فهذا يدل على أن العراقي حين كتب عن هذه المسألة في شرح الألفية، لم يكن قد قام بتتبعه المذكور لهذا الراوي، في جميع «صحيح مسلم»، ليقطع شك ابن الصلاح باليقين، أما حين تعليقه على هذا في النكت، فإنه كان قد قام بالتتبع والبحث، فأثبت رأيه القاطع بناء عليه، وبرأ القاضي عياضًا من الخطأ.
وعند المقارنة نجد أن البلقيني(1)، وابن الملقن(2)، تبعا ابن الصلاح في تردده، وكذا السخاوي من بعدهما(3)، أما السيوطي فقد اعتمد ما، قطع به العراقي، ونقل خلاصة كلامه السابق(4) وكذا من بعده(5).
ومن دلائل النضج التي تضمنها كتاب النكت أيضًا: أن هناك أوهاما علمية تداولها كبار حفاظ السنة، وأئمتها في مصنفاتهم المعتمدة، من قبل ابن الصلاح ومن بعده، حتى عصر العراقي، فتتبعها على طول تسلسلها وردها، مع التنبيه على أنه قصد بذلك أن لا يغتر من يقف على تلك الأوهام في مصادرها، بجلالة قائليها، فيتابعهم عليها.
مثال ذلك: أن ابن الصلاح قرر: أن مرداسًا الأسلمي، الصحابي، لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم، وأن ربيعة بن كعب الأسلمي، الصحابي أيضًا، لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن(6).--------------------------------------------
(1) «المحاسن» / 134.
(2) «المقنع» / 157.
(3) «فتح المغيث» له/ ج 3/ 240.
(4) «التدريب» / 477.
(5) «شرح الترمسي لألفية السيوطي» / 371.
(6) «المقدمة» / 148.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 977)
فقال العراقي في «النكت»: «إن النووي في مختصريه لكتاب ابن الصلاح وهما «الإرشاد» و «التقريب»، وفي «شرح مسلم» أيضًا، قد تابع المصنف، أي ابن الصلاح، على تفرد أبي سلمة عن ربيعة، وتفرد قيس عن مرداس»، ثم واصل تتبعه فقال: «وتبع المصنف في ذلك أبا عبد الله الحاكم، فإنه كذلك قال في «علوم الحديث»، وتبع الحاكم في ذلك مسلم بن الحجاج، فإنه كذا قال في كتاب «الوحدان» له».
وعقب على هذا بقوله: «وليس ذلك بجيد بالنسبة إلى ربيعة فقد روى عنه أيضًا: نعيم بن المجمر، وحنظلة بن علي، وأبو عمران الجوني».
ثم قال: «وذكر الحافظ أبو الحجاج المزي أنه روى عنه أيضًا: محمد بن عمرو بن عطاء، وليس بصحيح، إنما روى محمد بن عمرو عن نعيم بن المجمر عنه، كذا رواه أحمد في «مسنده»، والطبراني في «المعجم الكبير»، وبعد هذا التصحيح ودليله أورد احتمالا آخر فقال: «اللهم إلا أن يكون محمد بن عمرو، قد أرسل عنه، وأسقط نعيما، والله أعلم».
ثم انتقل لمرداس الأسلمي فقال: «وأما مرداس فقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في «التهذيب» أنه روى عنه أيضًا زياد بن علاقة»، وتبعه عليه الذهبي في مختصره للتهذيب، ثم عقب بقوله: «وهو وهم منهما، من حيث إن الذي روى عنه زياد بن علاقة»، إنما هو مرداس بن عروة، صحابي آخر، والذي روى عنه قيس: مرداس بن مالك الأسلمي، وهذا، لا أعلم فيه خلافا»، وأيد ذلك بقوله: «وممن ذكره كذلك البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وابن حبان في «الصحابة»، وأبو عبد الله بن:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 978)
منده في «معرفة الصحابة»، والطبراني في «المعجم الكبير»، وأبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب»، وابن قانع في «معجم الصحابة»، وغيرهم»، ثم ختم العراقي بحثه بقوله: «وإنما نبهت على ذلك، وإن كان ما ذكره ابن الصلاح بالنسبة إلى مرداس صحيحا، لئلا يَغْتَر من يقف على كلام المزي، بذلك، لجلالته والله أعلم»(1).
وعندما نقارن، لا نجد قريني العراقي قد تتبعا هذه الأوهام، ابتداء من الإمام مسلم، إلى الحافظ الذهبي، على نحو ما فعل العراقي، بل نجدهما يقران المزي على أن زياد بن علاقة قد روى عن مرداس الأسلمي(2)، ولكن الحافظ ابن حجر قد أخذ بما قرره شيخه العراقي وصوّبه، مع بعض إضافات من جانبه(3)، ونحوه فعل البقاعي(4)، والسيوطي(5).
ومما تضمنه الكتاب من دلائل نضج آراء العراقي، أن الرأيين اللذين قرر أحدهما في الألفية، والآخر في شرحها، ثم تبين له خطؤهما، قد أثبت رجوعه عنهما، مع بيان الصواب فيهما، في كتاب النكت هذا، كما قدمت نقل ذلك عنه.
هذا بالإضافة إلى أن بعض الآراء التي توقف فيها في شرحه السابق للألفية،--------------------------------------------
(1) انظر «النكت» / 39 ب، 40 أ، و ص 125، 126 طبع حلب.
(2) انظر: «محاسن الاصطلاح» / 44 أ، و هـ المقنع 2/ 53.
(3) انظر «تهذيب التهذيب» لابن حجر ترجمة «مرداس بن مالك الأسلمي» و «الكاشف» للذهبي ترجمة/ 5448، والتعليق عليها بالهامش للمحققين الفاضلين.
(4) «النكت الوفية» / 210 أ.
(5) «التدريب» 212.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 979)
قد قطع برأيه فيها في هذا الكتاب، فقد قدمت أنه في شرح الألفية توقف عن القطع برأي في الإجازة العامة(1)، أما في «النكت» فأنه بعد عرض آراء المانعين والمجيزين، حتى عصره، قال: «وبالجملة ففي النفس من الرواية بها شيء، والإحتياط ترك الرواية بها، والله أعلم»(2).
وبهذا استقر رأيه على منعها، وسيأتي أن بعض مؤلفاته التي كان ألفها قبل كتاب «النكت» هذا، وروى فيها بالإجازة العامة، قام بعد تأليف النكت وتقرير المنع فيها، باستبعاد تلك المرويات من تأليفه السابق، طبقا لما استقر عليه رأيه من المنع.
وعندما نتأمل ما استقر عليه رأي البلقيني، وابن الملقن، نجدهما مختلفين مع العراقي، حيث قررا جواز الرواية بالإجازة العامة، وصرح ابن الملقن بتحمله شخصيًا بها عن بعض شيوخه(3)، لكن الذي استقر عليه عامة المحققين من العلماء بعد العراقي حتى الآن، هو الأخذ برأيه في منع الرواية بها، إلا لضرورة، كأن يؤدي ترك الرواية بها إلى رواية الحديث منقطعًا، فتكون روايته بالإجازة العامة أولى، وقد تناقلوا رأي العراقي المذكور، وأقروه في مؤلفاتهم، ومن هؤلاء الحافظ ابن حجر(4)، والبقاعي(5)، والسخاوي(6)،--------------------------------------------
(1) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج 2/ 68.
(2) «النكت» / 183.
(3) انظر «محاسن الاصطلاح» 52 ب و «المقنع» / 67.
(4) انظر «توضيح نخبة الفكر له مع لقط الدرر» / 125 و «الجواهر والدرر» للسخاوي 27 أ، ب.
(5) «النكت الوفية» / 253 أ.
(6) «فتح المغيث» له ج 2/ 73 وترجمته للإمام النووي/ 32.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 980)
والسيوطي(1)، ومن المتأخرين: العلامة الشيخ محفوظ الترمسي الهندي(2)، وهذا دليل وجاهة رأي العراقي، وامتداد تأثيره.
ومن دلائل نضج آرائه أيضا: أن بعض ما أقره في مؤلفاته السابقة، قد نقده أو رجح خلافه، في هذا الكتاب، واستقر عليه.
فمن ذلك: أن الإمام الغزالي ذكر في «الإحياء»: أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات عن 20 ألفا من الصحابة، فرد عليه العراقي قبل تأليف «النكت»، وذلك في تخريجه لأحاديث الإحياء، المسمى بـ «المغني عن حمل الأسفار» كما سيأتي، فقال: «قلت: قوله مات عن 20 ألفا، لعله أراد بالمدينة، وإلا فقد روينا عن أبي زرعة الرازي أنه قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف، وأربعة عشر ألفا من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه(3)، فأقر قول أبي زرعة، واحتج به كما ترى».
فلما ذكر ابن الصلاح في مقدمته قول أبي زرعة هذا(4)، تعقبه العراقي في تحديد هذا العدد قائلا: «وأما ما ذكره المصنف عن أبي زرعة: «فلم أقف له على إسناد، ولا هو في كتب التواريخ المشهورة، وقد ذكره أبو موسى المديني في «ذيله على كتاب الصحابة» لابن منده بغير إسناد»، ثم ذكر العراقي عن الشافعي بإسناد جيد، تحديده لعدد من توفي عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة، بأقل مما ذكر أبو زرعة بكثير»، حيث قال الشافعي رضي الله عنه: «قبض الله--------------------------------------------
(1) انظر «التدريب» 4/ 259 و «نظم العقيان» 7 أ، 32 ب.
(2) «منهج ذوي النظر» 4/ 169.
(3) انظر «الإحياء ومعه المغني عن حمل الأسفار» 4 جـ 1/ 294.
(4) انظر «المقدمة» 4/ 305.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 981)
الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون ستون ألفًا»، ثم عقب العراقي فقال: (ومع ذلك فجميع من صنف الصحابة، لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف، مع كونهم يذكرون من توفي في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي المغازي وغيرها، ومن عاصره وهو مسلم، وإن لم يره، وجميع ما ذكره ابن منده في (الصحابة)، كما قال أبو موسى المديني، قريب من ثلاثة آلاف وثمانمائة ترجمة، يمن رآه، أو صحبه، أو سمع منه، أو ولد في عصره، أو أدرك زمانه، أو من ذكر فيهم، وإن لم يثبت له ذلك، ومن اختلف فيه) ثم قال: «ولا شك أنه لا يمكن حصرهم بعد نشر الإسلام»، وأضاف قائلا: «وقد ثبت في صحيح البخاري: أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، يعني الديوان» الحديث»، وعقب بقوله: «هذا في غزوة خاصة، وهم مجتمعون، فكيف بجميع من رآه مسلما؟ والله أعلم»(1).
وبهذا تدرج العراقي في الرأي، تبعا لتدرجه في البحث، والنضج العلمي، فعارض أولا تحديد الغزالي لعدد الصحابة عموما، بعشرين ألفا، ثم نقد في نكته - سندا ومعنى - ما سبق له إقراره في (التخريج)، من تحديد عدد الصحابة بأزيد من عشرين ألفًا، واستقر رأيه في «النكت» بعد بحثه وتمكنه العلمي كما ترى، إلى ترجيح عدم التحديد كلية.
أما البلقيني(2)، وابن الملقن(3)، فاقتصرا على إيراد أقوال أبي زرعة.--------------------------------------------
(1) النكت مع المقدمة ص 264 - 265 ط مصورة عن الحلبية.
(2) و «المحاسن» / 101 ب.
(3) و «المقنع» / 116 ..
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 982)
والشافعي وغيرهما، دون نقد أو ترجيح، ولكن ما استقر العراقي على ترجيحه في «النكت»، هو الذي اعتمده العلماء(1) من بعده، ومع أن السيوطي أثبت وجود إسناد لقول أبي زرعة المتقدم، فإنه نقل عن العراقي خلاصة بحثه السابق وأقره(2).
ومما أقره في شرح الألفية، ثم توصل بالبحث إلى ما يخالفه، وقرر ذلك في «النكت»، أنه ذكر في الشرح حكاية ابن حبان لاتفاق أئمة الحديث على الاحتجاج برواية المبتدع غير الداعية لبدعته، متى كان صدوقا متقنا، وأقر ذلك(3).
أما في «النكت»، فتعقب ذلك بقوله: «وفيما حكاه ابن حبان من الاتفاق نظر، فإنه يُرْوَى عن مالك رد روايتهم مطلقا، كما قاله الخطيب في «الكفاية»»(4)، وقد أقر العراقي على ذلك العلماء من بعده، وقال تلميذه ابن حجر: «أن ابن حبان أغرب في حكاية الاتفاق»(5).
ومن ذلك أنه من المتفق والمفترق من الرواة، حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، فيستعين المحدثون على تمييز أحدهما عن الآخر، بمن روى عنه، فقال ابن الجوزي: «إن موسى بن إسماعيل التبوذكي، ليس يروي إلا عن حماد ابن سلمة خاصة»، وبمقتضاه، فأنه إذا روى عن «حماد»، ولم يميزه،--------------------------------------------
(1) انظر «فتح المغيث»، للسخاوي ج 3/ 114.
(2) «التدريب» / 406.
(3) «فتح المغيث» للعراقي 2/29، 30.
(4) «النكت»» / 150.
(5) انظر «فتح المغيث»، للسخاوي ج 1/ 307 و (تدريب الراوي) / 216.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 983)
عرفنا أن مراده «حماد بن سلمة»، بدون إشكال، فذكر العراقي في الشرح قول ابن الجوزي السابق، وأقره عليه(1).
أما في «النكت» فتعقبه، حيث قال: «إن ما ذكره ابن الجوزي غير مُسَلَّمٌ»، وذلك بقوله: فقد ذكر المزي في «تهذيب الكمال» أن التبوذكي روى عن حماد بن زيد أيضًا، ثم ذكر تفصيل كلام المزي، وانتهى من مجموعه إلى أن التبوذكي اشتهر بالرواية عن حماد بن زيد، دون الإنفراد عنه وبذلك أصبح إطلاقه الرواية عنه مشكلاً(2).
ومما يصور أهمية الرجوع لكتاب «النكت» لمعرفة أراء العراقي النهائية: أن العلماء من بعده كالسخاوي(3)، والسيوطي(4)، اقتصروا على ما ذكره عن ابن الجوزي وأقره في الشرح، مع أنه كما ترى قد خالفه في «النكت»، ودعم مخالفته بما انتهى إليه أخيرًا بالبحث والنظر.
فليتنبه لذلك الباحثون من بعد، ويرجعوا إلى كتاب «النكت» هذا، بجانب «شرح الألفية»، حتى يحصلوا على بحوث العراقي المتكاملة وآرائه النهائية، التي استقر عليها في نكته.
على أن ذلك لا يُفقد شرح الألفية اعتباره مرجعا علميا مستقلا، في المسائل والآراء التي لم يدخل العراقي عليها تغييرا في النكت، وهي أكثر الكتاب، بل--------------------------------------------
(1) «فتح المغيث» للعراقي ج 4/ 120.
(2) انظر «النكت» / 411.
(3) «فتح المغيث» ج 3» / 255، 256.
(4) «التدريب» 485.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 984)
هناك مباحث في «النكت» كما هي في الشرح بالنص(1).
بالإضافة إلى الأبواب التي لم يعلق عليها كلية في «النكت»، كما سيأتي، وقد تناولها جميعًا في «شرح الألفية».
بعض ما توقف العراقي فيه:
ومع ما تضمنه الكتاب كما ترى من دلائل ناصعة، على نضج آراء العراقي وعمق بحوثه في مسائل المصطلح، وإحاطته بأمهات مصادر السنة وعلومها، وتأثيره في ذلك، فإن بعض المسائل التي أثبت توقفه فيها في الشرح، أثبت أيضًا توقفه فيها في النكت، فقد ذكر ابن الصلاح في المتفق والمفترق من الرواة ممن تسمى «الخليل بن أحمد» ستة، وذكر الخامس منهم: الخليل بن أحمد، أبو سعيد البستي، القاضي، المهلبي، والسادس: الخليل بن أحمد بن عبد الله، بن أحمد أبو سعيد الفقيه الشافعي(2)، فعقب العراقي على ذلك في الشرح بقوله: «وأخشى أيضًا أن يكون هذا هو الذي قبله، ولكن هكذا فرق بينهما ابن الصلاح»(3)، ثم علّق عليهما في «النكت» كذلك قائلا: قلت: وأخشى أن يكون هذان واحدًا، فيحرر من فرق بينهما غير المؤلف، يعني ابن الصلاح(4)، وبهذا لم يقطع برأي، أما البلقيني، وابن الملقن(5)، فتابعا ابن--------------------------------------------
(1) انظر «الشرح» ج 2/29 و «النكت» 5/ 151 وج 1/48 وج 3/ 67 و «النكت» 5/ 239، 240، ج 3/14 و 5 «النكت» 5/ 276 وغير ذلك.
(2) «المقدمة» / 407.
(3) «فتح المغيث»، للعراقي في ج 4/ 115.
(4) «النكت» 5/ 407.
(5) «المحاسن»، 135 أ، و «المقنع» 5/ 159.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 985)
الصلاح دون توقف، ولعل مما يشهد بتبحر العراقي فعلا، أن من بعده نقلوا توقفه، دون أن يتمكنوا من الإدلاء برأي قاطع من جانبهم(1).
وهناك أيضا ما أثبت في «النكت» توقفه فيه، حيث قال عن خالد بن سيرين: «إني لم أجد له رواية، ولم أقف له على ترجمة»(2).
ولقد بحثت من جانبي فلم أجد من استدرك عليه، بوجود رواية لهذا الشخص أو ترجمة، رغم عد الطبراني له ضمن المحدثين(3)، وعموما فإن ما توقف فيه العراقي يعتبر نادرا، بجانب ما قطع فيه برأيه، قبولاً أو ردا، بعد بحث وتمكن، كما قدمت.
ى - منهج العراقي في الكتاب، وآراؤه، وأثر ذلك
تحليل نقدي مقارن
بينت من قبل أن العراقي هدف من تأليف كتابه «النكت» إلى ثلاثة أهداف أساسية هي: تقييد ما يحتاج إلى تقييد مما أطلقه ابن الصلاح، وتوضيح ما رأى فيه غموضاً أو إشكالا، ورد الاعتراضات غير الصحيحة الموجهة إلى ابن الصلاح.
وقد ظهر لي من البحث الكامل للكتاب: أن العراقي جعل تحقيق هذه الأهداف الثلاثة عناصر أساسية لمنهجه، وبين خلال ذلك آراءه وبحوثه، فيما تناوله من مسائل المصطلح، وما يتصل بها، كما وجدته تطرق من تلك--------------------------------------------
(1) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج 3/ 248 و «التدريب»، 2/ 481
(2) «النكت»» / 339.
(3) «النكت»، 339.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 986)
العناصر إلى جوانب أخرى متممة وممحصة لمحتوى كتاب ابن الصلاح أولًا، ولمصادره، وما تفرع عنه ثانيا، وألحق بذلك عدة بحوث مفردة، لها أهميتها وأثرها حتى اليوم، في علوم السنة ومتعلقاتها، وكثيرًا ما وجدته في كل ذلك يتبع منهج البحث التاريخي، فيبين المصدر السابق للموضوعات والآراء، ويتتبع انتقالها إلى اللاحق، ويبين موقف اللاحق، وموقفه هو كذلك منها، وهذا ما تعتمده مناهج البحث العلمي الأصيل حتى اليوم، وقد حقق العراقي باتباع هذا المنهج، تأصيل كثير من النصوص والآراء المشتمل عليها كتاب ابن الصلاح، كما كشف المصادر الأصلية لكثير من الحقائق والأوهام المتعلقة بعلوم السنة، وقد مرت بعض أمثلة لذلك في بيان نضجه العلمي، وسيأتي غيرها في تفصيل عناصر منهجه على النحو التالي:
1 - تقييد العراقي لما يحتاج إلى التقييد، مما أطلقه ابن الصلاح، وبالعكس:
ذكر ابن الصلاح في مقدمته كثيرًا من المسائل والآراء بعبارة تفيد الإطلاق والتعميم، صراحة أو ضمنا، لكن العراقي رأى أن هذا الإطلاق غير مسلم لابن الصلاح، في مواضع عديدة، بل ينبغي تقييده وتخصيصه، خاصة وأن التقييد، والتعميم، في الاصطلاحات، له خطره، فتتبع هذه المواضع، وقام ببيان تقييدها، مع التوجيه والتدليل، محققا بذلك أحد أهدافه من تأليف الكتاب، وقد وجدته تارة يصرّح بأن ابن الصلاح أطلق كذا، ولابد من تقييده، أو والصواب تقييده بكذا، وتارة لا يعبر بذلك صراحة، اعتمادا على إفادة كلامه لهذا بوضوح، كما سيظهر من الأمثلة، ثم إني وجدته يعرض أيضا للعكس، حيث يعلق على بعض ما قيده ابن الصلاح، ببيان أنه ينبغي
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 987)
إطلاقه، كما يضيف خلال هذا وذاك، تحقيقات مفيدة ومناقشات جيدة لغير ابن الصلاح من المتقدمين، والمتأخرين، وإن كان لم يشر لذلك في أهداف الكتاب كما تقدمت، وإليك الأمثلة التطبيقية لذلك:
فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر مما تعرف به صحبة الصحابي: «قوله وإخباره عن نفسه، بعد ثبوت عدالته: بأنه صحابي»(1).
فعلق العراقي على ذلك قائلا: «هكذا أطلق المصنف أنه صحابي، وتبع في ذلك الخطيب، فإنه قال في «الكفاية»، في آخر كلام رواه عن القاضي أبي بكر الباقلاني، ما صورته: «وقد يحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينا مقبول القول، إذا قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم، وكثر لقائي له، فيحكم بأنه صحابي في الظاهر، لموضع عدالته وقبول خبره، وإن لم يقطع بذلك، كما يعمل بروايته»»، إهـ.
ثم عقب بقوله: (والظاهر أن هذا الكلام بقية كلام القاضي أبي بكر، فإنه يَشترطُ في الصحابي كثرة الصحبة، واستمرار اللقاء، وأما الخطيب فلا يشترط ذلك على رأي المحدثين)، ثم عقب على هذا بقوله عن ابن الصلاح: «وعلى كل تقدير فلابد من تقييد ما أطلقه، بأن يكون ادعاؤه أي الصحابي لذلك، يقتضيه الظاهر، أما لو ادعاه بعد مائة سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقبل ذلك منه، كجماعة ادعوا الصحبة بعد ذلك، كأبي الدنيا الأشج ومكلبة بن ملكان، ورتن الهندي».
فقد أجمع أهل الحديث على تكذيبهم، وذلك كما ثبت في الصحيحين من--------------------------------------------
(1) و المقدمة مع النكت» / 299.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 988)
حديث ابن عمر قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» الحديث، وكان إخباره بذلك قبل موته بشهر»، كما ثبت في «صحيح مسلم» من حدث جابر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألونني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة، وفي رواية له «ما من نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ»»، ثم انتقل إلى الجمع بين هذه الرواية وغيرها، فقال: وهذه الرواية المقيدة باليوم، يحمل عليها قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق حديث جابر عند مسلم: «ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة»، ثم تطرق من ذلك إلى تصويب فهم خاطئ لهذا الحديث، وجد بعض علماء عصره يصر عليه، فقال «فقد رأيت بعض أهل العلم استدل بهذه الرواية على أن أحدًا لا يعيش مائة سنة، ونازعته في ذلك فأصر عليه، مع أن في بقية الحديث عنده: فقال سالم يعني ابن أبي الجعد وهو الراوي له عن جابر: «تذاكرنا ذلك عنده، فقال: إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ»». وعند مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم».
وعقب العراقي على هذا قائلا: «والصواب، أن ذلك محمول على التقييد بالظرف، فقد جاوز جماعة من العلماء المائة، وحدثوا بعد المائة، وهم معروفو المولد» وذكر اثنين منهم، ثم قال: «وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث أن المراد بالمائة، من الهجرة، لا من وفاته صلى الله عليه وسلم، رواه أبو يعلى
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 989)
الموصلي في «مسنده» من رواية قيس بن وهب الهمداني عن أنس قال: حدثنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يأتي مائة سنة من الهجرة، ومنكم عين تطرف» ثم بين العراقي أهمية هذا الحديث في دفع بعض الآراء، فقال: «وهذا يرد قول من ادعى أنه تأخر بعد أبي الطفيل أحد من الصحابة» ثم قرر نتيجة بحثه واستدلاله قائلاً: «فعلى هذا، لا يُقبل قول أحد ادعى الصحبة بعد مائة سنة من الهجرة» وبعد تقرير رأي المحدثين بهذه الإستفاضة والتحقيق، ضم إلى ذلك خلاصة رأي الأصوليين، حتى تتكامل جوانب الموضوع، فقال: «وكلام الأصوليين أيضًا يقتضي ما ذكرناه، فإنهم اشترطوا في ثبوت ذلك، أي الصحبة، بادعائه، أن يكون قد عرفت معاصرته للنبي صلى الله عليه وسلم … ». وذكر نص كلام الآمدي وابن الحاجب في هذا(1).
وعند المقارنة نجد أن الإمام النووي(2)، والبلقيني(3)، قد تابعا ابن الصلاح على إطلاقه السابق، أما ابن الملقن فأشار إلى التقييد، لكن بعبارة موجزة لا تقارن بما تقدم عن العراقي من البحث والتحقيق المستفيضين، فقد علق على قول ابن الصلاح: «إن الصحبة تعرف بقول الشخص عن نفسه إذا كان عدلاً»، فقال: «قلت: وكان ممكنا، فإن كان العدل معاصرا للنبي صلى الله عليه وسلم، ففيه خلاف حكاه ابن الحاجب»(4)، ولهذا فإن العلماء من بعدهم وفي مقدمتهم الحافظ ابن حجر(5)، اعتمدوا على تفصيل العراقي السابق في البحث--------------------------------------------
(1) «النكت» / 299 - 301.
(2) «التقريب مع التدريب» 399، 400.
(3) «المحاسن» / 100 أ.
(4) «المقنع» / 114.
(5) انظر (فتح المغيث) للسخاوي ج 3/ 97 و (التدريب) / 400.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 990)
والاستدلال.
وقد يكون الإطلاق واردا عن المتقدمين، فيقيده ابن الصلاح من جانب، فيضيف العراقي تقييده من جانب آخر، مثال ذلك: أن ابن الصلاح نقل عن ابن المبارك، والإمام أحمد بن حنبل، والحميدي، وغيرهم: أن من غلط في حديث، وبين له غلطه فلم يرجع، وأصر على رواية ذلك الحديث، سقطت روايته، ولم يكتب عنه. ثم عقب على هذا بقوله: «وفي هذا نظر، وهو غير مستنكر، إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد، أو نحو ذلك، والله أعلم»(1). فقال العراقي في «النكت»: وما ذكره المصنف بحثًا - أي رأيا من جانبه - قد نص عليه أبو حاتم ابن حبان، فقال: «إن من بين له خطؤه، وعلم فلم يرجع عنه، وتمادى في ذلك، كان كذابًا بعلم صحيح» قال العراقي: (فقيد ابن حبان ذلك بكونه علم خطأه، وإنما يكون عنادًا إذا علم الحق وخالفه)، ثم بعد تأصيله هذا الرأي ابن الصلاح، بإرجاعه إلى ابن حبان، أضاف تقيدًا آخر عن بعض المتأخرين، وأقره، فقال: «وقيد بعض المتأخرين ذلك بأن يكون الذي بين له غلطه عالمًا عند المبين له، أما إذا كان ليس بهذه المثابة عنده، فلا حرج إذن»(2) وبالمقارنة نجد كلا من البلقيني(3)، وابن الملقن(4)، لا يتعرضان، لا لتأصيل تقييد ابن الصلاح، ولا لذكر التقييد الذي أضافه.--------------------------------------------
(1) «المقدمة مع النكت»: 155.
(2) «النكت» / 157.
(3) «المحاسن» 46 أ، ب.
(4) «المقنع» 0/ 56.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 991)
العراقي، أما المتأخرون عن العراقي فقد اعتمدوا تأصيله وتقييده(1).
ومما بين العراقي فيه تقييد ما أطلقه ابن الصلاح دون تصريحه بعبارة الإطلاق والتقييد: أن ابن الصلاح ذكر أن مرسل أحداث الصحابة، أي صغارهم، في حكم المتصل المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول(2).
فقال العراقي في (النكت): (إن قول ابن الصلاح: (لأن روايتهم عن الصحابة)، ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر روايتهم عن الصحابة)، وأيد ذلك بقوله: (إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين، وسيأتي في كلام المصنف في النوع الحادي والأربعين، أن ابن عباس وبقية العبادلة رووا عن كعب الأحبار، وهو من التابعين، وروى كعب أيضًا عن التابعين(3)). وبهذا يتقرر تقييد ما أطلقه ابن الصلاح في عبارته.
وأما عكس ما تقدم، وهو إطلاق العراقي لما قيده ابن الصلاح، فمن أمثلته: أن ابن الصلاح قال في نوع الحديث المدبج: «اعلم أن رواية القرين عن القرين، تنقسم: فمنها المدبج، وهو: أن يروي القرينان، كل واحد منهما عن الآخر»(4).
فقال العراقي في (النكت): «إن تقييد المصنف للمدبج بالقرينين، إذا--------------------------------------------
(1) انظر «النكت الوفية» / 230 ب و «التدريب» / 228، و «فتح المغيث» للسخاوي ج 1/ 332، 333.
(2) «المقدمة» / 75.
(3) «النكت» / 75، 76.
(4) «المقدمة» / 133.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 992)
روى كل واحد منهما عن الآخر، تبع فيه الحاكم في «علوم الحديث(1)، وما قصره الحاكم، وتبعه ابن الصلاح، على أن المدبج رواية القرينين، ليس على ما ذكراه، وإنما المدبج: أن يروي كل من الراويين عن الآخر، سواء كانا قرينين أم كان أحدهما أكبر من الآخر، فيكون رواية أحدهما عن الآخر من رواية الأكابر عن الأصاغر»، ثم أرجع العراقي هذا إلى أصله الأول، يبحثه العملي، واستنتاجه، إذ يقول: «فإن الحاكم نقل هذه التسمية عن بعض شيوخه، من غير أن يسميه، والمراد به الدارقطني، فإنه أحد شيوخه، وهو أول من سماه أي المدبج بذلك فيما أعلم، وصنف فيه كتابا حافلا سماه «المدبج» ولم يتقيد في ذلك بكونهما قرينين، فإنه ذكر فيه رواية أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواية النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر، ورواية عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروايته صلى الله عليه وسلم عن عمر … » وسرد العراقي معظم ما أورده الدارقطني في هذا الكتاب من أمثلة، لأنه تملك نسخة صحيحة منه، ثم قال: «فهذا يدل على أن المدبج لا يختص بكون الراويين اللذين روى كل منهما عن الآخر قرينين، بل الحكم أعم من ذلك، والله أعلم»(2).
وبهذا أثبت العراقي، أن تقييد ابن الصلاح، والحاكم من قبله، لمفهوم الحديث المدبج، الصواب إطلاقه وتعميمه، سواء في المفهوم الاصطلاحي له، أو في تطبيقه الواقعي على كتب السنة. أما البلقيني(3) وابن الملقن(4).--------------------------------------------
(1) انظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ 215 وما بعدها.
(2) و النكت» / 334.
(3) و المحاسن» / 111 أ.
(4) و المقنع، 127.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 993)
وغيرهما(1) فتابعا ابن الصلاح على ما قرره، تبعا للحاكم، ولكن العلماء من بعد العراقي قد أخذوا برأيه(2)، ونقل السيوطي ومن بعده عنه خلاصة ما تقدم(3).
نقد بعض تقييدات العراقي لما أطلقه ابن الصلاح:
ورغم أن العراقي قد أصاب في غالب استدراكاته على ابن الصلاح بالتقييد والإطلاق، وتأثر العلماء به في ذلك كما أوضحت، إلا أن هناك بعض مسائل قليلة، لم يوفق العراقي في تقييد إطلاق ابن الصلاح لها، مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن عدة أحاديث الصحيح للبخاري 7275 حديثا بالأحاديث المكررة، وقال: (وقد قيل إنها باسقاط المكرر 4 آلاف حديث وقد يندرج في ذلك آثار الصحابة والتابعين، والحديث الواحد المروي بإسنادين)(4).
فقال العراقي في (النكت): «هكذا أطلق ابن الصلاح عدة أحاديثه، أي «صحيح البخاري» والمراد بهذا العدد، الرواية المشهورة، وهي رواية محمد ابن يوسف الفربري، فأما رواية حماد بن شاكر، يعني عن البخاري، فهي دونها بمائتي حديث، وأنقص الروايات، رواية إبراهيم بن معقل - يعني النسفي - فإنها تنقص عن رواية الفربري ثلاثمائة حديث»(5).
ومعنى ذلك، أن العراقي يرى أنه كان على ابن الصلاح تقييد ما ذكره من--------------------------------------------
(1) انظر «التقريب للنووي» / 426.
(2) «فتح المغيث» للسخاوي ج 3/ 160.
(3) «التدريب» 5/ 426 و «منهج ذوي النظر للترمسي» / 318.
(4) «المقدمة» / 27
(5) «النكت» / 27
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 994)
عدد أحاديث البخاري، بالرواية المشهورة فقط، وهي رواية الفربري وقد تعقب الحافظ ابن حجر شيخه العراقي في هذا، فقال ما إجماله: «إن ظاهر كلام العراقي: أن النقص في هاتين الروايتين، وقع في أصل التصنيف وليس كذلك، بل كتاب «البخاري» في جميع الروايات الثلاث في العدد سواء، وإنما فات حمادًا وابن معقل «النسفي»، لما سمعا الصحيح على البخاري شيء من أواخر الكتاب، فروياه بالإجازة، فعدّ العلماء ما فات حمادًا فبلغ مائتي حديث، فقالوا روايته ناقصة عن رواية الفربري هذا القدر، وفات ابن معقل «النسفي» أكثر من حماد، فعدوه نقصا كما فعلوا في رواية حماد» قال: وفي ذلك نظر، فإن رواية الثلاثة متفقة في الكتابة، وإنما اختلفت في أن الفربري سمع الجميع، وإبراهيم «النسفي» وحماد، فاتهما سماع القدر المذكور من أواخر الكتاب فقط، فالنقص إنما حصل من طَرَيَانِ الفوت، لا من أصل «التصنيف» ثم أيد ابن حجر كلامه بمن سبقه، وببحثه بنفسه فقال: «وقد بين شيئًا من ذلك أبو علي الجياني وابن طاهر، ووقع لي أصل أصيل من نسخة النسفي من البخاري، متواليا، إلا أن في آخره نقصا من الأصل وقال: «إلى هنا انتهى سماع النسفي»، أما عدد أحاديث البخاري التي قرر العراقي أنها مطابقة للرواية المشهورة، وهي رواية الفربري، فقد تعقبه في ذلك ابن حجر أيضًا، فذكر أن العراقي وغيره، قد أقروا هذا العدد تقليدًا للحموي الذي كتب البخاري، ورواه عن الفربري، وعد كل باب منه، ثم جمع الجملة وقلّده كل من جاء بعده، نظرًا منهم إلى أنه راوي الكتاب، وله به العناية التامة» قال: ثم لما شرعت في «مقدمة شرح البخاري»، قلدته كما قلدوه، إلى كتاب «السلم»، فوجدته قال: «إن فيه ثلاثين حديثا، أو
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 995)
نحوها، - الشك مني -» قال: «فاستكثرتها بالنسبة إلى الباب، فعددتها فوجدتها نقصت عما قال كثيرًا، فرجعت عن تقليده، وعددت محررًا بحسب طاقتي فبلغت أحاديثه بالمكرر - سوى المعلقات، والمتابعات - سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثا» إلخ(1).
ونلاحظ هنا، أن ابن حجر أشبه شيخه العراقي في تقليد من يثق به من العلماء، ثم الرجوع عن ذلك متى ظهر له خطؤه، ولا شك أن ما أيد به ابن حجر نقده، كاف في رد ما قرره شيخه العراقي لتقييد كلام ابن الصلاح، وما قرره في عدد أحاديث البخاري، ولهذا تابع ابن حجر العلماء من بعده على هذا النقد والتحرير، وتناقلوه عنه. وإن اختلف نقلهم عنه، واختلف كلامه هو أيضا اختلافًا يسيرًا في العدد المحرر لأحاديث البخاري، إجمالًا وتفصيلا، عما تقدم ذكره(2).
إيضاح العراقي لما أُغلق وأشكل من كتاب ابن الصلاح: هذا هو الهدف الثاني الذي جعل العراقي تحقيقه عنصرًا أساسيًا من منهجه، وصرح به في تسمية الكتاب كما تقدم بـ «التقييد والإيضاح، لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح» وهذا العنصر هو الذي جعل العلماء يعدون هذه النكت ضمن الشروح، وإن كانت كما أوضحت، تختلف عن الشرح المعتاد، حيث إنه لم يستوعب كل مشتملات الكتاب، وقد وجه عنايته لتوضيح--------------------------------------------
(1) انظر: (البحر الذي زخر) / 31 أ و ب و (التدريب) / 50 كلاهما للسيوطي، و (النكت الوفية) للبقاعي/ 27 ب، 28 أ.
(2) انظر المصادر السابقة، وحاشية ابن قطلوبغا الحنفي على شرح العراقي المتوسط للألفية/ 50 ب و 51 أ: و «مقدمة فتح الباري»، ج 2/ 242، 249.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 996)