر، ويمكن أن يقال إن زيد (1) بن حباب أخطأ في هذا الإسناد في موضعين في ترك الراويين عن عمرو هما عقبة بن عامر وجبير بن نفير، وفي جعل أبي إدريس شريكًا لأبي عثمان فجعلهما تلميذًا على أستاذ مع أنهما مختلفان في الأخذ وبينهما وسائط لا تخفى فإن ربيعة وأبا عثمان قد حدثا معاوية بن صالح ولم يأخذا عن واحد بل أخذ أبو عثمان عن جبير وأخذ ربيعة عن أبي إدريس هذا وقد ذكر النووي في شرحه (2) على المسلم ما نصه، اختلفوا من القائل لقول ((وحدثني أبو عثمان)) فقيل معاوية بن صالح، وقيل ربيعة، والصحيح الأول فمعاوية يروي بإسنادين أحدهما عن ربيعة عن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة والثاني عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة، انتهى، فأفهم وتذكر.
[وقوله كثير شيء] أي شيء معتبر يعتد به وهذا ذهول منه فإن حديث الباب رواه مسلم في صحيحه بإسناد (3) جيد.
[كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع] وهو مكيل يسع أربعة أمداد والمد--------------------------------------------
(1) أي على رأي الترمذي إذ حمل الوهم فيه على زيد كما سيجيئ عن النووي وإليه أشار المصنف بقوله ((قد حولف زيد بن الحباب في هذا الحديث وإلا فرأى النووي أن زيدًا بريتي من هذه العهدة كما سيأتي.
(2) وبسط الكلام عليه فأرجع إليه ورد على الترمذي إذ قال قال: أبو علي وقد خرج الترمذي هذا الحديث من طريق زيد بن الحباب عن شيخ له لم يقم إسناده عن زيد وحمل أبو عيسى في ذلك علي زيد بن الحباب وزيد بريتي نم هذه العهدة والوهم في ذلك من أبي عيسى أو من شيخه الذي حدثه به لأنا قدمنا من رواية أئمة حفاظ عن زيد بن الحباب ما خالف ما ذكره أبو عيسى، وذكره أبو عيسى أيضًا في كتاب العلل وسؤالاته محمد بن إسماعيل البخاري فلم يجوده وأتى فيه عنه بقول يخالف ما ذكرنا عن الأئمة ولعله لم يحفظه عنه.
(3) ولذا تعقب الحافظ في التلخيص كلام الترمذي فقال لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
رطل وثلث وبه قالت الشافعية وفقهاء الحجاز، وقيل المد رطلان وبه قالت الحنفية فالصاع ثمانية أرطال وقد ثبت رجوع أبي يوسف (1) إلى مذهب الشافعية لما ورد المدينة مع الخليفة هارون الرشيد (2) فأراد أن يتكلم مع فقهاء المدينة وكان ذا فصاحة ولسان وصاحب تقرير وبيان فامتنعوا أن يتكلموا معه وكان قد ألزم مالكًا رحمه الله من قبل وكان السبب في ذلك أن الرشيد لما وصل المدينة وكان معه أبو يوسف أراد أن تقع بين ذينك الإمامين مناظرة كما هو دأب أرباب الدولة والثروة وكان مالك رضي الله تعالى عنه قد صم فسأله أبو يوسف عن سجدتي السهو (3) قبل--------------------------------------------
(1) على ما هو المشهور في الفقه وشروح الحديث، وقال ابن عابدين: وفي الزيلعي والفتح اختلف في الصاع فقال الطرفان ثمانية أرطال بالعراقي، وقال الثاني (أي أبو يوسف) خمسة أرطال وثلث، وقيل لا خلاف لأن الثاني قدره برطل المدينة لأنه ثلاثون أستارًا والعراقي عشرون وإذا قابلت ثمانية بالعراقي بخمسة وثلث بالمدني وجدتهما سواء وهذا هو الأشبه لأن محمدًا لم يذكر خلاف أبي يوسف وهو أعلم بمذهبه وتمامه في ((الفتح)).
(2) وكان الخليفة كثير الحج قيل أنه كان يحج سنة ويغزو سنة وفيه يقول بعض شعرائه:
فمن يطلب لقاءك أبو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثغور
وفي سيرة مغلطائي قد كان حج تسع حجج وغزا ثماني غزوات، كذا في ((الخميس)) وذكر ابن قتيبة في كتاب الإمامة خروج الرشيد سنة أربع وسبعين ومائة إلى مكة ثم إلى المدينة وسماع الموطأ عن مالك بقراءة حبيب كاتب الرشيد وسؤال أبي يوسف أن يجمع بينه وبين مالك ليكلمه في الفقه وأنف مالك إلى آخر ما ذكره لكنه لم يذكر هذه القصة.
(3) ذكر أهل الفروع هاتين المسألتين في بابهما وذكر قصة الصاع أهل السير والحديث في كتب الرواية والشروح أيضًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
السلام أو بعده فأجاب عنه مالك حسب مذهبه إن زاد بسهوه شيئًا في صلاته فبعد السلام، وإن نقص فقبله فقال أبو يوسف فإن أتى بهما أي الزيادة والنقصان معًا فسكت مالك ولم يدر ما يقول له فقال الرشيد لمالك ما لك لا تجب يا إمام فقال أبو يوسف أشيخ يخطئ مرة فلا يصيب (1) أبدًا وفهمه مالك ظانًا أنه يقول الشيخ يخطئ مرة ويصيب أخرى فقال على هذا وجدنا مشايخنا وأخذ أرباب المجلس في القهقهة فقال مالك: وقد أحفظه ضيعهم ذلك وقام مغضبًا من ذهب معاصروه ووقع بأيدي الشأن هكذا سخرت به الأحداث فطار الحديث وامتنع أهل المدينة من المناظرة معه في تعيين الصاع والمد وقالوا نجيب غدًا إن شاء الله تعالى فلما كان من الغد حضروا ومعهم من الأمداد ما شاء الله بعضها قديم وبعضها جديد وما منها مد وزنه رطلان فأنصف أبو يوسف من نفسه ورجع عما كان عليه واستقر رأيه أن الصاع والمد الحجازيين هما المعتبران دون العراقي، وأما الإمام الهمام قدوة العلماء الأعلام فقد ذهب إلى الأحوط ومستدله ما قد نص عليه في بعض الروايات في بيان الوضوء المد رطلان (2) وعلى هذا فلو أراد الشارع بالمد والصاع--------------------------------------------
(1) وذكر صاحب الكفاية (وذكر الحافظ في تهذيبه القصة لعمر بن قيس المكي بسياق آخر) عن مبسوط شيخ الإسلام محله الشيخ تارة يخطئ وتارة لا يصيب ولم يذكر القهقهة ولا جواب مالك نعم ذكر في خزانة الروايات محل ذلك هذا جزاء من لم يمت مع أقرانه.
(2) قلت: بسط الكلام على هذه الروايات الشيخ في البذل وهذا الحقير في الأوجز منها ما وراه الطحاوي بسند صحيح عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بمثل هذا قال مجاهد فحزرته ثمانية أرطال تسعة أرطال عشرة أرطال وقالوا لم يشك مجاهد في الثمانية وإنما شك فيما فوقها.
قلت: وأخرجه النسائي بلا شك فروى في السنن بسنده عن موسى الجهني قال أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال حدثني عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا، قال ابن التركماني: إسناده جيد ثم ذكر توثيق رواته ومنها ما رواه الدارقطني بطريقين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال وتضعيفه الدارقطني منجبر بالتعدد والجملة الأولى أخرجها الطحاوي بطريقين عن أنس وأخرجها أبو داؤد وسكت عليه هو والمنذري فهو صالح للاحتجاج، ومنها ما رواه أبو عبيد بسنده إلى إبراهيم قال كان صاع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أرطال ومده رطلين والمرسل حجة لا سيما إذا توبع وههنا كما ترى عدة متابعات له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
ما أردنا لزم عدم انفراغ الذمة أن لو عمل على الصاع المدني فإنه خمسة أرطال وثلث فلا بد من الاعتماد على الصاع العراقي احتياطًا بتلك الرواية التي أسلفناها لا بمجرد الوهم، وأما الوضوء (1) فليس تقدير الماء فيه تحديدًا أو تعيينًا لا يجوز الزيادة عليه أو النقص عنه وإنما هو تقريب (2) وتخمين حيث اعترف به المؤلف--------------------------------------------
(1) ولا يذهب عليك أن روايات وضوئه صلى الله عليه وسلم وغسله بالصاع بيان لمقدار ماءهما عند الجمهور وأبدع الباجي في شرح الموطأ احتمالاً آخر فقال: ويحتمل بيان الإناء يعني يغتسل بهذا الإناء وإن استعمل اليسير من مائه أو كله أو أكثر منه، انتهى.
(2) قال ابن عابدين عن الحلية أنه نقل غير واحد إجماع المسلمين على أن ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدور بمقدار وما في ظاهر الرواية من أن أدنى ما يكفي في الغسل صاع، وفي الوضوء مد للحديث المتفق عليه كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ليس بتقدير لازم بل هو بيان أدنى القدر المسنون، قال في البحر حتى إن من أسبغ يدون ذلك أجزأه وإن لم يكفه زاد عليه لأن طباع الناس وأحوالهم مختلفة، كذا في البدائع، انتهى، قلت: وحكى ابن رسلان فيه خلاف ابن شعبان من المالكية وحكى الباجي دون ابن العربي خلاف أبي إسحاق وما حكى ابن قدامة من خلاف الحنفية لا يصح كما بسط في الأوجز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
أيضًا فلا يرد أن الاحتياط في صدقة الفطر وإن كان هو الاعتماد على الصاع العراقي غير أن الأحوط في ماء الطهارة هو العبرة بصاع أهل الحجاز.
[باب كراهية الإسراف في الوضوء]
الولهان (1) نوع منه وقسم لا أنه واحد بالشخص، اعلم أن لكل من أمم المكلفين فرقًا وطوائف كما أن للرياسة الملكية والانتظامات السلطانية فرقًا وطوائف يختص كل صنف منهم باسم مشترك بين جملة تلك الطائفة فالولهان كل شيطان من أمره الوسوسة في باب الطهارة لا أنه واحد بالشخص يوسوس كل متوضئ والعمل الذي التزموا إتيانه إلقاء الوساوس في قلوب المتطهرين فيشتغلوا به حتى تفوتهم الصلاة فإن المتوسوس إذا أخذ في الطهارة وعلم من نفسه أنه لم يكمل الطهارة يأخذ في إتمامها وإسباغها حتى يستوعب هذا الأمر وقت صلاته وربما آل الأمر إلى أن المرء صلاته رأسًا حيث يظن أن صلاته فاسدة لنقص في طهارته فكان التكلف في أدائها هدرًا لا فائدة فيه، أعاذنا الله من شر كل ذي شر.
[عتى] بضم العين (2) المهملة وفتح المثناة التحتية وتشديد التحتية.
[باب الوضوء لكل صلاة]
اعلم أن بعض الروايات (3) دالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجب عليه تجديد الوضوء لكل صلاة، والبعض الآخر (4) على خلاف--------------------------------------------
(1) بفتحتين مصدر وله يوله ولهانًا بمعنى ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد وغاية العشق فسمى به شيطان الوضوء لشدة حرصه على طلب الوسوسة في الوضوء أو لإلقائه الناس بالوسوسة في مهورة الحيرة فهو بمعنى اسم الفاعل أو باق على المصدرية للمبالغة، كذا في المرقاة، وفي السعاية عن الحسن البصري شيطان الوضوء ويدعي الولهان يضحك بالناس في الوضوء، وكان طاؤس يقول هو أشد الشياطين.
(2) يعني بضم أوله مصغرًا كما في التقريب.
(3) كما يدل عليه حديث أنس في أول الباب.
(4) كما يدل عليه أول الحديث من الباب الآتي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
ذلك ويجمع بأن الوجوب (1) نسخ بعد ما كان أولاً وبقى الاستحباب فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ أولاً وجوبًا ثم بعد ذلك كان يتوضأ استحبابًا لما أنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب على ما وجب عليه ثم نسخ فقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي خمسين ركعة في اليوم والليلة كما فرض عليه أولاً وغير ذلك من النظائر التي فيها كثرة، والله أعلم.
[قوله وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة] استحبابًا يعني بذلك (2) أن بعض هؤلاء صرح في كلامه بذلك مما وجدنا كلماتهم وإلا فهذا مذهب العلماء كافة.
[قوله مشرقي] لم يرد بذلك تضعيف الإسناد (3) والاعتراض عليه فإن المشرقية لا تعتمد ذلك وإنما أراد بذلك بيان الحال من أنه لم يرو من أهل المدينة--------------------------------------------
(1) كما هو مصرح في حديث أبي داؤد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة فلما شق عليه أمر بالسواك.
(2) قلت: ما أفاده حضرة الشيخ ظاهر ويحتمل عندي وجهًا آخر قال ابن العربي: اختلف العلماء في تجديد الوضوء لكل صلاة فمنهم من قال يجدد إذا صلى أو فعل فعلاً يفتقر إلى الطهارة وهم الأكثرون ومنهم من قال يجدد وإن لم يفعل فعلاً يفتقر إلى الطهارة وذلك مروى عن سعد بن أبي وقاص وعن ابن عمر وغيرهما، انتهى، فيحتمل عندي أن المصنف أشار إلى هذا القول الثاني الذي هو مذهب البعض، ثم لا يذهب عليك أن عمرو بن عامر الأنصاري الراوي عن أنس في حديث الباب لا إشكال فيه في رواية الترمذي ووصفه في أبي داؤد بالبجلي وهو مشكل كما بسطه شراح أبي داؤد.
(3) قلت: ولا بعد في أن المصنف أشار بذلك إلى التضعيف فإن المنقول عن إمامه الشافعي كل حديث لا يوجد له أصل في حديث الحجازيين واه وعد الحازمي في وجوه ترجيح الرواية أن يكون أحد الحديثين حجازيًا وإسناد الآخر شاميًا أو عراقيًا وإن كان للمخالف فيه مجال وسيع للكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
والحرم المنيف وإنما اشتهر من أهل المشرق وهم أهل الكوفة والبصرة ومن حلم حول حماهم والإسناد مع ذلك ضعيف في نفسه لا لكونه مشرقيًا بل لأن فيه الإفريقي وهو ضعيف عند أهل الحديث.
[فلما كان عام الفتح] يعني به يوم فتح مكة خاصة ثم إنا قد قدمنا أن تجديد الوضوء كان واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم ثم نسخ الوجوب وبقى استحبابه فهذا الذي فعله يوم الفتح يحتمل أن يكون أول ما فعله بعد نسخ الوجوب ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك قبل (1) هذا إلا أنه خفى على عمر وأصحابه فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم ذاك الفعل ليكون سنة لهم كافة.
[وهذا إسناد ضعيف] إلا أنه لما توبع عليه صار قويًا معتبرًا به ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث الأول من هذا الباب رواية سفيان عن علقمة بن مرثد والثاني روايته عن محارب بن دثار واختلف فيه وكيع وغيره من آخذي رواية سفيان (2) فرفعه وكيع وأرسله غيره فقال الترمذي وهذا أصح من حديث وكيع--------------------------------------------
(1) قال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح لحديث بريدة ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا ثم خشى أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز، قال الحافظ: وهذا أقرب وعلى تقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان فإنه كان في خيبر وهي قبل الفتح بزمان، انتهى، قلت: والمراد بحديث سويد ما في البخاري وغيره قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء، الحديث، وفيه: ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ.
(2) أي وصله وأسنده وكيع والمرفوع قد يطلق بمقابل المرسل أيضًا، وصاحب الطيب الشذى نقل في شرحه هذا الكلام للشيخ وإن لم يعزه إليه وأورد عليه بعض من لا نظر له على كتب الأصول، وقد قال السيوطي في التدريب: المرفوع ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة متصلاً كان أو منقطعًا، وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعله صلى الله عليه وسلم أو قوله فأخرج بذلك المرسل، وقال ابن الصلاح: من جعل من أهل الحديث المرفوع في مقابلة المرسل أي حيث يقولون مثلاً رفعه فلان وأرسله فلان فقد عنى بالمرفوع المتصل، انتهى مختصرًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
يعني أن إرساله أصح من رفعه لكون من أرسل أوثق ممن رفعه وأكثر فيكون الإرسال أعمد، والله أعلم.
[باب في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد]
لما كانت أمزجة النسوان مائلة لا إلى النظافة الطبيعية أمر النبي صلى الله عليه وسلم باجتناب الرجل فضل طهور المرأة أن يستعمله لاحتمال أن تقع غسالتها فيه بخلاف الرجال فإنهم ليسوا كذلك فلا ضير في استعمال المرأة فضل طهوره وإنما نهى الفقهاء رحمهم الله تعالى عن شرب الرجل فضل سور المرأة دون العكس فلأن المرأة مستورة بجميع أجزائها وشرب المائع سبب لاختلاط شيء من لعابها به فيكون شرب الرجل إياه استعمالاً لجزئها المستور وكون الذوق من الحواس لا ينكر وهذا كله إذا لم يخف الفتنة، وأما إذا خيفت فالنهي عام لكل من الرجل والمرأة، ثم إن النهي عن استعمال فضل طهور المرأة لما كان مشعرًا بالتحريم (1) كما هو الأصل أظهر النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل والوضوء من--------------------------------------------
(1) والمسألة خلافية عند الأئمة، قال النووي: أما تطهر المرأة والرجل من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين، وأما تطهر المرأة بفضل الرجل فهو جائز بالإجماع أيضًا، وأما تطهر الرجل بفضلها فهو جائز عندنا ومالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء سواء خلت به أو لم تخل، وذهب أحمد بن حنبل وداؤد إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها، انتهى، قلت: وما حكى من الخلاف في المسألتين الأوليين فشاذ، وأما الثالثة فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما هذه والثانية يجوز للرجال والنساء ثم قال النووي: أما الحديث الذي جاء بالنهي وهو حديث الحكم بن عمرو فأجاب العلماء عنه بأجوبة: أحدها أنه ضعيف ضعفه أئمة الحديث منهم البخاري وغيره، الثاني المراد النهي عن فضل أعضائها وهو المتساقط منها، والثالث النهي للاستحباب، وقال ابن العربي: حديث جواز التوضئ بفضلها فصحيح كلها وحديث الحكم فقال الغفاري: لا أراه صحيحًا، وحديثنا أولى لوجهين: أحدهما أنه أصح، الثاني أنه متأخر عنه بدليل أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يغتسل من الإناء قالت ميمونة: إني قد توضأت منه هذا يدل على تقدم النهي أو يكون معناه كراهية الوضوء بفضل الأجنبية ليذكرها أثناء الغسل واشتغل البال بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
فضل طهور بعض أزواجه أن النهي تنزيه وليس بتحريم وإنما اختص النهي بما إذا كانت المرأة قد تطهرت بغيبة من الرجل دون ما إذا تطهرت بمرأي عينه لأنها إذا كانت بمحضر منه فالظاهر أنها تحتاط في أمر الماء مع أنها لو تبادرت إلى شيء مما يفسد الماء منعه، وقوله الماء لا يجنب من الأفعال أي لا يصير ذا جنابة.
[باب ما جاء أن الماء طهور لا ينجسه شيء]
أعلم أن مسألة طهارة الماء ونجاسته تحيرت فيها آراء ذوي الألباب ولم يأتوا بشيء واف شاف صاف في هذا الباب فنقول وعلى الله التوكل وبه الاعتصام إنه كريم مفضل منعام فعليك أولاً أن العلماء كافة أجمعوا على أن (1) ملاقاة النجس بالماء الطاهر يفسده وإنما اختلفوا (2) في--------------------------------------------
(1) قال ابن نجيم: إن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به قليلاً كان الماء أو كثيرًا جاريًا كان أو غير جار هكذا نقل الإجماع في كتبنا وممن نقله أيضًا النووي في شرح المهذب عن جماعات من العلماء وإن لم يتغير فأتفق عامة العلماء على أن القليل ينجس بها دون الكثير لكن اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير.
(2) أي وإنما اختلفوا في مقدار الماء الذي يؤثر فيه الملاقي من النجاسة فاختلافهم في الحد الفاصل بين القليل والكثير من الماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
مقدار الملاقي في تأثيره ذلك فتفرقت فيه الأقوال (1) أوسعها (2) مذهب مالك رحمهم الله ودليله الحديث الوارد في الباب وقد ورد في بعض طرقه زيادة قوله ما لم يتغير فلذلك قيد طهارته بعدم تغير شيء من أحد الأوصاف الثلاثة فاعتبر غلبة الملاقي بحسب الوصف فإن غلب الماء وصفًا ولم يظهر فيه شيء من أوصاف النجس كان طاهرًا وإن غلب النجس بحسب الوصف وظهر شيء من أوصافه في الماء كان نجسًا، وثانيها ما روى (3) عن عائشة رضي الله عنها من أن العبرة لغلبة الماء أو النجس بحسب الذات فإن زالت رقة الماء وسيلانه لغلبة النجاسة كان الماء نجسًا وإلا لا، فإن ثبت هذا العزو لعائشة رضي الله تعالى عنها لكان كافيًا ومغنيًا عن تفتيش غيره من المذاهب لما فيه من الوسعة ولما كانت (4) من التمكن على المراجعة والبحث في كل ما تشاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يستمكنه غيره ولما لها من غزارة العلم وجودة القريحة وإصابة الفهم وقدم في التفقه راسخة وأعلام في التحقيق شامخة فكيف يتوهم أن مسألة طهارة الماء ونجاسته يخفى عليها مع طول ملابستها بالنبي صلى الله عليه وسلم وقلة المياه عندهم الداعية إلى كثرة البحث عنه والعلم بحاله إلا أن رواية هذا المذهب الذي أشرنا إليه لما لم يثبت بإسناد صحيح يعول إليه ولا طريق جيد يطمئن إليه لزمنا القول بتركه والمصير إلى غيره من المذاهب ولذا لم يذهب إليه أحد من الأئمة--------------------------------------------
(1) ذكر فيها صاحب السعاية خمسة عشر مذاهب للعلماء وبسط الكلام على المياه أشد البسط.
(2) أي أوسع المذاهب في مذاهب الأئمة وإلا فما روى عن عائشة -رضي الله تعالى عنه- وسيأتي قريبًا أوسع من ذلك أيضًا.
(3) وروى عن غيرها من الصحابة والتابعين وداؤد الظاهري كما في السعاية عن البناية عن المحلي لابن حزم.
(4) إلا أن احتمال أنها سمعت قوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء فحملته على عمومه ليس بمنتف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
الأعلام ولو أنه ثبت لكان قولها هو القول الثابت الراجح ومذهبها هو المذهب المقبول للكل من غير قادح.
والثالث مذهب الشافعي رحمه الله تعالى من كون الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثًا إلا أن يتغير شيء من أوصافه الثلاثة فإنه يفسده كائنًا ما كان، وقد أخذ في ما اختاره بحديث جيد الإسناد قابل للاعتماد وزاد هذا القيد اعتبارًا لما في غير هذه الرواية من العبرة بالنجاسة إذا ظهر أثرها في الماء أيضًا فإن الأئمة مجمعون على عبرة النجاسة إذا غلبت وهذا الثالث هو الذي تخيره الأئمة الآخرون مثل أحمد (1) وإسحاق وغيرهما لموافقته ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا وأما الإمام الهمام قدوة الأئمة الأعلام فقد ذهب نظرًا إلى اختلاف الروايات في ذلك إلى أن الأمر موكول إلى رأي (2) من ابتلى به فإن ظنه نجسًا كان نجسًا وإن طاهرًا فطاهرًا، وعلى هذا لا يضره شيء مما ورد في هذا الباب مما أخذ به الأئمة الثلاثة أو أخذ به مالك رضي الله تعالى عنه، فأما الرواية التي أخذ بها مالك رضي--------------------------------------------
(1) أي في المشهور عنه وإلا فعنه في مسألة الماء روايتان آخرهما كقول مالك قال ابن قدامة في ((المغنى)): أما ما دون القلتين إذ لاقته النجاسة فلم يتغير بها فالمشهور في المذهب أنه نجس، وبه قال الشافعي وإسحق وأبو عبيد وروى عن أحمد رواية أخرى أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليله وكثيره روى ذلك عن ابن المسيب والحسن ومالك والأوزاعي والثوري وغيرهم وهو قول الشافعي.
(2) ففي الدر المختار: والمعتبر في مقدار الراكد أكبر رأي المبتلي به فيه فإن غلب على ظنه عدم وصول النجاسة إلى الجانب الآخر جاز وإلا لا، هذا ظاهر الرواية عن الإمام وإليه رجع محمد وهو الأصح كما في الغاية وغيرها وحقق في البحر أنه المذهب وبه يعمل، انتهى، وأكثر ابن نجيم في النقول عن المشايخ في أن العبرة عندنا الحنفية لرأي المبتلى به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
الله تعالى عنه من قوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء فلأن السؤال (1) عن بئر بضاعة قد أخرجه مخرج الجواب فإنهم لما ظنوا أن البئر إذا تنجس مرة فإنه لا يمكن تطهيره أبدًا لملاقاة الماء النجس جدرانه عند الإخراج مع أن البئر كيفما أخرج ماؤها فإنه لا يخلو عن بقية من الماء النجس فيها فكان مظنة أن لا يتطهر فسألوا عنه، ولا يمكن أن يكون السؤال عن الماء النجس القليل حين لم تخرج النجاسة عنه إذ من الظاهر أن الماء القليل الذي وقع فيه شيء من النجاسات لا يسأل عنه عام فضلاً عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وكذلك لا يشربه مؤمن فكيف بهذا النبي الأطهر الأكرم، فعلم أن منشأ السؤال أن النجاسة إذا أخرجت واستقى الماء الذي كان فيها وقت الوقوع فالماء الجديد المجتمع فيها ينبغي أن يكون نجسًا لملاقاته الجدران النجسة وعلالة الماء النجس فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الماء طهور بتعريف العهد إذ الجواب على وفق السؤال، والأصل في اللام العهد الخارجي فما أمكن حملها عليه لم تحمل على غيره وممن صرح بكون الأصل في اللام هو العهد العلامة في التلويح والشريف الجرجاني في بعض تصانيفه فإذا كان الأمر كما وصفنا كان المعنى أن الماء (2) الذي سألتم عنه لا ينجسه شيء مما ذكرتم إذا أخرجت النجاسة والماء الذي كان ملاقيها فهذا الذي أخذ به مالك يؤيد ما ذكرنا من إدارة الأمر على رأي المبتلي به فإنه صلى الله عليه وسلم لما ظن برأيه الشريف أن الماء لا يتنجس بذلك المذكور كان طاهرًا لا يتنجس، وأما رأي الصحابة رضوان الله عليهم فلم يعتد به على خلاف رأيه حتى يقال إنها كانت نجسة في حقهم وإنما لم يتنجس الماء فيها لجريانه (3) في البساتين--------------------------------------------
(1) ومال إلى ذلك الطحاوي وبسط هذا التوجيه.
(2) وما قيل إن العبرة لعموم اللفظ، هذا إذا كانت الألف واللام للجنس إما إذا كانت للعهد فلا، كذا في النيابة وغيرها من شروح الهداية، كذا في السعاية.
(3) وبه جزم صاحب الهداية إذ قال إن الحديث ورد في بئر بضاعة وكان ماؤها جاريًا في البساتين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
إما بتدارك الاستقاء منها أو لما في داخلها من كوة تخرج منها الماء كما يشاهد في بعض الآبار واعترض المخالفون على الواقدي (1) في قوله في بئر بضاعة أن مائه كان جاريًا في البساتين وقالوا إن البئر كانت كغيرها من الآبار والسبب في إيرادهم ذلك أنهم فهموا أن مراد الواقدي أن البئر كانت كالنهر فأوردوا عليه بأنه لم يكن كذلك وكان كغيره من الآبار وأنت تعلم أنه برئ من تلك الإدارة (2) وإنما أراد أنه كان في حكم الجاري لكثرة ما يستقي منها وهذا غير خفي على ذي روية فإن من البديهي الغير المحوج إلى فكر ونظر أن البئر (3) في البستان لا يكون إلا لسقي أشجاره وقد علم أن بئر بضاعة كانت قليلة الماء فإذا سقيت منها الأشجار ولم يبق فيها شيء من تلك النجاسات ولا هذا الماء كيف وقد ذكر على ما هو (4) مذكور في سنن أبي داؤد: إني ذهبت في سفري إلى بستان بئر بضاعة فرأيتهم وذرعتها وكان قطرها ستة أذرع فسألت مالك البستان من تغير بناءها فأنكر وسألت عن مقدار مائها فقال إذا كثر فإلى ما فوق السرة وإذا قل فإلى ركبتيه فكيف يظن أن هذا البئر إذ--------------------------------------------
(1) وما قالوا من تضعيف الواقدي رده صاحب السعاية أحسن الرد وبسط عليه.
(2) يعني إيرادهم هذا نشأ عن قلة تدبرهم إذا حصروا الجريان في كون الماء كالنهر والعين وليس بسديد فإن الجريان بنزع كثير جريان هكذا أفاده الشيخ -رحمه الله تعالى- بنفسه في موضع آخر.
(3) فقد كان في بستان بني ساعدة يسقي منها أشجارها.
(4) لخص حضرة الشيخ ما ورد في سنن أبي داؤد بإضافة شيء من التوضيح وسياق كلامه قال أبو داؤد سمعت قتيبة بن سعيد قال سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قال أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقص قال دون العورة قال أبو داؤد: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه هل غير بناؤها عما كانت عليه قال لا، انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وقعت فيه نجاسة ثم استقى منها البستان تبقى فيها النجاسة ولا تخرج ولا يخرج كل ماءها فأما إذا أخرجا كلاهما فأمر طهارتها ظاهر على مذهب الإمام، بقى الجواب عما تمسك به الشافعي رحمه الله من حديث القلتين (1) فنقول إنه لا يضر مذهب الإمام شيئًا فإن مذهبه رضي الله تعالى عنه أن الماء إذا كان أقل من قلتين ولم يقتض رأي المبتلي بتنجسه بوقوع شيء من النجاسات فيه لم يحكم بنجاسته فضلاً عما إذا كان الماء قلتين كيف وقد جربه الأستاذ العلامة حين قراءتنا تلك الروايات فكان قلتا الماء قدر غدير عظيم لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر وكان نحوًا من ستة أشبار في مثلها ولله الحمد، وعلى هذا يرتفع الخلاف من البين ويكون مذهبنا كمذهب الشافعي رحمه الله تعالى من غيري مين (2) ويؤل الأمر إلى ما ذكرنا أولاً--------------------------------------------
(1) قال ابن القيم في تهذيبه: الاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات: الأول صحة سنده، الثاني ثبوت وصله وأن إرساله غير قادح. الثالث ثبوت رفعه وإن وقف من وقفه ليس بعلة، الرابع أن الاضطراب الذي وقع في سنده لا يوهنه، الخامس أن القلتين مقدرتان بقلال هجر، السادس أن قلال هجر متساوية المقدار ليس فيها كبار وصغار. السابع أن القلة مقدرة بقربتين حجازيتين وإن قرب الحجاز لا يتفاوت، الثامن أن المفهوم حجة، التاسع أنه مقدم على العموم، العاشر أنه مقدم على القياس الجلي، الحادي عشر أن المفهوم عام في سائر صور المسكوت، الثاني عشر أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد، الثالث عشر الجواب عن المعارض ومن جعلهما خمس مائة رطل احتاج إلى مقام رابع عشر وهو أنه يجعل الشيء نصفًا احتياطًا، ومقام خامس عشر أن ما وجب به الاحتياط صار فرضًا، انتهى ثم ذكر الأجوبة عن المحددين بالقلتين وردها أبسط الرد فأرجع إليه لو شئت.
(2) المين الكذب كما في القاموس وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
من إدارة الأمر على رأي المبتلي به وذلك لأن علمائنا رحمهم الله تعالى لما شاهدوا في مذهب الإمام الذي قدمناه اختلاف أمر العوام لبون بعيد في آرائهم فمن منجس ماء البحر بإلقائه يده النجسة فيه ومن مجوز طهارة ماء الكوز إذا وقعت فيه قطرة من البول حددوا فيه حدودًا ينتظم بها أمرهم فمنهم من قدره بعشر في عشر وأصله على ما نقلوا أن محمدًا رحمهم الله تعالى سئل عن الماء الكثير فقال نحو مسجدي هذا فلما خرج ذرعوه فكان داخله ثمانيًا في ثمان وخارجه عشرًا في عشر فأخذوا بالمزيد احتياطًا ولعل محمدًا رحمه الله تعالى إن سئل عن الأقل من ذلك لأجاب بقوله نعم فإنه لم يرد بذلك تحديدًا بل تقريبًا ومنهم من قدر الكثير بقوله هو الغدير (1) العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر ثم اختلفوا فيما بينهم في التحريك المعتبر هل هو باليد أو بالتوضئ أو الاغتسال وإلى كل ذهب ذاهب ولا يذهب عليك أن التحرك المعتبر إنما هو التحرك الذي ينشأ في الجانب الآخر ويسري إليه معًا لا التحرك الناشئ بالتموج وتدريجًا وهذا القول الأخير يوافق رأي الشافعية في اعتبار الكثرة بالقلتين فقد ذكرنا أن الأستاذ العلامة جربه فكان كذلك فإنه مد الله ظلال جلاله وسقى الطلاب وإياي من نمير (2) نواله أمر بحفر حفيرة فألقى فيها الماء مقدار قلتين ولم يتحرك أحد طرفيها بتحريك الطرف الآخر، وأما ما--------------------------------------------
(1) ذكره محمد في موطأه وعزاه إلى أبي حنيفة، وفي السعاية عن فتح القدير قال أبو حنيفة في ظاهر الرواية يعتبر أكبر رأي المبتلي به وعنه الاعتبار بالتحريك على ما هو مذكور في الكتاب أي الهداية بالاغتسال أو الوضوء أو باليد روايات والأول أصح عند جماعة منهم الكرخي وصاحب الغاية والينابيع وغيرهم، انتهى وقال ابن عابدين ثانيها أصح لأنه الوسط كما في المحيط والحاوي القدسي وتمامه في الحلية، انتهى.
(2) على وزن عظيم قال المجد النمر كفرح وأمير الزاكي من الماء ومن الحسب والكثير ومن الماء الناجع عذبًا كان أو غير عذب، انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
طول البحث فيه صاحب شرح الوقاية من إثبات العشر في العشر فقد رده ابن نجيم المصري في بعض (1) تصانيفه حرفًا حرفًا، وقد أجاب بعض الأحناف عن حديث القلتين بأجوبة لا ترضاها الطبائع السليمة فقيل إسناده ضعيف (2) وأن فيه اضطرابًا حيث ورد في بعضها قلتان، وفي البعض الآخر ثلاث، وفي البعض الآخر أربع حتى قيل: وردت فيه الروايات إلى أربعين قلال وأن القلة غير متعينة المقدار فإنها مختلفة المقادير فتعذر العمل بأحد معانيها إلى أن يتعين أحد المعاني لدخولها في الإجمال والمجمل لا يمكن العمل به إلا بعد بيان المجمل وأنت تعلم أن كل ذلك تعسفًا، أما الأول فلما فيه من إنكار البداهة فإن صحة روايات القلتين غير منكرة (3) والروايات--------------------------------------------
(1) قلت: الظاهر أن الشيخ رضي الله تعالى عنه أراد البحر الرائق فإنه بسط فيه وتعقب شارح الوقاية ويحتمل أنه أراد غيره من تصانيفه الآخر.
(2) مال إلى هذا الجواب جمع من المشايخ الحنفية وغيرهم، ففي البناية حديث القلتين ضعفه ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي، وقال أبو بكر في التمهيد في القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت الأثر لأن حديث القلتين قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل، وفي فتح القدير: وممن ضعفه الحافظ ابن عبد البر والقاضي إسماعيل بن إسحاق وابن العربي المالكيون وفي البدائع عن علي بن المديني لا يثبت حديث القلتين فوجب العدول عنه وفي البحر الرائق قد بالغ الحافظ أبو العباس بن تيمية في تضعيفه، كذا في السعاية، قلت: وتقدم ما قال ابن القيم أن الاحتجاج به يتوقف على ثبوت خمسة عشر مقامات ولم تثبت، وقال ابن العربي: حديث القلتين مداره على مطعون عليه أو مضطرب أو موقوف وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد وهو إباضي.
(3) قلت: وفيه أن من ضعف الحديث وهو جمع من المحدثين أنكر الصحة قال ابن القيم: أما تصحيح من صححه من الحفاظ فمعارض بتضعيف من ضعفه، ومنهم ابن عبد البر وغيره ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة، انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
الواردة في السنن شاهد صدق على ذلك أما الاضطراب فمندفع يحمل تعدد الروايات على تعدد الواقعات (1) وكثرة التساؤلات فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم كلا من السائلين حسب ما تضمنه سؤاله فلا اضطراب ولا اختلاف والأسانيد شاف كل صاف وإلزام الإجمال تحكم أما أولاً فلأن القلة كانت معلومة عندهم فلا يضر جهالتها عندكم، وأما ثانيًا فلما ورد في بعض الروايات من زيادة لفظ يفسر المراد ويبين الإجمال وهو قوله من قلال (2) هجر بل الجواب (3) هو الذي أشرنا إليه من أن الأمر موكول إلى رأي المبتلي به فلا يحكم بنجاسة الماء إذا لم يتنجس الماء قدر ذلك عنده بوقوع النجاسة فيه ومعنى قول محمد بن إسحاق القلة هي الجرار إلخ إنها تكون صغيرة (4)--------------------------------------------
(1) لكنه مشكل في وحدة الرواية ووحدة مخرجها، قال ابن القيم: ومن المعلوم أن هذا الحديث لم يروه غير ابن عمر ولا عن ابن عمر غير عبد الله وعبيد الله فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير وأين أهل المدينة وعلمائهم من هذه السنة التي مخرجها عندهم، انتهى، قلت: ولو سلم فالاضطراب في الحديث من وجهين سندًا ومتنًا فأين اضطراب السند.
(2) قال ابن القيم: أما تقدير القلتين بقلال هجر فلم يصح فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكره الشافعي فمنقطع وليس قوله بقلال هجر من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا أضافه الراوي إليه وقد صرح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل فكيف يكون بيان هذا الحكم الذي يحتاج إليه جميع الأمة لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع وهذا اللفظ ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى.
(3) أي كماله وبديعه وإلا فقد عرفت أن للحديث أجوبة كثيرة وبعضها عقيمة عن الجواب لكن حضرة الشيخ لم يرض بها لأن جوابه الذي اختاره يناسب طبعه النفيس العالي.
(4) قال المجد: القلة بالضم أعلى الرأس والسنام والجبل أو كل شيء (أي أعلى كل شيء) والجرة العظيمة أو عامة أو من الفخار والكوز الصغير انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وكبيرة يقلها الأرض ولا يحملها الإنسان لثقلها ويقلها الإنسان أي ما هو آله للشرب يحملها الإنسان لصغرها.
[باب كراهية البول في الماء الراكد]
هذا بظاهره إثبات (1) لما ذهب إليه الحنفية كما أن أول الأحاديث لإثبات مذهب مالك مع ما فيه إشارة إلى ما نقلنا أولاً من مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها وذلك لأن الرواية مطلقة عن قيد التغير والماء ماء ما لم يذهب مائية وإن غلب عليه النجس وصفًا وأوسط الروايات مسوق لإثبات ما اختاره الشافعي ووجه إثبات مذهب الأحناف بهذه الرواية أن--------------------------------------------
(1) قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث مما استدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الدائم وإن كان أكثر من القلتين فإن الصيغة صيغة عموم وأصحاب الشافعي يخصون هذا العموم ويحملون النهي على ما دون القلتين ولأحمد طريقة أخرى وهي الفرق بين بول الآدمي وما في معناه من العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات فأما بول الآدمي وما في معناه فينجس الماء وإن كان أكثر من القلتين، وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان فالحديث المذكور لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، فمالك حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير ولأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا خرج عنه المستبحر الكثير جدًا بالإجماع فيبقى ما عداه على حكم النص فيدخل تحته ما زاد على القلتين، ويقول أصحاب الشافعي خرج الكثير المستبحر بالإجماع والقلتان فما زاد بالحديث فيبقى ما نقص عن القلتين داخلاً تحت مقتضى الحديث، ويقول من نصر قول أحمد خرج ما ذكرتموه إلا أن ما زاد على القلتين مقتضى حديث القلتين فيه عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
النهي مطلق عن قيد القلة والكثرة ثم وصف الماء بكونه راكدًا ولا يصدق الركود على ما أعطى له حكم الجاري إذ لا ركود بعد كونه جاريًا لما بينهما من المنافاة الظاهرة ثم قوله عليه الصلاة والسلام ثم يتوضأ منه، وفي بعضها ثم يغتسل منه يبين أن المراد بذلك الماء ما هو أزيد من القلتين بل فوق القلال فإن الغسل في ماء القلتين أو التوضئ منه من دون أخذ الماء على حدة مستبعدة عادة والنهي أصله التحريم كما أن الأمر أصله الوجوب لا سيما وقد أكد بنون التأكيد وعمم الحكم بذكر الاغتسال من الجنابة إزالة الحدث والخبث، فعلم من مجموع ذلك أن البول في الماء الذي ليس جاريًا ولا في الحكم الجاري محرم كالغسل فيه وإن كان فوق القلتين ويفسد الماء ببوله فيه وإن لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة وهذا لأن تغير هذا المقدار من الماء الذي يغتسل فيه ويتوضأ عادة ببول رجل أو باغتساله فيه مشكل فهذه الرواية ظاهرة على مذهب الإمام فإن المبتلي به يعده نجسًا بعد قليل من الزمان إن كان هذا الماء كثيرًا وإن كان قليلاً لا يبلغ قدر الغدير العظيم فتنجسه عنده ظاهر، وأما مالك والشافعي رحمهما الله تعالى فمحمل الحديث عندهما الكراهة التنهزيهية أو هو محمول على ما إذا كان الماء أقل من القلتين أو يتغير بذلك شيء من أوصافه الثلاثة وأنت تعلم ما فيه، فالأول عدول عن الأصل وهو التحريم من غير ضرورة إليه، والثاني عدول عن الظاهر الذي ينبغي التعويل عليه والله تعالى أعلم.
[باب في ماء البحر آه]
لما كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لماء (1) البحر أنه نار لما ينشأ منه آثار النار مثل الجرب واليبس وغير ذلك فهم منه بعض أصحاب النبي--------------------------------------------
(1) فقد أخرج أبو داؤد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا وأخرج ابن عبد البر عن ابن عمر قال لا تتوضأ بماء البحر لأنه طبق وأخرج أحمد في الزهد عن سعيد بن أبي الحسن قال البحر هو طبق جهنم وغير ذلك من الآثار في الباب وهي مما لا يدرك بالقياس فمرفوعة حكمًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)