فإن قال قائل: البراءة الأصلية والنفي الأصلي هل هو حكم من الشرع؟ فإن كان من الأحكام الشرعية: فالأحكام [الشرعية] حادثة بحدوث الشرع، فافتقر إلى محدث. وإن لم يكن من أحكام الشرع: [فهذا من المحال. لأن قولنا: لا تجب الكفارة بالأكل، حكم من أحكام الشرع]، كقولنا: تجب الكفارة بالجماع؛ وأحكام الشرع تنقسم إلى النفي والإثبات.
قلنا: النفي الأصلي ليس من حكم الشرع، على معنى: أنه لم يحدث بورود [الشرع فإنه] ليس بحادث. فكيف بحال حدوثه على الشرع، ولا حدوث له؟
نعم، قد يقال: إنه من الشرع على تأويل معرفته بدلالة الشرع عليه؛ وإذا ورد دليل عليه: رجع حاصله إلى دلالته على كف الشرع عن التغير [عما كان عليه قبل الشرع، لا على إثبات حكم له. ولكن كف الشرع عن التغيير] يعرف من الشرع، كما أن أقدامه على التغير يعرف منه أيضًا.
فإن قيل: التبقية على النفي الأصلي، فعل من الشرع حادث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 622)
قلنا: معنى التبقية: الامتناع من التصرف والتغير مع تعري الامتناع بدلالة؛ وتلك الدلالة: إما ظن وإما علم بعدم التغيير. فإذا قلنا: الوتر لا يجب، لم يكن لانتفاء وجوبه علة شرعية، بل معناه: أنه لم يرد دليل الوجوب، فبقى على ما كان. وهو كقولنا: لا تجب صلاة سادسة لا بعلة، ولكن لم يرد دليل الوجوب [فبقى على ما كان. وهذه دقيقة عظيمة] عقلية: لابد من الإحاطة بها، ويرجع لحاصلها إلى الفرق بين الدلالة المعرفة، والعلة المغيرة. فالدلالة المعرفة لا تستدعي حدوث أمر، إذ القديم يعرف كما يعرف الحادث.
والعلة المغيرة تستدعي حدوث التغيير، ولا تغيير في النفسي الأصلي.
فإن قال قائل: فما وجه إقامة البرهان على النفي الأصلي، في الجدال؟
قلنا: [له] ثلاثة أوجه:
أحدها: قياس الدلالة، كقولنا: صلاة تقام على الراحلة، فلا نحكم بوجوبها: كركعتي الفجر. وكقولنا: لا يملك المقارض ربح الربح، فلا يملك الربح. وهذا استدلال بانتفاء النتيجة. وقولنا: عقد لا يفيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 623)
الحل، [فلا نعقد]. إلى أمثاله.
الوجه الثاني: السبر لمدارك الوجوب، وهو أن نقول: المدارك من الكتاب والسنة [والإجماع] والقياس؛ وهي منتفية. ونقول في كفارة الأكل: مأخذ وجوبها الجماع، وليس [هو] في معناه لكذا وكذا. وهذا في الجدال عسير: لأن حاصله يرجع إلى الجهل بقيام الدليل؛ وهو صالح للدفع لا للإلزام؛ فإن المعلل وإن استقصى في السبر، فللخصم أن يقول: الدليل أمر آخر وراء ما قدرت، وأنت لم تعثر عليه؛ والحصر غير ممكن. وإن قال: غلب على ظني بالسبر الذي ذكرته؛ فيقال له: وسبرك -على قدر استطاعتك- عذر في حقك؛ فأما أن يكون دليلاً على انتفاء الدليل، فلا. فإن حاصل كلامك: أني عثرت على هذه المسالك وهي فاسدة؛ فنسلم لك ذلك. فإن قلت: ولم أعثر على غيرها، فهو -أيضًا- مسلم. فإن قلت: ما لم أعثر عليه ينبغي أن لا يكون؛ فمن أين [لك هذا] والناس يختلفون في العثور على المدارك؟ فإن قلت: غلب على ظني -ببحثي- انتفاء مدرك [آخر]؛ فيقال: وما مستند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 624)
ظنك: ما عثرت [عليه]، أو ما لم تعثر [عليه]؟ وما عثرت عليه لا يغلب على الظن عدم ما لم تعثر عليه؛ وعدم عثورك على الدليل لا يغلب على الظن عدم الدليل. وإن غلبه: فهو عذر في حقك لا يلزم الخصم الانقياد له.
فغاية الممكن أن يقال: إذا أتى المعلل بسبر المدارك المعروفة، فعلى المعترض إبداء ما عنده حتى يتكلم عليه فيثور نزاع لا قطع له: في أن السبر الذي ذكره هل استوعب المشهور، مع عسر ضبط المستور، واختلاف الكتب والتعاليق في الاشتمال على الأدلة، والانفكاك عنها؟.
فإذا انحسم هذا الطريق، فأنا أقول الآن: ما قاله [81 - ب] بعض الأصوليين: من أن النافي لا دليل عليه؛ فإنه لا يدعي أمرًا حتى يطالب بإثباته، بل هو جاحد منكر، وإنما عليه الدفع؛ فعلى المثبت إقامة الدليل. [وقد عبر بعض الأصحاب عن هذا: باستصحاب الحال، وأنه حجة. ولا وجه له: فإن استصحاب الحال يرجع حاصله إلى الجهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 625)
بالدليل] المغير؛ وذلك يصلح للدفع لا للإلزام. وإذا كان يقتصر على الدفع: فليقصتر على ما ذكرناه، وليشمر لإبطال ما يدعي عليه.
فإن نازع منازع في قولنا: لا دليل على النافي؛ قلنا: هذا اصطلاح، وهو ينبني على المواضعة، ولكل فريق أن يصطلحوا على ما يرون.
ولكنا نقول: الأليق بمصلحة الجدال، وإظهار مقاصد المسائل -ما ذكرناه. ويدل عليه أمران:
أحدهما: أن المنازعة في المسائل، على مثال المنازعة في الأملاك. وليس على النافي لشغل الذمة إلا الدفع؛ وإنما الدليل على مدعي الشغل.
فإذا قال المدعي: لي عليك ألف، فانكره -فليس له أن يقول: ما الدليل على أن ليس لي عليك شيء؟ بل هو المطالب بإثبات ما يدعيه. وبه تنتظم مراتب الخصام. فللمدعي الإثبات، وللمنكر الدفع الإبطال.
والآخر: أن وضع الجدال على وجه -لا يتصور القيام به في جميع الصور- محال؛ ولو طولب النافي [الدليل]، لعجز عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 626)
القيام به، فأنا قد بينا أن النفي الأصلي لا علة له؛ وإنما يعرف بالدلالة. وقد لا تساعده دلالة سوى اعتقاده انتفاء دليل الإثبات؛ وانتفاء دليل الإثبات لا يتصور إثباته في الجدل؛ فإنه وإن استقصى في الاحتواء على الاحتمالات، فللخصم أن يقول: وراء ما ذكرته [مدرك: غادرته ولم تعثر عليه؛ فيضطر إلى أن يقول: لم أعثر عليه أنا؛ فان] عثرت أنت عليه، فأبرزه حتى نتكلم عليه. وتضطره المطالبة بالآخرة إلى هذا لا محالة، فليبتدئ بها قبل أن يضطر إليها؛ فإنها أقرب إلى فصل الخصام، وتحصيل المرام. فأي فائدة في عد المدارك المنتشرة، والنهوض لإفسادها: والخصم قد لا يثبت الحكم بها، أو لا يثبته بجميعها؛ وإنما يثبته بواحد ليس منها؟ فلينبهه عليه حتى يعتني به، ويتسغني عما لا يعنيه. فاضماره له نكد محض، يطول المراء، ولا يقطع الخفاء، ولا يكشف عن المقصد الغطاء.
وإلى هذا، ترجع دعوى المعلل: جرى السبب ولا شبهة. إذ يقال: لا أسلم انتفاء الشبهة. فيقول: الشبهة كذا وكذا، وقد انتفت، فيقول: سلمت انتفاء ما ذكرت، ولكن لا أسلم الانحصار فيه، بل وراء ما ذكرت شبهة. فلا طريق إلا أن يكلفه الإظهار حتى يتكلم عليه؛ فليكلفه أولاً:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 627)
فهو أقرب إلى الغرض.
فإن قيل: إذا تمسك المسؤول بالاستمرار على النفي. وطالب السائل بالدليل، [وامتنع عن إظهار الدليل الذي اختص بالتغيير]- رجع حاصله إلى دعوى الجهل بالدليل المغير؛ والسائل يسلم له جهله بالدليل، [ويمتنع عن إظهار الدليل] الذي اختص بمعرفته؛ ومنصب المسؤول يرتفع عن أن يتضمخ بمثل هذا القصور ويعترف بالجهل؛ فمن اعترف بالجهل على نفسه، فقد ألزم نفسه نهاية الذل والركاكة.
قلنا: منصب المسؤول يقتضي إحاطته بخيالات الخصم، واستقلاله بإبطالها بعد بذل المجهود: في الاستيعاب والحصر. ويتبين ذلك بقدرته على استئصال كل خيال بيديه. فإن أظهر مسلكًا [آخر] عجز المسؤول فيه -توجهت الدبرة عليه، وسدد سهام التشنيع والتعيير إليه. ولكن: ليس يلزمه في الابتداء إبداء تمام سبره؛ لأن ذلك يحوجه إلى ذكر الاحتمالات وتشعيب النظر في إفسادها؛ ثم لا ينتهي إلى حصر: يقطع لسان المجادل، ويمنع تجويز قسم آخر لم يعثر عليه. فتكليف الخصم إبداء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 628)
ما يدعيه -ليطعن المنكر فيه- أضم للانتشار، وأحوى لأطراف الاعتبار.
فإن قيل: المجتهد لا يفتي [بالنفي] والبقاء على الحكم الأصلي، ما لم يعتقد انتفاء الدليل: إما علمًا، وإما ظنًا، وظنه وعلمه يحصل بمستند؛ فليبد في الجدال مستند ظنه.
قلنا: مستند ظنه السبر والبحث؛ وحاصله يرجع إلى عدم العثور، بعد بذل المقدور؛ وهو صالح لأ [ن] يكون عذرًا له بينه وبين الله سبحانه وتعالى؛ ولا يصلح أن يكون حجة ملزمة للخصم، فإنه يرجع بالآخرة إلى أن يدعي عدم الدليل وراء ما لاح له؛ ودعواه العدم لا تكون حجة على خمصه. فإنما يقدر على دعوى العدم: في حق نفسه، لا في حق خصمه؛ فيضطر بالآخرة إلى أن يكلف الخصم [إبداء] ما يضمره حتى يتكلم عليه؛ وتقوم مراتب النظر بينهما [به]. فليكلف ذلك ابتداء: لينتظم نشر الكلام، ويستلين قياد المرام، وتتذلل للخصمين مدارج الخصام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 629)
فإن قيل: فإذا تصور الاستدلال على النفي بقياس الدلالة، فليكلف المسؤول إيراده.
قلنا: ذلك متصور؛ ولكن قد تعرض صور لا تساعد فيها دلالة، وإنما يعرف [انتفاء الحكم] بدلالة انتفاء الدليل، [وبيان انتفاء الدليل] بطريق الحصر -في الجدال- غير ممكن، فيضطر إلى ما ذكرناه.
فإن قيل: أبو حنيفة رضي الله عنه ينفي شرط الولي في النكاح؛ ويذكر فيه قياس العلة [ويقول]: حرة عاقلة، فتستقل بالنكاح كالرجل. وينفي شرط الرؤية في المبيع، ويذكر قياس العلة [ويقول]: مبيع [معلوم العين] مقدور على تسليمه: فكان محلاً للبيع كالمرئي. إلى أمثلة [له] مشهورة، من انتفاء شروط العقود من الجانبين.
قلنا: في هذه الأدلة نظر؛ ولكن ليس ذلك من غرضنا، والذي يتعلق بمساق هذا المقصود: أن هذه العلة ما نصبت لنفي الشروط والبقاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 630)
على الحكم الأصلي، بل نصبت للصحة، والصحة في العقود حكم شرعي حادث بالشرع. فجاز أن يقال: علة الصحة من الرجل كذا، وقد وجدت العلة في المرأة، [82 - أ] وهذا متصور: من حيث الإمكان؛ وهو -مع ذلك- عسير المجرى؛ فمتى سلم الخصم أن العلة الحرية والعقل، وأن الذكورة ليست مضمونة [إليها]؟. ولكن لما كان الوصف العارض لإثبات الشرط، حكمًا شرعيًا وهو: الصحة، وكان الانتفاء حاصلاً في ضمنه -أمكن نصب العلة للصحة.
فإن قيل: فهل تكلفون نافي الشرائط نصب الدليل، أو تكتفون منه بأن يقول: لا دليل علي، وعلى من يدعي مزيد شرط إثباته؟
قلنا: لا، بل نكلفه الدليل. فإنه يدعي الصحة دون الشرط، وهو حكم شرعي يستند إلى موجب لا محالة. نعم: يكتفي منه بالعمومات المتسعة، كقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم}، وقوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا}. فيستند إلى العموم [ويقول: كل ما يسمى باسم النكاح فالظاهر يقتضي صحته؛ وعلى من يدعي التخصيص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 631)
بالشرط] الدليل. فبهذا القدر ينقلب وجوب الدليل على مثبت الشرط. وليس يمكن التعلق بالعمومات في النفي المرسل: إذ لا يساعد ذلك. فلا عموم من جهة تدل على أن الأكل، وابتلاع الحصاة، والقبلة، والمعانقة، والبيع والشراء، ومس الجدار، وجميع الحركات والسكنات والأفعال -لا توجب الكفارة؛ فما لا يوجب لا حصر له. وإنما النص يرد بالإيجاب في محل؛ فيقتصر أو يتعدى إلى القدر الذي يشاركه في المعنى. فأما ما بقى على النفي الأصلي، [فلا يرد فيه دليل. بل يكفي في معرفة بقائه على النفي الأصلي]، [عدم ورود الدليل] المغير.
فإن قيل: كلامكم هذا يشير إلى أن الإباحات ليست من الشريعة، وأن الإباحة ليست حكمًا من أحكام [الشرع]. وهذا مذهب الكعبي زعيم المعتزلة. فكيف ارتضيتم لأنفسكم موافقة أهل البدعة؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 632)
قلنا: تهجين قضايا الأدلة -بسبب قبول بعض المبتدعة لها، واعتقاده إياها- من دأب ذوي الخور والجبن. فلقد عرفنا بالدليل حدوث العالم وافتقاره إلى محدث، وصدق الرسول وتأييده بالمعجزة. وهو -أيضًا- مذهب المعتزلة والروافض والكرامية. ولا سبيل إلى اجتناب الحق: ترفعا من خسة الشركاء.
فنقول: المباح يطلق ويراد به: انتفاء الحرج عن فعله وتركه. وهذا ليس من [حكم] الشرع: فإن انتفاء الحرج عن الفعل والترك جار قبل الشرع، وجار في فعل البهائم. وقد تطلق الإباحة ويراد بها: تخيير الشرع بين الفعل والترك بخطابه. فإن ورد خطاب التخيير، فه من [أحكام الشرع]: إذ حكم الشرع خطابه. وإن لم يرد فلا يقال: إنه [من] حكم الشرع ولم يرد الخطاب. فإن مس الجدار -مثلاً- يستوي فعله وتركه في شهر رمضان: في إيجاب الكفارة. ونحن نحكم بأنه لا يوجب الكفارة: لا بورود خطاب فيه. أو دلالة خطاب عليه؛ ولكن: لأنه لم يرد دليل على إيجابه، فلم يكن هذا من أحكام الشرع، على التأويل الذي ذكرناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 633)
فالمفتي لا يحكم ببراءة ذمة السائل عن الكفارة، إذا سأله عن مس الجدار، بل يمتنع عن الفتوى بالشغل: لفقد دليل الشغل. فتبقى الذمة [على البراءة الأصلية].
والدليل القاطع على الفرق بين النفي والإثبات: أن العلم بعدم دليل الإثبات كاف في [النفي؛ والعلم بعدم دليل النفي غير كاف في] الإثبات. فليس قول القائل: لا أثبت لأنه لم يقم دليل الإثبات، كقوله: أثبت لأنه لم يقم دليل النفي. وهذا واضح للمتأمل المنصف إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 634)
القول في الركن الرابع من أركان القياس وهو ركن الأصل
للأصل المقيس عليه -الذي منه استنباط العلة- شرائط:
الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل ثابتًا؛ فإنه إذا لم يكن ثابتًا، وتوجه المنع عليه من المعترض -لم يترتب الفرع عليه: إذ ثبوته في الفرع، فرع ثبوته في الأصل.
الشرط الثاني: أن يكون ثابتًا بطريق سممعي شرعي؛ إذ لو كان ثابتًا بطريق عقلي أو لغوي -لكان الحكم عقليًا أو لغويًا، ولم يمكن إثباته بالقياس الشرعي.
الشرط الثالث: أن يكون الطريق الذي عرفت به علة الحكم -وهو: كون الوصف المشروط علة لحكم الأصل- أيضًا شرعية؛ إذ لو عرفت علته بطريق العقل: لكانت العلة عقلية، وحكمها عقليًا؛ يستغنى -في إثباتها طردها- عن القياس الشرعي.
الشرط الرابع: أن يكون حكم [الأصل] ثابتًا بطريق سوى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 635)
القياس على أصل آخر، وهو: النص أو الإجماع. فإنه لو كان ثابتًا بالقياس على أصل آخر، فالجامع بين الفرع وبينه، لا يخلو: إما أن يكون موجودًا في الأصل الأول، أو كان مفقودًا:
فإن كان موجودًا، فليقس عليه. فرده إلى أصل، ثم رد الأصل إليه -عبث. وهو كمن يقيس الذرة على الأرز برابطة الطعم، ثم يرد الأرز إلى البر. فليقس الذرة على البر أولاً: إذ ليس الأرز بأن يجعل أصلا، أولى من الذرة. فلا يقتضيه وهما فرعا أصل واحد.
وإن كانت العلة مفقودة في الأصل الأول، موجودة في المسئلة المتوسطة التي جعلها أصلا لفرعه -كان ذلك باطلاً؛ لأن العلة لا تخلو: إما أن كانت شبهية من قبيل العلامات، أو كانت مناسبة مخيلة واقعة في رتبة المؤثرات:
فإن كانت شبهية -وذلك الشبه [ليس موجودًا] في الأصل الأول -لم يتصور أن يعرف كونه علامة الحكم، مع إثبات الشرع أصل الحكم. حيث لا وجود لتلك العلامة. ومن تأمل ما ذكرناه في طريق إثبات العلامات في الركن الأول من الكتاب، ظهر له وجه الفساد في هذا التركيب.
على أنه لو فتح هذا الباب: لجاز أن نشبه بالثالث رابعًا بوصف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 636)
لا يشبه الثاني به؛ وكذلك القول في الخامس وما بعده من الأعداد، فننهي بالتدريج إلى رتبة: نعلم -على القطع- أنه ليس في معنى الأصل [82 - ب] وهو كمن وجد حصاة: فالتقط أخرى لمشابهتها لها، ثم التقط ثالثة لمشابهتها الثانية، ثم التقط رابعة لمشابهتها الثالثة؛ هكذا إلى أن التقط مائة حصاة. فلو نظر [إلى] الأخيرة وقاسها بالأولى، لم يجد بينهما مشابهة، وكان بحيث لو وجدها ابتداء: لما شبهها بالأولى. وهذا شيء لا شك فيه.
فأما إذا كانت العلة مناسبة، فلا تخلو: أما أن كانت لها رتبة الاستقلال [ووقع في رتبة الاستدلال] المرسل الملائم الذي يستغني عن شهادة أصل معين؛ كما ذكرنا أمثلته في الركن الأول، وأما أن افتقر إلى شهادة الأصل المعين.
فإن وقع في رتبة الاستدلال المرسل: فليستدل به على الفرع. ولا حاجة به إلى الأصل؛ فوجوده وعدمه بمنزلة واحدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 637)
وإن كان يفتقر إلى شهادة الأصل له، حتى تعرف -بإثبات الشرع الحكم على وفقه- إجابته لذلك المعنى، [وملاحظته إياه على ما قررناه في بيان المناسب: لم ينتفع بهذا الأصل الذي] لم يرد من الشرع فيه حكم مقصود، وإنما أثبت الحكم فيه بالتعدية بعلة أخرى، ثبت الحكم على وفقها. فلاح أن هذا التصرف مائل عن سنن القياس.
فإن قال قائل: فأي فائدة في الفرض؟ ولقد عرف من دأب المعللين فرض الكلام في مسئلة لينبني عليها محل السؤال؛ فإذا شرطتم أن تكون على الأصل شاملة لجميع مجاري الحكم، فلا يبقى للفرض فائدة.
قلنا: للفرض محلان، هما: أن تعم صيغة السؤال من السائل. وقد لا يساعد المسؤول دليل يشمل جميع الصور، فيفرض في البعض: ليقتصر على دليل واحد، أو يساعده في بعض الأطراف حديث ورد فيه، وباقي الأطراف معلوم بالقياس، فيلوذ من غموض القياس إلى وضوح النص. أو يساعد الخصم في بعض الأطراف إشكال يعارض به كلامه: فيجتنب الخوض فيه؛ كمن يفرض الكلام في مسئلة قتل المسلم بالذمي: في المعاهد، ليدرأ به إشكال [قول بعضهم]: أن العصمة مستوية في التأييد. أو يفرض في عتق الراهن: في المعسر، ليدرأ به إشكال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 638)
التعلق بسراية العتق، فإن سلم الخصم المعسر مثلا، [استفاد بتسليمه] إبطال قوله: أن العتق صدر من أهله، وصادف محله. وليس من شرط المفروض فيه أن يكون فرعًا لأصل آخر. بل قد يفرض فيما هو أصل: كفرضه في المعاهد، وتمسكه بقوله: لا يقتل مؤمن بكافر. وفائدته: درء قياس الخصم في معرض تأييد التأويل. إلى أمثال ذلك.
الشرط الخامس: أن يكون دليل ثبوت العلة مختصًا بالأصل؛ فلو كان الدليل يعم الأصل والفرع، كان القياس عبئًا. وهو كمن قال: السفرجل مطعوم، فيجري فيه الربا كالبر. فقيل له: وما دليل كون الطعم علة في البر؟ فقال: قوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام"، وإضافته إلى اسم مشتق من معنى. فهذا فاسد: لأن الحديث بعمومه يشمل السفرجل والبر [جميعًا] عمومًا واحدًا، فليس أحدهما بأن يثبت حكمه بالآخر بطريق التعدية، بأولى من نقيضه. وهو: كقياس الدراهم على الدنانير، وقياس البر على الشعير؛ مع شمول النص للكل. ولو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت كل مسكر؛ لكان قياس النبيذ على الخمر، كقياس الخمر على النبيذ؛ وكان الحكم فيهما ثابتًا بعموم النص. فهذه دقيقة لابد من التنبيه لها.
الشرط السادس: أن يدل دليل على أن الأصل المتعلق به، مما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 639)
يجوز القياس [عليه]-وهذا كلام مجمل: ذكره [بعض] الأصوليين، وحكى ذلك عن عثمان البتي رضي الله عنه[وأنه لا يقاس على الأصل ما لم تقم دلالة على جواز القياس عليه. إذ من الأصول ما لا يعلل]. وحكى -أيضًا- عن بشر المريسي، أنه [قال]: لا يجوز القياس على أصل ما لم ينص الشارع على علته، أو لم يجمعوا على تعليله.
وهذه مذاهب مجملة؛ والتفصيل الشافي للغليل -عندنا- أن يقال:
العلة المستنبطة إن كانت مناسبة ومؤثرة، فمناسبتها دليل على ترتيب الحكم عليها، وإتباعها أينما وجدت. وهو كاف في الدلالة على جواز القياس عقلاً وشرعًا.
أما العقل: فهو أن المناسبات ترجع إلى المصالح وأماراتها؛ وكما يشير العقل إلى اتباع المصلحة اجتناب المضرة: يشير -أيضًا- إلى اجتناب أمارة المضرة. ونعني بما ذكرناه: إشارة العقل من حيث العادات، لا من حيث الذات. وما دل من جهة الشرع [على إثبات أصل القياس، والاكتفاء بالظن -فهو دال على ذلك.
وأما الشرع]: فهو أن مستند [أمر] القياس الإجماع؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 640)
وقد تكلموا في مسائل ورودها إلى أصول، ولم يذكروا دليلا على جوار القياس عليها. كاختلافهم في قوله: أنت على حرام. منهم: من شبهه بالإيلاء، وجعله يمينًا. ومنهم: من جعله ظهارًا، [تشبيهًا بقوله: أنت على كظهر أمي]. ومنهم: من جعله طلاقًا ثلاثًا، تحقيقًا لكمال التحريم. ومنهم: من جعله طلاقًا واحدًا، اكتفاء بأصل التحريم.
وإن لم تكن العلة مناسبة -بل كانت من قبل العلامات الحاصرة لمجرى الحكم؛ كالطعم والكيل- فلا يبعد فيه التوقف على قيام الدليل على أن الحكم غير مخصوص بالمنصوص عليه؛ كما ذكرناه: من ظهور الإجماع على تعدي الربا إلى الرطب والدقيق. فإن لم يقم مثل هذا الدليل: ففي جواز تعدي [الحصر بالاسم، إلى الحصر] بوصف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 641)