ويراد بالخاص العام وعكسه، مع وجود القرائن الدالة على ذلك
قوله: (ويراد بالخاص العام وعكسه، مع وجود القرائن الدالة على ذلك).
أي يأتي النص الخاص ويراد به العام، إذا وجد قرينة تدل على ذلك، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] فهذا خاص؛ لأنه خطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه يراد به العام أي عموم الخلق، وكقوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23] فخصّ التأفيف بالنهي عنه، والمراد النهي عن جميع أنواع الأذى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (جمهور علماء الأمة أن الله إذا أمر نبيه بأمر أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له في ذلك، ما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك).
ومن الأمثلة أيضاً: قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] فإن الخطاب في هذه الآيات وهي آيات الحجاب وإن كان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فهو عام لجميع نساء الأمة.
قوله: (وعكسه) أي يأتي العام ويراد به الخاص بالشرط المذكور، كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97].
فالناس في هذه الآية عام يراد به خصوص المكلفين؛ لأن الشرع والعقل يقضيان بخروج الصبيان والمجانين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
وخطاب الشارع لواحد من الأمة، أو كلامه في قضية جزئية يشمل جميع الأمة وجميع الجزئيات إلا إذا دل الدليل على الخصوص.
وكقوله تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ} [التوبة: 120] فهنا لفظان عامان يراد بهما خصوص القادرين، كما ذكر ذلك الشافعي رحمه الله وذكر أمثلة أخرى.
قوله: (وخطاب الشارع لواحد من الأمة، أو كلامه في قضية جزئية يشمل جميع الأمة وجميع الجزئيات إلا إذا دل الدليل على الخصوص).
أي: أن خطاب الشارع لواحد من الصحابة، يشمل جميع المكلفين، ولا يختص بذلك الصحابي، إلا بدليل يدل على التخصيص.
من أمثلة ذلك: قول علي رضي الله عنه: (نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد)(1).
ومن الأمثلة أيضاً: حديث قيس بن عاصم رضي الله عنه: (أنه لما أسلم أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر)(2).
ودليل هذا التعميم النص والقياس، أما النص فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة»(3).
وأما القياس: فإن قياس غير المخاطب على المخاطب بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (480).
(2) أخرجه أحمد (20611)، والترمذي (605)، والنسائي (188).
(3) أخرجه أحمد (27006)، والترمذي (1597)، والنسائي (4181)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون في أحكامهم العامة إلى أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان بعضها توجه إلى صحابي واحد كحديث عائشة رضي الله عنها لما حاضت صفية رضي الله عنها وفي تفويض المهر إلى قصة بروع بنت واشق رضي الله عنها، وفي حكم السكنى للمبتوتة إلى حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وفي حد الزاني إلى قصة ماعز رضي الله عنه وغير ذلك.
قوله: (أو كلامه في قضية جزئية يشمل جميع الأمة وجميع الجزئيات).
كلام الشارع في قضية جزئية يشمل جميع الجزئيات، وذلك مثل: (نهى عن بيع الغرر)(1)، وقول الصحابي: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار)(2)، فهذا يعم كل غرر وكل جار؛ وذلك لأن الصحابي الناقل لذلك عدل ضابط فلا يروي ما يدل على العموم إلا وهو جازم بالعموم، وقد كان الصحابة يحتجون بمثل ذلك دون نكير، وقد رجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة)(3).
قوله: (إلا إذا دل دليل على الخصوص).
أي: أن ما خوطب به الصحابي لا يختص به إلا إذا دل الدليل على اختصاصه بهذا الحكم، كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة في الأضحية بالجذع من المعز: «تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك»(4)، وهذه خصوصية حال لا خصوصية عين، ومثل ذلك تخصيصه صلى الله عليه وسلم خزيمة رضي الله عنه بجعل شهادته كشهادتين(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1513).
(2) رواه مسلم (1608).
(3) رواه البخاري (2381)، ومسلم (1536).
(4) أخرجه البخاري (983)، ومسلم (1961).
(5) رواه البخاري (2807).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
وفعله صلى الله عليه وسلم الأصل أن أمته أسوته في الأحكام إلا إذا دل دليل على أنه خاص به
وإذا نفى الشارع عبادة أو معاملة: فهو لفسادها، أو نفى بعض ما يلزم فيها:
قوله: (وفعله صلى الله عليه وسلم الأصل أن أمته أسوته في الأحكام إلا إذا دل دليل على أنه خاص به).
هذه المسألة تتعلق بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق الكلام عليها، وبيان أقسامها، وذكر هنا أن الأصل التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله من العبادات والمعاملات؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فيجب العمل بمقتضى هذه الآية حتى يقوم الدليل المانع من التأسي، وهو الدال على الخصوصية، كما في قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] فهذه الآية تدل على أن الله تعالى أحلّ لنبيه صلى الله عليه وسلم أن ينكح التي تهب له نفسها بدون مهر، وأما غيره صلى الله عليه وسلم فلابد من المهر والولي والشهود.
قوله: (وإذا نفى الشارع … ).
هذه المسألة تتعلق ببيان حكم ما نفاه الشارع، فإذا نفى الشارع عبادة أو معاملة، فهو إما لفسادها من أصلها، أو لانتفاء بعض ما يلزم فيها من واجبات أو غيرها.
النفي الداخل على المسميات الشرعية له ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: للوجود، وإذا لم تمكن هذه المرتبة فالمرتبة الثانية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النفي للصحة هذا هو الأصل إلا إذا وجد دليل يصرف هذا النفي إلى الكمال وأنه ليس نفيًا للصحة، فالمرتبة الثالثة: نفي الكمال.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (من قال إن النفي للكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يُذم صاحبه فقد صدق، وإن أراد الكمال المستحب فلم يقع في كلام الله ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ذلك ولا يجوز أن يقع).
فإذا قلت: لا خالق إلا الله فالنفي هنا للوجود، يعني ليس هناك خالق موجود غير الله عز وجل وإذا قلت: لا صلاة إلا بوضوء، الصلاة الآن موجودة فنقول: النفي هنا للصحة هذا الأصل إلا إذا وجد صارف ولم يوجد صارف.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»(1) النفي هنا للصحة، وأن النكاح لا يصح إلا بولي إلا إذا وجد صارف ولم يوجد الصارفُ.
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان»(2) فالنفي هنا ليس للصحة، وإنما هو للكمال لوجود الصارف، وهو أن هذه الصلاة اكتملت شروطها وواجباتها وأركانها، لكن لما وجد شيء يشوّش على الإنسان فالنفي هنا للكمال، فالكمال أن يمتنع الإنسان عن كل ما يشوش عليه صلاته، أما إذا كان هذا التشويش يؤدي إلى الإخلال بشرط أو ركن كالطمأنينة فالنفي يبقى على--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود رقم (2085) والترمذي رقم (1101) وابن ماجه رقم (1881)، وصححه علي بن المديني وابن معين وابن حبان والحاكم وابن حزم والبيهقي وابن عدي وابن الجوزي.
(2) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
فلا تنفى لنفي بعض مستحباتها.
تنعقد العقود وتنفسخ بكل ما دل على ذلك من قول أو فعل.
أصله وهو أنه نفي للصحة.
كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»(1) نقول: النفي هنا للصحة؛ لأن الصلاة وجدت فلا يمكن أن يكون للوجود، فمن صلى خلف الصف فصلاته غير صحيحة لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» إلا إذا وجد صارف، وذلك فيما إذا كان الصف مكتملًا، فإن النفي ليس للصحة.
قوله: (فلا تنفى لنفي بعض مستحباتها).
أي: أن العمل إذا فُعِل كما أوجبه الله تعالى، فإنه لا يصح نفيه لانتفاء شيء من مستحباته التي ليست بواجبة.
وعلى هذا فلا يحكم عليه بالفساد، كما لو ترك المصلي رفع يديه عند تكبيرة الإحرام، أو اقتصر على الذكر مرة واحدة، ونحو ذلك مما يعده الفقهاء من سنن الأقوال والأفعال والله أعلم.
قوله: (تنعقد العقود وتنفسخ بكل ما دل على ذلك من قول أو فعل).
هذه المسألة تتعلق بالعقود من البيع والإجارة والهبة والنكاح وغير--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (4/ 228) وأبو داود رقم (682) والترمذي رقم (231) وابن حبان (3/ 313) وفي الباب عن علي بن شيبان أخرجه أحمد (4/ 23) وابن ماجه (1003) وحسن هذا الحديث الإمام أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن حزم والبوصيري، وقال ابن رجب (رواته كلهم ثقات) وأخذ به ابن معين وعمل به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك، وكذا ما يتعلق بالفسوخ، كفسخ البيع والإجارة ونحو ذلك.
ومعنى هذه القاعدة: أن كل ما يدل على مراد المتعاقدين مما تعارف عليه الناس من لفظ أو فعل أو نحوهما فإنه ينعقد به العقد وهكذا يقال في الفسوخ.
ومعلوم أن الألفاظ التي عند العرب ليست هي الألفاظ التي عند غيرهم، ويدخل في ذلك ما تعارف الناس عليه من البيع بالمعاطاة من غير إيجاب ولا قبول عند شراء حوائجهم.
وما تقدم معلل بأمرين:
الأول: أن الشرع ذكر العقود، وليس لها حد في اللغة أو الشرع، فيرجع إلى العرف.
الثاني: أن العقود ليست عبادات يتقيد الإنسان فيها بما ورد، بل هي معاملات يُرجع فيها إلى ما تعارف الناس عليه، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
فصل في الاجتهاد والتقليد
المسائل قسمان:
مجمع عليها، فتحتاج إلى تصور وتصوير، وإلى إقامة الدليل عليها، ثم يحكم عليها بعد التصوير والاستدلال.
وقسم فيها خلاف، فتحتاج مع ذلك إلى الجواب عن دليل المنازع.
قوله: (المسائل قسمان).
ذكر المؤلف رحمه الله في خاتمة هذه الرسالة ثلاث مسائل:
الأولى: طريقة تقرير الأحكام الشرعية: فإن المسائل قسمان:
* القسم الأول: مجمعٌ عليها، وهذه لها ثلاث مراتب:
1 تصور المسألة وتصويرها، والتصور هو: إدراك الشيء من غير أن يحكم عليه بنفي أو إثبات، فتصور المسألة هو إدراكها، وأما تصويرها فهو: حصر ضوابطها، أو وصفها للغير وصفاً واضحاً.
2 إقامة الدليل عليها: وهو الاستدلال على المسألة من كتاب أو سنة؛ لأن الإجماع والقياس لابد أن يستندا إلى دليل.
3 الحكم عليها وهذه ثمرة الاستدلال.
مثال ذلك: نفقة الزوجة، فلابد من تصوير المسألة المعروضة على المفتي؛ ليعرف مقدار ما يجب من النفقة؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأمكنة، والنظر إلى حال الزوجين يساراً وإعساراً، فإذا تقرر ذلك عند المفتي، استدل عليه بمثل قوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»(1).
وقد نقل ابن المنذر وغيره إجماع أهل العلم على وجوب نفقة الزوجة على زوجها مالم تكن ناشزاً، وبناء على هذه الأدلة يذكر المفتي وجوب نفقة الزوجة على زوجها، ويرجع في تقدير ذلك إلى العرف في ذلك البلد الذي منه السائل.
* القسم الثاني: المسائل التي فيها خلاف.
ونحتاج فيها إلى أربع مراتب، المراتب الثلاث السابقة، ونزيد عليها مرتبة رابعة وهي الجواب عن دليل المنازع؛ لأنه بعد تصوير المسألة والاستدلال عليها وبيان حكمها، يبقى دليل المخالف موهناً لدليله وترجيح أحد القولين لابد فيه من الجواب عن دليل المنازع ليظهر ضعفه وقوة دليل المستدل.
ومثال ذلك: أنه يجوز اختلاف نية الإمام والمأموم.
وتصوير المسألة: مثاله: ما لو دخل إنسان المسجد والإمام يصلي التراويح فله أن يصلي العشاء خلفه، فإذا سلم الإمام قام وأتم صلاته، ودليل ذلك: ما ورد عن جابر أن معاذاً رضي الله عنهما «كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1218).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
وهذا في حق المجتهد والمستدل، وأما المقلد فوظيفته السؤال لأهل العلم
العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة(1).
كما يدل على ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالطائفة الثانية صلاة الخوف وهي له نافلة، فإنه صلى بالطائفة الأولى ثم سلم، ثم صلى بطائفة أخرى ثم سلم.
واستدل المخالف بحديث «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه»(2).
والقول الأول أرجح لقوة دليله، وأما دليل المنازع فله جوابان:
الأول: أنه محمول على الاختلاف في الأفعال الظاهرة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فسره بذلك كما في تمام الحديث: «فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا».
الثاني: سلمنا أنه عام في اختلاف النيات والأفعال الظاهرة، لكنه مخصوص بمثل حديث جابر المذكور والله أعلم.
قوله: (وهذا في حق المجتهد والمستدل).
أي: أن هذا المسلك في بناء الحكم الشرعي هو وظيفة المجتهد، وهو الفقيه الذي له القدرة على استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
وكذا المستدل: وهو من يطلب الدليل على حكم شرعي.
قوله: (وأما المقلد فوظيفته السؤال لأهل العلم).
كما في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (701)، ومسلم (465).
(2) رواه البخاري (378)، ومسلم (411).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
والتقليد: قبول قول الغير من غير دليل
والطرق الدالة على من يصلح للفتوى ثلاث:
الأول: الاشتهار، فمن اشتهر بالعلم والدين، فإنه يستفتى.
الثاني: إخبار العدل أن فلاناً يستفتى.
الثالث: الانتصاب للفتوى.
قوله: (والتقليد: قبول قول الغير من غير دليل).
التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق محيطاً به.
وأما في الاصطلاح: اتباع قول الغير من غير معرفة دليله.
حكم التقليد: جائز في العامة الذين لا قدرة لهم على الأدلة والاستنباط، وهو قول الجمهور؛ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
ولإجماع الصحابة على إفتاء العوام إذا سألوا، وعلى أن فرض الجاهل سؤال العالم.
ومنع من التقليد في الفروع ابن حزم والشوكاني؛ لأن التقليد قبول قول الغير من غير حجة، وقصدوا بهذا أن القول المقلد فيه لا حجة عليه إلا قول المجتهد أو فعله.
ولا يفهم من هذا أنهم يمنعون العامة من سؤال العلماء، فإن هذا مجمع عليه لا ينكره أحد، ولكنهم لا يسمونه تقليداً إذا كان العالم أفتى بقول بناء على الدليل.
وقد أوجب ابن حزم على العامي أن يسأل المفتي عن دليله، فلا يقبل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتواه إلا إذا ذكر له الدليل، أو قال له: إن هذا حكم الله جل جلاله.
والتقليد يشترط له شروط:
الأول: أن يكون جاهلاً عاجزاً عن معرفة حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أن يقلد من عرف بالعلم والاجتهاد ممن يكون أهلاً للدين والصلاح.
الثالث: ألا يخالف التقليد الإجماع أو النص الصحيح الصريح.
الرابع: ألا يتبين له الحق.
الخامس: ألا يلتزم مذهباً معيناً بل عليه أن يتحرّى في كل مسألة وأن يقلد فيها.
ومخالفة هذه الشروط يترتب عليها ما يسمى بالتقليد المذموم.
مسألة: حكم التمذهب.
الجمهور على الجواز؛ لأنه إذا جاز لغير المجتهد تقليد من شاء من العلماء جاز له أن يختار منهم واحدا فيقلده دون غيره؛ لثقته في علمه وعدالته وورعه.
وقيل: لا يجوز؛ إذ لم يكن معروفاً في صدر الإسلام، وأنه يؤدي إلى التعصب وترك الحق.
وأجيب: بعدم التسليم، فإن المفتين في الصدر الأول لم تكن لهم مذاهب معروفة في جميع مسائل الفقه، وهذا جعل المقلدين يسألون من وجدوه حين تعرض لهم المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
فالقادر على الاستدلال عليه الاجتهاد والاستدلال، والعاجز عن ذلك عليه التقليد والسؤال،
والصواب في ذلك: أنه لا يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين، لكن يجوز له أن يتمذهب بشرطين:
الأول: إذا لم يستطع أن يتعلم دينه إلا بالتزام مذهب معين، فيجوز له أن يتمذهب.
الثاني: أن يترتب على عدم التمذهب بمذهبٍ معين فساد عظيم لا يتمكن دفعه إلا بذلك.
وإذا تمذهب بمذهب معين فعليه أن يراعي الأمور الآتية:
الأولى: ألا يتخذ ذلك دعوة يدعو إليها، يوالي ويعادي من أجلها.
الثاني: ألا يعتقد أنه يجب على جميع الناس اتباع شخص بعينه.
الثالث: أن يعتقد أن هذا الإمام الذي تابعه ليس له من الطاعة إلا أنه مبلغٌ عن الله ورسوله وليس له الطاعة المطلقة.
الرابع: أن يحترز عن الوقوع في أخطاء بعض المتمذهبين، مثل: التعصب والتفرق والانتصار بالأحاديث الضعيفة والإعراض عن الوحي(1).
قوله: (فالقادر على الاستدلال عليه الاجتهاد والاستدلال):
أي أن الناس صنفان:
* الأول: قادر على الاستدلال، والمراد به: المجتهد، وفي جوازه--------------------------------------------
(1) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله 492، ومعالم أصول الفقه عند أهل السنة 465.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تقليده لغيره قولان:
القول الأول: لا يجوز له التقليد وهو مذهب الجمهور؛ لحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»(1)، فإن رأي المجتهد الآخر مما يرتاب فيه المجتهد.
القول الثاني: لا يجوز له التقليد إلا إذا ضاق الوقت وحضر وقت العمل، ولم ينظر أو لم يتبين له فيها رأي، وهو مذهب ابن سريج، واختاره ابن تيمية.
ودليله: أنه إذا لم يتمكن من النظر لضيق الوقت، أو نظر فلم يظهر له حكم معين يكون بمنزلة العامي؛ إذ لا يمكنه التوقف إلى الأبد، فيجوز له أن يقلد حينئذ للضرورة.
* الثاني: العاجز عن الاستدلال فهذا عليه أن يسأل أهل العلم، أو يقلد غيره من أهل العلم.
مسألة: إذا كان في البلد مجتهدان أو مجتهدون، فهل للعامي أن يتخير أو ليس له أن يتخير؟
الرأي الأول: يجب عليه أن يسأل أوثق العالمين علماً وورعاً، كما أنه في مرضه البدني يجب عليه أن ينظر إلى أوثق الطبيبين.
الرأي الثاني: أنه لا يجب عليه أن يتحرّى، وإنما له أن يتخير؛ أخذاً--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (1723)، والترمذي (2518)، والنسائي (5711).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
كما ذكر الله الأمرين في قوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
مما عليه الحال وقت الصحابة والتابعين، فإنهم كانوا يسألون المفضول فيفتيهم، ولا يأمرهم بسؤال الفاضل، وقد أفتى ابن عباس وابن عمر في حياة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم أجمعين.
والصواب في هذه المسألة: أنه ليس له أن يتخير؛ فيبحث عن الأفضل منهم، كما يجتهد العالم في الأخذ بالأقوى من الدليلين المتعارضين، ولأن المفتين كثروا والناس يتفاوتون في العلم.
مسألة: إذا تساوى عنده عالمان في الدين والعلم، فهل له أن يتخير من أقوالهم، أو يأخذ بالأشد؟
الرأي الأول: أن له أن يتخير من أقوالهم.
الرأي الثاني: أنه يأخذ بالأشد، وهذا قول الظاهرية.
والأقرب: أنه يتخير من أقوالهم.
وقوله: (كما ذكر الله الأمرين في قوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]).
المراد بالأمرين أن القادر يجتهد لقوله: {أَهْلَ الذِّكْرِ}، وأن العاجز يقلد، لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا} والله أعلم.
مسألة: تتبع الرخص.
يقصد بتتبع الرخص: الأخذ بأخف الأقوال في المسائل الخلافية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا العمل قد يحصل من مجتهد أو مقلد.
وقد أجازه بعض العلماء، وقيل: بمنعه؛ لأن فرض المقلد سؤال أهل العلم، كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
ولأن تتبع الرخص يؤدي إلى التحلل من ربقة التكاليف الشرعية، وهو عمل بالهوى بدون دليل، ولهذا قال بعض العلماء: من تتبع الرخص فقد تزندق.
مسائل تتعلق بالاجتهاد:
* الأولى: الاجتهاد في اللغة: بذل الجهد واستفراغ الوسع لإدراك أمر شاق.
وأما في الاصطلاح: فهو بذل الوسع بالنظر في الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام الشرعية.
* الثانية: شروط الاجتهاد:
يشترط له شروط:
الأول: أن يكون المجتهد عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة وأصول الفقه ويكفي القدر اللازم لاستنباط الأحكام بأن يكون عارفاً بدلالات الألفاظ، خبيراً بما يصح من الأساليب وما لا يصح، وأن يكون عارفاً بمراتب الأدلة، وطرق الجمع بينها، وطرق الترجيح عند التعارض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثاني: أن يكون عالماً بأحوال الرجال لكي يعلم المقبول من غيره، وعارفاً بالناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع.
الثالث: أن يكون عارفاً بالآيات والأحاديث الواردة في الأحكام.
الرابع: أن يستند في اجتهاده إلى دليل.
الخامس: أن يبذل جهده قدر المستطاع.
السادس: ألا تكون المسألة منصوصاً عليها أو في معنى المنصوص.
السابع: أن تكون من النوازل أو مما يمكن وقوعه والحاجة إليه ماسة.
الثامنة: أن يكون عارفاً بالواقعة مدركاً لأحوالها.
* الثالثة: تجزؤ الاجتهاد:
عند جمهور العلماء من حصَّل الشروط العامة له أن يجتهد في المسألة المستقلة، إذا أحاط بأدلتها، وقدر على النظر فيها، ولو لم يستطع الاجتهاد في مسألة أخرى لقصوره عن الإحاطة بأدلتها؛ لأن أكثر العلماء كانوا يتوقفون في بعض المسائل، مما يدل على أنهم لم يحيطوا بأدلتها، ويفتون في غيرها لإحاطتهم بأدلتها.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الاجتهاد لا يتجزأ، ومن لم يحط بأدلة الفقه على الوجه الذي ذكرناه في شروط الاجتهاد ليس له أن يجتهد في باب أو مسألة لأن مسائل الفقه متصل بعضها ببعض كسلسلة متصلة الحلقات،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يمكن أن يحيط بأدلة مسألة ما لم يحط بأدلة المسائل الأخرى.
* الرابعة: تجديد الاجتهاد.
المقصود بتجديد الاجتهاد: إعادة النظر في حكم الواقعة، لتجدد وقوعها أو السؤال عنها، واختلفوا في ذلك على أقوال:
القول الأول: يجب عليه تجديد الاجتهاد إذا وجد ما يستدعي إعادة النظر في المسألة، كتغير العرف في مسألة مبنية على العرف، أو وجود نص يخالف ما أفتى به سابقاً في الصور الثلاث كلها، وهو مذهب أكثر الحنفية والحنابلة.
وحجتهم: أنه إذا لم ينظر في المسألة الجديدة يكون مقلداً لنفسه.
وأيضاً فإن الاجتهاد كثيراً ما يتغير بمعاودة النظر، فلا يأمن أن يكون الحق في غير ما أفتى به أولا.
القول الثاني: عدم وجوب إعادة النظر.
وهو قول بعض الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة.
وحجتهم: أن الأصل عدم تغير الاجتهاد، فيجوز البناء عليه.
وأيضاً فإنه لو أمر بتجديد الاجتهاد لكان إيجاباً من غير دليل.
والقول الثالث: أنه إن كان ذاكراً لطريق اجتهاده السابق فلا يجب عليه معاودة النظر، وإن كان ناسياً وجب عليه معاودة الاجتهاد والنظر، وهو قول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المحققين من الأصوليين.
دليله: أن المجتهد إذا كان ذاكراً لدليله السابق، ولم يظهر له ما يعارضه، فهو باق على اجتهاده السابق، ولا يجب عليه تجديد البحث؛ لأنه لا موجب له.
وأما إذا نسي دليله السابق فإنه لو حكم بما حكم به أولاً من غير نظر كان كالمقلد؛ لأنه أخذ قولاً لا يعرف دليله، والمجتهد لا يجوز له أن يقنع بالتقليد مع قدرته على النظر والاجتهاد.
* الخامسة: قاعدة: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد إلا إذا خالف نصاً صريحاً من كتاب أو سنة، أو خالف إجماعاً صريحاً ثابتاً.
* السادسة: هل يلزم المجتهد إخبار من أفتاه بتغير اجتهاده؟
اختلف العلماء في ذلك، والأكثر على أنه لا يلزمه ذلك.
وقيل: يلزمه إن لم يتصل به العمل وأمكنه ذلك من غير مشقة.
وهو أرجح؛ لأنه من النصح لعامة المسلمين.
* السابعة: لا ينكر تغير الفتوى بتغير الأزمان:
نص العز ابن عبد السلام، والقرافي، وابن القيم، وغيرهم على أن الحكم أو الفتوى قد يتغيران في المسألة الواحدة لأجل تغير الأعراف والعادات والأزمان، ونحو ذلك مما له أثر في الحكم.
وقد توسع في القاعدة بعض المتأخرين، ولم يقصروها على الأحكام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
(والله أعلم، وصلى الله على محمد رسول الله، وآله وصحبه وسلم).
التي ترجع إلى العرف والعادة(1).
مسألة: المفتي في اللغة: اسم فاعل من الإفتاء وهو الإخبار بالحكم.
وفي الاصطلاح: المخبر بحكم الله تعالى لمعرفته بدليله.
وحكم إفتاء الناس: فرض كفاية، لقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] والإفتاء من تبيين العلم للناس، وكان على الكفاية لأن المطلوب تحصيل العمل، إذ الأمر روعي فيه العمل لا العامل.
وإفتاء الناس من تعليمهم ودلالتهم على الخير وبه تصلح عبادات الناس ومعاملاتهم وتنحل مشكلاتهم، والصحابة رضي الله عنهم كانوا يتدافعون الفتيا تورعاً لعلمهم بكثرة من يغنيهم بفتوى الناس.
قال ابن القيم: «الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله وسلم مائة ونيف وثلاثون نفساً».
ويشترط في المفتي: العلم بآيات الأحكام وأحاديثها وما يتعلق بذلك، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومواقع الإجماع، والعلم بالفقه، وأصوله، وآثار الصحابة.
قال رحمه الله: (والله أعلم، وصلى الله على محمد رسول الله، وآله وصحبه وسلم).
في آخر هذه الرسالة المباركة ردَّ المؤلفُ العلمَ إلى الله عز وجل،--------------------------------------------
(1) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله 499.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)