أصحابها من آداء قدر كبير من مروياتهم إلى من بعدهم بمجرد قراءة المعجم أو المشيخة على الطلاب، أو إسماعهم بواسطة قارئ، أو الإجازة لهم بما تضمنته المشيخة أو المعجم، ويكون التيسر أظهر بالنسبة للراحلين لأداء الحديث أو تحمله، حيث يتمكنون من تحمل أو آداء قدر كبير من المرويات في وقت يسير(1)، ومن أجل هذا كان الحافظ ابن حجر يُخرج بعض المشيخات أو المعاجم لغير المشهورين من شيوخه وشيخاته، رغبة في اعلام الطلبة بمروياتهم، لتنتشر فيمن بعدهم(2)، كما كان الشيوخ يفرحون بمن يُعنى بتأليف مشيخات لهم، لإراحتهم عند الأداء من الكشف عن مروياتهم في أثباتهم المتفرقة(3).
5 - التعريف بعلماء السنة وتراثها، وتمرس المؤلف بهما:
وذلك أن مؤلفي المعاجم والمشيخات بما فيهم العراقي يستخرجون موادها العلمية بالبحث والاطلاع في عامة كتب السنة ورجالها، وبذلك يكتسبون خبرة بها، ومهارة في الاستفادة منها في باقى مهماتهم العلمية، ولهذا اعتبر ابن حجر جمع طالب السنة للمشيخات طريقا لتيقظه ومهارته، ووسيلة لتخرجه في علم الحديث(4). ثم إن مؤلفى المشيخات والمعاجم لا يكتفون فيها بذكر أسماء الشيوخ وما روى عنهم فحسب؛ بل يُترجمون لكل شيخ رَوَى عنه صاحب المعجم أو المشيخة، قبل ذكر مروياته ترجمة مناسبة، توضح اسمه وسلسلة نسبه وما عُرف به من لقب أو كنية، ومولده ووفاته وأهم--------------------------------------------
(1) انظر «الضوء اللامع» ج 1/ 143.
(2) «الجواهر والدرر» للسخاوي/ 242.
(3) «الضوء اللامع» ج 1/ 140 وما بعدها.
(4) «الضوء اللامع» ج 1/ 379.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1279)
شيوخه وتلاميذه، وما وصف به من الصفات المؤثرة في قيمة الرواية عنه، من توثيق أو تجريح، وذكر أهم مؤلفاته، مع وصف أو تحليل أو تقييم لها، وقد يكون من المؤلفات الحديثية المذكورة في المعجم أو المشيخة ما أصبح مفقودًا بذاته، فلا يبقى لنا منه إلا ما حفظه المعجم أو المشيخة، كما قد يكون بها من المادة التاريخية ما لا يوجد في غيرها من كتب التاريخ والتراجم، خاصة ما يُسجله المؤلف فيها، مما اطلع عليه بنفسه من أحوال الشيوخ ومروياتهم ومؤلفاتهم، ومن أجل ذلك نجد العلماء يعدون المعاجم والمشيخات من المصادر التاريخية وخصوصًا في بيان طبقات رجال السنة، وتراجم الاعلام، والتعريف بتراثهم العلمى(1).
ولعل القارئ الكريم لاحظ اعتمادى بالنسبة لتاريخ العراقي وتراثه في السنة وعلومها، على معجم شيوخ تلميذه ابن حجر، حيث وجدت فيه تعريفًا ببعض مؤلفاته التي لم أعثر عليها، ومادة تاريخية لم أجدها في سواه، ولعله لو أتيح لنا الوقوف على ما ألفه العراقي من معاجم ومشيخات، لأمكننا تقديم نماذج منها، وتحليلها وتقييمها، وخاصة ما لمسنا أنه توسع فيه، كمعجم شيوخ ابن جماعة، الذي كتب منه 9 أجزاء حديثية فيمن اسمه (محمد) فقط منهم، كما سيأتي، ولكن يمكننا قياس أثرها في تاريخ التراجم والتراث بما ذكرته عن معجم شيوخ ابن حجر تلميذ العراقي.
6 - التطبيق العلمى القواعد علوم السنة في طرق التحمل والأداء:
وذلك أن مؤلف المعجم أو المشيخة يسوقُ فيه سند صاحبه، من شيوخه.--------------------------------------------
(1) الإعلان بالتوبيخ ص 588.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1280)
الذين روى عنهم حتى صاحب الكتاب المروي، مثبتا في سياقه طريقة التحمل والتعبير عنها في الأداء، من واحد لآخر عبر سلسلة هذا الإسناد، بحيث يرى من يطلع على هذا تطبيقا عمليا لقواعد التحمل والأداء التي اصطلح عليها علماء السنة، ويتاح لقارئها دربة عملية مفيدة، ولا شك أن التطبيق العملي والتدريب خير ما يوضح القواعد ويرسخها في أذهان طلاب السنة والمشتغلين بها، وقد نقلنا لك فيما تقدم أنموذجا من معجم شيوخ ابن حجر يتضمن سياق سنده الذي روى به مسند العدني عن شيخه العراقي، وفيه يتضح ما ذكرناه، فانظره وقس عليه عمل شيخه في مؤلفاته من المعاجم والمشيخات التي نذكرها فيما يلي:
أ - مشيخة ابن التونسي وذيلها:
وقد خرجهما العراقي لشيخه القاضي ناصر الدين محمد بن محمد بن أبي القاسم بن جميل الربعي، الشهير بابن التونسي المتوفى في 11 صفر سنة 763 هـ(1) وهو من شيوخ العراقي الذين أكثر عنهم الرواية بالقاهرة كما قدمنا، وقد قال العراقي نفسه: خرجت له مشيخة، ثم ذيلت عليها، وأقره على ذلك ولده ولي الدين أبو زرعة(2)، وتلميذه ابن حجر(3)، أما ابن فهد(4) والسخاوي(5) فاقتصرا على ذكر المشيخة فقط، فلعلهما لم يقفا على تصريح العراقي المتقدم، وقد أسلفت بيان الداعي للتذييل على المشيخة بعد تأليفها.--------------------------------------------
(1) و(2) «ذيل ولي الدين» ابن العراقي وفيات سنة 763 هـ/ ترجمة ابن التونسي.
(3) «الدرر الكامنة» ج 5/14.
(4) لحظ الألحاظ ضمن الذيول/ 231.
(5) الضوء اللامع 4/ 173 و 1/22.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1281)
أهميَّة هذه المشيخة وذيلها، وزمن تأليفهما وأثرهما:
ومما حفَّز العراقي لتخريج تلك المشيخة لابن التونسي ثم التذييل عليها، أنَّ هذا الشيخ تميَّز بأمرين:
أحدهما: تفرده بعدة من شيوخه(1) بمعنى أنه صار في زمانه هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض الكتب والأحاديث بسنده عن هؤلاء الشيوخ، وبذلك يكون أعلا معاصريه المصريين إسنادًا بما انفرد به، وبالتالي يفيد التلقي عنه علو الإسناد الذي يحرص عليه المحدثون.
وثانيهما: أنه تفرد بكثير من مسموعاته(2) بمعنى أنه كان هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض المرويات بسماعها عن شيوخه، والسماع أعلا وأوثق أنواع التحمل، وبذلك صارت مشيخته وذيلها ذواتا أثر نافع في انتشار وتوسيع الاستفادة بهاتين الميزتين، حيث حدث ابن التونسي طلابه بتلك المشيخة وذيلها، كما سأذكره، ولم يوقفني البحث على شيء من نُسَخ تلك المشيخة ولا ذيلها، ولا حتى على نقول منها، لكني وقفت على ما يدل على تداول المشيخة والاستفادة بها في التحمل عن ابن التونسي، وفي مقدمة ذلك أن العراقي نفسه قد أحضر ولده أبا زرعة في السنة الأولى من عمره قراءة قطعة من المشيخة المذكورة على ابن التونسي(3) ولما كان أبو زرعة كما تقدم قد وُلِدَ في أواخر سنة 762 هـ والتونسي توفى في أوائل سنة 763 هـ، فإن هذا يقتضي أن يكون العراقي قد فرغ من تأليف تلك المشيخة قبل ولادة ابنه أبي--------------------------------------------
(1) ذيل ولي الدين ابن العراقي وفيات سنة 763 هـ ترجمة ابن التونسي.
(2) الدرر الكامنة 5/14.
(3) ذيل التقييد للفاسي/ 115/ أ (مخطوط) والدرر الكامنة 5/14.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1282)
زرعة، ثم ذيل عليها بعد ذلك، ووجدتُ أيضًا أن أحد تلاميذ ابن التونسي قد ولد سنة 753 هـ وسمع عليه مشيخته التي خرجها له العراقي(1) وهذا يدل على تداول تلك المشيخة منذ تأليفها، واستعمال ابن التونسي لها في أداء محتواها من مروياته إلى تلاميذه.
ب - مشيخة مسند القاهرة: ابن القارئ، شيخ العراقي، وأثرها:
هذا المسند هو زين الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد هارون الثعلبي الشهير بابن القارى المتوفى في نصف ذي القعدة سنة 776 هـ وهو من شيوخ العراقي(2) وقد قال ولي الدين بن العراقي عنه: وخرج له والدي مشيخة(3)، ثم ذكرها أيضًا ضمن مؤلفات العراقي كل من ابن فهد(4) والسخاوي(5) والكتاني(6).
أثر هذه المشيخة حتى وقتنا الحاضر:
ومع أن البحث لم يوقفني على شيء من نُسخ تلك المشيخة، إلا أني وقفتُ على آثار متعددة لها، ودلالات على تداولها، كما وقفت على بعض نصوص منها كما سيأتي، أما الآثار والدلالات ففي مقدمتها: أن العراقي نفسه قام بقراءة هذه المشيخة على صاحبها ابن القاري(7)، وبذلك اتصل سند العراقي--------------------------------------------
(1) «الضوء اللامع» ج 1/22.
(2)،(3) انظر «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة 776 هـ.
(4) «ذيول تذكرة الحفاظ»» / 232.
(5) «الضوء اللامع» ج 4/ 173.
(6) «فهرس الفهارس» ج 2/ 196.
(7) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ 90 ب.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1283)
والسامعين حينذاك، بما ذكر في المشيخة من مرويات ابن القاري كما أفادت هذه القراءة على صاحب المشيخة، إقراره بصحة مضامينها، ثم إن العراقي بدوره أنبأ بهذه المشيخة تلاميذه، فقد قال تلميذه ابن حجر: مشيخة ابن القاري، تخريج شيخنا العراقي، أنبأنا بها المخرج - أي العراقي - بقراءته لها على المخرجة له(1)، وهذا يدل على انتشارها وبقائها متداولة بعد عصر المخرجة له، واصلة سنده بمحتواها لمن بعده، ثم اتصل السند بهذه المشيخة إلى عصرنا الحاضر، حيث ذكر الشيخ محمد عبد الحي الكتاني رحمه الله، الذي جمع بين أسانيد المشارقة والمغاربة حتى عصره أن هذه المشيخة يرويها بسنده المتصل إلى ابن حجر العسقلاني عن شيخه العراقي عن المخرجة له، وهو ابن القاري(2) ثم اتصلت أسانيدها منه بالإجازة والمكاتبة لشيخ مشايخنا: محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله، ومنه إلى مشايخنا الذين سمعنا منهم الحديث وبحثنا عليهم علوم السنة وأخبرونا بإجازتهم، من الشنقيطي، وما زالوا أحياء حتى سنة 1399 هـ، كالشيخ محمد محمد السماحي والشيخ محمد ياسين الفاداني، والشيخ حماد بن محمد الأنصاري رحمهم الله. ومن الأحياء حتى الآن سنة 1419 هـ ممن سمعت منهم وأجازوني: الشيخ عبد القادر كرامة الله البخاري نزيل رابغ، بالسعودية، والشيخ عبد الرحمن بن أبي بكر الملا، من الأحساء، بالسعودية. وبهذا اتصل السند بمضامين تلك المشيخة من المرويات إلى هذا الوقت الحاضر ولله الحمد.
ولم يقتصر أثرها وتداولها على العراقي ومن أخذ عنه بل تعداه إلى كثيرين.--------------------------------------------
(1) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ 90 ب.
(2) «فهرس الفهارس» للكتاني ج 2/ 67
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1284)
سواه، فقد ذكر ولى الدين ابن العراقي أن ابن القاري حدث بهذه المشيخة غير مرة، وأنه سمعها عليه(1)، وقال ابن دقماق المؤرخ المعروف: إنه سمع من ابن القارى صحيح البخاري في مشيخته.(2)
وهذا يدل على اتساع دائرة الانتفاع بها، سواء في أداء صاحبها، أو في التحمل عنه، خاصةً وأنه كان مسند القاهرة في وقته كما تقدم، ومقتضى ذلك كثرة الإقبال على تلقى مروياته التي كانت تضمها تلك المشيخة، مع تسهيلها لمهمتي الأداء والتحمل الاجماليين.
بعض ما وقفت عليه من نصوص هذه المشيخة:
ولقد أوقفني البحث الشاق على نص من تلك المشيخة، ذكره الامام الزبيدى رحمه الله، في شرحه لإحياء علوم الدين حيث قال في بيان علو الاسناد: … ففي مشيخة عبد الرحمن بن على الثعلبي، تخريج الحافظ العراقي بسنده إلى ابن المبارك قال: ليس جودة الحديث قرب الاسناد، جودة الحديث صحة الرجال، وأنشد الحافظ أبو الطاهر السلفى لنفسه:
لَيْسَ حُسْنُ الحديث قرب رجال … عِنْدَ أرباب علمه النقاد
بل علو الحديث بين أولى الحفـ … ظ والإتقان صحة الإسنادِ--------------------------------------------
(1) انظر «ذيل ولي الدين» وفيات سنة 776 هـ ترجمة ابن القاري.
(2) «إنباء الغمر» لابن حجر/ ج 1/ 86.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1285)
وإذا ما اجتمعا في حديث … فاغتنمه فذاك أقصى المراد(1)
وهذا يدل على أن العراقي ضمن هذه المشيخة بعض ما يستدعيه المقام من قواعد علوم السنة، وقد ذكر أبيات السلفي هذه في شرحه المتوسط للألفية أيضا في مبحث الإسناد العالي والنازل(2)، مستدلا بها على أن العبرة عند علماء السنة في علو السند ليس فقط قلة عدد الرواة الوسائط بين المصدر الأول للمروي، وبين الراوي الأخير له، بحيث يصبح قريبا من المصدر الأول فحسب، بل لابد أن يكون الرواة الوسائط مع قلتهم موثقين حتى يكون المروي عنهم موثقا به، فإذا لم يكونوا كذلك، كان المروي بسند نازل كثير الوسائط مع جودتهم أولى وأجود، ويعتبر عاليا علما معنويا، فذكره لذلك في مشيخة ابن القاري تأكيدا منه لدعوة رواة السنة في كل عصر، أن يتحروا قبل كل شيء، الثقة فيمن يأخذون عنه، فإن ذلك هو العلو الأهم عند النقاد.
ج - ذيل مشيخة القلانسي، شيخ العراقي، وأهميته، وزمن تأليفه، وأثره:
القلانسي هو مسند الديار المصرية في وقته، أبو الحرم محمد بن محمد بن أبي الحرم القلانسي الحنبلي المتوفى في 4 جمادى الأولى سنة 765 هـ(3) وهو أحد شيوخ العراقي المتميزين بعلو الإسناد، بحيث روى عنه العراقي بأعلا--------------------------------------------
(1) اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين ج 1/ 362.
(2) «و فتح المغيث» للعراقي ج 3/ 107.
(3) «الدرر الكامنة» ج 4/ 353.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1286)
أسانيد عصره(1)، وقد نسب هذا الذيل إلى العراقي ولده أبو زرعة حيث قال في ترجمة القلانسي: خرج له شيخنا أبو المعالي بن رافع مشيخة وكتب والدى عليها ذيلا(2)، وأقر هذا الحافظ ابن حجر(3)، وابن فهد(4)، والسخاوى(5)، وصاحب «كشف الظنون»(6)، والكتاني(7)، وقد جاء في ترجمة القلانسي هذا ما يُوضح استحقاقه بتأليف ابن رافع له مشيخة، ثم نهوض العراقي لعمل ذيل عليها، فبجانب تميزه بعلو السند كما قدمت، وصفه العراقي بأنه مكثر من المرويات والشيوخ، مع ثقته وصحة سماعه(8)، كما وصفه ولى الدين ابن العراقي بأنه تفرد بكثير من مسموعاته وشيوخه، وصار رحلة بلاده، وكان خيرا دينا من أعيان الحنابلة(9)، وقال ابن حجر: أنه صار مسند الديار المصرية في زمانه(10)، وكل هذه خصائص توضح أهمية الرجل في وصل سند المرويات الحديثية لمن بعده، ومن هنا كانت أهمية تدوين أكبر--------------------------------------------
(1) انظر آخر كتاب الأربعين حديثا العشارية الاسناد للعراقي، وقرة العين بالمسرة بوفاء الدين له أيضا/ 20، 23، 36، 41، 69، ومحجة القرب للعراقي أيضًا/ 21 أ، ب، والثلاثة مخطوطات سيأتي التعريف بهم.
(2) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة 765 هـ.
(3) «الدرر الكامنة» ج 4/ 353
(4) «ذيول تذكرة الحفاظ»» / 232
(5) «الضوء اللامع» ج 4/ 173.
(6) «كشف الظنون»» / 1696.
(7) «فهرس الفهارس» ج 2/ 196.
(8) «طرح التثريب» ج 1/ 108.
(9) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة 765 هـ.
(10) «الدرر الكامنة» ج 3/ 381، 382.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1287)
قَدْر من مروياته وشيوخه، فقام شيخ العراقي ابن رافع بجانب من تلك المهمة، وأتمها تلميذه العراقي من بعده، عملا على نشر السند المتصل لكتب السنة ومتعلقاتها، والتعريف برجالها العاملين، ولئن كان البحث الدائب لم يوقفني على شيء من مشيخة ابن رافع، ولا من ذيل العراقي عليها، ولا على نقول معزوة اليهما، إلا أن أبا زرعة ابن العراقي قد صرح بأن القلانسي حدث تلاميذه بكل من المشيخة، وذيل العراقي عليها، وهذا يدل على أن العراقي قد أنجز هذا الذيل قبل وفاة القلانسى في سنة 765 هـ بفترة غير قليلة، كما يدل على أن هذا الذيل قد تم تداوله والاستفادة به في التحمل والأداء لما تضمنه من المرويات، منذ تأليف العراقي له.
د - ذيل مشيخة البياني، شيخ كل من العراقي وولده وأهميته وأثره:
البياني، هو المسند، المعمر، الرحلة، شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن محمد بن أبي بكر بن يعقوب، الانصاري الخزرجي، وعرف بالبياني، توفى على الصحيح في 29 ذي القعدة سنة 766 هـ، وهو من شيوخ العراقي، وولده أبو زرعة(1). وقد ذكر أبو زرعة ابن العراقي في ترجمته له ما يدل على خبرته هو ووالده به حتى آخر عمره، حيث قرر وفاته في ليلة الاثنين 29 ذي القعدة سنة 766 هـ، وقال: سمع منه الأئمة وسمعت عليه صحيح مسلم، وقطعة كبيرة من تاريخ بغداد وأجزاء كثيرة ثم قال: وذكر ابن رافع أنه توفي ليلة 18 ذي الحجة وهو وهم، وما--------------------------------------------
(1) ذيل ولي الدين أبي زرعة ابن العراقي على العبر للذهبي 1/ 186 - 188 والمعجم المفهرس لابن حجر/ 65 «الدرر الكامنة» ج 3/ 381، 382
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1288)
ذكرته أولا هو الصواب الذي ذكره والي، وكانت وفاته عندنا بالخانقاه الطشتمرية ظاهر القاهرة.
وقد نُسِب هذا الذيل إلى العراقي ولده أبو زرعة وتلميذه ابن حجر فقال في ترجمة البياني: وخرج له ابن رافع مشيخة، وذيل عليها شيخنا العراقي، وتبعه على ذلك صاحب «كشف الظنون»(1) وسيأتي كلام أبي زرعة بن العراقي، وقد وصف البياني بما يوضح استحقاقه لعمل مشيخة، ثم التذييل عليها، فقد قال ابن حجر: إنه أحضر مجلس الحديث في الثالثة من عمره(2)، وقال أبو زرعة ابن العراقي: إنه مسند معمر، محب للرواية(3)، وهذا يدل على تمتعه بعلو الاسناد، وكثرة الشيوخ والمرويات، ومن هنا كان جديرا بجمع شيوخه، وتخريج مروياته ليستفاد بها، كما فعل ابن رافع ومن بعده العراقي، وقد ذكر أبو زرعة بن العراقي تأليف والده هذا باسم «الفهرست» مع الإشادة بشكله ومضمونه فقال: وعمل له والدي فهرستا حافلا مفيدا، توفي - يعني والده - قبل إكماله/ ذيل العبر لأبي زرعة (1/ 188). ومعروف أن «الفهرشت» و «المشيخة» بمعنى واحد (فهرس الفهارس للكتاني 1/ 68 - 69).
أقول: ولعل وفاة العراقي قبل إكمالها هو الذي جعل روايتها عن البياني توجد من غير طريق العراقي كما سيأتي مع كون العراقي من تلاميذ البياني، كما أنه من دلائل فائدة هذه المشيخة أو الفهرست وأثرها في الرواية رغم اكتمالها، ما ذكره الكتاني، حيث ذكر روايته لها من طريق شمس الدين--------------------------------------------
(1) «كشف الظنون» / 1696.
(2) «الدرر الكامنة» / ج 3/ 381.
(3) «ذيل أبي زرعة» وفيات سنة 766 هـ.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1289)
مُحمَّد بن طولون الحنفي المتوفى سنة 953 هـ عن يوسف بن حسن بن عبد الهادي عن محمد بن محمد الخيضري عن أبي ذر عبد الرحمن بن محمد الزركشي عن المخرجة له/ فهرس الفهارس للكتاني 2/ 643.
والزركشي هذا توفي سنة 846 هـ، تتلمذ للعراقي/ الضوء اللامع (4/ 137) ولكن قال ابن تغري بردي في ترجمة البياني: وآخر من تأخر ممن سمع عليه شيخنا الرُّحَلَةَ: زين الدين عبد الرحمن الزركشي الخيلي رحمه الله تعالى/ النجوم الزاهرة 11/ 89.، بل سيأتي عناية العراقي بجمع أربعين حديثا وعشرين حديثا كلاهما من عواليه، تساعية الإسناد.
وللأسف لم أقف على شيء من المشيخة التي خرجها ابن رافع للبياني، ولا على ذيل العراقي هذا الذي خرجه لها مع تداول روايته كما قدمت.
هـ - معجما شيوخ ابن جماعة، موجه العراقي الأول للتخصص بالسنة، والداعي لتأليفهما:
قدمت التعريف بابن جماعة ضمن شيوخ العراقي(1)، والمهم هنا أنه تمتع بكثرة الشيوخ حتى إن شيوخه ليزيدون عن 1300 شيخ، وتمتع أيضًا بكثرة المرويات، مع ثقته وتفرده بالرواية عن عدد من شيوخه، وبرواية عدد من الكتب والأجزاء الحديثية(2)، ولهذا كان جديرا بعناية العراقي وغيره، بجمع مروياته وشيوخه للاستفادة بها، وقد أثبت أبو زرعة ابن العراقي تأليف والده معجمى شيوخ ابن جماعة فقال: وخرج له والدى معجما عن شيوخه--------------------------------------------
(1) انظر ص (325) وما بعدها من هذه الرسالة.
(2) انظر ذيل أبي زرعة ابن العراقي وفيات سنة 767 هـ.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1290)
بالسماع والإجازة، لم يكمل، كتب منه 9 أجزاء حديثية، وكلها في المحمدين(1)، أي فيمن اسمه (محمد) من شيوخ ابن جماعة، والأجزاء الحديثية في المتوسط تبلغ 15 ورقة، وبذلك يكون العراقي قد استغرق فيما أنجزه من هذا المعجم 135 ورقة تقريبا، وهو كم كبير يدل على غزارة ما أودعه العراقي فيه من المادة العلمية، وعلى الجهد الكبير الذي بذله في الجمع والبحث والتحقيق العلمي، ويفهم من كون الأجزاء المذكورة كلها في المحمدين، أن العراقي انتهج ترتيب أسماء الشيوخ على حروف المعجم ولكنه بدأ بمن اسمه (محمد)، تيمنا بأشهر أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم، كما فعل في ذيله في وفيات الاعيان المتقدم بحثه.
ورغم أن العراقي لم ينجز من هذا المعجم إلا القدر المذكور، فإنه قد أتى ثماره عاجلاً، حيث ذكر أبو زرعة ابن العراقي أن ابن جماعة قد حدث طلبته بثلاثة أجزاء منه(2) وهذا دليل على تداوله والانتفاع به، كما أنه دليل على ارتضاء ابن جماعة لهذا التأليف واقرار مضمونه العلمي.
ومع هذا الانتفاع، والتداول المذكور للمعجم في حياة ابن جماعة والعراقي إلا أننى للأسف وأقف على شيء منه الآن.
أما المعجم الثاني لشيوخ ابن جماعة فقد نسبه أبو زرعة ابن العراقي لوالده أيضًا، وذلك في ترجمة محمد بن عبد اللطيف المعروف بابن الكويك المتوفى سنة 779 هـ، حيث قال عن ابن الكويك هذا: إنه جمع شيوخ قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، مرتبًا لهم على حروف المعجم، ثم قال: وهذبه.--------------------------------------------
(1) انظر ذيل أبي زرعة ابن العراقي وفيات سنة 767 هـ.
(2) انظر «ذيل أبي زرعة وفيات» سنة 767 هـ.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1291)
والدى وأصلحه(1)، ولعل العراقي بحكم معاصرته لابن الكويك، علم باشتغاله بعمل هذا المعجم، فانصرف عن اتمام المعجم السابق، حتى لا تتكرر الجهود أو تتكدر النفوس، لأن المعجم الذي ألفه ابن الكويك كما يفهم من عموم عبارة أبي زرعة المتقدمة، عام يجمع كل شيوخ العراقي، بينما المعجم الذي شرع العراقي فيه وأنجز بعضه، خاص بجمع نوعين فقط من شيوخ ابن جماعة، وهما من روى عنهم بالسماع ومن روى عنهم بالإجازة، فصار عمل العراقي داخلا في عموم عمل ابن الكويك، فإعراض العراقي عن اتمام المعجم الأول، متسق مع عموم شأنه في أخلاقه وفي مؤلفاته، فلا تجده يؤلف إلا ما يجد الحاجة ماسة إليه، ولا ينازع غيره عملا علميا اطلع على اشتغاله به، وأهليته له، وتوفيته حقه، وهكذا فليكن علماء السنة في كل جيل، اقتداء بالعراقي في هذا المسلك الحسن، حتى تتحرر دائرة التأليف في علوم السنة من التكرار غير المجدى، وتمد الناس في كل عصر بما هم بحاجة فعلية إليه، في روح من الاحترام المتبادل بين علمائها، ورعاية لحقوق الانتاج العلمي لكل منتج تصدى للعمل بجد وإخلاص، وبذلك يتحقق أحد الآثار المرتجاة من دراستنا لسيرة الأسلاف من حفاظ السنة، كالحافظ العراقي وغيره، ولئن كان العراقي في تقديري قد توقف عن اتمام ما شرع فيه من معجم الشيوخ الخاص، نأيا عن التكرار، وتقديرًا للزمالة العلمية، فإنه لم يصرف النظر نهائيا عن الموضوع، بل حرص على الاطلاع على المعجم العام الذي جمعه ابن الكويك، ليرى هل حقق فيه الغاية المرجوة أم لا؟ وقد ظهر له أنه بحاجة إلى التهذيب والإصلاح، حتى يكون عملا علميا أتم فائدة، وبمقتضى صلته الطويلة بابن جماعة،--------------------------------------------
(1) «ذيل أبي زرعة وفيات» سنة 779 هـ.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1292)
وممارسته السابقة لجمع بعض شيوخه، أعاد النظر في هذا المعجم الذي أنجزه ابن الكويك، وباشر تهذيبه وإصلاحه، وليس هذا بالعمل الهين، بل إن فيه جهدًا علميًا كبيرًا يتمثل فيما يستدعيه الإصلاح والتهذيب من الحذف والإضافة، وإعادة ترتيب بعض المواد العلمية في نسق سليم، واعمال الفكر والنظر في التصويب والتحقيق، خاصةً وأن كثرة شيوخ ومرويات ابن جماعة، تدل على أن هذا المعجم الجامع لهم كان ضخمًا، وبهذا الاصلاح والتهذيب خرج هذا المعجم في صورة جديدة نُسبت للعراقي، بينما نُسبت الصورة الأولى لسلفه ابن الكويك، وقد صدر العراقي في هذا عن غرض علمى وجيه، ينبغي على المتأخر أن ينهض به بالنسبة لعمل المتقدم، وهو تهذيب ما يراه بحاجة إلى التهذيب، واصلاح ما يراه بحاجة فعلية إلى الإصلاح، كالسهو والخطأ اللذان لا يخلو منهما جهد بشري، ويبدو أن العراقي قام بهذا التهذيب والإصلاح بعد وفاة ابن الكويك، وانقطاع الأمل في أن يباشر ذلك بنفسه.
هذا ولم يوقفنى البحث على شيء من المعجم الذي أنجزه ابن الكويك، ولا تهذيب العراقي له، وإن كان من المسلم أنهما كانا متداولين، ومستفادا بهما في عصر العراقي على الأقل.
ولعلي بهذا قد وقفت في بيان أكبر قدر من آثار العراقي بمؤلفاته وآرائه، في مصطلح علوم السنة وعلم رجالها وبالله التوفيق.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1293)
الباب الرابع: أثْرُ العِرَاقِيِّ بمُؤَلَّفَاتِهِ وآرائه في علم التخريج وَفْقهِ السُّنَّةِ وَنَقْدِهَا وَشَرْحِهَا وَالسِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ
القسم الأول: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي أَنْوَاعِ عِلْمِ التَّخْرِيجِ وَأَثَرِ ذَلِكَ
القسم الثاني: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي فِقْهِ السُّنَّةِ وشرحها وَبَيَانِ غريبها وأثر ذلك[*]
القسم الثالث: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ--------------------------------------------
[*] (تعليق الشاملة): وقد قسمها المؤلف - حفظه الله - في المقدمة (1/ 14) إلى خمسة أقسام، دمجها هنا في ثلاثة فقط. وعلى كل حال، فقد انتهى ما وقفنا عليه من المطبوع في أثناء القسم الثاني
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1295)
القِسْمُ الْأَوَّلُ: تأْليفُ العِرَاقِيِّ وآرَاؤُهُ فِي أَنوَاعِ عِلْمِ التخريج وأثر ذَلِكَ
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1297)
مفهوم علم التخريج
التخريج مصدر خَرَّج العمل تخريجًا، بمعنى استخرجه، ومن المجاز خَرَّج فلان في العلم، أي نَبَغَ، وخرجه بمعنى استخرجه، وخرج الكتاب جعله ضروبًا مختلفة، وأطلق في اصطلاح المحدثين على شيئين:
أحدهما: إيراد الحديث بإسناده في كتاب أو إملاء، ومنه قولهم عن الحديث: خرجه البخاري ومسلم، أي أورداه بسنديهما في صحيحيهما ومنه أيضًا إخراج المحدث الحديث من بطون الكتب، وسياقه من مروياته، أو من مرويات غيره، كشيوخه وأقرانه، وعزوه لمن رواه من أصحاب الكتب الحديثية، مع بيان البدل والموافقة ونحوهما كما سيأتي من مؤلفات العراقي في ذلك.
والثاني: عزو الأحاديث إلى من خرجها من الأئمة سواء مع سياق أسانيدهم ورواياتهم، وبيان حالها قبولًا أو ردًا، أو الاقتصار على العزو فقط إلى المصادر، مع الكلام على درجات الأحاديث ولو في الجملة.
والإطلاق الثاني هو الذي يصدق على غالب الكتب المؤلفة في تخريج أحاديث الكتب الفقهية والأصولية وغيرها، مثل مؤلفات العراقي، ورفيقه الزيلعي، وقرينه ابن الملقن، وغيرهم كما سيأتي.(1)--------------------------------------------
(1) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج 2 ص 338 و «شرح السيوطي لألفيته» / 46 أ، و «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي» للأنصاري/ 153 أ و «حاشية الطوخي» على الشرح المذكور/ 77 أ، و «فيض القدير» للمناوي/ ج 1/20 وبعض كتب التخريج نفسها كما سيأتي ذكره منها في هذا الباب.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1299)
1 - تخريج العراقي لأحاديث (كتاب إحياء علوم الدين)، للغزالي وأوليته في ذلك، وأهمية تخريجه.
أشرت في مبحث اختصاص العراقي بعلوم السنة(1) إلى أن تأليفه لتخريج أحاديث (إحياء علوم الدين) كان باكورة مؤلفاته، وقد ألف في ذلك ثلاثة كتب متتالية هي: الكبير، والمتوسط، والصغير، كما سيأتي تفصيله.
ويعتبر العراقي بحسب ما أوصلني إليه البحث، أول من تصدى للتأليف في تخريج أحاديث كتاب (الإحياء) بأكمله، ولم يعرف حتى الآن من سبقه إلى ذلك(2) وإنما كانت الجهود حتى عصره، متجهة إما إلى تهذيب كتاب الإحياء بحذف ما فيه من الأحاديث الواهية، ومذاهب الصوفية التي لا أصل لها، كما فعل ابن الجوزي في كتابه (منهاج القاصدين)(3)، وإما إلى انتقاد الغزالي فيما أودعه في الكتاب، وخاصة الأحاديث الباطلة، كما فعل ابن الجوزي أيضًا(4)، وسِبطه، ومن بعدهما حتى عصر العراقي، كالمازري، وأبي الوليد الطرطوشي، وأبي عمرو بن الصلاح، وابن تيمية وتلميذه ابن القيم(5).
وفي مقابل هذا، نهض بعض العلماء للدفاع عن الغزالي في الجانب الحديثي وغيره من كتابه، ولكن على سبيل الإجمال، كما فعل المولى أبو الخير(6).--------------------------------------------
(1) انظر ص 312 وما بعدها من هذه الرسالة.
(2) «اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين» للزبيدي ج 1/40، 41.
(3) «كشف الظنون» / 1877.
(4) «اتحاف السادة المتقين» ج 1/28 و «تلبس ابلس» لابن الجوزي/ 160.
(5) «اتحاف السادة المتقين» ج 1/27 وما بعدها و «كشف الظنون» / 1277 و «طبقات الشافعية» لابن السبكي ج 6/ 239 وما بعدها.
(6) «اتحاف السادة المتقين» ج 1/28.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1300)
وشيخ العراقي تقي الدين السبكي وولده تاج الدين(1)، الذي أتبع دفاعه الإجمالي بفصل خاص عنونه بقوله: (وهذا فصل جمعت فيه جميع ما وقع في كتاب (الإحياء) من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادا).
أقول: وقد بلغ هذا الفصل أكثر من مائة صحيفة(2)، وبفحصي له وجدت الشيخ تاج الدين قد أورد فيه قرابة ألف حديث، بما فيها المكرر، وهي موزعة على جميع أبواب كتاب الإحياء، وقد ذكر في أكثرها فعلا قوله عن الحديث: إنه لم يجد له إسنادا، أو لم يجد له أصلا، أو لم يجده باللفظ المذكور في الإحياء، أو لم يجده مرفوعا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم خرج الباقي من كتب السنة تخريجا موجزا جدا كما سنقارن بعضه بتخريج العراقي الصغير، ويعتبر هذا الفصل مع أهميته عملا جزئيا، بمثابة الخمس تقريبا، من عمل العراقي في تخريجه الصغير للإحياء، وذلك لأن الشيخ تاج الدين بن السبكي تناول في الفصل المذكور كما قدمت، قرابة ألف حديث، مع الإيجاز والإجمال، بينما تناول العراقي في تخريجه كل أحاديث كتاب الإحياء المصرح فيه برفعها، وبعض المشار إليه بمعناه، وبلغ ذلك قرابة خمسة آلاف حديث كما سيأتي، ثم إن عمل ابن السبكي هذا متأخر عن تأليف العراقي لتخريجه الكبير، كما أوضح ابن السبكي نفسه ذلك، حيث إنه قبل ذكر الفصل المشار إليه قال عن العراقي: «وقد اعتنى بتخريج أحاديث الإحياء بعض أصحابنا، فلم يشذ عنه إلا اليسير، وسأذكر جملة من أحاديثه الشاذة استفادة»، ثم أتبع ابن السبكي ذلك بالإشارة إلى الفصل الذي عقده فقال: «وسنعقد فصلا للأحاديث--------------------------------------------
(1) انظر «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ 6/ 244 وما بعدها.
(2) و «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ 6/ 287 - 389.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1301)