فينبغي أن يكون لكل من الأساتذة والطلاب في كل منهما أسوة حسنة.
الأمر الثاني: ما ذكره العراقي من التعويل على شيخه العلائي في موضع الخطأ، قد صرح به في كتابه التقيد والإيضاح، كما سيأتي، ولعله اكتفى بذلك عن التصريح به هنا في كتاب الأربعين العشارية لتأخر تأليفها عن تأليف التقييد والإيضاح.
وتعويل العراقي هذا على شيخه العلائى مثال على أن من العلماء المعتبرين كالعراقي من كان يعول على غيره ممن يثق في علمه العلائي، ولكنه مع ذلك يقبل إعادة النظر عند وجود ما يستدعى ذلك، كما فعل العراقي عند معارضة تلميذه ابن حجر له في هذا كما تقدم.
لكن إذا قارنا هذا الموضع، ببقية الكتاب، وعناية العراقي بذكر مصادره المتعددة فيه، كما قدمت، فسنجد أن هذا أمر نادر، فلا يقدح مثله في أصل الدقة العلمية المشهود بها للعراقى، كما لا يقدح مثل هذا في القيمة الحديثية للكتاب، وجهود العراقي فيه.
الأمر الثالث: أن التصويب الذي ذكر ابن حجر أن شيخه العراقي قد أثبته، لم يوجد في النسخة التى حقق الكتاب وطبع بالاعتماد عليها، ولم يوجد كذلك في النسخة الحلبية التي أثبت عليها القراءة على العراقي بالمدينة المشرفة، ويبدو أن هذا التصويب ذكر في النسخة المصرية، لأن العراقي ذكر فيها ما لم يوجد في النسختين السابق ذكرهما، لكن للأسف أن موضع هذا الحديث في النسخة المصرية مخروم، فلم يمكن الوقوف عليه. ولكن أمكن الوقوف على بديل عنه ولله الحمد، فقد روى العراقى في كتابه التقييد والإيضاح عن شيخيه أبي الفتح الميدومى وأبى عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1960)
الأنصارى، كلاهما من طريق اسماعيل بن محمد الصفار قال حدثنا الحسن بن عرفة أنبأنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كلم الله موسى عليه السلام، كانت عليه جبة صوف (الحديث)(1).
وسند العراقى بهذا الحديث عشارى إلى ابن مسعود، وابن مسعود هو الحادى عشر، وقد عزاه إلى الترمذى عن على بن حجر عن خلف بن خليفة، به، وذكر أنه بهذا الإسناد لا يقع لأحد في عصره أعلا منه على وجه الدنيا من حيث العدد، وأن علوه مطلق بالنسبة له وللترمذي، كما ذكر تسلسله بالآخرية المطلقة، من شيخه أبى الفتح الميدومى إلى «خلف بن خليفة» ونسب إلى شيخه العلائي القول بأن الصفار هو آخر من روى عن الحسن بن عرفة، صاحب الجزء المعروف، كما تقدم في مصادر العراقى(2).
أما في شرحه للألفية فذكر الحديث، ووجوده في جزء ابن عرفة، وذكر علوه المطلق به، بنحو ما تقدم، ثم قال: وكل واحد من شيخنا - يعنى الميدومى - فمن بعده إلى خلف هو آخر من رواه عن شيخه بالسماع من الجزء المذكور(3) وقد جاء بحاشية إحدى النسخ الخطية لشرح الألفية ما نصه «قوله من الجزء المذكور زاده العراقى بعد قراءة البرهان الحلبي عليه» وبهذا قيد آخرية رواية الصفار عن الحسن بن عرفة، بالسماع من جزئه المذكور، الذى روى العراقي من طريقه حديث أبى هريرة «لا تقوم حتى لا تنطح ذات قرن--------------------------------------------
(1) التقييد والإيضاح مع علوم ابن الصلاح/ 258 - 259.
(2) التقييد والإيضاح/ 259
(3) فتح المغيث للعراقي 3/ 101.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1961)
جماء» كما هو في عدد من نسخ الأربعين، وفي المطبوع الآن، والذي روى من طريقه أيضا حديث ابن مسعود السابق ذكره، وهذا التقييد بالسماع من الجزء كله، أعم من التقييد الذي ذكره ابن حجر بحديث واحد، كما سبق، والبرهان الحلبى هو سبط ابن العجمي، من تلاميذ العراقي البارزين، وتقدم في التعريف به أن رحلته إلى مصر التي قرأ فيها شرح الألفية على شيخه أن مع البحث والاستدراك بمثل هذه الزيادة، كانت سنة 780 هـ و … ، نحو خمس سنوات، ولكنها مع هذا تعتبر أسبق من قراءة الحافظ ابن حجر للأربعين العشارية، والتي كانت بعد عودة العراقى إلى مصر من المدينة النبوية خلال سنة 791 هـ، كما تقدم أيضا، وبذلك يكون تقييد الآخرية الذى في شرح الألفية، أسبق وأعم من التقييد الذى حصل في الأربعين العشارية بآخرية سماع الصفار الحديث واحد فقط، بناء على تنبيه الحافظ ابن حجر، كما تقدم.
وبهذا يستدل أيضا على أن أريحية العراقى في قبول المراجعة والنقد المفيد كانت مبدأ أصيلا عنده، ولم تكن قاصرة على شخص بعينه.
رابعا: بيانه لدرجات الأحاديث، وأحوال الرواة:
ذكر العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح: إنه لا يقع لأمثاله من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد(1).
وقال في مقدمة كتاب الأربعين العشارية هذا: فهي أعلا ما يقع للشيوخ، مع ثقة رجال الإسناد ووصله، فلم يقيد الاتصال بكونه بالسماع، وذلك لأن--------------------------------------------
(1) فتح المغيث للعراقي 3/ 100.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1962)
بعض أسانيده متصلة بالإجازة له، أو لبعض من فوقه في الإسناد، كما سيأتى توضيحه.
لكنه ذكر شرط ثقة الرواة المقتضى للصحة، وقال في أواخر الكتاب: وقد روينا عدة أحاديث تساعيات لا تصح أسانيدها، ولا فائدة في العلو مع عدم الصحة(1).
فمن مجموع ذلك نفهم أنه شرط على نفسه أن يورد في هذه الأربعين، أعلا ما عُرف من الإسناد في عصره لأقرانه وهو العشاري، مع مراعاة الصحة، باتصال السند، وثقة الرواة؛ لكنه في بقية كلامه في مقدمة الكتاب قال: فأوردت فيها الأحاديث الصحاح والحسان، وربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب وفعله، ولاشك أن رواية من هو مستور أو مجهول، أولى ممن علم جرحه مفسرا عند أهله(2).
فهذا يدل على أنه لم يقتصر في تلك الأربعين على ذكر الصحيح المتوافر فيه اتصال السند، وثقة الرواة، ولكن يذكر أيضا ما هو حسن، وراويه - كما هو معروف. في المرتبة الأنزل من الثقة مباشرة، وهي مرتبة: «الصدوق» كما صرح به العراقى في غير هذا الموضع، كما سيأتى.
وقوله: «ربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب» أفاد أنه يذكر أيضا نوعا ثالثا وإن كان قليلا، وهو الضعيف ضعفا غير شديد، لكون راويه ليس معروفا بتعمد الكذب، لكنه متفرد عن المتابع، فلذلك يعتبر غريبا، لكنه ليس منكرا، كما صرح به في غير هذا الموضع كما سيأتى.--------------------------------------------
(1) الأربعين العشارية/ 235.
(2) الأربعين العشارية/ 123 - 124.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1963)
ثم أتبع العراقي ذلك ببيان تفاوت مراتب الضعف بحسب تفاوت أحوال الرواة، فقال: «ولاشك أن رواية من هو مستور أو مجهول أولى ممن علم جرحه مفسرا عند أهله».
وفي تقريظ العراقي لكتاب تلميذه ابن حجر «نظم الآلي بالمائة العوالي» قال: نظرت هذه الأحاديث العشاريات المائة المخرجة عن الشيوخ العوالي أحسن تخريج وأضواه، … من الأحاديث الصحاح والحسان والغرائب، التي هي عن النكارة، (مبرأة)، عن الثقات الأثبات، وأهل الصدق، والسُّنَن والصيانة المجزئة …(1) فيلاحظ أنه ذكر ثلاث درجات للأحاديث هي الصحاح ثم الحسان ثم الغرائب غير المنكرة، وقابل الصحاح برواية الثقات الأثبات، والحسان برواية أهل الصدق والصيانة، فصارت الغرائب غير المنكرة دون هاتين، وهي الضعيفة ضعفا خفيفا.
ومن المراجعة التفصيلية لكتاب الأربعين للعراقي، وملاحظة كلامه السابق نجد أن الأحاديث في كتابه هذا ثلاث درجات: هي الصحيح والحسن والضعيف القابل للانجبار، مع بيانه خلال ذلك لما تواتر من الصحيح، ولأحوال الرواة المقتضية للصحة أو الحسن أو الضعف، وذلك على النحو التالي: -
أ - بيانه للصحيح، والحال رواته، وللمتواتر منه.
عندما نراجع كتاب الأربعين للعراقي نجد غالب أحاديثه من الصحيح لذاته، أو لغيره، وقد بين بنفسه ذلك حسب شرطه السابق، وبيانه للصحة متنوع،--------------------------------------------
(1) ينظر نظم اللآلئ/ 144 بتحقيق كمال يوسف الحوت.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1964)
فمنه ما بين صحته بالعزو إلى البخارى ومسلم أو أحدهما، وذلك من بعض طرق الحديث التي تلتقى في أحد الرواه مع طريق العراقي التي أخرج الحديث بسنده منها، وعدد هذه الأحاديث بحسب النسخة المطبوعة حاليا (22) حديثا، فتكون أزيد من نصف أحاديث الكتاب(1) وقد بين الصحة أيضا بالعزو إلى من خرج الحديث وحكم بصحته كالإمام الترمذي، وهما حديثان(2) وهذه الطريقة في بيان الصحة من فوائد التخريج بالعزو كما تقدم.
ومن الأحاديث ما حكم بصحته من جانبه هو دون عزو لغيره، وذلك أربعة أحاديث، مع بيان سبب الحكم بالصحة في اثنين منهم، كما سيأتي، وذكر الحكم بالصحة فقط في اثنين(3)، كما بين تواتر حديث واحد من الصحيح الذى رواه في هذا الكتاب، وهو الحديث الرابع، فقد رواه بسنده من طريق سليمان التيمي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
وقال: هذا حديث صحيح، وأيد ذلك بعزوه إلى البخارى في الصحيح عن أبي معمر عن عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس، ثم قال: هذا الحديث من أشهر الأحاديث(4) حتى ذكر مثالا للمتواتر؛ فقد ورد من حديث مائة من الصحابة، أو يزيدون، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة،--------------------------------------------
(1) ينظر الأحاديث رقم/ 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 11، 12، 15، 21، 37، 35، 32، 28، 24، 25، 26، 23، 22
(2) ينظر ص 125 وحديث (19)
(3) ينظر الأربعين العشارية/ ص 161، 167، 170، 212.
(4) في المطبوع «الحديث» والمثبت من الحلبية.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1965)
ثم قال: وحكى النووى في شرح مسلم عن بعضهم: أنه رواه مائتان من الصحابة، وعقب العراقى على ذلك بقوله: وفيه بعد(1).
فمن هذا يستفاد تصحيحه للحديث، وإقراره بلوغ طرقه درجة المتواتر - وهو ما رواه في جميع حلقات سنده جمع أكثر من ثلاثة، ويستحيل عادة اتفاقهم على الكذب(2)، وإقراره أيضا أن عدد رواته من الصحابة يزيدون على المائة، بما فيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، واستبعاده للقول بأن عدد رواته مائتان من الصحابة.
وقد قرر هذه الأمور أيضا في شرحه لألفيته في المصطلح(3).
لكن في نكته على كتاب ابن الصلاح قرر خلاف هذا، فعدد (75) صحابيا، وذكر أنهم هم الذين ورد الحديث عنهم باللفظ السابق ذكره، وأن من زادوا عن هؤلاء، فروايتهم في مطلق الكذب عليه صلى الله عليه وسلم وأنه لذلك، لا تعتبر رواياتهم من طرق الحديث باللفظ السابق.
كما قرر أيضا أنه لا يمكن التواتر في شيء من طرقه، لأنه يتعذر وجود شرط التواتر في الطرفين والوسط من تلك الطرق؛ بل بعض طرقه الصحيحة إنما هي أفراد عن بعض رواتها.
وعقب على القول برواية الحديث عن مائتين من الصحابة، بقوله: ولعل هذا محمول على الأحاديث الواردة في مطلق الكذب، لا هذا المتن بعينه(4) يعنى (من كذب علي متعمدا).--------------------------------------------
(1) ينظر الأربعين العشارية/ 135 - 136.
(2) ينظر فتح المغيث للعراقي 4/6.
(3) ينظر فتح المغيث للعراقي 4/5 - 8.
(4) ينظر التقييد والإيضاح مع كتاب ابن الصلاح/ 270 - 272.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1966)
فيلاحظ من كلامه هذا على الحديث في النكت: أنه ينفى الحكم بتواتره مطلقا، وأنه يذكر محملا للقول بروايته عن مائتين من الصحابة، بدلا من استبعاده مطلقا. وقد نقل البرهان الحلبي كلام شيخه هذا في النكت وأقره(1) لكن كتاب الأربعين هذا يعتبر زمن تأليفه متأخرا بنحو عشر سنوات تقريبا عن تاريخ فراغه من النكت، فيكون ما ذكره هنا في الأربعين هو الذي استقر عليه أخيرا.
وهو الموافق لما قرره ابن الصلاح(2) ووافقه عليه غير واحد، سواء من شيوخ العراقي كابن كثير(3) أو من أقرانه كالبلقيني(4) وابن الملقن(5) ومن بعدهما كابن حجر، مع إشارته إلى ما ذكره شيخه العراقى في نكته، ورده عليه دون تصريح باسمه(6) وتابعه على ذلك تلميذه السخاوى(7).
أما الحديثان اللذان صححهما العراقى وبين سبب تصحيحهما: فالحديث الأول منهما: حديث (4) وقد رواه بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أن أم سليم - وهي أم أنس أيضا - ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرا، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس غلام لبيب كاتب،--------------------------------------------
(1) ينظر الكشف الحثيث عمن رمى بوضع الحديث لبرهان الدين الحلبي، المعروف بسبط ابن العجمي/ 30.
(2) ينظر علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ الموضع السابق.
(3) مختصر علوم الحديث له مع الباعث الحثيث 1/ 240 (مبحث الحديث الموضوع).
(4) محاسن الاصطلاح مع المقدمة/ 393 - 394.
(5) المقنع له/ ص 104 مخطوط.
(6) فتح البارى - كتاب العلم 1/ 202 - 203.
(7) فتح المغيث له 4/16.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1967)
يخدمك … (الحديث).
وقال العراقي عقبه: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات، قال الحافظ أبو نصر الوائلي: ما وقفت له على علة توجب تركه(1).
فنلاحظ أنه لم يعز الحكم بالصحة إلى غيره، وأتبعه ببيان ما توافر فيه من شروط الصحة الأساسية وهى ثقة رجال الإسناد، وعدم وجود علة أخرى قادحة، لكنه اعتمد في الشرط الأخير على من سبقه وهو عبيد الله بن سعيد أبو نصر الوائلي السجزى المتوفى سنة 440 هـ(2) وقد ذكر ابن حجر أن السجزى أخرج الحديث وصححه، لكن لم يذكر الكتاب الذي أخرج الحديث فيه، وإنما قال: قال أبو نصر السجزى بعد أن أخرج الحديث الذي رويناه - يعنى هذا الحديث من الطريق الذي رواه العراقي منه -: هذا حديث صحيح، ما وقفت له على علة توجب تركه(3).
فجعل الحكم بالصحة أيضا ممن سبق العراقي إلى تخريج الحديث بالسند نفسه، وهو السجزى.
والحديث الثاني: الذي بين العراقى سبب حكمه بصحته، قد رواه بسنده إلى سليمان التيمى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام، وقال: ثلاث ليال.
وقال العراقي عقبه: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم محتج بهم في الصحيحين(4).--------------------------------------------
(1) ينظر الأربعين العشارية/ 160 - 161.
(2) ينظر السير 17/ 654.
(3) ينظر نظم اللآلئ لابن حجر/ حديث (71) ص 109.
(4) ينظر الأربعين العشارية/ 167:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1968)
ويلاحظ في بيان سبب التصحيح هنا أنه لم يذكر غير حال الرواة فقط المشترط في الصحة، فلعل سكوته عن باقى الشروط لعدم وجود قادح فيها في تقديره.
وأيضا الحديثان الآخران اللذان حكم بصحة كل منهما فقط، دون بيان توافر شروط التصحيح، لعل سكوته عن ذلك لعدم وجود قادح في صحة كل منهما في نظره.
لكن عندما تراجع الحديث الأول مما بين العراقي سبب تصحيحه، وكذلك الحديث الثاني مما لم يبين توافر شروط التصحيح فيهما، نجد أن هذين الحديثين من رواية حميد الطويل عن أنس بالعنعنة، وقد وصف حميد بالتدليس عن أنس، مع الخلاف في مرتبته، فالعلائى اعتبره من أهل المرتبة الثانية الذين لا تقدح عنعنتهم، لكونه عرف بأنه لا يدلس إلا عن ثقة(1) لكن الحافظ ابن حجر اعتبره من أهل المرتبة الثالثة الذين يترجح قدح عنعنتهم، ووصفه بكثرة التدليس عن أنس(2) في حين نجد المتقدمين على الحافظ رحمه الله منهم وصف حميدا، بمطلق التدليس ومنهم من وصفه بقلته(3) وجاء عن الحافظ نفسه في الفتح، قوله: اشتهر أن حميدًا كان ربما يدلس عن أنس(4) ومقتضى هذا عدم قدح عنعنته، وتقدم تصحيحه هو والسجزى لحديثه عن أنس أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهبت أم أنس به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخدمه.--------------------------------------------
(1) جامع التحصيل/ 113، 168.
(2) طبقات المدلسين/ ص 86 بتحقيق البنداري.
(3) تهذيب التهذيب 3/ ترجمة (65).
(4) ينظر فتح البارى 4/ 230.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1969)
ونقل أيضا عن الذهبي ما يفيد عدم قدح عنعنة حميد الطويل عن أنس(1) وبهذا يتأيد تصحيح العراقي لرواية حميد عن أنس بالعنعنة، مع توافر باقى شروط الصحة.
وروى العراقي الحديث (15) من طريق حميد عن أنس أيضا وصححه، مؤيدا ذلك باتفاق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيحين من طريق سالم بن أبي الجعد عن أنس رضي الله عنه(2).
ثم روى الحديث نفسه من طريق آخر وهو طريق عثمان بن سعد قال: سمعت أنس بن مالك، به. وقال: عثمان بن سعد أخرجت(3) حديثه للمتابعة وفيه لين، وقد أخرج له أبو داود عن أنس رضي الله عنه حديث: «كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة» وسكت عليه فهو عنده صالح(4)(5) وقد أفادنا العراقي في هذا الموضع أن الطريق التي تصلح للمتابعة لا يشترط أن تكون صحيحة ولاحسنة، بل يمكن أن تكون ضعيفة ضعفا خفيفا.
وأفادنا في هذا الموضع أيضا أن ما كان ضعفه خفيفا هكذا، وعضده طريق--------------------------------------------
(1) ينظر نظم اللآلئ بالمائة العوالي/ تخريج الحافظ ابن حجر/ 108 - 109.
(2) ينظر الأربعين العشارية/ 162 - 163.
(3) في المطبوع (أخْرَجًا) والتصويب من النسخة الحلبية والمصرية، وبذلك يكون تعقب فضيلة المحقق في هذا الموضع للعراقي، في غير محله.
(4) ينظر الأربعين العشارية/ 165.
(5) كذا جاء في طبعة السنن بتحقيق الشيخ عوامة 3/ حديث (2578) وفي طبعة الشيخ محيي الدين عبد الحميد رحمه الله زيادة من بعض النسخ فيها تضعيف رواية سعد هذه فيكون ما ذكره العراقي من سكوت أبى داود، هو حسبما جاء في النسخة التي رجع إليها، فانتقاد فضيلة المحقق له في هذا بإطلاق، أيضا مدفوع.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1970)
آخر صحيح لذاته، فإن الضعيف يرتقي إلى الصحة لغيره مباشرة، وليس إلى الحسن فقط، وهذا مما لا نجده مصرحا به عند العراقي في مظنته من مؤلفاته في مصطلح الحديث. فيكون ما ذكره العراقي من سكوت أبي داود، هو حسبما جاء في النسخة التي رجع إليها، فانتقاد فضيلة المحقق له في هذا بإطلاق، أيضا مدفوع.
ولعل العراقي اعتنى بذكر تلك المتابعة مع ضعفها، لتصريح المتابع فيها بالسماع من أنس رضي الله عنه في مقابل عنعنة حميد عنه، وإن كان الراجح اتصالها كما قدمت.
ب - بيانه للحسن، ولحال رواته.
أما الأحاديث التي حسنها العراقي في هذا الكتاب، فمنها حديث حسنه تبعا للترمذي(1).
وبقية المواضع وهي الأكثر - لم يعز فيها التحسين لغيره، وقد أعقبها بتعليلات للتحسين، ضمنها بيانا لأحوال بعض رجال الإسناد الذين اقتضى حالهم تحسين الإسناد، مع تطبيقات هامة لقواعد الجرح والتعديل لا نجد تصريحا بها في مظانها من كتب مصطلح الحديث، وكتب الرجال بما في ذلك مؤلفات العراقي نفسه في ذلك.
وبذلك يكون لتعليلات العراقي وتطبيقاته في هذا الكتاب، آثارها الهامة في الاستفادة منها في بيان درجات الرواة المشابهين، ودرجات أحاديثهم، ودراسة الأسانيد عموما.--------------------------------------------
(1) ينظر الأربعين العشارية/ 211.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1971)
فمن ذلك أن العراقى روى الحديث الأول من الأربعين، من طريق عمار بن محمد عن الصلت بن قويد الحنفى قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: (الحديث).
ثم قال: وإسناده حسن، وعلل ذلك بقوله: عمار بن محمد، يكنى أبا اليقظان، وهو ابن أخت سفيان الثورى، وثقه يحيى بن معين، وغيره، واحتج به مسلم، ثم قال: والصلت بن قويد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وروى عنه غير واحد، وأما النسائى فقال: لا أدرى كيف هو؟. ثم قال: وقد صرح الصلت بسماعه له من أبي هريرة، وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: سمع أبا هريرة(1).
فنلاحظ أنه علل تحسين الإسناد ببيان حال راويين فيه:
أولهما: «عمار بن محمد» فذكر أن يحيى بن معين وغيره قد وثقوه، ثم قال: واحتج به مسلم، وبذلك جمع في بيان حاله بين التوثيق القولي، من ابن معين وغيره، وبين احتجاج مسلم به في صحيحه، وهذا يسمى التوثيق الفعلى، أو التعديل بالرواية(2) وقد قرر ابن دقيق العيد أن المصحح لحديث الراوى المنفرد به، بمثابة قوله: إنه ثقة(3) وقد أفادنا العراقي هنا أنه يعتد في بيان حال الراوى بالتوثيق الفعلى بجانب التوثيق القولي، بينما لا نجده يصرح بهذا.--------------------------------------------
(1) ينظر العشارية/ 128 - 129.
(2) التعديل والتجريح للباجي 1/ 291 بتحقيق فضيلة الأخ الدكتور أبو لبابة حسين، والمنخول في علم الأصول للغزالي/ 264/ بتحقيق الدكتور هيتو والمحصول للرازي 4/ 589 - 590 - بتحقيق الأخ د/ طه علوان. والبحر المحيط للزركشى 4/ 289 - 291 وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر 1/ 297 - 299.
(3) نصب الراية للزيلعي 1/ 148 - 149/ أحاديث التيمم.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1972)
في مظناته من مؤلفاته في مصطلح الحديث.
وعندما نراجع مصادر ترجمة «عمار» هذا نجد مع توثيقه المتعدد بالقول والفعل، أن غير واحد من النقاد قد ضعفه تضعيفا مجملا، وفسر ابن حبان جهة الضعف بقوله: كان ممن فحش خطؤه، وكثر وهمه، فاستحق الترك من أجله(1).
ولعل الدارقطني - وهو تلميذ ابن حبان - قد تبعه في وصفه «عمارًا» هذا بأنه متروك(2).
وبهذا يظهر أن عمارًا مختلف فيه، ويُفهم من اقتصار العراقي على ذكر توثيقه القولي والفعلي أنه يرجح توثيقه، في حين اختلف ترجيح الذهبي: بين ثقة وصدوق(3) وذكر الحافظ ابن حجر ما يفيد الجمع بين الأقوال، فقال: صدوق يخطئ، وكان عابدًا(4).
وهذا يلتقى مع القول بتحسين حديثه فيما لم يتبين خطؤه فيه.
وأما الراوى الثاني: وهو «الصلت بن قويد» فذكر العراقي أن ابن حبان ذكره في ثقات التابعين، وأنه روى عنه غير واحد، وعقب على ذلك بأن النسائي قال فيه: «لا أدرى كيف هو؟».--------------------------------------------
(1) المجروحين لابن حبان 2/ 195.
(2) ينظر التاريخ الكبير للبخاري 7/29 والأوسط المطبوع باسم الصغير 2/ 247 والجرح والتعديل 6/ ترجمة (2190) والموضوعات لابن الجوزي 1/ 159 ط أضواء السلف وتهذيب التهذيب 7/ ترجمة (659).
(3) الميزان 3/ 168 والكاشف 2/ ترجمة (3997) والمغنى 2/ ترجمة (4385)، والديوان/ ترجمة (2993) ومعرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد/ ترجمة (252).
(4) التقريب/ ترجمة (4832).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1973)
وقد أفادنا العراقي بتحسين الإسناد: أن الراوى إذا روى عنه أكثر من واحد، ولم يوجد - بعد البحث الكافي - ما يفيد جرحه ولا تعديله، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، ولاسيما إن كان تابعيا، فإنه بمجموع ذلك تزول جهالة عينه وحاله، ويكون حديثه بمرتبة الحسن لذاته، ما لم تكن علة أخرى. وبناء على إشارته السابقة في تقريظ نظم الآلئ، يمكن وصف مثل هذا الراوى أيضا بأنه صدوق، حيث جعل وصف (الثقة) مقابل الصحة، ووصف أهل الصدق والسنن والصيانة المجزئة، مقابل الحسن كما أوضحته هناك وهذا التقعيد والتطبيق المستفاد من صنيع العراقي هنا، لا نجده أيضا مصرحا به في مظناته من مؤلفاته في مصطلح الحديث، مع أنه قد كرره أيضا في كتابه هذا، وفي بعض مؤلفاته الأخرى عند حكمه على بعض الأسانيد بالحسن، كما سيأتي.
وعبارة النسائي التي ذكرها العراقى في وصف «الصلت» فيها اختصار، وقد جاءت في نقل الذهبى موضحة، فذكر أن النسائي ساق للصلت حديثه الذي رواه العراقي هنا،، ثم قال النسائي: لا أدرى كيف هو، حديثه منكر(1).
فأفاد بذلك أن عبارة «حديثه منكر» معناها هنا أنه منفرد بهذا الحديث، فلم يقف النسائى على متابع له عليه، ولم يجد ما يرفع جهالة حاله، ولذلك قرن مع تلك العبارة، عبارة «لا أدرى كيف هو؟» فتعتبر عبارة «حديثه منكر» ليست بيانا لحاله كما هو معتاد، ولكنها بمثابة تعليل من النسائي.--------------------------------------------
(1) المغنى في الضعفاء للذهبى 1/ ترجمة (2897).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1974)
لجهالته بحال «الصلت» وهو أنه متفرد بحديثه هذا، فهو إطلاق للنكارة بمعنى مجرد التفرد فقط، لا بمعنى الجرح، بدليل السياق، ولذلك اعتبر الذهبي والعراقى أن عبارة النسائي هذه تفيد جهالته بحال الصلت، لكنهما اختلفا بعد ذلك، فاقتصر الذهبي على الحكم بجهالة «الصلت» تبعا لقول النسائي، فقال: لا يعرف(1) ورأى العراقى أن رواية أكثر من واحد عنه، وعدم وجود ما يفيد جرحه، مع ذكر ابن حبان له في ثقات التابعين، يرفع جهالة حاله، ويجعله في مرتبة من هو صدوق، حسن الحديث، كما تقدم.
أما قول العراقي عن الحديث: وقد صرح الصلت بسماعه له من أبي هريرة، وتأييد ذلك بقول أبي أحمد الحاكم، فهو بيان لاستيفاء الحديث اتصال السند الذي هو شرط من شروط الصحيح والحسن لذاتهما، كما هو معروف.
وروى العراقي أيضا الحديث (20) من طريق سحامة بن عبد الله، قال: قدم علينا أنس بن مالك رضي الله عنه واسطا، فحدثنا أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر من أمره حاجة وفقرا (الحديث).
وقال: هذا حديث حسن، «وسحامة» بفتح السين والحاء المهملتين. وقد ذكره ابن حبان في الثقات، إلا أنه سمى أباه «عبد الرحمن» وهكذا قال ابن أبي حاتم عن أبيه فيما صدر به كلامه، قال: وقيل: ابن عبيد الله، وقد روى عنه جماعة، وكيع، وأبو عامر العقدى، وآخرون(2).
فيلاحظ أنه علل تحسين الحديث من طريق «سحامة» هذا بنحو ما علل به تحسين الحديث السابق من طريق «الصلت» وهو أن راويه قد ذكره ابن حبان.--------------------------------------------
(1) الديوان/ 186.
(2) الأربعين العشارية/ 179 - 180.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1975)
في الثقات، وهو تابعي، وقد روى عنه جماعة، ولم نجد ما يفيد جرحه(1) ونلاحظ هنا أن «سحامة» روى عنه أكثر من اثنين، فوصفه العراقي بأنه «روى عنه جماعة» والصلت لم نجد روى عنه سوى اثنين فقط، فوصفه بأنه «روى عنه غير واحد» وبهذا يستفاد أن الذي يطبق عليه العراقي قاعدة التحسين هذه، هو من روى عنه اثنان على الأقل، وذكره ابن حبان في الثقات، ولاسيما من كان من التابعين، ولم يوجد ما يفيد جرحه. وسيأتي تطبيق العراقي لتلك القاعدة أيضا في غير هذا الكتاب(2).
وكما خالف الذهبي العراقي في حال «الصلت» كما سبق، فقد خالفه أيضا تلميذه ابن حجر في حال «سحامة» هذا، فوصفه بأنه «مقبول»(3) ومقتضى اصطلاحه في هذا الوصف أن حديثه ضعيف لذاته، فلا يرتقى إلى الحسن إلا بعاضد يقويه.
والحديث التاسع والثلاثون، رواه العراقي من طريق عبد الله بن بكار قال: حدثنا عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد الأضحى، يخطب على بعير، ثم قال: هذا حديث حسن، وعزاه إلى أبي داود من طريق هشام بن عبد الملك الطيالسي، وإلى النسائي من طريق أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان، كلاهما عن عكرمة بن عمار به.
ثم أشار إلى وجه تحسين الحديث فقال: وعبد الله بن بكار، ذكره ابن حبان.--------------------------------------------
(1) ينظر الثقات 4/ 350 - 351 والتهذيب 3/ 454.
(2) ينظر قرة العين بالمسرة بوفاء الدين للعراقي/ ص 35 بتحقيق مسعد السعدني.
(3) التقريب (2211).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1976)
في الثقات، وعكرمة بن عمار، احتج به مسلم في صحيحه، ووثقه العجلى والدارقطني، وقال ابن عدى: مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة(1) ويُلاحظ أن مدار طرق الحديث التي معنا على عكرمة بن عمار، وقد ذكر العراقي توثيقه الفعلى باحتجاج مسلم به في صحيحه، وذكر توثيقه القولى عن جماعة، ولم يذكر فيه تجريحا، في حين نجد في مصادر ترجمته وصف غير واحد من النقاد له بضعف ضبطه لبعض مروياته(2).
فظهر أنه مختلفا في توثيقه المطلق الذى اقتصر العراقي عليه، فأفاد ترجيحه له، في حين جمع الذهبي وابن حجر بين الأقوال، فالذهبي مرة قال: ثقة إلا في حديثه عن يحيى بن أبي كثير(3) ومرة أخرى قال: صدوق مشهور(4). أما الحافظ ابن حجر فقال في التقريب: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب(5) وهذا هو الأقرب لجمع الأقوال في حاله، ويلتقى مع الحكم بتحسين الحديث الذي معنا من طريقه، لأنه ليس من روايته عن يحيى بن أبي كثير، لكن كان مقتضى ترجيح العراقي لتوثيقه المطلق، أن يصحح الحديث، لكون مدار طرقه عليه، كما أسلفت.
أما عبد الله بن بكار فلم يذكر العراقي من حاله إلا ذكر ابن حبان له في الثقات، وبالمراجعة نجد أن ابن حبان قد ذكره في الثقات، وروى هذا--------------------------------------------
(1) الأربعين العشارية/ 224 - 225.
(2) ينظر الميزان 3/ ت (5713).
(3) الكاشف 2/ ترجمة (3866).
(4) ينظر المغنى في الضعفاء 2/ ت (4168).
(5) التقريب/ ت (4672).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1977)
الحديث من طريقه، ولم يتكلم عنه بشيء، ولم يذكر له راويا غير من روى عنه هذا الحديث، وهو أبو يعلى الموصلي، صاحب المسند(1).
ولم أجد من ترجم له غير ابن حبان في ثقاته، وأخرج له في صحيحه حديثا توبع عليه(2) فدل على عدم احتجاجه به بمفرده.
وصنيع العراقي هنا يفيد ذلك، حيث ذكر من تخريج الحديث ما دل على متابعة اثنين من الثقات له وهما: هشام بن عبد الملك الطيالسي، أبو الوليد(3) عند أبي داود، وأبو نوح عبد الرحمن بن غزوان(4) عند النسائي، فيكون تحسينه للحديث من طريق ابن بكار، تحسينا لغيره.
حيث لم يتوافر فيه بقية الشروط التي أشار إليها العراقي فيمن حسن حديثه لذاته، ممن ذكره ابن حبان في الثقات، كما تقدم في الحديثين السابقين، إلا أنه توبع من ثقتين كما تقدم.
وقد حكم الحافظ ابن حجر على طريق أحدهما، وهو هشام بن عبد الملك، عند أبي داود، بأنه إسناد صحيح(5).
فكان مقتضى ما تقدم عن العراقى أن يحكم هنا بالصحة لغيره، لا بالحسن؛ لأنه تقدم ذكره متابعة (عثمان بن سعد) وبيان ضعفها الخفيف، وتقرير الحكم بصحة الحديث باعتبار صحة طريق من تابعه (عثمان) من رواة الحديث الثقات(6).--------------------------------------------
(1) ينظر الثقات 7/ 62.
(2) ينظر الإحسان 11/ حديث (4744، 4747، 4748).
(3) ينظر التقريب (7301).
(4) التقريب (3977).
(5) تنظر الإصابة 4/ ترجمة (8946).
(6) ينظر الأربعين العشارية/ 163 - 165.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1978)
أما الحافظ الذهبي فقد أورد حديثنا هذا من طريق أبي يعلى الموصلي عن عبد الله بن بكار، به، وذلك في موضعين من كتابه (سير أعلام النبلاء) وفي أحدهما قال: هذا حديث حسن(1) وفي الموضع الآخر قال: هذا حديث قوى الإسناد(2).
وما قدمته من حال «عبد الله بن بكار» يقتضى أن الحديث من طريقه ضعيف لذاته، وبمراعاة المتابعة الصحيحة يكون صحيحا لغيره، تبعا للقواعد. إلا أن الذي لاحظته بالنسبة إلى العراقى وغير واحد من الحفاظ المعتبرين، أن بعض القواعد التي يقررونها، لا يطرد تطبيقهم لها في كل المواضع المشابهة. وهذا في تقديرى لا يقدح في سلامة القاعدة نفسها، وإنما يقدح في الموضع الذي لا يُراعى فيه تطبيقها فقط، لسهو عارض، أو لغيره، مما لا يقدح أيضا في مكانة هؤلاء الحفاظ العلمية، وسبحان من له الكمال وحده.
وقد روى العراقى الحديث (13) بسنده من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأحرمنا بالحج (الحديث) وقال العراقي: هذا حديث حسن، وأتبع ذلك بأمرين: -
أولهما: بيان حال أبي بكر بن عياش، لكون مدار طرق الحديث عليه، وقد ذكر قول بعض من وثقه مطلقا، ومن قال فيه: ثقة ربما غلط، ومن أثنى على عدالته في الدين، كما ذكر من تعديله الفعلى أن البخارى احتج به في صحيحه، وأن الترمذى صحح من طريقه، وأن ابن حبان ذكره في الثقات،--------------------------------------------
(1) السير 14/ 181.
(2) 7/ 138.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 1979)