* أحدهما: مَثَل الكفر والجهل المركَّب الذي يحسَبه صاحبُه موجودًا، ويكون خيالًا معدومًا كالسَّراب، والقلبُ(1) عطشانٌ إلى الحقِّ كعَطَشِ الجسد إلى الماء، فإذا طلبَ ما ظنَّه ماءً وجدَه سرابًا، ووجدَ الله عنده فوفَّاه حسابه، والله سريعُ الحساب. وهكذا(2) تجدُ عامَّة هؤلاء الخارجين عن السُّنة والجماعة.
* والمَثَل الثاني: مَثَل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبيَّن فيه حقٌّ ولا يُرى فيه هدًى.
والكفرُ المركَّبُ مستلزمٌ للبسيط، وكلُّ كفرٍ فلا بدَّ فيه من جهلٍ مركَّب.
فضربَ سبحانه المَثَلين بذلك ليبيِّن حالَ الاعتقاد الفاسد، ويبيِّن حالَ عدم معرفة الحق(3)، وهو يُشْبِهُ حالَ المغضوب عليهم والضالِّين، حالَ المصمِّم على الباطل حتى يحلَّ به العذابُ وحالَ الضالِّ الذي لا يرى طريق الهدى.
فنسأل الله العظيمَ أن يثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا الاعتصامَ بالكتاب والسُّنة.
ومن أمثلة [ذلك](4) ما ينسبُه كثيرٌ من أتباع المشايخ والصوفية إلى--------------------------------------------
(1) الأصل: «وان الحق». والصواب المثبت.
(2) الأصل: «ولهذا». وهو خطأ، وأصلح في (ط).
(3) الأصل: «حال عدم معرفة حال الحق». من سهو الناسخ.
(4) زيادة ضرورية لاستقامة السياق. وسيأتي نظيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
المشايخ الصَّادقين من الكذب والمُحال، أو يكونُ من كلامهم المتشابه الذي تأوَّلوه على غير تأويله، أو يكونُ من غَلَطات بعض الشُّيوخ وزلَّاتهم، أو من ذنوب بعضهم وخطئهم، مثل كثيرٍ من البدع والفجور الذي يفعلُه بعضهم بتأويلٍ سائغ أو بوجهٍ غير سائغ، فيعفى عنه، أو يتوب، أو يكون منه ومن غيره حسناتٌ يُغْفَر له بها، أو مصائبُ يكفَّر عنه بها، أو يكون من كلام المتشبِّهين بأولياء الله من ذوي الزَّهادات والعبادات والمقالات(1)، وليس هو من أولياء الله المتقين، بل من الجاهلين الظالمين المعتدين أو المنافقين أو الكافرين.
وهذا كثيرٌ مِلْءُ العالَم(2)، تجدُ كلَّ قومٍ يدَّعون من الاختصاص بالأسرار والحقائق ما لا يدَّعي المرسَلون، وأن ذلك عند خواصِّهم، وأن ذلك لا يقابلُ إلا بالتسليم، ويحتجُّون لذلك بأحاديثَ موضوعةٍ وتفسيراتٍ باطلة، مثل قولهم عن عمر: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدَّث هو وأبو بكر بحديثٍ وكنتُ كالزِّنجيِّ بينهما»(3) ، فيجعلون عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم وصِدِّيقه كالزِّنجيِّ ، وهو حاضرٌ يسمعُ الكلام، ثم يدَّعي أحدُهم أنه عَلِمَ ذلك بما قُذِفَ في قلبه! ويدَّعي كلٌّ منهم أن ذلك هو ما يقولُه من الزُّور والباطل(4).--------------------------------------------
(1) غُيِّرت في (ط) إلى «المقامات». وكلاهما يحتمله الصواب.
(2) وقع هذا التعبير في «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 419) ، وما يأتي (ص: 338).
(3) خبرٌ مكذوبٌ لا أصل له باتفاق أهل المعرفة. انظر: «بغية المرتاد» (322) ، و «منهاج السنة» (8/ 42) ، و «أحاديث القصَّاص» (61) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 216، 5/ 170، 6/ 579، 11/ 54، 13/ 253، 18/ 339، 377).
(4) يشير بهذا إلى ما يحيل عليه الغزالي في كتبه من الكشف والنور الإلهي الذي يقذف في القلب، وسبقت الإشارة إليه (ص: 91).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
ولو ذكرتُ ما في هذا الباب من الأصناف(1) لطال.
فمنهم من يجعلُ للشيخ قصائدَ يسمِّيها «جَنِيب القرآن»(2)
، ويكونُ وَجْدُه بها وفرحُه بمضمونها أعظمَ من القرآن، ويكونُ فيها من الكذب والضلال أمور.
ومنهم من يجعلُ له قصائدَ في الاتحاد، وأنه هو خالقُ جميع الخلق، وأنه خَلَق السموات والأرض، وأنه يُسْجَد له ويُعْبَد(3).
ومنهم من يصفُ الربَّ في قصائده بما نُقِل في الموضوعات من أصناف التمثيل والتكييف والتجسيم التي هي كذبٌ مفترًى وكفرٌ صريح، مثلُ مُواكَلته ومُشَاربته ومُمَاشاته ومُعَانقته ونزوله إلى الأرض وقُعوده في بعض رياض الأرض ونحو ذلك(4).--------------------------------------------
(1) أي أصناف المدَّعين للاختصاص بالأسرار والحقائق. وفي (ط): «أصناف الدعاوى الباطلة». والمصنف يستعمل لفظ «الأصناف» دون إضافة أحيانًا في نحو هذا. انظر: «جامع الرسائل» (2/ 232) ، وما تقدم (ص: 22)، وما سيأتي (ص: 322).
(2) الجَنِيبة هي الدابة تُجْنَب فتُقاد ولا تُركَب وتسير إلى جنبك، حتى إذا تعبت الدابة المركوبة تحوَّل الراكبُ إليها. فذاك شأن تلك القصائد مع القرآن في زعمهم، تسيرُ معه، وربما انتقلوا إليها واستغنوا بها عنه.
ويطلقون «الجنيب» أيضًا على العبد ما دام سالكًا إلى الحق عز وجل حاملًا لزاده. انظر: «لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام» للقاشاني (1/ 326).
(3) كابن الفارض في «نظم السلوك». انظر: «الجواب الصحيح» (4/ 499) ، و «مجموع الفتاوى» (7/ 596، 11/ 248).
(4) كالحلاج. انظر: ديوانه (130) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 288، 311).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
ويجعلُ كلٌّ منهم ذلك من الأسرار المخزونة والعلوم المَصُونة التي تكونُ لخواصِّ أولياء الله المتقين.
ومن أمثلة ذلك: أنك تجد عند الرافضة والمتشيِّعة ومن أخَذ عنهم من دعوى علوم الأسرار والحقائق التي يدَّعون أخذَها عن أهل البيت ــ إما مِن العلوم الدينية وإما مِن علم الحوادث الكائنة ــ ما هو عندهم من أجلِّ الأمور التي يجبُ التواصي بكِتْمانها والإيمانُ بما لا يُعْلَمُ حقيقتُه من ذلك.
وجميعها كذبٌ مختَلقٌ وإفكٌ مفترى، فإن هذه الطائفة من أكثر الطوائف كذبًا(1) وادعاءً للعلم المكتوم(2) ، ولهذا انتسبت إليهم الباطنيةُ والقرامطة.
وهؤلاء خرجَ أوَّلهم في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاروا يدَّعون أنه خُصَّ بأسرارٍ من العلوم والوصيَّة، حتى كان يسأله عن ذلك خواصُّ أصحابه فيخبرُهم بانتفاء ذلك، ولما بلغه أن ذلك قد قيل كان يخطُب الناسَ وينفي ذلك.
وقد خرَّج أصحابُ الصَّحيح كلامَ عليٍّ هذا من غير وجهٍ، مثل ما في «الصَّحيح»(3) عن أبي جحيفة قال: «سألتُ عليًّا: هل عندكم شيءٌ ليس في--------------------------------------------
(1) انظر: «منهاج السنة» (1/ 57، 59، 66، 2/ 87، 301، 467، 3/ 373، 4/ 121، 5/ 160، 6/ 427، 7/ 193، 8/ 304) ، و «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/ 281) ، و «درء التعارض» (7/ 91) ، و «مجموع الفتاوى» (4/ 471، 517، 13/ 263، 27/ 175، 35/ 184).
(2) انظر: «منهاج السنة» (4/ 126).
(3) صحيح البخاري (111، 6903، 6915).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
القرآن؟ فقال: لا، والذي فلقَ الحَبَّةَ وبَرأ النَّسَمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهمًا يعطيه اللهُ الرجلَ في كتابه وما في هذه الصَّحيفة. قلت: وما في الصَّحيفة؟ قال: العَقْل، وفَكاكُ الأسير(1) ، وأن لا يُقْتَل مسلمٌ بكافر».
ولفظ البخاري(2): «هل عندكم شيءٌ من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلقَ الحَبَّةَ وبَرأ النَّسَمة، ما أعلمُه إلا فهمًا يعطيه اللهُ رجلًا في القرآن».
وفي «الصحيحين»(3) عن إبراهيم التَّيميِّ عن أبيه [عن عليٍّ]ــ وهذا من أصحِّ إسنادٍ على وجه الأرض(4) ــ قال: «ما عندنا شيءٌ إلا كتابَ الله وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: المدينةُ حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثور».
وفي روايةٍ لمسلم: «خَطَبنا عليُّ بن أبي طالبٍ فقال: من زعمَ أن عندنا كتابًا نقرؤه إلا كتابَ الله وما في هذه الصحيفة ــ قال: وصحيفتُه معلقةٌ في قِرَاب سَيفِه ــ فقد كَذَب، فيها أسنانُ الإبل وأشياءُ من الجِرَاحات(5)، وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: المدينةُ حَرَمٌ … » الحديث.
وأما الكذبُ والأسرارُ التي يدَّعونها عن جعفر الصادق فمن أكثر(6)--------------------------------------------
(1) العقل: ما تتحمله العاقلة من دية القتيل خطأً. وفكاك الأسير: حكم تخليصه من يد العدو والترغيب في ذلك.
(2) (3047).
(3) صحيح البخاري (3172، 3179، 6755، 7300) ، ومسلم (1370).
(4) لم أر من ذكره في أصح الأسانيد، وهو من موارد الاجتهاد.
(5) أسنان الإبل: أي ما يؤخذ منها في الديات، والجراحات: أي ما يجب فيها.
(6) الأصل: «أكبر». والمثبت أليق بالسياق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
الأشياء، حتى يقال: ما كُذِبَ على أحدٍ ما كُذِبَ على جعفر رضي الله عنه(1).
ومن هذه الأمور المضافة:
* كتاب «الجَفْر» الذي يدَّعون أنه كَتبَ فيه الحوادث، والجَفْر: ولد الماعز، يزعمون أنه كَتبَ ذلك في جِلْدِه(2).
* وكذلك كتاب «البطاقة»(3) الذي يدَّعيه ابنُ أحلى(4) ونحوه من--------------------------------------------
(1) انظر: «منهاج السنة» (2/ 464، 4/ 54، 7/ 534) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 217، 35/ 183) ، و «تاريخ الإسلام» (3/ 838).
وفي «رجال الكشي» (216) ، و «بحار الأنوار» (2/ 246) قال جعفر رضي الله عنه: «إن الناس أولعوا بالكذب علينا»! والآثار عنه في هذا المعنى كثيرة.
(2) انظر: «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (123) ، و «مقدمة ابن خلدون» (5/ 50) ، و «بدائع السلك» لابن الأزرق (149) ، و «أبجد العلوم» (2/ 214) ، و «تاريخ آداب العرب» للرافعي (2/ 120) ، و «دائرة المعارف الإسلامية» (7/ 46).
(3) وهو من كتب الإخبار بالمستقبلات، وينسبونه إلى جعفر الصادق، وبعضهم إلى علي رضي الله عنهما. انظر: «بغية المرتاد» (321، 328) ، و «درء التعارض» (5/ 26) ، و «منهاج السنة» (8/ 136، 2/ 464، 4/ 54، 7/ 534، 8/ 10، 28) ، و «مجموع الفتاوى» (11/ 55).
(4) (ط): «الحلي» ، وفي «الصفدية» (1/ 238) و «الرد على الشاذلي» (184): «أجلى». وكلاهما تحريف. وهو محمد بن علي بن أحلى الأنصاري أبو عبد الله، من أمراء الأندلس، فيلسوفٌ متصوف من أهل الاتحاد، أخذ عن ابن المرأة أبي إسحاق بن دهاق طريقة الشوذي وخبيث مذهبه، وكان داعية إليه، وصنف في الكلام والتفسير على طريقته، وله أتباعٌ وأصحابٌ ورياسة، توفي سنة 645. جوَّد ترجمته ابن الزبير الغرناطي في «صلة الصلة» (4/ 391 - 395) وهو خبيرٌ بأحواله ومعرفة أتباعه وله في الردِّ عليه كتابٌ ورجزٌ طويل، وحذَّر منه أبو حيان في «البحر المحيط» (4/ 210) وزرُّوق في كتابيه «قواعد التصوف» (273) و «عدة المريد الصادق» (246). وانظر: «المغرب في حلي المغرب» (2/ 276) ، و «الذيل والتكملة لكتاب الصلة» (السفر السادس/436 - 439) ، و «الحلة السيراء» (2/ 314) ، و «العقد الثمين» (5/ 330) ، و «الأعلام» (6/ 282) ، و «ابن سبعين وفلسفته الصوفية» لأبي الوفا التفتازاني (72 - 74، 455).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
المغاربة.
* ومثل كتاب «الجَدْول» في الهلال(1)، و «الهَفْت»(2) عن جعفر، وكثير من تفسير القرآن(3) ، وغيره.--------------------------------------------
(1) جدول يعتمد على العدد دون الرؤية في الهلال، وإليه يذهب بعض الإسماعيلية والشيعة، يزعمون أن جعفر الصادق دفعه إليهم، قال المصنف: «ولم يأت به إلا عبد الله بن معاوية، ولا يختلف أهل المعرفة من الشيعة وغيرهم أن هذا كذبٌ مختلقٌ على جعفر». «مجموع الفتاوى» (25/ 133، 179، 183). وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب جوادٌ شاعرٌ طالبٌ للخلافة، لكنه لم يكن بمحمود المذهب في دينه، قال ابن حزم: كان رديء الدين معطلًا يصحب الدهرية. انظر: «لسان الميزان» (5/ 18) ومصادر ترجمته. وممن ردَّه من الشيعة وطعن في عبد الله بن معاوية: ابن زهرة الحلبي (ت: 585) في «غنية النزوع» (132).
(2) وهو من كتب الإسماعيلية، من رواية المفضل بن عمر الجعفي عن جعفر، والرافضة الاثنا عشرية تبرأ منه. نشره عارف تامر سنة 1960، ثم مصطفى غالب سنة 1964، وهما حاملا لواء نشر التراث الإسماعيلي.
(3) ككثير من الأقوال والإشارات التي يذكرها عنه أبو عبد الرحمن السلمي في «حقائق التفسير». انظر: «الاستقامة» (1/ 191) ، و «بغية المرتاد» (328) ، و «منهاج السنة» (4/ 54، 8/ 11، 43) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 217).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
* ومثل كتاب «رسائل إخوان الصفا» الذي صنَّفه جماعةٌ في دولة بني بُوَيْه ببغداد وكانوا من الصابئة المتفلسفة المتحنِّفة، جمعوا بزعمهم بين دين الصابئة المبدِّلين وبين الحَنِيفيَّة، وأتوا بكلام المتفلسفة وبأشياء من الشريعة، وفيه من الكفر والجهل شيءٌ كثير(1)، ومع هذا فطائفةٌ من الناس من بعض أكابر قضاة النواحي يزعمُ أنه من كلام جعفر الصادق! وهذا قولُ زنديقٍ وتشنيعُ جاهل(2).
* ومثل ما يذكرُه بعض العامَّة من ملاحِم ابن عَقِب(3)، ويزعمون أنه--------------------------------------------
(1) حرر المصنف القول في أصل هذه الرسائل ونهجها ومشرب أصحابها في مواضع كثيرة من كتبه. انظر: «الصفدية» (1/ 2، 237، 255) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 474، 5/ 268، 280) ، و «النبوات» (1/ 403) ، و «منهاج السنة» (2/ 466، 4/ 55) ، و «بغية المرتاد» (180، 199) ، و «شرح الأصبهانية» (462، 647، 723) ، و «درء التعارض» (5/ 10، 6/ 242) ، و «الجواب الصحيح» (5/ 37) ، و «الرد على المنطقيين» (444، 487، 509) ، و «الرد على الشاذلي» (39، 145، 184) ، و «جامع الرسائل» (1/ 168) ، و «مجموع الفتاوى» (4/ 259، 314، 346، 6/ 181، 547، 9/ 36، 11/ 571، 12/ 23، 13/ 249، 17/ 333، 18/ 336، 27/ 175، 32/ 233، 35/ 134، 153).
والكلام فيها كثير، ومن أهم ذلك: «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان (2/ 4) ، و «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» للقفطي (108) ، و «دائرة المعارف الإسلامية» (1/ 527) ، و «إخوان الصفا» لعمر الدسوقي، ولجبور عبد النور.
(2) فإنها وضعت بعد موته بأكثر من مئتي سنة. انظر: «منهاج السنة» (2/ 465، 4/ 54) ، و «مجموع الفتاوى» (11/ 581، 35/ 183) ، و «درء التعارض» (5/ 26) ، و «بغية المرتاد» (329).
(3) تحرف في الأصل إلى: «غنضب». وهو عبدالله بن يسار (كذا وقع اسم أبيه في «أنساب الأشراف» 11/ 105، وفي بعض المصادر: بشار، والأول أشبه بأسماء تلك الطبقة، فـ «بشار نادرٌ في التابعين، معدومٌ في الصحابة» كما يقول الذهبي في «المشتبه» 78) بن أبي عقب الليثي. واشتهر عند المتأخرين بيحيى بن عقب، كما وقع في «كشف الظنون» (2/ 1818) وبعض الأصول الخطية لملحمته، وجعلت له العامة بمصر ضريحًا باسمه هذا، كما في خطط المقريزي (3/ 86) وغيره. وسماه ابن خلكان في «وفيات الأعيان» (1/ 245): يحيى بن عبد الله بن أبي العقب.
وذهب بعضهم إلى أنه شيءٌ لا وجود له وشبَّهه بمجنون ليلى، انظر: «الأغاني» (2/ 9) ، والأشبه أنه شاعرٌ متقدمٌ معروفٌ بأشعار الملاحم، لكن الناس لم يزالوا يزيدون فيها ويُنقِصون ويبدِّلون على مرِّ السنين حتى صارت ملحمةً كبيرةً على الصفة التي كانت في عهد المصنف. انظر: «البيان والتبين» (2/ 228) ، و «أسماء المغتالين» لابن حبيب (2/ 173، 269 - نوادر المخطوطات) ، وغيرهما من المصادر المتقدمة التي ذكرت بعض أخباره. وللحسين بن محمد بن علي الأزدي (من القرن الرابع): «أخبار ابن أبي عقب وشعره». انظر: «الرجال» لابن الغضائري (47) ، و «رجال النجاشي» (154) ، و «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» (1/ 326).
ولأخي البحاثة الأستاذ أبي الفضل القونوي: «ملاحم ابن أبي عقب من الكتب التي حذر منها شيخ الإسلام ابن تيمية» طبع دار أضواء السلف سنة 1426.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
كان معلِّمًا للحسن والحسين. وهذا شيءٌ لم يكن في الوجود باتفاق أهل العلم، وملاحمُه إنما صنَّفها بعض الجهال في دولة نور الدين ونحوها(1)، وهو شعرٌ فاسدٌ نظَمَه جاهل(2).
وكذلك عامةُ هذه الملاحم المرويَّة بالنَّظم ونحوه عامَّتُها من الأكاذيب، وقد أُحدِثَ في زماننا من القضاة والمشايخ غيرُ واحدةٍ منها، وقرَّرتُ بعض--------------------------------------------
(1) انظر: «منهاج السنة» (7/ 182 - 183) ، و «مجموع الفتاوى» (11/ 55).
(2) الأصل: «نظم جاهل». وفي (ط): «يدل على أن نظمه جاهل».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
هؤلاء(1) على ذلك بعد أن ادَّعى قِدَمها، وقلت: بل أنتَ صنَّفتَها، فأقرَّ أنه صنَّفها ولبَّسَها على بعض ملوك المسلمين لمَّا كان المسلمون محاصِري عكَّا، وكذلك غيرُه من القضاة وغيرهم لبَّسوا على غير هذا المَلِك.
وبابُ الكذب في الحوادث الكونيَّة أكثرُ منه في الأمور الدينية؛ لأن تشوُّفَ الذين يُغَلِّبون الدنيا على الدين إلى ذلك أكثر، وإن كان لأهل الدين إلى ذلك تشوُّفٌ لكن تشوُّفَهم إلى الدين أقوى، وأولئك ليس لهم من الفُرقان بين الحقِّ والباطل ومن النور(2) ما لأهل الدين، فلهذا كَثُر الكذَّابون في ذلك ونَفَقَ منه شيءٌ كثير، وأُكِلَت به أموالٌ عظيمةٌ بالباطل، وقُتِلَت به نفوسٌ كثيرةٌ من المتشوِّفة إلى المُلْك ونحوها.
ولهذا ينوِّعُون طرقَ الكذب في ذلك، ويَعْتَمِدون الكذبَ فيه تارةً بالإحالة على الحركات والأشكال الجِسْمانية الإلهيَّة(3) من حركات الأفلاك والكواكب والشُّهُب والرُّعود والبُروق والرياح وغير ذلك(4).
وتارةً بما يُحْدِثُونه(5) هم من الحركات والأشكال، كالرَّمل(6) والحصى--------------------------------------------
(1) لعله القاضي ابن السرَّاج. انظر: «ملاحم ابن أبي عقب» للقونوي (37 - 45).
(2) الأصل: «من النور». والمثبت أشبه بالصواب.
(3) التي لا دخل للإنس والجن في تحريكها وإحداثها. (ط)
(4) كاختلاج الأعضاء. انظر: «بغية المرتاد» (328) ، و «منهاج السنة» (2/ 464، 4/ 54، 7/ 534) ، و «مجموع الفتاوى» (11/ 582، 35/ 183).
(5) الأصل: «يجدونه» ، وسيأتي بعد قليل: «فكل ما يحدثه الإنسان … ».
(6) (ط): «كالضرب بالرمل».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
والشَّعير والقُرعة بأبجَد(1) ونحو ذلك مما هو من جنس الاستقسام بالأزلام، فإنهم يطلبون علمَ الحوادث بما يفعلونه من الاستقسام بها، سواء كانت قِداحًا أو حصًى أو غير ذلك مما ذكره أهلُ العلم بالتفسير(2).
فكلُّ ما يُحْدِثُه الإنسانُ بحركةٍ من تغيير شيءٍ من الأجسام ليستَخرِجَ به علمَ ما يجهلُه(3) فهو من هذا الجنس، بخلاف الفَأل الشَّرعيِّ، وهو الذي كان يُعْجِبُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو أن يخرج متوكِّلًا على الله، فيسمع الكلمةَ الطيبةَ، «وكان يُعْجِبُه الفأل، ويكرهُ الطِّيَرة»(4)؛ لأن الفأل تقويةٌ لما فَعَله بإذن الله والتوكُّل عليه، والطِّيَرةُ معارضةٌ لذلك، فكُرِه للإنسان(5) أن يتطيَّر، وإنما تضرُّ الطيرةُ مَن تطيَّر لأنه ضرَّ نفسَه، فأما المتوكِّلُ على الله فلا.
وليس المقصودُ ذِكر هذه الأمور وسبب إصابتها تارةً وخطئها تارات، وإنما الغرض أنهم يتعمَّدون(6) فيها كذبًا كثيرًا من غير أن تكون دلَّت على--------------------------------------------
(1) الأصل: «باليد». وهو تحريف. قال المصنف: «وكما يستقسم ناسٌ بالقرعة المأمونية المكتوب عليها أب ج د» ، وهي القرعة الشركية لا الشرعية. انظر: «جامع المسائل» (2/ 170، 7/ 283) ، و «منهاج السنة» (8/ 11) ، و «مجموع الفتاوى» (23/ 67) ، و «مدارج السالكين» (2/ 462) ، و «زاد المعاد» (2/ 405، 5/ 697).
(2) انظر: تفسير القرطبي (7/ 287).
(3) الأصل: «يفعله». وأصلحت في (ط): «يستقبله». والمثبت أقرب.
(4) أخرجه أحمد (8393) ، وابن ماجه (3536) ، وصححه ابن حبان (6121).
(5) الأصل: «فيكره الإنسان». وفي (ط): «للإنسان» ، والمثبت أشبه.
(6) كذا في الأصل، ويصح أن تكون: «يعتمدون» ، وكذلك المواضع التالية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
ذلك(1)، كما يتعمدُ خلقٌ كثيرٌ الكذبَ في الرؤيا الصالحة وهي جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوَّة(2)، وكما كانت الجنُّ تخلطُ بالكلمة تَسْمَعُها من السماء مئة كذبة(3).
ولهذا ثبت في «صحيح مسلم»(4) عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: قلت: يا رسول الله، إني حديثُ عهدٍ بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منَّا رجالًا يأتون الكُهَّان؟ قال: «فلا تأتِهم». قال: قلت: ومنَّا رجالٌ يتطيَّرون؟ قال: «ذاك شيءٌ يجدونه في صدورهم فلا يصدَّنَّهم». قال: قلت: ومنَّا رجالٌ يَخُطُّون؟ قال: «كان نبيٌّ من الأنبياء يَخُطّ، فمن وافق خطَّه فذاك».
فإذا كان ما هو من أجزاء النبوَّة ومن أخبار الملائكة قد يُتعَمَّدُ فيه الكذبُ الكثير، فكيف بما هو في نفسه مضطربٌ لا يستقرُّ على أصل؟!
لهذا تجدُ عامَّة من في دينه فسادٌ يدخُل في الأكاذيب الكونية، مثل أهل الاتحاد، فإن ابن عربي في كتاب «عنقاء مُغْرِب»(5) وغيره أخبر بمستقبَلاتٍ كثيرةٍ عامَّتها كذب، وكذلك ابن سبعين.
وكذلك الذين استخرجوا مدَّة بقاء هذه الأمة من حساب الجُمَّل من حروف المعجم الذي وَرِثُوه من اليهود ومن حركات الكواكب الذي وَرِثُوه--------------------------------------------
(1) (ط): «دلت على ذلك دلالة».
(2) أخرجه البخاري (6989) ومسلم (2263).
(3) أخرجه البخاري (3210) ومسلم (2228).
(4) (537).
(5) طبع مفردًا وضمن رسائله (4/ 84 - 162).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
من الصابئة(1)، كما فعل أبو نصرٍ الكِنْدي(2) وغيره من الفلاسفة، وكما فعل بعض من تكلَّم في تفسير القرآن من أصحاب الرأي(3)، ومن تكلَّم في تأويل وقائع النساك(4)
من المائلين إلى التشيُّع.--------------------------------------------
(1) انظر: «مجموع الفتاوى» (13/ 276، 17/ 398 - 399، 35/ 189) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (8/ 276 - 277).
(2) كذا وقعت كنيته في الأصل، وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الملقب بفيلسوف الإسلام (ت: نحو 260). انظر: «الرد على المنطقيين» (199) ، و «مجموع الفتاوى» (29/ 373، 35/ 189). ترجمته في «السير» (12/ 337) ، و «اللسان» (8/ 527) ، و «الأعلام» (8/ 195) ، ومصادرها هناك.
(3) الأصل: «الرازي» ، والمثبت هو الصواب إن شاء الله. ومن هؤلاء: ابن برَّجان (ت: 536) في تفسيره «تنبيه الأفهام» (4/ 325) ، وانظر: «وفيات الأعيان» (4/ 230) ، و «البحر المحيط» (1/ 59، 8/ 374) ، و «لسان الميزان» (5/ 174). ومنهم: أبو الحسن الحَرَالِّي (ت: 637) ، كما في «ميزان الاعتدال» (3/ 114). وانظر: تفسير ابن كثير (1/ 257) ، و «الإتقان في علوم القرآن» (1381 - 1385).
(4) كذا بالأصل، ورسمها قريب من «الناس» ، ولعلها محرفة عن «البابا» ، قال المصنف في «الرد على المنطقيين» (480): «والصابئة الحرانيون لهم نبيٌّ على أصلهم يقال له: البابا، وله مصحفٌ يذكر فيه كثيرًا من الأخبار المستقبلة». وهو «بابا الرومي» المذكور في «شرح الأصبهانية» (331) ، و «الجواب الصحيح» (2/ 343، 3/ 500، 6/ 423) ، و «النبوات» (168، 233، 497) ، و «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (114) ، قتل سنة 638 كما في «تاريخ الإسلام» (14/ 29) ، وأخباره في «تاريخ مختصر الدول» (251). وذكر شيخ الإسلام أن من الصابئة من انتسب إلى الشيعة وتظاهر بذلك، وهم الإسماعيلية، وأنهم دخلوا إلى الزندقة من هذا الباب، فلعلهم المراد هنا .. انظر: «مجموع الفتاوى» (12/ 353، 22/ 367، 25/ 179) ، و «منهاج السنة» (3/ 453، 8/ 258).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
وقد رأيتُ من أتباع هؤلاء طوائفَ يدَّعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المَصُونة، وخاطبتُ في ذلك طوائفَ منهم، وكنتُ أحلفُ لهم أن هذا كذبٌ مفترًى وأنه لا يجري من هذه الأمور شيء، وطلبتُ مباهلةَ بعضهم لأن ذلك كان متعلقًا بأصول الدين، وكانوا من الاتحادية الذين يطولُ وصف دعاويهم(1).
فإن شيخَهم الذي هو عارفُ وقته وزاهدُه عندهم(2)، كانوا يزعمون أنه هو المسيحُ الذي يَنْزِل، وأن معنى ذلك نزولُ روحانيَّة عيسى عليه السلام عليه، وأن أمَّه اسمُها مريم، وأنه يقوم بجمع المِلَل الثلاث، وأنه يظهر مظهرًا أكمل من مظهر محمدٍ وغيره من المرسلين. ولهم مقالاتٌ من أعظم المنكرات يطولُ ذِكرُها ووصفُها.
ثم إن من عجيب الأمر أن هؤلاء المتكلِّمين المدَّعين لحقائق الأمور العلميَّة والدينيَّة المخالفين للسُّنة والجماعة يحتجُّ كلٌّ منهم بما يقعُ له من حديثٍ موضوعٍ أو مجملٍ لا يفهمُ معناه، وكلما وجد أثرًا فيه إجمالٌ نزَّله--------------------------------------------
(1) انظر: «بغية المرتاد» (520 - 522).
(2) ابن هود، كما في المصدر السابق، وقال عنه: «كان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الاتحادية زهدًا ومعرفةً ورياضة». وهو الحسن بن علي بن يوسف المرسي، صوفي من أصحاب وحدة الوجود (ت: 699). ترجمته في «تاريخ الإسلام» (15/ 904) ، و «العبر» (5/ 397) ، و «أعيان العصر» (2/ 200) ، و «الوافي» (12/ 156) وغيرها. قال المقريزي في «المقفى» (3/ 428): «كان شيخ الإسلام أحمد بن تيمية كثير الوقيعة فيه والتنقص له ينفِّر الناسَ عنه التنفير الكثير ويحذِّر منه التحذير الوافر».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
على رأيه، فيحتجُّ بعضهم بالمكذوب، مثل قول عمر: «كنتُ كالزِّنجي»(1) ، ومثل ما يروونه من سرِّ المِعْراج وما يروونه من أن أهل الصُّفَّة سَمِعُوا المناجاةَ من حيث لا يَشْعُر الرسول، فلما نزل الرسولُ أخبروه، فقال: من أين سمعتم؟ فقالوا: كنَّا نسمعُ الخِطاب(2).
حتى إني لما بيَّنتُ لطائفةٍ تَمشْيَخُوا وصاروا قدوةً للناس أن هذا كذبٌ ما خلقه الله قطُّ، قلتُ: ويبيِّنُ لك ذلك أن المعراجَ كان بمكة بنصِّ القرآن وبإجماع المسلمين، والصُّفَّة إنما كانت بالمدينة، فمن أين كان بمكة أهلُ صُفَّة؟ !
وكذلك احتجاجُهم بأن أهل الصُّفَّة قاتلوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع المشركين لما انتصروا(3) ، وزعموا أنهم مع الله؛ ليحتجُّوا بذلك على متابعة الواقع(4) سواءً كان طاعةً لله أو معصية، وليجعلوا حُكْمَ دينه هو ما كان، كما قال الذين أشركوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148].
وأمثالُ هذه الموضوعات كثيرة.--------------------------------------------
(1) تقدم الكلام عليه (ص: 111).
(2) انظر: «درء التعارض» (5/ 27) ، و «مجموع الفتاوى» (11/ 54، 81، 165، 564، 24/ 339) ، و «جامع المسائل» (7/ 461).
(3) أي المشركون يوم أحد أو يوم حنين. انظر: «منهاج السنة» (7/ 432، 438) ، و «الرد على الشاذلي» (72) ، و «درء التعارض» (5/ 27) ، و «مجموع الفتاوى» (8/ 349، 10/ 384، 11/ 47، 48، 53 - 54، 79، 564، 598، 19/ 276، 24/ 339) ، و «جامع المسائل» (2/ 96، 7/ 461).
(4) أي موافقةُ القدرِ الواقع ولو خالفَ الشرع. (ط)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
وأما المُجْمَلات، فمثل احتجاجهم بنهي بعض الصحابة عن ذِكْر بعض خفيِّ العلم، كقول عليٍّ عليه السلام: «حدِّثوا الناسَ بما يَعْرِفُون، ودَعُوا ما يُنكِرون، أتحبُّون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟»(1).
وقولِ عبد الله بن مسعود: «ما مِن رجلٍ يحدِّثُ قومًا بحديثٍ لا تبلُغه عقولُهم إلا كان فتنةً لبعضهم»(2).
وقولِ عبد الله بن عباس في تفسير بعض الآيات: «ما يُؤْمِنُك أني لو أخبرتُك بتفسيرها كَفَرْتَ، وكُفْرُك بها تكذيبُك بها»(3).
وهذه الآثار حقٌّ، لكن يُنَزِّلُ كلٌّ منهم ذاك الذي لم يُحَدَّث به على ما يدَّعيه هو من الأسرار والحقائق التي إذا كُشِفَت وُجِدَت من الباطل أو الكفر والنفاق(4).
حتى إن أبا حامدٍ في «منهاج القاصدين»(5)
وغيره هو وأمثالُه تمثَّل بما--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (127) دون قوله: «ودعوا ما ينكرون» فعند البيهقي في «المدخل إلى السنن» (610) وغيره.
(2) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 11) بمعناه.
(3) أخرجه ابن جرير (23/ 78) ، وأبو الشيخ في «العظمة» (256).
(4) انظر: «مناهج الأدلة» (133) ، و «فصل المقال» (35) لابن رشد، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 115 - 119) ، و «مجموع الفتاوى» (13/ 260).
(5) كذا في الأصل، وهو سهوٌ أو تحريف من الناسخ، والصواب «منهاج العابدين» كما هو اسم كتاب أبي حامد المعروف المنسوب إليه، وفي نسبته نزاع، والبيتان فيه (50) مع آخرَين يشيران إلى أن المذكورَين هنا مضمَّنان من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ووقع اسم الكتاب على الصواب في «طبقات» السبكي (2/ 231).
أما «منهاج القاصدين» فلابن الجوزي اختصر به «الإحياء» ، وذكره المصنف في «التسعينية» (791) ، وهو مطبوع. وانظر: «مؤلفات الغزالي» (234، 355).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
يروى عن علي بن الحسين أنه قال(1):
يا رُبَّ جَوْهرِ عِلْمٍ لو أبوحُ به … لقيل لي: أنتَ ممَّن يعبد الوَثنا
ولاسْتَحَلَّ رجالٌ مسلمون دَمِي … يَرَوْنَ أقبحَ ما يأتُونَه حَسَنا
فإذا كانت هذه طرقَ هؤلاء الذين يدَّعون من التحقيق وعلوم الأسرار ما خَرَجوا به عن السُّنة والجماعة، وزعموا أن تلك العلوم الدينية أو الكونية مختصَّةٌ بهم فآمنوا بمجملها ومتشابهها، وأنهم مُنِحُوا من حقائق العبادات وخالص الدِّيانات ما لم يُمْنَح الصَّدرُ الأول حفَّاظُ الإسلام وبدورُ المِلَّة، ولم يتجرَّؤوا عليها(2) بردٍّ وتكذيب، مع ظهور الباطل فيها تارةً وخفائه أخرى= فمن المعلوم أن العقلَ والدينَ يقتضيان أن جانبَ النبوَّة والرسالة أحقُّ بكلِّ تحقيقٍ وعلمٍ ومعرفةٍ وإحاطةٍ بأسرار الأمور وبواطنها، هذا لا ينازعُ فيه مؤمنٌ، ونحن الآن في مخاطبة من فيه إيمان.
وإذا كان الأمرُ كذلك فأعلمُ الناس بذلك أخصُّهم بالرسول وأعلمُهم بأقواله وأفعاله، وحركاته وسَكَناته، ومَدْخَله ومَخْرَجه، وباطنه وظاهره، وأعلمُهم بأصحابه وسِيرته وأيامه، وأعظمُهم بحثًا عن ذلك وعن نَقَلَتِه،--------------------------------------------
(1) في ديوانه (19) ، و «إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي (9/ 303). ولبعض أهل البيت في «طبقات الشافعية» للسبكي (2/ 231) ، ولكلثوم بن عمرو العتابي في «تاريخ بغداد» (14/ 517) ، وللحلاج في «شرح نهج البلاغة» (11/ 222).
(2) أي الأحاديث المكذوبة التي سبق ذكرُ بعضها والأسرار التي يخفونها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وأعظمُهم تديُّنًا به واتباعًا له واقتفاءً به.
وهؤلاء هم أهلُ السُّنة والحديث، حِفظًا له، ومعرفةً بصحيحه وسقيمه، وفقهًا فيه، وفهمًا يؤتيه الله إياهم(1) في معانيه، وإيمانًا وتصديقًا، وطاعةً وانقيادًا، واقتداءً واتباعًا، مع ما يقترنُ بذلك من قوَّة عقلهم وقياسهم وتمييزهم، وعظيم مكاشَفاتهم ومخاطَباتهم، فإنهم أسَدُّ(2) الناس نظرًا وقياسًا ورأيًا، وأصدقُ الناس رؤيا وكشفًا.
أفلا يعلمُ من له أدنى عقلٍ ودينٍ أن هؤلاء أحقُّ بالصِّدق والعلم والإيمان والتحقيق ممَّن يخالفُهم، وأن عندهم من العلوم ما ينكرُها الجاهلُ والمبتدع، والذي عندهم هو الحقُّ المبين، وأن الجاهلَ بأمرهم والمخالفَ لهم هو الذي معه من الحَشْو ما معه من الضلال؟!
وهذا بابٌ يطولُ شرحُه؛ فإن النفوسَ لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصُره إلا ذو الجلال.
والأقوال: إخباراتٌ، وإنشاءاتٌ كالأمر والنهي.
فأحسنُ الحديث وأصدقُه كتابُ الله، خبرُه أصدقُ الخبر، وبيانُه أوضحُ البيان، وأمرُه أحكَمُ الأمر، {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 6].
وكلُّ من اتبع كلامًا أو حديثًا مما يقال: إنه يُلْهَمُه صاحبُه ويُوحَى إليه، أو أنه يُنْشِئه ويُحْدِثُه مما يعارض به القرآن= فهو من أعظم الظالمين ظلمًا.--------------------------------------------
(1) الأصل: «اياه» ، وهو خطأ.
(2) الأصل: «أشد» بالمعجمة، تحريف، وسبق نظيرها على الصواب (ص: 15).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
ولهذا لمَّا ذكر الله سبحانه قولَ الذين ما قَدَرُوا الله حقَّ قَدْرِه حيثُ أنكروا الإنزالَ على البَشَر(1) ، ذكَر المتشبِّهين به(2) المدَّعين لمماثلته من الأقسام الثلاثة، فإن المماثِل له إما أن يقول: إن الله أوحى إلي، أو يقول: أُوحِي إلي، وأُلقِي إلي، وقيل لي، ولا يسمي القائل، أو يضيف ذلك إلى نفسه ويذكر أنه هو المنشئ له(3).
ووجه الحصر: أنه إما أن يَحْذِفَ الفاعلَ أو يَذْكُرَه، وإذا ذَكَرَه فإما أن يجعلَه من قول الله أو من قول نفسه، فإنه إذا جَعَله من كلام الشياطين لم يُقْبَل منه، وما جَعَله من كلام الملائكة فهو داخلٌ فيما يُضِيفه إلى الله وفيما حُذِف فاعلُه، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 93].
وتدبَّر كيف جعَل الأوَّلَيْن في حيِّزٍ: الذي جَعَله وحيًا من الله، والذي لم(4) يُسَمِّ الموحِي، فإنهما من جنسٍ واحد في ادعاء جنس الإنباء، وجعَل الآخر في حيِّزٍ وهو الذي ادعى أن يأتي بمثله، ولهذا قال: {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ}، ثم قال: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، فالمفتري للكذب والقائل: «أوحِي إلي» ولم يوحَ إليه شيءٌ من جملة الاسم الأول، وقد قَرَن--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام: 91.
(2) المتنبئين المتشبهين بالنبي.
(3) انظر: «شرح الأصفهانية» (694) ، و «النبوات» (901) ، و «الفتاوى» (12/ 25، 15/ 156، 35/ 143).
(4) الأصل: «الذي جعله وحيا من الله ولم». وهو محيلٌ للمعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
به الاسمَ الآخر، فهؤلاء الثلاثة المدَّعون لشَبَه النبوَّة، وقد تقدَّم قبلهم المكذِّبُ للنبوة، فهذا يعمُّ جميعَ أصول الكفر التي هي تكذيبٌ للرُّسل أو مضاهاتهم، كمسيلمة الكذَّاب وأمثاله.
وهذه هي أصولُ البدع التي نردُّها نحن في هذا المقام؛ لأن المخالفَ للسُّنة يردُّ بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعارضُ قولَ الرسول بما يجعلُه نظيرًا له من رأيٍ أو كَشْفٍ أو نحو ذلك.
فقد تبيَّن أن الذي يسمِّي هؤلاء(1) وأئمتَهم: حَشْوِيَّةً هم أحقُّ بكلِّ وصفٍ مذمومٍ يذكرونه، وأئمةُ هؤلاء أحقُّ بكلِّ علمٍ نافعٍ وتحقيقٍ وكشفِ حقائقَ واختصاصٍ بعلومٍ لم يقف عليها هؤلاء الجهَّالُ المنكرون عليهم المكذِّبون لله ورسوله(2).
فإن «الحَشْوِيَّة»(3) إن كان لأنهم يَرْوُونَ الأحاديثَ بلا تمييز، فالمخالفون لهم أعظمُ الناس قولًا لحَشْو الآراء والكلام الذي لا تُعْرَفُ صحتُه، بل يُعْلَمُ بطلانُه.
وإن كان لأن فيهم عامَّةً لا يميِّزون، فما مِن فرقةٍ من تلك الفِرَق إلا وأتباعُها مِن أجهل الخلق وأكفرِهم، وعوامُّ هؤلاء عُمَّار المساجد--------------------------------------------
(1) يعني أهل الحديث. كما تقدم وكما سيأتي.
(2) انظر لتحرير القول في اسم «الحشوية» والمراد به: «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 421، 2/ 124 - 131) ، و «درء التعارض» (7/ 351) ، و «منهاج السنة» (2/ 520 - 521) ، و «مجموع الفتاوى» (3/ 185، 12/ 176).
(3) أي هذا الاسم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)