المثال العاشر:
روى أبو داود عن مسدد في حديث الَّلديغ (فشفوا له بكل شيء لا ينفعه) أي: طلبوا الشِّفاء.
ورواه البيهقي من طريق مسدد (فسعوا له) من السعي، وكذلك جاء في البخاري من طريق أخرى عن شيخ مسدد(1).
القرينة الخامسة:
أن يأتي في الحديث ما يخالف تبويب المصنف.
إذا أتى لفظ في الحديث يخالف ما عقد عليه المصنف الباب دلَّ على تصحيف من دون المصنف.
المثال الأول:
عقد البخاري على حديث أسامة بن زيد (باب عيادة الصبي)، وورد في سياق الحديث (إن ابنتي)(2)، فدل هذا أن البخاري إنما يرويه بلفظ (إن ابني).
المثال الثاني:
جاء في رواية للبخاري من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له جارية فعالها فأحسن إليها، ثم أعتقها وتزوجها؛ كان له أجران».
قوله «فعالها» تصحيف، والصَّحيح «فعلمها» كما عقد عليه البخاري الباب (باب فضل من أدَّب جاريته وعلمها)، وكذا في مواضع أخرى للبخاري، لكن هكذا جاء في المطبوع من صحيح البخاري في هذا الباب.
قال القسطلاني: «وهو المناسب للترجمة»(3).--------------------------------------------
(1) انظر ح رقم (152).
(2) انظر ح رقم (2).
(3) انظر ح رقم (196).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
القرينة السادسة:
أن يروي المحدثُ الحديثَ في أكثر من موضع بنفس الإسناد، ويكون في أحد المواضع بلفظ مختلف، وذلك يدل أن في اللفظ المختلف تصحيفًا.
المثال الأول:
جاء في رواية البخاري في قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم وفيه «في مشط ومشاقة»، ورواه بنفس الإسناد بلفظ «مشط ومشاطة»، وهو الصَّحيح(1).
المثال الثاني:
جاء في حديث عند البخاري عن ورقة بن نوفل (فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء)، وجاء عنده في موضع آخر بنفس الإسناد (بالعربية) بدلًا من العبرانية، وهو عند مسلم أيضًا بنفس الإسناد، وهو الصَّحيح(2).
المثال الثالث:
جاء في رواية النسائي في «المجتبى» (فلما بقي ثلث من الشهر)، وفي «الكبرى» (ثلاث من الشهر) وهو الصَّحيح، ويدل عليه سياق الحديث فدل أن ما في «المجتبى» تصحيف(3).
المثال الرابع:
جاء في حديث عند الطبراني في «الأوسط» (وزوجة لا تبغيه خوفًا)، وفي «الكبير» بنفس الإسناد (خونًا) بالنون وهو الصَّحيح(4).--------------------------------------------
(1) نظر ح رقم (238).
(2) انظر ح رقم (163).
(3) انظر ح رقم (83).
(4) انظر ح رقم (121).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
المثال الخامس:
جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بثلاث، فذكر منها في رواية عند النسائي في «المجتبى» (وركعتي الفجر)، وفي «الكبرى» (ركعتي الضحى)، وهو الصَّحيح(1).
المثال السادس:
جاء عند البخاري «ثم أُدخِلتُ الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ»، وفي رواية أخرى عنده «جنابذ»، وهو الصَّحيح الموافق لرواية مسلم(2).
القرينة السابعة:
اضطراب المعنى وعدم استقامته، كأن يُروَى الحديث بمعنى فيه إشكال.
المثال الأول:
روى مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتِيَ بطعام أكل منه، وبعث بفضله إليَّ، وإنه بعث إليَّ يومًا بفضلة لم يأكل منها لأن فيها ثومًا … )، الحديث.
قوله: (بفضلة) تصحيف، والصَّحيح (بقصعة) وبه يستقيم المعنى لأنه قال (لم يأكل منها)، كما رواه أحمد وغيره، وكذا جاء في رواية السجزي من بين كافة رواة مسلم(3).--------------------------------------------
(1) انظر ح رقم (192).
(2) انظر ح رقم (97).
(3) انظر ح رقم (195).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
المثال الثاني:
جاء في حديث جابر رضي الله عنه عند البخاري (فقام في الرطاب في النخل الثانية).
قوله: (في الرطاب) ليس له معنى، لكن هكذا جاء في المطبوع على رواية أكثر الرواة، ورواه ابن السكن (فقام فطاف) وهو الصَّحيح، وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في «مستخرجه على البخاري»(1).
المثال الثالث:
حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا من الأضاحي ثلاثًا»، وكان عبد الله بن عمر يأكل بالزيت حين ينفر من منى من أجل لحوم الهدي.
صحف بعضهم (حين) إلى (حتى) فقال (حتى ينفر من منى).
قال الحافظ: «وهو تصحيف يفسد المعنى فإن المراد أن ابن عمر كان لا يأكل من لحم الأضحية بعد ثلاث، فكان إذا انقضت ثلاث منى ائتدم بالزيت، ولا يأكل اللحم تمسُّكًا بالأمر المذكور»(2).
القرينة الثامنة:
إنكار أهل اللغة للفظ المصحَّف، كأن يكون في الحديث لفظ ينكره أهل اللغة، أو غير معروف من كلام العرب، ولم يأت من طرق أخرى تشدُّه.
مثاله ما جاء في حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب للناس فقال: «أيها الناس، ما يحملكم على أن تتابعوا في الكذب كما يتتابع الفراش في النار».
قوله: «تتابعوا» بالباء تصحيف، والصَّحيح بالياء «تتايعوا كما يتتايع».--------------------------------------------
(1) انظر ح رقم (201).
(2) انظر ح رقم (101).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
قال أبو عبيد: «التتايع: التهافت في الشيء والمتابعة عليه، يقال للقوم: قد تتايعوا في الشر إذا تهافتوا وسارعوا إليه».
وقال ابن الأثير: «التتايع الوقوع في الشر من غير فكرة ولا روية، والمتابعة عليه، ولا يكون في الخير»(1).
المثال الثاني:
جاء عند التِّرمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنه: «اللهم ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد».
قوله: (ذا الحبل) قال أهل اللغة: تصحيف، والصَّحيح (الحيل) بالياء أي: ذي القوة. قالوا: والحبل لا معنى له هنا(2).
على أنه ينبغي أن يُعلم أنه لا يُحكم لما حكم به أهل اللغة على ما صح به الخبر، خاصة إذا ورد في الصَّحيحين، كحديث عبد الرحمن بن عوف في قصة الغلامين من الأنصار وحرصهما على قتل أبي جهل قال له: (لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا).
قال القاضي عياض: «كذا الرواية، وقال بعض الناس صوابه (الأعجز)، وهذا جهل فيه بالكلمة .. ».
وقال ابن حجر: «وقيل: إن لفظ (الأعجل) تحريف، وإنما هو (الأعجز)، وهو الذي يقع في كلام العرب كثيرًا، والصواب ما وقع في الرواية لوضوح معناه»(3).--------------------------------------------
(1) انظر ح رقم (64).
(2) انظر ح رقم (98).
(3) انظر ح رقم (29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
المبحث السادس: الفرق بين التَّصحيف والتَّحريف.
كان المتقدمون من علماء الحديث واللغة لا يُفرِّقون بين المصحَّف والمُحرَّف، ويعتبرونهما شيئًا واحدًا، وذكرنا أمثلة كثيرة لما أطلقوا عليه التَّصحيف(1).
وأول من فرَّق بين التَّصحيف والتَّحريف أبو أحمد العسكري فقال ما نصه: «وهذا من التَّحريف لا من التَّصحيف»(2).
وقال في موضع: «وهذا من التبديل لا من التَّصحيف».
وقال في موضع آخر: «وهذا من أوهام التغيير لا من التَّصحيف».
ولم يشتهر هذا التفريق إلا بعد ما ذكره وقرَّره الحافظ ابن حجر وتبعه السيوطي وغيره في ذلك.
قال ابن حجر: «إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحَّف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمحرَّف»(3).
ومع ذلك لم يلتزم ابن حجر بمقتضى هذا التعريف، كما سترى في تعليله أحاديث كثيرة بالتَّصحيف دون تفريق، وسأذكر لك موجزًا بعض الأمثلة من قول الحافظ ابن حجر:
قال رحمه الله: «صحَّف بعضهم فقال: كان أُبيّ، والصَّحيح أبو ذر»(4).--------------------------------------------
(1) انظر (ص 587).
(2) «شرح ما يقع فيه التَّصحيف والتَّحريف» (ص 19، 102، 123).
(3) «نزهة النظر» (ص 127)، وانظر «تدريب الراوي» (2/ 195)، و «ألفية السيوطي» (203).
(4) انظر ح رقم (6).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وقال في تصحيف لفظ (أشرافهم): «سواهم تصحيف»(1).
وقال: «صحف بعضهم (فنعست في صلاتي حتى استثقلت) فقال (حتى استيقظت)، والظاهر أن رواية (حتى استيقظت) تصحيف»(2).
وقال: «(إيها) كذا للأكثر، ولبعضهم (ابنها)، وهو تصحيف»(3).
وقال في حديث: «إن أمي افتُلِتَت نفسها، وإنها لو تكلمت تصدقت»: «(إنها) تصحيف». يعني الصَّحيح (أراها)(4).
وقال في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بوضوء فجيء بقدح فيه ماء أحسبه قال: قدح زجاج: «وصرح جمع من الحذاق بأن أحمد بن عبدة صحفها»، وذلك لأن الصَّحيح (رحراح) وليس (زجاج)(5).
وقال في تصحيف ابن قانع (نبيشة الخير) إلى (سحر الخير): «قد صحَّفه ابن قانع تصحيفًا شنيعًا»(6).
وقال في حديث كعب بن الأشرف (عندي أعطر سيد العرب): «كأن (سيد) تصحيف من (نساء)»(7).
وقال في حديث (اليد العليا المنفقة): «من رواه بلفظ (المتعففة) فقد صحَّف»(8).--------------------------------------------
(1) انظر ح رقم (24).
(2) انظر ح رقم (25).
(3) انظر ح رقم (44).
(4) انظر ح رقم (45).
(5) انظر ح رقم (136).
(6) انظر ح رقم (144).
(7) انظر ح رقم (150).
(8) انظر ح رقم (228).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
وقال في أثر مجاهد: «إذا اختلطوا قيامًا»: «تصحيف من قوله: (قائمًا)(1).
وقال في تصحيف بعضهم (ابن غنام) إلى (ابن عباس): «قد صحَّفه بعضهم فقال ابن عباس»(2).
وجريتُ أنا في كتابي هذا على ما جرى عليه أكثر أهل العلم من عدم التفريق بين التَّصحيف والتَّحريف، ومع هذا وضعت في آخر الكتاب فهرست الكلمات المحرفة بتغيير النقاط مما حررتُه في هذا الكتاب، وبلغ عددها مئة حديث(3)، ولن تجد هذا العدد مجموعًا في كتاب آخر.--------------------------------------------
(1) انظر ح رقم (213).
(2) انظر ح رقم (162).
(3) انظر «فهرس التَّصحيف بتغيير النقط» (ص 638).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
المبحث السابع: أقسام التَّصحيف:
ينقسم التَّصحيف في الحديث من حيث الإجمال إلى قسمين رئيسين:
الأول: تصحيف الإسناد.
والثاني: تصحيف المتن.
وقسمه أهل العلم إلى قسمين آخرين:
أحدهما: تصحيف البصر وهو الأكثر، وتصحيف السمع نحو حديث لعاصم الأحول رواه بعضهم فقال (واصل الأحدب)، فذكر الدارقطني وتبعه جماعة أنه من تصحيف السمع لا تصحيف البصر.
قال ابن الصلاح: «كأنه ذهب والله أعلم إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة دائمًا، أخطأ فيه سمع من رواه»(1).
قالوا: وينقسم قسمة ثالثة: إلى تصحيف اللفظ، وهو الأكثر، وإلى تصحيف يتعلَّق بالمعنى دون اللفظ.
قلت: تصحيف اللفظ هو تصحيف المتن، فالمتن إنما هو ألفاظ وجُمَل، وتصحيف المعنى قليل وهو مشهور في قصة محمد بن المثنى، وهو ما ذكره الدارقطني أن محمد بن المثنى العَنَزي قال يومًا: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلينا.
يريد حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى عنزة أي: حربة أو عصا، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم(2).--------------------------------------------
(1) «مقدمة ابن الصلاح» (ص 283).
(2) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
وهذه القصة على شهرتها موضع تأمُّل ونظر من وجوه:
الأول: أنها معلقة لم تُسنَد، وأرفع من ذكرها الدارقطني ولم يذكر لها إسنادًا(1)، ولم يذكر أحد من تلامذة ابن المثنى أو معاصريه القصة مع توافر الدواعي لنقل مثلها عنه، ولعل هذا أحد أسباب ذكر بعضهم القصة بصيغة التمريض، أو تعبيرهم بما يشعر أنه معلقة، كما قال الذهبي: «يُروى»(2)، وقال بعضهم: «ذكره الدارقطني»(3).
الثاني: أن تلامذة ابن المثنى كالإمام مسلم والنسائي وغيرهم رووا هذا الحديث بعينه من طريق محمد بن المثنى(4)، ولم يذكر أحد منهم هذه القصة التي ذكرها الإمام الدارقطني عنه.
الثالث: استغراب العلماء واستبعادهم وقوع ذلك من ابن المثنى لجلالة قدره، وعلو منزلته، وهو أحد شيوخ أصحاب الكتب الستة الذين رووا له في كتبهم، ومثله لا يخفى عليه مثل هذا، وقد خرجها بعضهم على أنها خرجت منه مخرج المزاح، لا التصحيف.
قال النووي رحمه الله تعالى: «هذا تصحيف عجيب»(5).--------------------------------------------
(1) ينظر: «سؤالات السلمي للدارقطني» (ص 295)، «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب (1/ 295).
(2) ينظر: «تاريخ الإسلام» (19/ 318).
(3) ينظر: «شرح التبصرة والتذكرة» للعراقي (2/ 106)، «فتح المغيث» للسخاوي (4/ 64)، «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي» للأنصاري (2/ 178).
(4) ينظر: «صحيح مسلم» (270)، (501)، (503)، «سنن النسائي» (470)، «السنن الكبرى» للنسائي (343).
(5) «إرشاد طلاب الحقائق» (2/ 570).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
قلت: لا سيما أن البزار(1) روى الحديث من طريق ابن المثنى نفسه وورد في روايته بلفظ «الحربة» لا «العنزة».
وقال الذهبي: «ويروي - يعني الخطيب - أن أبا موسى مزح مرة، فقال: نحن قوم لنا شرف، صلى إلينا النبي صلى الله عليه وسلم»(2).
وقال في موضع آخر: «فما أدري هل فهم معكوسًا، أو أنه قال ذلك مُزاحًا»(3).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير: «إن مثل هذا يكون من باب التنكيت؛ لأنه عُرِفَ بهذا، أما إمام من شيوخ البخاري ومسلم وغيرهم يقول: صلى إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمشي هذا إطلاقًا»(4).
وهذا التوجيه أولى حمل القصة على التصحيف الذي لا يقع إلا ممن فيه غفلة شديدة(5)، وابن المثنى يجل عن ذلك إن شاء الله تعالى.
ومن التصحيف الذي ذكره العلماء في كلمة (عَنَزة) ما ذكره أبو عبد الله الحاكم عن أعرابي زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى نُصِبَت بين يديه شاة.
صحف عَنَزَة - وهي بفتح النون - إلى عَنْزَة - بإسكان النون -، ثم رواه بالمعنى على وهمه فأخطأ في ذلك من وجهين(6).--------------------------------------------
(1)
(2) «سير أعلام النبلاء» (12/ 125).
(3) «تاريخ الإسلام» (19/ 318).
(4) «شرح ألفية العراقي» المنشور مفرَّغًا على المكتبة الشاملة.
(5) أورد ابن الجوزي القصة في «أخبار الحمقى والمغفلين» (ص 85).
(6) انظر «شرح التبصرة» (2/ 107).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
وذكر الحاكم عن الفقيه أبي منصور قال: كنت بعدن أبين يوم عيد فشُدَّت عَنْزة يعني شاة بقرب المحراب، فلما اجتمع الناس سألتهم بعد الفراغ من الخطبة والصلاة: ما خبر العَنْزة المشدودة بالمحراب؟، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يوم العيد إلى عَنْزة.
قلت: يا هؤلاء صحفتم، ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، إنما كان يصلي إلى العنزة الحربة.
ومن أمثلة تصحيف المعنى، ما ذكره الخطابي عن بعض شيوخه في الحديث أنه لما روى حديث النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة قال: «ما حلقت رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة، فهم منه تحليق الرؤوس، وإنما المراد تحليق الناس حِلَقًا قبل صلاة الجمعة.
وأضف إلى ما ذكروه حديث: «أصل كل داء البَرْد».
أورده بعض أهل العلم في الطب النَّبوي في (باب في البرد والحر)، والصَّحيح البرَدة.
قال العسكري: «هكذا رواه (البرْد) ساكنة الراء، والصَّحيح (البرَدة) بفتح الراء وزيادة هاء، والبرَدة التُّخمة»(1).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «إني قد بدَّنت فلا تبادروني بالركوع والسجود».
رواه بعض أهل الحديث (بدُنْت) من البدانة، وليست هذه صفته صلى الله عليه وسلم، والصحيح (بدَّنت) بالتشديد، والمراد به كبر السن كما قال الخطابي(2).--------------------------------------------
(1) «تصحيفات المحدثين» (ص 155).
(2) انظر ح رقم (57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
وذكروا من أمثلة تصحيف المعنى ما ذكره الخطيب أنه قيل لأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم عن بشر بن يحيى بن حسان قال: خراساني من أصحاب الرأي، وكان أعلى أصحاب الرأي بخراسان، فقدم علينا فكتبنا عنه، وكان يناظر فاحتجوا عليه بطاوس فقال: بالفارسية: يحتجون علينا بالطيور»(1).
نعود إلى القسمين الرئيسين:
الأول: تصحيف الإسناد:
لم أتتبعه في كتابي هذا، ومع ذلك أوردت فيه بعض الأحاديث التي وقع في إسنادها تصحيف، وهي كما يلي:
الأول: جاء في بعض روايات «الموطأ» من حديث مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أنه قال سمعت أبي …
قوله: (سمعت أبي) تصحيف، والصَّحيح سمعت أنَّه(2).
الثاني: ورد في حديث عن الزهري، عن أنس قال: كان أبي يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة … ».
قوله: (أبي) تصحيف، والصَّحيح (أبو ذر).
قال ابن حجر: «وهم نشأ عن تصحيف»(3).--------------------------------------------
(1) «الكفاية في علم الرواية» (ص 163).
(2) انظر ح رقم (5).
(3) انظر ح رقم (16).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الثالث: ورد في حديث عن أبي قلابة عن رجاء بن عامر أنه سمع أبا ذر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصعيد الطيب … ».
قال الخطيب: «يُرَى أن قوله رجاء بن عامر تصحيف، وصوابه رجل من بني عامر»(1).
الرابع: ورد في حديث عن عبد الله بن عنبسة، عن ابن عباس، والصَّحيح عن ابن غنام.
قال أبو نعيم والمزي: «من قال ابن عباس فقد صحَّف»(2).
الخامس: ورد في حديث عامر بن سعد أنه أرسل إلى ابن سمرة العدوي.
قال عياض: «ليس بعدوي إنما هو عامري، فلعله تصحَّف العامري بالعدوي»(3).
السادس: ورد في حديث عن جذامة بنت وهب، والصَّحيح جدامة بالدال.
قال الدارقطني: «من قاله بالمعجمة فقد صحَّف»(4).
السابع: ورد في حديث أن عمر الجُمَحي حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله».
قال ابن ناصر الدين الدمشقي: «كذا صحفه بعضهم، وإنما ذا عمرو بن الحمق»(5).--------------------------------------------
(1) انظر ح رقم (130).
(2) انظر ح رقم (162).
(3) انظر ح رقم (165).
(4) انظر ح رقم (87).
(5) انظر ح رقم (21).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
الثامن: ورد في حديث (دخل علينا رجل من هذيل يقال له سحر الخير). هكذا قال، والصَّحيح (نبيشة الخير).
قال ابن حجر: «قد صحفه ابن قانع تصحيفًا شنيعًا»(1).
التاسع: ورد في حديث عن عبد الرحمن بن طارق عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء مكانًا من دار يصلي استقبل القبلة ودعا.
والصَّحيح عن أمه، وليس عن عمه فراوي الحديث أمه وليس عمه.
الثاني: تصحيف المتن:
وهو بقية أحاديث الكتاب التي بلغ إجمالي عددها مئتين وستة وثمانين حديثًا بفضل الله ومنِّه وكرمه.
وهنا أحب أن أنوه إلى أن بعض ما ذكرناه في كتابنا هذا من التصحيف قد يكون وهمًا أو خطأً من بعض الرواة وليس تصحيفًا، كما أن بعض أهل العلم والمعرفة أطلقوا على بعض الوهم تصحيفًا ولم أذكره هنا لأنه ليس تصحيفًا، وإنما هو من باب الوهم والخطأ، ومثال ذلك:
حديث الإمام مالك عن الزهري، عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرث المسلم الكافر»(2).
والصَّحيح من ذلك عمرو بن عثمان كما في الصَّحيحين وغيرهما من حديث جماعة عن الزهري، وليس عمر بن عثمان.--------------------------------------------
(1) انظر ح رقم (144).
(2) «الموطأ» (2/ 519) والشافعي في «الأم» (1/ 263)، وأحمد (5/ 208)، والنسائي في «الكبرى» (6372).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
قال ابن أبي حاتم: قال المزني: سمعت الشافعي يقول: صحَّف مالك في عمر بن عثمان وإنما هو عمرو بن عثمان … قال فذكرت ذلك لأبي فقال: «صدق الشافعي»(1).
قلت: لم يصحف مالك، إنما هو وهم منه، والدليل أن مالكًا روجع فيه فقال: نحن أعلم به، وهذه داره.
وقال لعبد الرحمن بن مهدي: أتراني لا أعرف عمر بن عمرو، هذه دار عمر وهذه دار عمرو(2).
وهذا بعيد عن التَّصحيف، ويحتمل الوهم والخطأ لا التَّصحيف.
وروى سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلًا أوقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه».
وخالفه جماعة ولم يذكروا الوجه قالوا: «ولا تخمروا رأسه»(3).
قال الحاكم: «ذكر الوجه تصحيف لإجماع الثقات الأثبات وأصحاب عمرو على رواية وجهه، وهو المحفوظ».
قلت: لا وجود للتصحيف هنا؛ إذ ذكر سفيان الرأس والوجه، بل ذكر الرأس زيادة شاذة هنا ووهم، ولم يبدل سفيان كلمة بكلمة حتى يكون تصحيفًا، لذا أعرضنا عنه ولم نذكره(4).--------------------------------------------
(1) «آداب الشافعي ومناقبه» (ص 224).
(2) انظر «أوهام المحدثين الثقات» (3/ 51 - 58).
(3) «أوهام المحدثين الثقات» (1/ 67 - 70).
(4) انظر «أوهام المحدثين الثقات» (1/ 67 - 70).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
قال ابن الصلاح: «وكثير من التَّصحيف المنقول عن الأكابر الجِلَّة لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوه».
روى أبو نعيم الفضل بن دكين عن سفيان الثوري بسنده عن معاوية بن أبي سفيان قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر».
قال أبو نعيم: شهدت وكيعًا مرة فقال: يشققون الحطب تشقيق الشعر(1).
قال: قلت بالخاء(2).
قلت: عند وكيع في الزهد، ورواه أحمد عن وكيع بلفظ (يشققون الكلام) ولم يذكر أحد غير أبي نعيم عن وكيع هذا ولعله شُبِّه عليه(3).
ومما ينبغي أن يشار إليه أيضًا أن اختلاف اللغات لا يعد تصحيفًا، وهذا نوع يجب معرفته والإلمام به، وبه يندفع ادعاء التَّصحيف على بعض ما ادُّعِيَ فيه التَّصحيف.
قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أيظحى بضبي؟
قال عمر: وما عليك لو قلت أيضحى بظبي.
قال: إنها لغة.
قال: انقطع العتاب، ولا يضحي بشيء من الوحش(4).
قال ابن منظور: «إذا روى الثقات للحديث تفسيرًا له مخرج لم يجُز أن يرد عليهم، ولكن نطلب له المخارج من كلام العرب … فإياك والإسراع إلى--------------------------------------------
(1) «تدريب الراوي» (2/ 645).
(2) «الجامع» للخطيب.
(3) «الزهد» (ص 169، 298)، و «مسند أحمد» (16900).
(4) «المزهر في علوم اللغة» للسيوطي (1/ 439).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
تخطئة الرؤساء ونسبتهم إلى التَّصحيف، وتأنَّ في مثل هذا غاية التأني، فإني عثرت على حروف كثيرة رواها الثقات فغيَّرها من لا علم له بها، وهي صحيحة»(1).
وعقد السيوطي بابًا في معرفة ما ورد بوجهين بحيث يؤمن فيه التَّصحيف.
قال: «كالذي ورد بالياء والتاء، أو بالباء والثاء، أو بالتاء والثاء … وذكر الحروف المماثلة كالميم والحاء والخاء، والسين والشين(2).
قال أبو عمرو: «يقال ما ذاق عذوفًا وما ذاق عدوفًا، قال أبو عمرو: أنشدت يزيد بن مزيد عدوفًا وقال: صحفت يا أبا عمرو. فقلت: لم أصحف. لغتكم عذوفًا، ولغة غيركم عدوفًا»(3).--------------------------------------------
(1) «لسان العرب» (4/ 328).
(2) «المزهر» (1/ 415).
(3) «القلب والإبدال» لابن السكيت (ص 16)، وعند ابن منظور في «لسان العرب» (9/ 230) والسيوطي في «المزهر» (1/ 417).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
المبحث الثامن: أثر التَّصحيف في المتن:
التَّصحيفات التي لحقت بالمتون قد كان لبعضها أثر في أخذ بعض أهل العلم بالحكم المترتِّب على اللفظ المصحَّف، والتَّكلُّف في تأويله بما لا طائل تحته، وإليك بعض الأمثلة من الأحاديث التي أوردناها بإسنادها في هذا السِّفر المبارك.
المثال الأول:
في حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها، قالت: لما أُصِيب جعفر بن أبي طالب أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تسلبي ثلاثًا ثم اصنعي بعد ما شئت».
تصحف عند ابن حبان (تسلبي) أي: البسي ثوب الحداد إلى (تسلمي)، وجاز هذا التَّصحيف عليه فأورد الحديث في (باب ذكر الزجر عن نياحة النساء على موتاهن)، وقال عقب الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم (تسلمي ثلاثًا) لفظة أمر قُرِنَت بعدد موصوف، قُصِدَ به الحسْمُ عما لا يحل استعمال في ذلك العدد.
وقوله صلى الله عليه وسلم (اصنعي بعد ما شئت) لفظة أمر قُصِدَ به الإباحة في ظاهر الخطاب، مرادها الزجر عن استعمال ما أُمِرَ به، يريد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ما وصفت التسليم لأمر الله جل وعلا في الأيام الثلاث وقبلها وبعدها».
قال الحافظ ابن حجر: «وأغرب ابن حبان فساق الحديث بلفظ (تسلمي) بالميم بدل الموحدة، وفسَّره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث. هذا معنى كلامه، فصحَّف الكلمة، وتكلَّف لتأويلها، وقد وقع في رواية البيهقي وغيره: (فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتسلَّب ثلاثًا). فتبين خطؤه، والله أعلم».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وتصحف عند الطحاوي (تسلبي) إلى (تسْكُني)، وأورد الحديث في ما باب (المتوفى عنها زوجها هل لها أن تسافر في عدتها)، فأورد الحديث مصحفًا، وبوب له بما يناسب التَّصحيف(1).
المثال الثاني:
في حديث أبي عامر أو أبي مالك أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلُّون الحِرَ والحرير».
تصحف عند أبي داود(2) (الحِرَ) إلى (الخز) بالخاء، فأورد الحديث في (باب ما جاء في الخز) ثم قال عقب الحديث: «عشرون نفسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل أو أكثر لبسوا الخز». والحِرُ بتخفيف الراء الفرج(3).
المثال الثالث:
في حديث عائشة رضي الله عنها في صفة قيام ليله صلى الله عليه وسلم (ثم يسلم تسليمًا يسمعنا)، صحَّفه بعض الرواة فقال: (ثم يسلم تسليمة يسمعنا)، فصار معناه تسليمة واحدة، واحتج به بعض أهل العلم على التسليمة الواحدة.
قال ابن رجب: «وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء. قاله ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم. وقال الإمام أحمد: لا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في التسليمة الواحدة إلا حديثًا مرسلًا لابن شهاب الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم»(4).--------------------------------------------
(1) انظر ح رقم (70)، (71).
(2) أبو داود (4039).
(3) انظر ح رقم (115).
(4) انظر ح رقم (72).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)