. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن قدرة المكلف، كزوال الشمس لإقامة صلاة الظهر، وخروج الهلال لشهر رمضان ونحو ذلك مما هو خارج عن قدرة المكلف واستطاعته.
وإما لعدم الشرط كالاستطاعة في الحج فهي شرط من شروط وجوبه، فلا نقول بأنه يجب على الإنسان أن يحصل المال حتى يكون مستطيعاً لكي يجب عليه الحج.
ومن ذلك أيضاً شرط ملك النصاب في الزكاة فلا نقول للفقير اذهب واجمع المال حتى تملك نصاباً، لكي تجب عليك الزكاة.
* الثاني: ما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون: كالسواك والتطيب يوم الجمعة، فإذا توقف تحقيق ذلك على شراء السواك أو الطيب كان ذلك الشراء مسنوناً بمعنى أنه مندوب إليه بواسطة المسنون نفسه، وهكذا يقال في نوافل الصلاة والصدقة والحج والعمرة ونحو ذلك من المسنونات.
* الثالث: ما يتوقف الحرام عليه فهو حرام: ومن ذلك الشرك الأكبر، فكل قولٍ أو فعلٍ يفضي إليه فهو محرم، وكذا الشرك الأصغر ووسائله كالحلف بغير الله تعالى إن لم يعتقد أن عظمة المحلوف به كعظمة الله ونحو ذلك، وكالسعي إلى المعاصي كالزنا والخمر ونحو ذلك، أو الخلوة بالمرأة الأجنبية المفضية إلى الفاحشة ولو في إقراء القرآن أو السفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين.
* الرابع: وسائل المكروه مكروهة: فأكل الثوم مكروه، وشراؤه وسيلة لأكله فيكون مكروهاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
(فصل) الأدلة التي يستمد منها الفقه
الأدلة التي يستمد منها الفقه أربعة:
هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله لبيان أدلة الأحكام الشرعية إجمالاً، وسيتكلم عن كل واحد منها بشيء من التفصيل.
* تعريف الأدلة:
والأدلة لغة: جمع دليل، وهو ما فيه دلالة وإرشاد إلى أمر من الأمور.
واصطلاحاً: ما يستدل بالنظر الصحيح فيه على حكم شرعي عملي على سبيل القطع أو الظن.
والأدلة تنقسم إلى قسمين:
* الأول: أدلة متفق عليها: وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس.
* الثاني: أدلة مختلف فيها: وهي قول الصحابي والاستحسان والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وإجماع أهل المدينة، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع.
قوله: (الأدلة التي يستمد منها الفقه) أي التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية العملية التي تتعلق بالمكلفين، وهي الكتاب والسنة والإجماع وهي أدلةٌ نقلية، وأما القياس فهو دليل عقلي؛ لأن مرده إلى النظر والرأي المستند إلى النقل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
الكتاب والسنة، وهما الأصل الذي خوطب به المكلفون، وانبنى دينهم عليه.
والإجماع والقياس الصحيح، وهما مستندان إلى الكتاب والسنة.
فالفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة.
قوله: (وهما الأصل الذي خوطب به المكلفون) والمراد من ذلك أن الكتاب والسنة هما الأصل في خطاب المكلفين بالأحكام الشرعية، والإجماع والقياس مستندان إليهما؛ لأن الإجماع لابد أن يستند إلى نص، والقياس مسلك اجتهادي في حدود نصوص الكتاب والسنة بضوابط معينة، بل إن الأدلة الثلاثة كلها راجعة إلى القرآن؛ لأن العمل بالسنة إنما دل عليه القرآن، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] ولأن السنة جاءت لبيان القرآن وتفسيره وتفصيل ما أُجمل فيه، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
قوله: (فالفقه في أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة).
هذا ظاهر حيث إن جميع مسائل الفقه التي يحتاج إليها الناس ويُفتون بها ثابتة بهذه الأدلة الأربعة، ومن استقرأ كلام أهل العلم رحمهم الله يجد أنهم يستدلون بهذه الأدلة الأربعة التي أشار إليها المؤلف، وكذلك مما عداها مما أشرنا إليه كقول الصحابي والاستحسان وإجماع أهل المدينة والمصالح المرسلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
وأكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة: تدل عليها نصوص الكتاب والسنة، ويجمع عليها العلماء، ويدل عليها القياس الصحيح لما فيها من المنافع والمصالح إن كانت مأموراً بها، ومن المضار إن كانت منهياً عنها.
والقليل من الأحكام يتنازع فيها العلماء،
قوله: (وأكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة، تدل عليها نصوص الكتاب والسنة، ويجمع عليها العلماء، ويدل عليها القياس الصحيح).
أي أن أكثر الأحكام الشرعية التي لابد للناس من العلم بها، مما يجب عليهم ويحرم ويباح، تجتمع عليها الأدلة الأربعة، لأنها من قبيل المعلوم المقطوع به، وذلك كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج واستقبال القبلة ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والعدل، والصدق، وتحريم الزنا والخمر، والفواحش، والظلم، وعقوق الوالدين وغير ذلك.
قوله: (والقليل من الأحكام يتنازع فيها العلماء).
أي أن الأحكام التي حصل فيها خلاف بين العلماء قليلة بالنسبة للأحكام المهمة التي هي أصول؛ لأن من هذه الأحكام المختلف فيها مسائل مقدرة غير واقعة، ومنها ما هو تفاريع فقهية على بعض الأحكام الأصول، وهذا الاختلاف له أسبابه، كعدم سماع الحديث، أو عدم ثبوته، أو الاختلاف في فهمه، أو كيفية الاستدلال به، أو اعتقاد عدم معارض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
وأقربهم إلى الصواب فيها من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة.
للدليل، أو نحو ذلك مما هو معروف في محله.
قوله: (وأقربهم إلى الصواب من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة).
أي أن هذه المسائل المختلف فيها لابد لها من دليل، قد يكون هذا الدليل نصاً، وقد يكون استنباطاً، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: «قلّ ما اختلفوا فيه إلا وجدنا فيه عندنا دلالة من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو قياساً عليهما أو على واحد منهما» وأقرب العلماء إلى الصواب في هذه المسائل المختلف فيها من أحسن استنباط حكمها الشرعي من نص أو إجماع أو قياس، ولابد في ذلك من الإحاطة بدلالات الألفاظ وقواعد الاستنباط، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] قال الشيخ السعدي في تفسيره: «أي كتاب الله وسنة رسوله، فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما، أو إيماء أو تنبيه أو مفهوم أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه؛ لأن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عليهما بناء الدين ولا يستقيم الإيمان إلا بهما، فالرد إليهما شرطٌ في الإيمان»(1).--------------------------------------------
(1) «تفسير السعدي» ص 183.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
فصل
في الكتاب والسنة ودلالتهما
أما الكتاب: فهو هذا القرآن العظيم، كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين،
هذا الفصل عقده المؤلف لبيان معنى الكتاب والسنة وكيفية استنباط الحكم من هذين الدليلين.
قوله: (أما الكتاب فهو القرآن العظيم):
عرف الشيخ رحمه الله القرآن وهو أشهر من أن يعرف لكنه تَبِع الأصوليين في ذلك، ولعل في تعريفه إظهار بعض خصائصه التي جعلته المصدر الأول للتشريع في كل زمان ومكان، وهو حجة الله تعالى على جميع البشر، قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله تعالى به.
قوله: (كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرع المؤلف رحمه الله بتعداد خصائص القرآن الكريم، وذكر أن أول خصائص القرآن: أنه كلام الله تعالى حقيقة تكلم به بحرف وصوت مسموعين، وأنه اللفظ والمعنى جميعاً، وأنه المنَزَّل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نزل به جبريل عليه السلام، وهذا كله دليل على تعظيم هذا الكتاب وشدة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
بلسان عربيٍ مبين،
الاهتمام فيه؛ لأنه نزل من الله لا من غيره.
ويخرج بهذا التعريف جميع الكتب التي أنزلت على غير محمد صلى الله عليه وسلم كالتوراة والإنجيل والزبور فهي ليست قرآناً؛ لأن القرآن مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم.
قوله: (بلسان عربيٍ مبين):
هذه الخصيصة الثانية من خصائص القرآن الكريم، وهي أنه نزل باللسان العربي، فحروفه هي الحروف التي تتكلم بها العرب، ليس فيها زيادة حرف واحد، واللسان العربي هو أفضل الألسنة، فقد نزل بلغة من بعث إليهم في ذلك الوقت ولسانهم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].
* مسألة: هل في القرآن ألفاظٌ أعجمية؟ اختلف أهل العلم رحمهم الله على قولين:
* القول الأول: وهو رأي الجمهور: إن القرآن ليس فيه ألفاظٌ أعجمية؛ وذلك لقوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] ولسان العرب الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم هو اللسان العربي.
* القول الثاني: ذهب إليه بعض الأصوليين: وقالوا إن في القرآن ألفاظًا أعجمية مثل: استبرق، مشكاة، سندس، وهذه ليست من لغة العرب، قال تعالى: {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
للناس كافة في كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم،
وأجيب عن ذلك بجوابين:
* الأول: أنه لا يسلم أنها ليست عربية، فإنه إذا لم يعرف عن بعض العرب أنه نطق بها؛ فلا يلزم من ذلك أن يكون الناطق بها غير العرب.
* الثاني: على تسليم أنها ليست عربية، فإن العرب تكلمت بها وعربتها؛ قال الشافعي: «إنه ليس في القرآن لفظٌ ليس عربي».
قوله: (للناس كافة في كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم).
أشار الشيخ رحمه الله بذلك إلى أن القرآن يشتمل على كل ما يحتاجه الناس، وهو ثلاثة أنواع:
* الأول: أحكام اعتقادية:
وهي المتعلقة بالعقيدة، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما يلحق بهذه الأصول ويتفرع عنها.
* الثاني: أحكام أخلاقية سلوكية:
وهي المتعلقة بتهذيب النفس وتزكيتها، كأعمال القلوب ومكارم الأخلاق، وجميل الصفات كالمحبة والخوف والرجاء والصدق والشكر وبر الوالدين وصلة الأرحام والصبر والعفو والإصلاح بين الناس وكف الأذى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وهو المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
والوفاء بالعهد وغير ذلك.
* الثالث: أحكام عملية:
وهي المتعلقة بأفعال المكلفين وهي نوعان:
أ عبادات: وهي ما بين العبد وربه، كالصلاة والزكاة والصيام والحج.
ب معاملات: وهي كل ما يتعلق بتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، كأحكام البيوع والنكاح والطلاق والجنايات والحدود والسياسة الشرعية.
واصطلح العلماء على تسميتها بالمعاملات وليس معنى ذلك خلوها من معنى العبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
قوله: (وهو المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور).
ذكر المؤلف رحمه الله أربعاً أخرى من خصائص القرآن إضافة إلى ما تقدم وهي:
أنه مقروء بالألسنة بمعنى أنه متعبد بتلاوته في الصلاة وغيرها، فهو الذي تتعين القراءة به في الصلاة، قال تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزَّمل: 20] وقراءته عبادة فيها ثواب عظيم، كما ثبت ذلك في حديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف، و (لام) حرف، و (ميم) حرف»(1).
مسألة: القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة:
القراءة الصحيحة هي: ما صح سندها، ووافقت اللغة ولو من وجه، ووافقت رسم المصحف العثماني.
والقراءة الشاذة: ما صح سندها ووافقت اللغة ولو من وجه، وخالفت رسم المصحف العثماني.
والمخالفة قد تكون بزيادة كلمة أو تغييرها ونحو ذلك، ومثالها قراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فكلمة (متتابعات) غير موجودة في المصحف العثماني، ولهذا أطلق عليها بعض العلماء اسم القراءة الشاذة أو الآحادية.
ولما كان رسم المصحف العثماني متواترا، عدوا ما خرج عنه آحادا أو شاذا.
واختلفوا في القراءة الشاذة أو الآحادية هل تجوز القراءة بها في الصلاة؟
* القول الأول: ذهب الجمهور إلى عدم صحة القراءة بها؛ لأنها ليست قرآنا؛ إذ القرآن متواتر وهي ليست متواترة.--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي (2910).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* القول الثاني: وهو إحدى الروايتين عن مالك وإحدى الروايتين عن أحمد واختاره ابن القيم رحمه الله: صحة القراءة بها في الصلاة إذا صح سندها، واستدل بأن ابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما كانوا يقرأون بها ولا يمكن أن نقول ببطلان صلاة هؤلاء وأمثالهم.
حجية القراءة الشاذة:
* القول الأول: أنها حجة، وهو منسوب لأبي حنيفة وأحمد، وأكثر أصحابهم، وحكاه البويطي عن الشافعي.
ودليل هذا القول: أن هذه القراءة نقلت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بسند صحيح فهي لا تخلو إما أن تكون قرآنا أو سنة، وعلى كلا الاحتمالين فهي حجة.
القول الثاني: أنها ليست بحجة، وهو المشهور عن الشافعي رحمه الله.
والدليل على ذلك: أن الصحابي نقلها على أنها قرآن، لا على أنها سنة، وهي لا يمكن أن تكون قرآنا؛ لأن القرآن متواتر وهي غير متواترة، ولأن الظاهر أنها تفسير من الصحابي نفسه، ومذهب الصحابي ليس حجة عند الشافعي.
ومن خصائص القرآن الكريم أيضاً: أنه مكتوب في المصاحف، وكان ذلك في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا من مناقبه الجليلة وحسناته العظيمة، بعد استشارته الصحابة رضي الله عنهم.
ومن خصائصه أيضاً: أنه محفوظ في الصدور، فإن الله تعالى اختص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذه الأمة بذلك، وهو أن القرآن محفوظ في صدورهم، كما ورد في ذلك حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني»، إلى أن قال: «وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء»(1).
ومعنى ذلك أنه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرأ على كل حال، بخلاف أهل الكتاب فإنهم لا يقرأونه إلا نظراً.
ومن خصائصه أيضاً: أنه محفوظ من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر: 9]، وقال أيضاً: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] ومعنى ذلك أنه لا يقربه شيطان من شياطين الجن والإنس، وتفسير قوله: {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} بزيادة عليه، وتفسير قوله: {وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} أي بنقصان منه، فهو {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} أي ذو حُكم وحكمة، ومحمود على جميع أسمائه، وجميع صفاته، وجميع أفعاله، ومحمود لكثرة خيره وسعة جوده وكرمه.
* * *--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (63).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وأما السنة: فإنها أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته على الأقوال والأفعال.
قوله: (وأما السنة .. ).
السنة في اللغة: هي السيرة سواء كانت حميدةً أو ذميمة، قال لبيد:
من معشر سنَّت لهم آباؤهم … ولكل قومٍ سنةٌ وإمامُها
وأما في الاصطلاح: فلها ثلاثة معان:
* الأول: ما يقابل الواجب ويرادف المندوب، ويدرس في الأحكام التكليفية في أبواب الأصول وتقدم.
* الثاني: ما يقابل البدعة، ويراد بها ما وافق القرآن أو حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل في ذلك سنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ويدرس ذلك في كتب الاعتقاد وأصول الدين.
* الثالث: ما يقابل القرآن، وهو المراد هنا، ويراد بها قول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره، ويضيف المحدثون وصفه صلى الله عليه وسلم في خُلُقه، فيكون المعنى عندهم أعم؛ لأنهم أهل العناية برواية الأخبار.
والسنة يقسمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين:
الأول: باعتبار ذاتها، وهذا على أنواع:
* الأول: السنة القولية:
مثالها: حديث عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»(1).
* الثاني: السنة الفعلية:
مثالها: صفات العبادات التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، فالنبي عليه الصلاة والسلام بيّن الصلاة بفعله، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»(2)، وبيّن الحج بفعله وقال: «لتأخذوا عني مناسككم»(3).
* الثالث: السنة التقريرية:
مثالها: حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جارية: «أين الله؟» فقالت: في السماء، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك(4).
الثاني: باعتبار علاقتها مع القرآن، وهذا على أنواع:
* الأول: مؤكدة للقرآن:
ومعنى ذلك أن يأتي الحكم في القرآن ثم تأتي السنة بتأكيده.
ومن ذلك: قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المزَّمل: 20] أمر من الله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبعد ذلك جاءت السنة بتأكيد هذا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907).
(2) أخرجه البخاري (631).
(3) أخرجه مسلم (1297).
(4) أخرجه مسلم (537).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأمر من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان»(1).
* الثاني: أنها مبينة للقرآن:
ومن ذلك: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المزَّمل: 20] أمر مجمل من الله تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم جاءت السنة بتبيين تفاصيل الصلاة وكيفية إقامتها، وبتبيين مقادير الزكاة، وشروطها، وبيان الأموال التي يجب فيها الزكاة.
* الثالث: أن تكون مستقلة أو زائدة على ما في القرآن:
ومن ذلك: أحكام الشفعة، وميراث الجدة، وغير ذلك كما في كتب الفروع.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإجماع على وجوب اتباع ما ثبت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والأدلة من الكتاب والسنة متظاهرة على ذلك، قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32].
وجه الدلالة: أن الله تعالى ساوى بين طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال أيضاً: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3: 4].
وجه الدلالة: أن الآية دلت على استواء السنة مع القرآن في كونهما--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (4514)، ومسلم (16).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحياً من الله تعالى، إلا أن السنة موحى بها بالمعنى دون اللفظ.
وعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه»(1).
وقد دل هذا الحديث بتمامه على أمرين:
* الأول: حجية السنة واستقلالها بتشريع بعض الأحكام، وأن القرآن لا يغني عن السنة، بل هي مثله في وجوب الطاعة والاتباع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه»، والمراد بالكتاب القرآن، وبالمثل السنة، ومثليتها تكون في وجوب العمل بهما.
* الثاني: في الحديث آية باهرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولذا أورده البيهقي رحمه الله في كتابه «دلائل النبوة» فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن شيء قد وقع، فقد ظهر في زماننا من يرد الاحتجاج بالسنة وينكر العمل بها، ولهم في ذلك شبه سموها أدلة، وماهي إلا محض أوهام، وهذا ليس بوليد هذا العصر، فإن لكل قومٍ وارثاً، وسلفهم في ذلك طوائف من أهل البدع، يقول الشوكاني رحمه الله: «والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لاحظ له في دين الإسلام»(2).--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (28/ 410)، وأبو داود (4604).
(2) «إرشاد الفحول» الشوكاني 1/ 97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرع: السنة المتواترة حجة بالاتفاق.
وأما الآحادية فحجة عند جماهير العلماء واستدلوا على ذلك بعدد من الأدلة منها:
1 قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
وجه الدلالة: أن الطائفة في اللغة تطلق على الواحد وعلى العدد القليل والكثير، وقد أوجب الله عليهم أن ينذروا قومهم، ولولا أن نذارتهم مقبولة لما كان لإيجاب النذراة عليهم فائدة.
2 أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل رسله وأمراءه وقضاته وسعاته المأمورين بجمع الزكاة، وهم آحاد فلو لم يجب قبول خبرهم عنه لما أرسلهم، ولما حصل المقصود بإرسالهم.
3 إجماع الصحابة على قبول خبر الواحد والعمل به، ويدل على إجماعهم قضايا ووقائع لا يمكن تكذيبها مجتمعة.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
فالأحكام الشرعيَّة: تارة تؤخذ من نص الكتاب والسنة، وهو اللفظ الواضح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى.
شرع المؤلف رحمه الله بذكر مباحث دلالات الألفاظ وابتدأ:
قوله: (تؤخذ من نصِّ الكتاب … ).
1 النص:
والنص في اللغة: الكشف والظهور، يقال: نصت الظبية رأسها إذا رفعته وأظهرته، ومنه منصة العروس، وهو الكرسي الذي تجلس عليه.
وفي اصطلاح الأصوليين: هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً فقط.
فهو في مقابلة الظاهر والمجمل.
ومثال ذلك: قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المزَّمل: 20] فهذا نص في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
ومن ذلك أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان»(1).
فهذا نص في بناء الإسلام على هذه الأركان الخمسة.
وحكم النص: أنه يجب العمل به والمصير إليه.--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وتارة تؤخذ من ظاهرهما، وهو ما دل على ذلك على وجه العموم اللفظي أو المعنوي.
وقوله: (وتارة تؤخذ من ظاهرهما: وهو ما دل على ذلك على وجه العموم اللفظي أو المعنوي).
2 الظاهر:
والظاهر في اللغة: الواضح.
وأما في الاصطلاح: فهو ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر.
مثال الظاهر: قول الله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237].
فقوله الذي بيده عقدة النكاح يحتمل أن يكون الولي أو الزوج، لكن لما قال {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} أي الزوجات بقي حق الزوج، فيكون هو المراد.
مثال آخر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «توضؤوا من لحوم الإبل»(1).
وهذا الحديث يحتمل معنيين:
المعنى الأول: الوضوء اللغوي وهو مجرد النظافة.
المعنى الثاني: الوضوء الشرعي وهو التعبد لله عز وجل بغسل الأعضاء الأربعة على وجه مخصوص.
فقوله: «توضؤوا» يحتمل هذين المعنيين لكن أحدهما أظهر من الآخر،--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (360).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحمله على الوضوء الشرعي أظهر؛ لأن الألفاظ الشرعية تحمل على مراد الشارع.
حكم الظاهر: أنه يجب المصير إلى المعنى الظاهر.
فرع: المؤول لغة: من الأول وهو الرجوع.
ويطلق على عدَّةِ معانٍ:
المعنى الأول عند السلف: الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، كقول كثير من السلف في بعض الآيات: «هذه ذهب تأويلها، وهذه لم يأت تأويلها».
والمعنى الثاني عند السلف: التفسير والبيان، كقول بعض المفسرين: «القول في تأويل قول الله تعالى».
المعنى الثالث عند الأصوليين: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بدليل يدل على ذلك.
فخرج بقولنا: «المرجوح»؛ النص والظاهر.
أما النص؛ فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً، وأما الظاهر فلأنه محمول على المعنى الراجح.
والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود.
1 فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح؛ كتأويل قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] إلى معنى: واسأل أهل القرية، لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)