حجر(1) وابن تغري بردي في «المنهل الصافي»(2).
أما في «النجوم الزاهرة» فذكر 28 جمادى الآخرة، بدل 18 فلعله خطأ من الناسخ(3).
استطرادات العراقي في الترجمة:
ومع استيفاء العراقي لعناصر الترجمة على النحو الذي قدمته، فإن التوسع قد جعله يستطرد لذكر بعض نقاط خارجة عن مطالب الترجمة، وذلك بقصد زيادة الفائدة، حتى إن شهاب الدين الغزي لما نقل مقاصد هذه الترجمة، حذف تلك الإستطرادات مكتفيا بالإشارة إليها، وذلك أن العراقي ترجم لوالد الإسنوي، فحذفها الغزي، وقال: «إن الإسنوي نفسه قد ترجم لوالده في طبقاته فلتراجع منها»(4)، ويلاحظ أن الغزي نفسه(5)، ومن قبله ابن خلكان(6)، قد انتهجا هذه الطريقة حيث يترجمان في نهاية بعض التراجم لمن له صلة بصاحب الترجمة، من الأبوة، أو النبوة، أو حتى المصاهرة.
ولما ذكر العراقي في الترجمة المذكورة أن شيخه الإسنوي قرشي الأصل، كما قدمت، فإنه استطرد من ذلك لذكر ثلاثة فصول فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم، والأخذ عنهم، وقد حذف الغزي ذلك واكتفى--------------------------------------------
(1) «الدرر الكامنة» ج 2/ 465.
(2) ج 2/ 311.
(3) «النجوم الزاهرة» ج 11/ 114.
(4) «بهجة الناظرين» / 138.
(5) في «بهجة الناظرين» / 2.
(6) انظر «وفيات الأعيان» له عموما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1259)
بالإشارة إليه فقال: «إن العراقي ذكر أبوابًا فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم، والأخذ عنهم(1)، ولم يذكر شيئًا من ذلك». ولا شك أن تلك الأبواب تعد استطرادًا كبيرًا، مع ضعف صلته بالترجمة، مع ملاحظة أن العراقي قد تناول نفس النقاط المذكورة في عدة فصول أيضًا من كتابه «محجة القرب إلى محبة العرب» كما سيأتي، لكنه على ما يبدو قد ألف هذا الكتاب بعد الترجمة المذكورة، ومن ثم لم يكن يمكنه الإحالة عليه، بدلًا من الإستطراد.
ذكر رثاء العراقي وغيره للإسنوي:
ختم العراقي ترجمة الإسنوي هذه ببعض المراثي الشعرية، التي رثاه بها غير واحد من الأئمة، فقال: «وقد رثاه جماعة من الأئمة من أصدقائه وطلبته، وقد ذكر في مقدمة ذلك ما رثاه هو به»، حيث قال: «فمما رثاه به جامع هذه الترجمة: عبد الرحيم بن الحسين، وذكر قصيدة بلغت 26 بيتًا ومطلعها:
تنكرت الدنيا فلست أخالها … لفقدكم إلا تدانى زوالها
وقد ضمن تلك القصيدة: التأثر الكبير لفقد الإسنوي، وكثيرًا من مآثره الإنسانية، وآثاره العلمية، كما ضمنها توثيقه من ناحية العقيدة، وإليك بعض الأبيات المتضمنه لما تقدم حيث يقول العراقي عن شيخه:
يعز علي نفسي وعيني أن ترى … مجالس علم ليس فيها جمالها--------------------------------------------
(1) «بهجة الناظرين» / 138.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1260)
فمن بعده للمعضلات يحلها … إذا أغلقت فهما وأعيا سؤالها
بكاه سماء الجو يوم مماته … كذا الأرض حتى سهلها وجبالها
ويبكيه أهل الدين إنس وجنة … وأولادها في مهدها وعيالها
وينفق في ذات الإله فما درت … ما أنفقت يمناه يوما شمالها
عزوف عن الدنيا عكوف على التقى … ألوف فعال لا يبيد فعالها
صحيح اعتقاد لم يكن متفلسفا … ولا شأنه إرجاؤها واعتزالها
له نفس حر لا تذل المطمع … سمت عن سما الفرقدين خصالها
فلم يبتذل نفسًا لذل وإنما … لخدمة بذل العلم كان ابتذالها
وكم من قريش عالم متقدم … وآخرها عبد الرحيم كمالها
لئن فجعتنا الحادثات بشخصه … فآثاره فينا يدوم اتصالها
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1261)
تصانيفه تتلى وأصحابه لها … مجالس يردي الملحدين جدالها(1)
وبعد أن فرغ العراقي من مرثيته هذه للإسنوي قال: «ومما رثي به ما أنشدنيه الشيخ الإمام جمال النحاة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصايغ، لنفسه، من نظمه» وذكر بيتين فقط وبهما أنهى الترجمة.(2)
مقارنة الترجمة المذكورة بالبحوث المعاصرة في الشخصيات العلمية:
وباستعراضنا لما تقدم من مضامين تلك الترجمة ومنهج العراقي فيها، نجد أنها قد احتوت على المقومات الأساسية، وجرت على المنهج العام الذي يرتضيه ويسلكه الباحثون حتى الآن، في الكتابة المتخصصة عن الشخصيات العلمية، غاية ما هنالك أنه يوجد إختلاف بين تلك الترجمة وبين البحوث المعاصرة، من ناحية الإجمال والتفصيل، وتقسيم وترتيب مقومات الترجمة حسبما يقتضيه نظر كل باحث، وما يتوفر له من مادة علمية عن صاحب الترجمة وآثاره العلمية.
أثر الترجمة فيما بعدها:
رغم أني لم أعثر على شيء من نسخ هذه الترجمة، فقد استطعت - بحمد الله وفضله - من خلال نقول العلماء الشاميين والمصريين عنها، بيان مقوماتها الأساسية، ومنهج العراقي، وأهم آرائه فيها، وهذا من أوضح الأدلة على أثر تلك الترجمة فيما بعدها من كتب الرجال، بحيث يمكن القول: إنها حاليا.--------------------------------------------
(1) «بهجة الناظرين» / 141، 142.
(2) «بهجة الناظرين» / 142.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1262)
مفتقدة بذاتها وباقية بآثارها، فقد رأينا شهاب الدين الغزي، أحد مؤرخي الشام وعلمائه، يصرح في طبقاته بأن هذه الترجمة حسنة وأنه اقتنى نسخة منها، ثم أورد كثيرًا من مضامينها بنص كلام العراقي، وأشار إلى مضامين أخرى لم يذكرها كما قدمت.
كذلك نقل الإمام بدر الدين الأهدل في رسالته السابقة الذكر، عن تلك الترجمة الأبيات التي نظمها العراقي في بيان المجددين، كما مر. ثم نقل عنها السيوطي في كتابه «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» الأبيات المبينة للمجددين، ورأي العراقي في درجة حديث التجديد بروايتيه، ثم معناه، ومدى إنطباقه على الإسنوي كما أسلفت، وهذا كله يدل على تداول تلك الترجمة، والإقبال على الاستفادة بمضمونها بعد عصر العراقي، داخل مصر وخارجها، وما تزال تلك المؤلفات المتضمنة للنقول عن الترجمة، موجودة ومنتفع بها حتى وقتنا هذا، وإن كانت لم تطبع حتى الآن، ثم إن الحافظ ابن حجر قد تكلّم عن هذه الترجمة بما يدل على اطلاعه عليها وخبرته بمحتواها، ورأيه فيها، فقال في كتابه «الدرر الكامنة» في ترجمة الإسنوي: وأفرد له شيخنا العراقي ترجمة ذكر فيها كثيرًا من فضائله، ومناقبه، ومن نظمه أيضًا، وبالغ في الثناء عليه(1)، أما أبو زرعة بن العراقي فإنه في ترجمته للإسنوي أيضًا في ذيله على ذيل والده على كتاب «العبر» قال: إنه سمع هذه الترجمة هو وغيره على والده، كما استمد منها في نفس ترجمته للإسنوي(2)، وهذا كما يدل على أثرها في تأليفه، يدل على قيام العراقي بتدريسها لطلابه،--------------------------------------------
(1) الدرر الكامنة ج 2/ 464، 465.
(2) انظر «ذيل أبي زرعة» وفيات سنة 772 هـ.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1263)
وإقبالهم على تلقيها، وبذلك يتضح لنا أثر تلك الترجمة الممتد منذ فراغ العراقي منها، وحتى الآن، وإلى ما بعد ذلك إن شاء الله.
ب - ترجمة العراقي لشيخه «مغلطاي» وزمن تأليفها وأهميتها:
هذا هو الكتاب الثاني للعراقي في التراجم المفردة، وقد نسبه إليه السخاوي كما قدمت، ونسبه إليه تلميذه الحافظ ابن حجر، حيث ذكر أن زين الدين ابن رجب الحنبلي، أخذ غالب ترجمته لمغلطاي، من ترجمته التي أفردها له شيخنا العراقي(1)، وهذا بجانب إثباته نسبة الترجمة إلى العراقي، يدلنا على زمن تأليفها على وجه التقريب، فإن ابن رجب المذكور الذي اعتمد على تلك الترجمة كان من رفاق العراقي في طلب العلم، وقد توفي في حياته سنة 795 هـ(2)، فاعتماده على هذه الترجمة يدل على أن العراقي قد فرغ منها قبل وفاة ابن رجب في السنة المذكورة بوقت غير قصير، بحيث أُتيح له - وهو من سكان الشام - الحصول على نسخة الترجمة والاستفادة منها، وترجع أهمية هذه الترجمة إلى عدة اعتبارات، أهمها: - أن البحث الموسع لم يوقفني على أحد ألف كتابًا خاصًا في ترجمة الحافظ مغلطاي، غير العراقي، وإنما ترجمه غير واحد من معاصريه، ومن بعدهم ضمن مؤلفاتهم في التراجم عموما، مثل تقي الدين بن رافع في «وفياته»(3)، والصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات»(4) وقاسم--------------------------------------------
(1) «الدرر الكامنة» ج 5/ 123/ أصل وهامش.
(2) «البدر الطالع» للشوكاني ج 1/ 328.
(3) «ذيول تذكرة الحفاظ» / 133.
(4) «الدرر الكامنة» ج 5/ 122.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1264)
ابن قطلوبغا الحنفي في «تاج التراجم»(1) وغير هؤلاء.
كما أن العراقي بحكم تلمذته لمغلطاي قد اعتمد في هذه الترجمة على خبرته بشيخه، واتصاله المباشر به، وكذا بأقرانه من شيوخه، كالعلائي وتقي الدين السبكي، وهذا مما يجعل لمضمون تلك الترجمة أهميتها الخاصة، ويضاف إلى ذلك أن هذه الترجمة تمثل أنواع الجرح والنقد التي كانت توجه لمتأخري المحدثين، حيث ذكر العراقي فيها عدة تجريحات لشيخه كما سيأتي:
مما وقفت عليه من نصوص الترجمة
لقد بحثت كثيرًا، فلم أقف على أية نسخة لهذه الترجمة، لكني وقفت بحمد الله على عدة نقول عنها معزوة إلى العراقي، وذلك في كتب التراجم لمن بعد العراقي، كتلميذه ابن حجر في كتابيه «الدرر الكامنة» و «لسان الميزان»(2) وكتلميذه ابن فهد في كتابه «لحظ الألحاظ»(3) وكالسيوطي في «ذيل تذكرة الحفاظ»(4).
وقد تركزت هذه النقول جميعًا في الانتقاد والتجريح الذي ذكره العراقي لشيخه في هذه الترجمة، ولهذا فإنه لم يتح لي أن أعرض لمنهج العراقي عمومًا وآرائه في تلك الترجمة مثلما فعلت في ترجمة الإسنوي، وإنما سأكتفي ببيان عنصر النقد هذا فقط، في حدود النقول المشار إليها، مع مقارنة ذلك بما عند غير العراقي ممن ترجم المغلطاي.--------------------------------------------
(1) الدرر الكامنة جـ 5/ 122 أصل وهامش.
(2) البدر الطالع للشوكاني 1/ 328.
(3) «ذيول تذكرة الحفاظ» 4/ 133 وما بعدها.
(4) «ذيول تذكرة الحفاظ» 4/ 365.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1265)
من تجريح العراقي لشيخه مغلطاي مع المقارنة بصنيع غيره:
من هذا التجريح: تحديد تاريخ مولد مغلطاي وإجازته برواية الحديث، فقد ذكر العراقي: أنه سأله بنفسه عنهما، فقال له: إنه ولد سنة 689 هـ، وأنه قد أجاز له الفخر بن البخاري، قال العراقي: ثم صار يتتبع ما كان خرجه عن الفخر المذكور بواسطة، فيكشط الواسطة ويكتب فوق الكشط أنبأنا(1) وهذا نوع من الكذب، كما هو مقرر في علم المصطلح، قال العراقي: «فذكرت دعواه في مولده وفي إجازة الفخر له، للشيخ تقي الدين السبكي، فأنكر ذلك وقال: «إنه عرض(2) عليّ كفاية المتحفظ في سنة 715 هـ وهو أمرد بغير لحية»(3) ثم قال: «وأقدم ما وجدتُ له من السماع سنة 717 هـ بخط من يوثق به وادعى هو السماع قبل ذلك بزمان»، فتكلم فيه لذلك»(4)، وقال العراقي أيضًا: سألته عن أول سماعه فقال: «دخلت بعد السبعمائة إلى الشام، فقلت له: فماذا سمعت إذ ذاك؟ قال سمعت شعرًا، فقلت له فأول سماعك للحديث متى؟ فسكت، فلقنته: في سنة 715 هـ؟ فقال: نعم، ثم ادعى أنه سمع على أبي الحسن بن الصواف راوي «سنن النسائي»، والمتوفى سنة 712 هـ، فسألته كيف سمعت عليه؟ فقال: سمعت عليه 40 حديثًا، انتقاء نور الدين الهاشمي من «سنن النسائي»، فحصلت عندي فيه وقفة، ثم بعد مُدَّةٍ أخرج جزءًا منتقى من النسائي بخطه، ليس عليه طبقة البتة، لا--------------------------------------------
(1) انظر «لسان الميزان» لابن حجر ج 6/ ترجمة/ 271 و الدرر الكامنة 5/ 122
(2) أي قرأ من حفظه
(3) «ذيول تذكرة الحفاظ» / 136، واللسان 6/ ترجمة (271)
(4) لسان الميزان ج 6 ترجمة/ 271 و «ذيول تذكرة الحفاظ» / 135، 136.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1266)
بخط غيره، ولا بخطه(1)، وذكر أنه قرأه بنفسه على ابن الصواف سنة 712 هـ، يعني سنة وفاة ابن الصواف، قال العراقي: «فقويت الوقفة»(2).
وذكر العراقي أيضًا أن شيخه قد خرج لنفسه جزءًا مما سمعه من الدمياطي وابن دقيق العيد وابن الصواف المذكور وغيرهم، وذكر فيه أنه سمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول بدرس «الكاملية» سنة 702 هـ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أُمتي على ضلالة»، قال العراقي: فذكرت ذلك لشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، فاستبعد ذلك جدًا، وقال: إن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ضعف من أواخر سنة 701 هـ، ولم يحضر درسًا في سنة 702 هـ، ولم يكن بالكاملية، وإنما خرج إلى بستان خارج باب الخرق(3) فأقام به إلى أن توفي في أوائل صفر سنة 702 هـ.
قال العراقي: «ثم سألت تاج الدين عبد الرازق شاهد الخزانة - وكان مخصوصا بخدمة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فذكر نحو ذلك، وأن الشيخ أقام ضعيفًا مدة شهرين أو أكثر، إلى أن توفي بالبستان»(4) وقال العراقي أيضًا عن شيخه: ذكر لي أنه وجد سماعًا له على الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، بحديث مسند، فسألته: «من أي كتاب؟ فقال من «سنن أبي مسلم الكجي»، قلت له: فالطبقة بخط من؟ قال: بخط الشيخ تقي الدين نفسه،--------------------------------------------
(1) يعني ليس مكتوبا عليه بيانًا لا بالسماع ولا بغيره.
(2) أي التحفظ في تلقي الحديث عنه بإسناده.
(3) يعرف حاليا بباب الخلق بالقاهرة.
(4) «ذيول تذكرة الحفاظ» / 136، 137 و «لسان الميزان» ج 6 ترجمة/ 271 و «الدرر الكامنة» ج 5/ 123.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1267)
فسألته أن أقف على «سنن أبي مسلم» الذي عليه سماعه على الشيخ، فتغير، وقال لي: ليس هو هنا، فغلب على ظني أن ما ادعاه من السماع عليه، لا أصل له، فالله يغفر له، ويسامحه، ثم رأيت في تركته نسخة من «سنن أبي مسلم» وقد سمع شيئًا منه على بنت الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وليس له فيها سماع على ابن دقيق العيد البتة، والله تعالى أعلم.(1)
هذا مجمل ما وقفت عليه من تجريح العراقي لشيخه مغلطاي، وكلها طعون في اتصال سنده بمروياته الحديثية عن بعض شيوخه، ويلاحظ أن العراقي قد اعتمد في تجريحاته على عدة مصادر واقعية، ومؤكدة ببحثه الخاص، وبشهادة غيره من الثقات، ولذلك قرر من جانبه التوقف في تلقي المرويات الحديثية عنه، بحيث لا يأخذ إلا ما ثبت له سند شيخه به، أما غير ذلك من نشاطه الحديثي بصورة عامة، فقد قال عنه في نفس هذه الترجمة، كان عارفًا بالأنساب معرفة جيدة، وأما غيرها من متعلقات الحديث فله بها خبرة متوسطة(2)، وعندما نقارن ما ذكره العراقي عمومًا عن شيخه، بما ذكره غيره، نجد أن تقي الدين بن رافع، وصلاح الدين الصفدي، يتفقان مع العراقي في عدم قبول قول مغلطاي بالنسبة لتاريخ مولده، حيث قال ابن رافع: «إن مولد مغلطاي سنة 690 هـ»، وقال الصفدي: «إنه ولد بعد سنة 690 هـ» وكلا التاريخين متأخران عما ذكره مغلطاي بنفسه، وهو سنة 689 هـ(3).
كما نجد أن صلاح الدين العلائي، معاصر مغلطاي وشيخ العراقي أيضًا، قد--------------------------------------------
(1) «ذيول تذكرة الحفاظ» / 137، 138 و «لسان الميزان» ج 6/ ترجمة/ 271
(2) «الدرر الكامنة» ج 5/ 123 و «ذيول تذكرة الحفاظ» / 133، 365
(3): «ذيول تذكرة الحفاظ» / 133 و «الدرر الكامنة» ج 5/ 122
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1268)
سبقه إلى إنكار سماع مغلطاي على جماعة ممن ادعى السماع عليهم(1)؛ بل ذكر هو وابن رجب الحنبلي تجريحًا آخر، تسبب في اعتقاله وتعزيره، وهو أنه في كتابه «الواضح المبين فيمن استشهد من المحبين» تعرض للسيدة عائشة رضي الله عنها، وذكر في الكتاب شعرًا من نظمه يدل على الاستهتار وضعف الدين، فأنكر عليه ذلك(2)، لكننا نجد معاصرًا آخر للعراقي وهو حسن ابن عمر، صاحب كتاب «درة الأسلاك في دولة الأتراك» قد ترجم في هذا الكتاب لمغلطاي، فوصفه بأنه كان إمامًا يُقتدى بقوله، وعالمًا يهرع الطلبة إلى نزله، وأثنى أيضًا على مصنفاته، ولم يذكر أي تجريح له(3) إلا أن الأكثرين مع العراقي فيما قرره.
ولقد حاول الشيخ زاهد الكوثري رحمه الله في عصرنا المتأخر أن يرد تجريح العراقي وغيره عن مُغلطاي(4)، ولكنه في تقديري لم يوفق في ذلك حيث لم يقدم من الأدلة ما يكفي للرد، وقرر بشأن الإجازة برواية الحديث واتصال الأسانيد خلاف ما تقتضي به قواعد الرواية المعتبرة في التحمل والأداء، كما أول تصرفات العراقي وشيخه مغلطاي في التجريحات السالفة، على غير وجهها الظاهر، وغض نظره عن وجوه إثبات العراقي لتلك التجريحات كما قدمت إيضاحه، وأخيرًا قرر: أن العراقي من المتشبعين على موائد علم مغلطاي، وأن التجريح المذكور لا يحط من مقداره، وقد غفل في ذلك عن--------------------------------------------
(1) «ذيول تذكرة الحفاظ» / 137.
(2) «الدرر الكامنة» ج 5/ 122، 123 و «اللسان» ج 6/ ترجمة/ 231.
(3) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية»: «المنتقى من درة الأسلاك» وفيات سنة 762 هـ.
(4) تعليقات على طبعة «ذيول تذكرة الحفاظ» / هامش الصفحات/ 136 - 138.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1269)
أن العراقي لم ينكر تلمذته للمغلطاي وما له من خبرة علمية جيدة في بعض متعلقات علم الحديث كما قدمت، وكل ما فعله أنه أثبت ما لشيخه وما عليه، فمع تجريحه له في معرض جوانب الاسناد، نجده يروي عنه ما ثبت له اتصال سنده به(1)، كما أنه في ترجمته له ضمن ذيله على كتاب «العبر» المتقدم، قد وصفه بأنه: علامة، ومن حفاظ الحديث، وذكر أن ذيله على «تهذيب الكمال» للمزي فيه تعصب كبير، وفيه فوائد أيضا(2)، واقتنى كتابه الذي صنفه فيمن عرف بأمه، وقال إنه حسن(3)، وبذلك لا يكون العراقي قد هضم شيخه حقه فيما تمتع به من ميزات علمية، كما فهم الشيخ الكوثري، وقد أقر العراقي على ما أثبته في هذه الترجمة غير واحد ممن عاصره أو تتلمذ عليه أو جاء بعده كما سأوضحه فيما يلي:
أثر الترجمة فيما بعدها:
منذ ألف العراقي هذه الترجمة، وأودعها الآراء والوقائع المتعلقة بشيخه، ظهر أثرها بين علماء مصر والشام والحجاز، فقد مر أن قرين العراقي زين الدين ابن رجب الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة 795 هـ، لما ترجم للمغلطاي في بعض مؤلفاته، أخذ غالب ما ذكره من تلك الترجمة التي ألفها العراقي، وأقره على ما أورده فيها، كما يظهر من نقول ابن حجر عنه(4).
كذلك نجد أن تلميذ العراقي ابن فهد، وهو من علماء عصره بالحجاز، قد--------------------------------------------
(1) انظر «ذيول تذكرة الحفاظ» / 141.
(2) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية»: «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» / وفيات سنة 762 هـ.
(3) «فتح المغيث» للعراقي: ج 4/ 126
(4) «الدرر الكامنة» ج 5/ 123
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1270)
نقل نصوص ومضامين هذه الترجمة، معزوة للعراقي، وذلك في ترجمته للمغلطاي في تذييله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي، وأقره على ما ذكره فيها بالنسبة للتجريح وغيره(1)، وأما في مصر، فقد اعتمد تلميذ العراقي ابن حجر على نصوص ومضامين هذه الترجمة في ترجمته المغلطاي في كتاب «لسان الميزان»، وأقر شيخه العراقي على ما قرره في تلك الترجمة، مع زيادات من جانبه هو(2)، ومن بعد ابن حجر نقل السيوطي بعض نصوص هذه الترجمة معزوة للعراقي أيضًا وأقرها، وذلك في ذيله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي(3)، وما زالت تلك المؤلفات باقية متداولة في أرجاء العالم إلى الآن، حاملة الأثر الممتد لمحتوى تلك الترجمة في علم الرجال.
ثامنا: «تأليف العراقي في مشيخات ومعاجم رجال السنة، وأثر ذلك» المشيخات والمعاجم وقيمتها العلمية:
المشيخه - بسكون الشين المعجمة، أو كسرها - جمع شيخ(4)، ثم أُطلق اللفظ في اصطلاح علماء السنة على الكتاب الذي يشتمل على ذكر شيوخ وشيخات أحد العلماء، وبيان ما أخذه عن كل منهم بطريقة أو أكثر من طرق التحمّل، كالسماع والإجازة(5)، مع رعاية ترتيبهم في الذكر حسب حروف المعجم، أو دون رعاية لذلك، وأما معجم الشيوخ، فهو أخص من المشيخة.--------------------------------------------
(1) «ذيول تذكرة الحفاظ» / 133 - 139.
(2) انظر «لسان الميزان» ج 6/ ترجمة/ 271.
(3) «ذيول تذكرة الحفاظ» / 365.
(4) «لسان العرب» لابن منظور ج 3/ 506.
(5) «الرسالة المستطرفة» / 104. و «البيان المكمل في تحقيق الشاذ والمعلل» لشمس الحق أبادي/ 2.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1271)
لأنه يُطلق على ما رُتّبَت فيه أسماء الشيوخ على حروف المعجم فقط، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: «إن المشيخات في معنى المعاجم، إلا أن المعاجم يُرتّب المشايخ فيها على حروف المعجم في أسمائهم، بخلاف المشيخات»(1).
وبين أيضا أن المشيخة ما تضمَّن شيوخ الشخص وأحوالهم، وتفصيل مروياته عنهم، بالسماع، أو بالإجازة، سواءً في موطنه أو خارجه(2).
وذكر السخاوي أيضا أن ما جُمِع فيه شيوخ شخص مخصوص، يُسمّى معجما، وهو ما يكون مرتبا على الحروف، أو مشيخة، وهو أعم من ذلك، وقد يكون مرتبا على البلدان، وهو قليل بالنسبة للأولين(3)، وقد يكون الشخص هو الجامع لشيوخه بنفسه كالطبراني في «معجمه الأوسط»(4)، وابن الجوزي في «مشيخته»(5)، والحافظ ابن حجر في «معجم شيوخه»(6)، وقد يجمعهم له غيره، كما فعل العراقي لبعض شيوخه فيما يأتي، وقد تجمع مشيخة أو معجم لأحد العلماء، ثم يسمع من شيوخ آخرين، أو يُوقف بمزيد من الاطلاع والبحث في مروياته، على وجود شيوخ آخرين، لم تشملهم مشيخته، أو معجمه، فيجمعون في كتاب آخر، يُعد ذيلا على سابقه، وقد--------------------------------------------
(1) «المعجم المفهرس» له/ 84 أ (مخطوط).
(2) «الضوء اللامع» جـ 1/ 143.
(3) «الإعلان بالتوبيخ» / للسخاوي/ ضمن «علم التاريخ عند المسلمين» لروزنتال/ 605.
(4) «الإعلان بالتوبيخ» 2/ 607
(5) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ 16 ب (مخطوط).
(6) «يسمى المجمع المؤسس للمعجم المفهرس» وتوجد منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم (453) مصطلح الحديث:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1272)
فعل ذلك العراقي أيضًا بالنسبة لبعض شيوخه كما سنذكره، وبذلك صار له في هذا تأليف عدة مشيخات، وبعض الذيول والمعاجم - وكلها لشيوخه في الحديث ولكن قبل تناولنا لكل منها على حدة، يجدر بي أن أبين القيمة العلمية للمعاجِم والمشيخات عمومًا، حتى يتضح لنا قيمة ما ألفه العراقي في ذلك وداعيه إليه، ويمكن إجمال القيمة العلمية للمعاجِم والمشيخات فيما يلي:
1 - الإسهام في المحافظة على خصوصية الأمة المحمدية من دون الأمم وهي اتصال إسناد شريعتها قرآنا وسنة، بين نبيها صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وبين باقي الأمة في كل عصر إلى قيام الساعة(1)، ذلك أن المؤلفين الأول كمالك، والإمام أحمد بن حنبل، وأصحاب الكتب الستة، وأمثالهم، قد تكفلوا بتدوين عموم السنن والآثار في مصنفاتهم الجامعة، بسندها المتصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم، وبذلك صار الاعتماد في ثبوت أو نفي المرويات على النسخ الصحيحة من هذه المصنفات، منذ تدوينها وإلى الأبد حتى لو لم يتصل السند بين من يعتمد على تلك المصنفات في أي عصر وبين مصنفيها، على الراجح، نظرًا لأن تداولها واشتهارها بين عامة الأمة في كل جيل، جعل النفوس مطمئنة إلى سلامة محتواها من التحريف ومستغنية في صحة نسبتها لمؤلفيها عن اتصال السند بين مؤلفيها، وبين من بعدهم من الأجيال(2).
ومع هذا فإن مؤلفي مصنفات السنة عموما، حرصوا على أداء ما هو مدون فيها، بأسانيدهم إلى تلاميذهم مشافهة، وقام تلاميذهم بنفس المهمة لمن--------------------------------------------
(1) انظر «تاريخ التراث» لفؤاد شركين ج 1/ 230.
(2) انظر «قواعد التحديث» للقاسمي/ 198 - 200.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1273)
يليهم، وهكذا جيلًا بعد جيل، لا من أجل إثبات المروي في تلك المصنفات الشهيرة، ولكن لتصحيح النسخ المنقولة من النسخ الأصلية، حتى يوثق بمحتواها، وحفاظًا على بقاء خصوصية الأمة في اتصال إسنادها الشفاهي بالدين إلى أبنائها، في كل عصر حتى قيام الساعة، وقد قرر ذلك العراقي وغيره من المتقدمين والمتأخرين(1). وظل قصد المحافظة على تلك الميزة للأمة الإسلامية، يدفع الكثيرين ممن تلقوا شيئًا من الجوامع الأولى للسنن والآثار ومتعلقاتها، إلى الحرص على الإثبات الكتابي لتحمله، سواء في نفس نسخة الكتاب الذي تحمله، أو خارجه في ثَبَتٍ خاص، حذرا من النسيان، وتخليدا لشرف اتصال سنده بأقطاب السنة من قبله، كالبخاري ومسلم، وليكون ذلك أيضًا مستندا له في أداء ما تلقاه عن شيوخه إلى من بعده، فَيُسهم بذلك في استمرار خصوصية الأمة باتصال السند في كل عصر، وبجمع وترتيب إثباتات ما تلقاه الشخص عن شيوخه من كتب السنة وأجزائها ومتعلقاتها، تكونت المشيخات والمعاجم التي ألفها العلماء بعد عصور التدوين، سواء لأنفسهم كالطبراني والسلفى وابن حجر، أو لغيرهم، كما فعل العراقي، وبذلك أصبحت أبرز مهمات المعاجم والمشيخات: اثبات اتصال سند صاحب أي منها بأصحاب المرويات والمدونات الحديثية من قبله، والذين يتصل اسنادهم بمروياتهم، ومدوناتهم إلى المصدر الأول للسنة صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه وتابعيهم، وبذلك تكتمل سلسلة الإسناد المحققة لميزة الأمة، نتيجة لتضافر جهود العلماء الأوائل كالبخاري والأواخر كالعراقي، وتلاقيهما،--------------------------------------------
(1) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج 2/34، 35 و «جامع المعقول والمنقول في شرح جامع الأصول» لابن الأثير تأليف الشيخ عبد ربه سليمان/ 25 و «قواعد التحديث» للقاسمي/ 202.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1274)
بحيث أسهمت المشيخات والمعاجم بوصل سند المتأخرين بالمتقدمين، وأسهمت المدونات الأولى للسنة بوصل سند المتقدمين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم.
وإليك نموذجًا من معجم شيوخ ابن حجر، تلميذ العراقي يوضح ذلك ويُقاس عليه عمل العراقي، لعدم وقوفنا على نموذج كامل من المشيخات والمعاجم التي ألفها، رغم تداول معظمها فى عصره كما سيأتي، يقول ابن حجر في معجم شيوخه ضمن بيان مروياته عن شيخه العراقي بعد أن ترجم له: «وقرأت عليه وعلى رفيقه الشيخ نور الدين الهيثمي مسند محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، سوى من أثناء حديث سلمان الفارسي (رضي الله تعالى عنه) في أواخر الكتاب، إلى آخر الكتاب بسماعهما، بقراءة الاول على أبي محمد عبد الله بن محمد بن ابراهيم البزوري ابن قيم الضيائية، أنا الفخر على بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، قال أنا أبو مسلم هشام بن عبد الرحمن بن أحمد بن الأخوة، ومحمد بن معمر بن الفاخر، بإجازة منهما، قالا: أنا سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، قال أنا أحمد بن محمد بن النعمان، قال أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن المقري قال أنا إسحاق الخزاعي عنه(1)، أي عن العدني مصنف المسند. وفي المسند نفسه أثبت العدني سنده بكل ما رواه فيه متسلسلا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم، وبذلك أصبح سند ابن حجر بهذا المسند عن طريق ما أثبته في معجم شيوخه هكذا متصلا إلى العدني مؤلف المسند، ثم اتصل سنده من العدني إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم بأسانيد العدني إليهم، كما أوردها في المسند--------------------------------------------
(1) «المجمع المؤسس» لابن حجر ص 179 (المخطوط).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1275)
وهكذا شأن ما ألفه العراقى من المعاجم والمشيخات، وعندما يؤدى صاحب المعجم أو المشيخة ما اشتمل عليه أى منهما إلى من بعده بأحد طرق الأداء المقررة في علوم السنة، فإنه يتصل اسناد ما روى في أي منهما لمن بعده ومن بعده، يؤديه صولا إلى من يليه، وهكذا، بحيث لا تقتصر فائدة المعجم أو المشيخة على وصل سند مشتملاته من صاحبه إلى المصنفين الأول لكتب السنة فحسب، بل تمتد إلى من يليه من الأجيال، بحيث تبقى به خصوصية الأمة في اتصال السند بما اشتمل عليه إلى يوم الدين.
وسيأتي بيان ما أمكننا الوقوف على تحقيقه ذلك الأثر الدائم من مؤلفات العراقي، وهو المشيخة التي خرجها وجمعها لشيخه ابن القارئ الثعلبي، حيث تسلسل السند بما حوته من المرويات إلى عصرنا الحاضر، وباستمرار تلقى اللاحق لها عمن اتصل اسناده بها في عصرنا، يتصل الاسناد إن شاء الله إلى الأبد، ويرجع ذلك كله إلى مساهمة العراقي بجمع هذه المشيخة من مصادرها العديدة: كمعاجم شيوخ صاحبها، وسماعاته، وإجازاته، وغيرها المتفرقة في أوائل وأواخر وهوامش النسخ الخطية التي أثبت له ذلك عليها ثم جَمْعِ تراجم شيوخه الذين عين المعجم روايته عنهم، وتحريرها وتنسيق ذلك كله، واخراجه في كتاب واحد، ثم تحمله بالقراءة على صاحبه وأداه لتلميذه ابن حجر وغيره، فانتشر، وتتابعت روايته حتى يومنا هذا كما قدمنا.
ولو أنه أُتيح لنا الوقوف على بقية ما ألفه من معاجم ومشيخات أو على مسار مفصل لتداولها والاستفادة منها، لأدركنا أن كلا منها قد حقق من الأثر مثل ذلك، فليقس ما لم نقف عليه على ما وجدنا بعضه، ولمسنا أثره.
3 - تسجيل الترابط الخالد ماديا ومعنويا بين أبناء الأمة الإسلامية أينما كانوا.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1276)
بما له من آثار في إثارة روح الوحدة والتماسك، وتجسيد الالتفاف الدائم حول قيادة واحدة هي: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه، ومبادئ سامية هي: الكتاب والسنة، يتلقاهما جيل بعد جيل، علما وعملا فيصبح العلم والعمل رحما موصولة بين الجميع، والأسانيد أنساب وروابط لا تبيد، وإلى ذلك أشار الشيخ عبد الحي الكتاني حيث قال: «وبما تَطَّلِعُ عليه من ارتباط اسانيد المغاربة بالمشارقة، وتعويل الآخرين على الأولين … تعلم ما كان بين المسلمين قديما من سنى الاتصالات، وزاهر الروابط وأصيلها واعتزاز الكل بواسع الرواية والإجازة، من أطراف هذا المحيط الإسلامي المترامى … كما يَلْفِتُ ذلك إلى أن حفظ الدين حفظ لأهله، وروابطه روابطهم، ومجامعه جامعتهم، وعراه عراهم الوثقى التي لا انفصام لها، كما لا انفصام العراه، ولعل الله تعالى أن يجعل ذلك الترابط المسجل في كتب المشيخات والمعاجم وفهارس المرويات حتى اليوم، إشارة لإحياء ما رَم من روابطنا الإسلامية، وتقوية ما بقى، حتى تجتمع كلمة الجميع، وتُواد عوامل أعداء الاسلام وأهله في تفريق الشمل، وتمزيق الوحدة الإسلامية العربية وارتباط أبنائها، وعلمائها، سندا، وفكرًا، وعقيدة، حتى يتوحدوا عملا ونضالا»(1).
3 - ضبط روايات علماء السنة بأسانيدهم:
وذلك أنه من المقرر في شروط قبول الرواية: ضبط الراوى لما يرويه من السند والمتن معا، حتى يؤديها إلى من بعده، وذلك إما بحفظه للمروي في ذهنه، ويُسمى بضبط الصدر، وإما بتدوينه له في مصدر مصون ويُسمّى ضبط كتاب، وقد كان اعتماد الاوائل على ضبط الصدر أكثر من اعتمادهم على--------------------------------------------
(1) فهرس الفهارس للكتاني ج 1/5 وما بعدها مع تصرف
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1277)
ضبط الكتاب(1) نظرا لما حَبَاهُم الله به من قوة حافظة، ولقصر سلسلة الأسناد حينذاك، أما في العصور المتأخرة فقد لاحظ العلماء تكاسل همم أكثر المشتغلين بالسنة والقائمين بروايتها عن الحفظ، وضعف تلك الموهبة لديهم، نتيجة لعدم شحذها وتنميتها، بالإضافة لتكاثر المرويات كما نرى بعد عصر التدوين، ولطول الإسناد بتتابع الزمن بحيث أصبح الحديث العشاري الاسناد مما يفتخر بعلو سنده في عصر العراقي، لهذا قرر العلماء المتأخرون حرصا على بقاء خصوصية الأمة في اتصال السلسلة السندية كما سلف، التوسع في شروط قبول الرواية بالنسبة إلى الضبط، فرأوا أنه يكفى لتحققه وجود سماع الشخص، وغيره من طرق التحمل مثبتا بخط ثقة مؤتمن على الأصل المروى، أو في ثبت مستقل، وأن يُؤَدِّى الشخص ما تحمله بالاعتماد على نسخة موافقة لنسخة شيخه الذي تحمل عنه(2)، ومن أجل هذا كانت المشيخات والمعاجم المدون فيها بيان مرويات أصحابها عن شيوخهم، وسلسلة سندهم إلى أصحاب المدونات الحديثية والمرويات، عمدة المتأخرين في اثبات توفر اشتراط الضبط فيهم، وعدتهم التي يفزعون إليها عند الأداء لمن بعدهم، كما سنرى بالنسبة لما ألفه العراقي لشيوخه من المعاجم والمشيخات، وبذلك وفرت مؤلفاته تلك، شرط الضبط لشيوخه، ولمن تلقوا عنهم مشيخاتهم ومعاجمهم أيضًا.
4 - تيسير نشر مرويات أصحاب المعاجم والمشيخات:
وذلك لأن جمع المرويات في تلك المشيخات والمعاجم وضبطها، يمكن.--------------------------------------------
(1) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ 2/2، 3، و «فتح المغيث» للسخاوي جـ 1/18.
(2) انظر «فتح المغيث» للسخاوي جـ/ 333 و «فتح المغيث» للعراقي جـ 2/34، 35.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1278)