وسترُها عن أفهام المؤمنين وعلمائهم(1) ، حتى إن طائفةً ممن كانوا يعظِّمونه لمَّا رأوا ذلك تعجَّبوا منه غاية التعجُّب، وجعل بعض المتعصِّبين له يدفعُ ذلك حتى أرَوْه النسخة بخطِّ بعض المشايخ المعروفين الخبيرين بحاله، وقد كتبها في ضمن كتابه الذي سمَّاه «المطالب العالية»(2) وجمع فيه عامَّة آراء الفلاسفة والمتكلمين.
وتجدُ أبا حامدٍ الغزالي ــ مع أن له من العلم بالفقه والتصوُّف والكلام والأصول وغير ذلك، مع الزُّهد والعبادة وحُسْن القصد، وتبحُّره في العلوم الإسلامية أكثر من أولئك ــ يذكرُ في كتاب «الأربعين»(3) ونحوِه كتابَه «المضنونُ به على غير أهله» ، فإذا طلبتَ ذلك الكتاب واعتبرتَ(4) فيه أسرارَ الحقائق وغايةَ المطالب وجدتَه قولَ الصَّابئة المتفلسفة بعينِه قد غُيِّرَت عباراتُه وترتيبُه(5) ، ومن لم يَعْلَمْ حقائقَ مقالات العباد ومقالات أهل المِلَل يعتقدُ أن ذاك هو السِّرُّ الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر(6)، وأنه هو الذي--------------------------------------------
(1). انظر: «درء التعارض» (8/ 245).
(2). لم أجده في المطبوع منه، ولعله في بعض نسخه، وعزاه إليه كذلك في موضع آخر «مجموع الفتاوى» (6/ 6) ، وفي «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 337) ما يفيد أنه مؤلَّفٌ مستقل، ولم يذكره الزركان في كتابه.
(3). (ص: 39) قال: «وإن أردت صريح المعرفة بحقائق هذه العقيدة من غير مجمجة ولا مراقبة فلا تصادفه إلا في بعض كتبنا المضنون بها على غير أهلها».
(4). الأصل: «واعتقدت». والمثبت أشبه بالصواب.
(5). انظر: «الصفدية» (1/ 230، 265) ، و «شرح الأصبهانية» (579، 625، 652) ، و «الرد على المنطقيين» (195، 282) ، و «الرد على الشاذلي» (41، 59، 60، 108، 134) ، و «مجموع الفتاوى» (17/ 333).
(6). في الخبر المكذوب الذي سيأتي (ص: 111).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
يطَّلعُ عليه المكاشَفون الذين أدركوا الحقائق بنورٍ إلهيٍّ!
فإن أبا حامدٍ كثيرًا ما يحيلُ في كتبه على ذلك النور الإلهيِّ(1) ، وعلى ما يعتقدُ أنه يوجَدُ للصوفية والعُبَّاد برياضتهم وديانتهم من إدراك الحقائق وكَشْفِها لهم حتى يَزِنُوا بذلك ما ورد به الشرع.
وسببُ ذلك أنه كان قد عَلِمَ بذكائه وصِدْق طلبه ما في طريق المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب، وآتاه الله إيمانًا مجملًا كما أخبر به عن نفسه، وصار يتشوَّفُ إلى تفصيل الجملة، فيجدُ في كلام المشايخ والصُّوفية ما هو أقربُ إلى الحقِّ وأولى بالتحقيق من كلام الفلاسفة والمتكلمين، والأمرُ كما وَجَدَه، لكن لم يَبْلُغْه من الميراث(2) الذي عند خاصَّة الأمة من العلوم والأحوال ما وصل إليه السابقون الأولون من العلم والعبادة حتى نالوا من المكاشَفات العِلمية والمعاملات العِبَادية ما لم ينله أولئك، فصار يعتقدُ أن تفصيلَ تلك الجملة يحصُل بمجرَّد تلك الطريق، حيث لم يكن عنده طريقٌ غيرها؛ لانسداد الطريقة الخاصَّة السُّنية النبوية بما كان عنده من قلَّة العلم بها ومن الشبهات التي تَقَلَّدها عن المتفلسفة والمتكلمين حتى حالوا بها بينه وبين تلك الطريقة.
ولهذا كان كثيرَ الذمِّ لهذه الحوائل ولطريقة العلم، وإنما ذاك لعِلْمه الذي سَلَكه والذي حُجِبَ به عن حقيقة المتابعة للرسالة، وليس هو بعلمٍ،--------------------------------------------
(1). انظر: «الإحياء» (1/ 94، 104، 4/ 307، 426) ، و «المنقذ من الضلال» (115) ، و «مشكاة الأنوار» (39، 63، 93) ، و «ميزان العمل» (244).
(2). (ط): «الميراث النبوي».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
وإنما هو عقائدُ فلسفيةٌ وكلاميَّة، كما قال السَّلف: «العلمُ بالكلام هو الجهل»(1)، وكما قال أبو يوسف: «من طلب العلمَ بالكلام تزندق»(2).
ولهذا صار طائفةٌ ممن يرى فضيلته وديانته يَدْفَعُون وجودَ هذه الكتب عنه، حتى كان الفقيه أبو محمد بن عبد السلام(3) فيما عُلِّق عنه(4) يُنْكِرُ أن يكون «بداية الهداية» من تصنيفه، ويقول: إنما هو تقوُّلٌ عليه، مع أن هذه الكتب مقبولها أضعافُ مردودها، والمردودُ منها أمورٌ مجملة، وليس فيها عقائدُ ولا أصول الدين(5).--------------------------------------------
(1). أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (7/ 538، 16/ 372) ، وابن بطه في «الإبانة» (2/ 536) وغيرهما عن أبي يوسف. ويروى عن الشافعي، أخرجه أبو القاسم التيمي في «الحجة» (1/ 224).
(2). أخرجه وكيع في «أخبار القضاة» (3/ 258) ، وابن بطه في «الإبانة» (2/ 537) ، واللالكائي في «السنة» (305) وغيرهم بإسنادٍ صحيح. ورواه ابن نقطة في «التقييد» (1/ 461) عن أبي يوسف عن مجالد عن الشعبي، وهو منكر، ولم يكن الكلام قد عُرِفَ لذلك العهد، ولعله دخل في النسخة حديثٌ في حديث. وأخرج أبو إسماعيل الأنصاري في «ذم الكلام» (873) عن مالك: «من طلب الدين بالكلام تزندق».
(3) العز بن عبد السلام (ت: 660). وانظر ما تقدم (ص: 25).
(4) الأصل: «علقه عنه». ولا وجه له.
(5) كتاب «بداية الهداية» جعله الغزالي ثلاثة أقسام: ذكر الطاعات وآدابها، واجتناب المعاصي، وآداب الصحبة والمعاشرة. نسخه الخطية كثيرة جدًّا، وبعضها في زمن مؤلفه، ولم أقف على من شكَّك في ثبوته، وهو مشهورٌ عند الشافعية، وشرحه واختصره منهم غير واحد، ونسبه إليه ابن الصلاح في «طبقات الشافعية» (1/ 249) وغيره. وذكر السِّلَفي في «معجم السفر» (450) عن أبي الحسن علي بن سند بن عياش الغساني أنه لقي الغزالي بالحجاز وقرأ عليه من أول «بداية الهداية» وأجازه بباقيه. وسمعه من الغزالي كذلك موسى بن هارون التجيبي كما في «تكملة الصلة» (2/ 174). وانظر: «مشيخة القزويني» (524) ، و «تجريد أسانيد الكتب المشهورة» لابن حجر (402) ، و «صلة الخلف» (141) ، و «مؤلفات الغزالي» لعبد الرحمن بدوي (138) ، و «جامع الشروح والحواشي» (1/ 508).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وأما «المضنونُ به على غير أهله» فقد كان طائفةٌ أخرى من العلماء يكذِّبون به عنه(1)، وأما أهلُ الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كلَّه كلامُه؛ لعلمهم بموادِّ كلامه ومشابهة بعضه بعضًا(2).--------------------------------------------
(1) كابن الصلاح في «طبقات الشافعية» (1/ 263) ، والإسنوي (2/ 112) ، وتاج الدين السبكي (6/ 257) ، والمعلمي في تعليقه على «الإخنائية» (39).
(2) ومن أولئك د. سليمان دنيا في كتابه «الحقيقة في نظر الغزالي» (89 - 105) ، وقال: «الذي يقرأ هذا الكتاب بعد أن يكون قد أكثر من القراءة في كتب الغزالي، حتى عرف روح المؤلف وأسلوبه، والأمثلة والشواهد التي يكثر دورانها على لسانه، يخالطه شعورٌ قويٌّ بأن الكتاب للغزالي». وانظر: «الأخلاق عند الغزالي» لزكي مبارك (120) ، و «دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي» لحسام الدين الآلوسي (241) ، و «مؤلفات الغزالي» لعبد الرحمن بدوي (154) ، و «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» للمحمود (2/ 625) ، و «موقف ابن تيمية من قضية التأويل» للجليند (197).
ويظهر من كلام المصنف هنا ومواضع أخرى ميله لتصحيح نسبة الكتاب لأبي حامد وأن الأشبه رجوعه عنه كما تدل عليه كتبه التي فيها ذمُّ الفلاسفة وتكفيرهم، وكما سيأتي (ص: 105) من رجوعه إلى طريقة أهل الحديث آخر عمره. انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (8/ 329) ، و «الصفدية» (1/ 212) ، و «منهاج السنة» (2/ 359، 8/ 21) ، و «الرد على الشاذلي» (41) ، و «مجموع الفتاوى» (13/ 238) ، و «جامع الرسائل» (1/ 169).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
ولكن كان هو وأمثاله ــ كما قدمتُ ــ مضطربين لا يَثْبُتون على قولٍ ثابت؛ لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوَّفون به إلى طريقةِ خاصَّةِ الخلق، ولم يقدَّر لهم سلوكُ طريقِ خاصَّةِ هذه الأمة الذين ورثوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم العلمَ والإيمان، وهم أهلُ حقائق الإيمان والقرآن ــ كما قدَّمناه ــ وأهلُ الفهم لكتاب الله والعلم والفهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإتْباع هذا العلم بالأحوال والأعمال المناسبة لذلك، كما جاءت به الرسالة.
ولهذا كان الشيخُ أبو عمرو بن الصلاح يقول ــ فيما رأيتُه بخطِّه ــ: «أبو حامدٍ كَثُر القولُ فيه ومنه، فأما هذه الكتب ــ يعني المخالِفةَ للحقِّ ــ فلا يُلْتَفَتُ إليها، وأما الرجلُ فيُسْكَتُ عنه ويُفَوَّض أمرُه إلى الله».
ومقصودُه أنه لا يُذْكَر بسوء؛ لأن عفوَ الله عن الناسي والمخطئ وتوبةَ المذنب تأتي على كلِّ ذنب، وذلك مِن أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله، ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره(1) وتكفيرَه الذنوب بالمصائب تأتي على مُحَقَّق الذنوب(2)، فلا يُقْدِمُ الإنسانُ على انتفاء ذلك في حقِّ معيَّنٍ إلا ببصيرة، لا سيَّما مع كثرة الإحسان والعلم الصَّحيح والعمل الصَّالح والقصد الحسن.
وهو يميلُ إلى الفلسفة، لكنه أظهرَها في قالب التصوُّف والعبارات--------------------------------------------
(1) أي مِن عمله أو مما يهدى إليه من غيره من ثواب أعمالهم الصالحة. أما ما فعله غيره من الخير بإرشاده ودلالته فكان له مثل أجره فذاك من جملة عمله.
(2) انظر: «منهاج السنة» (5/ 83، 6/ 238) ، و «مجموع الفتاوى» (3/ 155، 35/ 67) ، و «جامع المسائل» (3/ 79).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
الإسلامية(1) ، ولهذا فقد ردَّ عليه علماء المسلمين، حتى أخصُّ أصحابه أبو بكر بن العربي، فإنه قال: «شيخنا أبو حامدٍ دَخَل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرجَ منهم فما قَدَر»(2).
وقد حكى(3) عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجدُ تصديقُ ذلك في كتبه.
وردَّ عليه أبو عبد الله المازَرِيُّ في كتابٍ أفرَده(4).
وردَّ عليه أبو بكر الطُّرطُوشي(5).
وردَّ عليه أبو الحسن المرغيناني رفيقُه(6) ، ردَّ عليه كلامَه في «مشكاة--------------------------------------------
(1) كما سبق في الكلام على صنيعه في كتاب «المضنون به على غير أهله». وانظر: «بغية المرتاد» (448) ، و «منهاج السنة» (3/ 304) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (5/ 268) ، و «الصفدية» (2/ 264) ، و «جامع الرسائل» (1/ 163).
(2) ذكره المصنف كذلك في «الصفدية» (1/ 211، 250) ، و «درء التعارض» (1/ 5) ، و «الرد على المنطقيين» (483) ، و «الرد على الشاذلي» (41) ، والذهبي في «السير» (19/ 327) و «تاريخ الإسلام» (11/ 66). وانظر كلام ابن العربي عن الغزالي في «العواصم من القواصم» (57، 78 - 79).
(3) أي ابن العربي، ويحتمل أن تكون بالبناء للمجهول، والأول أشبه بالسياق.
(4) اسمه «الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء». انظر مقتطفات منه في «طبقات الشافعية» لابن الصلاح (1/ 255 - 259) ، و «السير» (19/ 330 - 332، 340) ، و «تاريخ الإسلام» (11/ 66 - 67) ، و «شرح الأصبهانية» (645 - 650).
(5) في رسالة له إلى ابن مظفر، ساقها الونشريسي في «المعيار المعرب» (12/ 186 - 187). وانظر: «السير» (19/ 339، 494) و «تاريخ الإسلام» (11/ 68).
(6) من أصحاب أبي المعالي الجويني، كما في «الصفدية» (1/ 210، 250). ووقعت كنيته في «النبوات» (394): «أبو نصر» ، وفي أصل «الرد على الشاذلي» (41): «أبو حامد» ، وفي «شرح الأصبهانية» (640): «أبو إسحاق» ، وكما هنا في «بغية المرتاد» (281) ، و «الصفدية» (الموضعين السابقين) ، و «درء التعارض» (6/ 239). وليس هو علي بن أبي بكر المرغيناني فقيه الحنفية (ت: 593) ، فإنه لم يدرك الجويني وولد بعد وفاة الغزالي بخمس وعشرين سنة. ومن أصحاب أبي المعالي وطبقة الغزالي: الإمامان الفقيهان أبو نصر الأرغياني (ت: 528) وأبو الفتح الأرغياني (ت: 499) ، فلعله أحدهما، واضطراب المصنف في كنيته يومئ إلى عدم ضبطه لنسبته الغريبة مع طول العهد والكتابة من الحفظ، ومثل هذا لا يكون من أغلاط النساخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
الأنوار» ونحوه.
وردَّ عليه الشيخُ أبو البيان(1) ، والشيخُ أبو عمرو بن الصَّلاح(2) وحذَّر من كلامه في ذلك هو وأبو زكريا النواويُّ(3) وغيرهما.
وردَّ عليه ابنُ عقيل(4) ، وابنُ الجوزي(5) ، وأبو محمدٍ المقدسي(6) ،--------------------------------------------
(1) نبا بن محمد بن محفوظ القرشي الدمشقي الصوفي شيخ الطائفة البيانية (ت: 551). انظر: «إرشاد الأريب» (2742) ، و «السير» (20/ 326).
(2) عقد في ترجمة الغزالي من «طبقات الشافعية» (1/ 252) فصلًا لبيان ما أنكِر عليه في مصنفاته ولم يرتضها أهل مذهبه وغيرهم.
(3) حين أقرَّ ابنَ الصلاح على ما ذكره في «طبقات الشافعية» ، والنسخة التي وصلتنا من الطبقات هي مما انتخبه النووي. انظر: «شرح الأصبهانية» (640).
(4) انظر: «صيد الخاطر» (483) ، و «الآداب الشرعية» لابن مفلح (1/ 239).
(5) في كتابه «إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء». انظر: «المنتظم» (17/ 125) ، و «تلبيس إبليس» (149، 256، 300، 312).
(6) الموفق ابن قدامة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وغيرهم(1).
وهذا بابٌ واسع، فإن الخارجين عن طريقة السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسانٍ لهم في كلام الرسول ثلاثُ طرق: طريقة التخييل، والتأويل، والتجهيل(2).
* فأهل التخييل هم الفلاسفةُ والباطنيةُ الذين يقولون: إنه خيَّل أشياء لا حقيقة لها في الباطن، وخاصِّيةُ النبوَّة عندهم التخييل(3).
* والتأويل طريقةُ المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم، يقولون:--------------------------------------------
(1) كالقاضي عياض في «معجم شيوخ أبي علي الصدفي» (لم يصلنا، وانظر: «الغنية» 194، و «فهرس الفهارس» 2/ 618) ، نقل عنه الذهبي في «السير» (19/ 327).
وكأبي نصر القشيري وأتباع والده أبي القاسم وأهل بيته، وأبي الحسن بن شكر، وابن حمدين القرطبي، والكردري الحنفي، ومحمود الخوارزمي، ويوسف الدمشقي. انظر: «النبوات» (392) ، و «الصفدية» (1/ 210 - 212، 250) ، و «درء التعارض» (6/ 240) ، و «بغية المرتاد» (281) ، و «شرح الأصبهانية» (640، 643) ، و «الرد على الشاذلي» (41) ، و «مجموع الفتاوى» (9/ 253).
كما يذمه المتفلسفة لما اعتصم به من دين الإسلام ولم يوافقهم فيه، كابن رشد في «تهافت التهافت» (416) و «فصل المقال» (50، 52) ، وابن طفيل في «حي بن يقظان» (79) ، وابن سبعين في «بُدّ العارف» (144 - 145) ، وابن هود كما في «درء التعارض» (6/ 241).
(2) انظر: «الحموية» (277) ، و «درء التعارض» (1/ 8 - 19) ، و «الجواب الصحيح» (6/ 519) ، و «مجموع الفتاوى» (16/ 440).
(3) سيأتي الكلام عنهم (ص: 144 - 147، 225، 228).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
إن ما قاله(1) له تأويلاتٌ تخالفُ ما دلَّ عليه وما يُفْهَمُ منه، وهو وإن كان لم يبيِّن مرادَه ولا بيَّن الحقَّ الذي يجبُ اعتقادُه= فكان مقصودُه أن هذا يكونُ سببًا للبحث بالعقل، حتى يَعْلَم الناسُ الحقَّ بعقولهم ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما يوافقُ قولهم ليُثَابوا على ذلك، فلم يكن قصدُه لهم البيانَ والهداية والإرشاد والتعليم، بل قَصَد التَّعْمِيَة والتلبيس، ولم يُعَرِّفْهم الحقَّ حتى ينالوا الحقَّ بعقولهم(2) ويعرفوا حينئذٍ أن كلامَه لم يُقْصَد به البيان.
فيجعلونَ حالهم في العلم مع عدمه خيرًا من حالهم مع وجوده!
وأولئك المتقدِّمون ــ كابن سينا وأمثاله ــ ينكرون على هؤلاء ويقولون: ألفاظُه كثيرةٌ صريحةٌ لا تقبلُ التأويل، لكن كان قصدُه التخييل وأن يعتقد الناسُ الأمرَ على خلاف ما هو عليه.
* وأما الصنف الثالث(3) الذين يقولون: إنهم أتباع السَّلف فيقولون: إنه(4) لم يكن يعرفُ معنى ما أُنزِل عليه من هذه الآيات، ولا أصحابُه يعلمون معنى ذلك، بل لازمُ قولهم أنه هو نفسُه لم يكن يعرفُ معنى ما تكلَّم به من أحاديث الصفات، بل يتكلَّمُ بكلامٍ لا يَعْرِفُ معناه. والذين ينتحلون مذهبَ السَّلف ويقولون(5): «إنهم لم يكونوا يعرفون معاني النصوص»--------------------------------------------
(1) أي الرسول صلى الله عليه وسلم.
(2) الأصل: «بعقلهم» ، وهي سائغة، وسبقت قبل قليل على الجادة.
(3) وهم أهل التجهيل والتفويض من المتكلمين الأشاعرة والماتريدية ومن تأثر بهم من المنتسبين للسنة.
(4) أي الرسول صلى الله عليه وسلم.
(5) الأصل: «يقولون». والمثبت أقوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
يقولون ذلك في الرسول.
وهذا القولُ من أبطل الأقوال.
وممَّا يعتمدون عليه من ذلك: ما فهموه من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] ، ويظنُّون أن «التأويل» هو المعنى الذي يسمُّونه هم تأويلًا، وهو مخالفٌ للظاهر(1).
ثم هؤلاء قد يقولون: تُجْرَى النصوصُ على ظاهرها، وتأويلُها لا يعلمه إلا الله، ويريدون بالتأويل: ما يخالف الظاهر. وهذا تناقضٌ منهم.
وطائفةٌ يريدون بالظاهر ألفاظَ النصوص فقط.
والطائفتان غالطتان في فهم الآية.
وذلك أن لفظ «التأويل» قد صار بسبب تعدُّد الاصطلاحات له ثلاث(2) معانٍ(3):
* أحدها: أن يراد بالتأويل حقيقةُ ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهرَه. وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ «التأويل» في الكتاب والسُّنة، كقوله تعالى:--------------------------------------------
(1) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 132).
(2) كذا بالأصل، وله وجهٌ من العربية ونظائر في كتب المصنف، والجادة: ثلاثة.
(3) انظر: «التدمرية» (91) ، و «الحموية» (287) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (5/ 452، 8/ 262) ، و «درء التعارض» (1/ 14، 206، 9/ 24) ، و «الصفدية» (1/ 288) ، و «جامع المسائل» (3/ 171، 5/ 291) ، و «مجموع الفتاوى» (3/ 195، 5/ 35، 349، 7/ 37، 13/ 284، 16/ 408، 17/ 359، 368).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53] ، ومنه قول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهمَّ ربنا ولك الحمد(1)، اللهم اغفر لي» يتأوَّلُ القرآن(2).
* ويراد بلفظ «التأويل» التفسير، وهو اصطلاحُ كثيرٍ من المفسرين، ولهذا قال مجاهدٌ إمامُ أهل التفسير: إن الراسخين في العلم يَعْلَمُون تأويلَ المتشابه(3)، فإنه أراد بذلك تفسيرَه وبيان معانيه، وهذا مما يعلمُه الراسخون.
* والثالث: أن يراد بلفظ «التأويل» صرفُ اللفظ عن ظاهره الذي يدلُّ عليه(4) إلى ما يخالفُ ذلك لدليلٍ منفصلٍ يوجبُ ذلك، وهذا التأويلُ لا يكونُ إلا مخالفًا لما يدلُّ عليه اللفظُ ويبيِّنه.--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل، ولعلها في بعض روايات البخاري، فقد أورد الحديث بها ابن بطال في «شرح البخاري» (2/ 412) ، ولم أرها عند غيره، ولا ذكرها من صنف في «الجمع بين الصحيحين» كالحميدي (4/ 167) وعبد الحق (1/ 329) والموصلي (1/ 294). ورواها الواحدي بإسناده في «الوسيط» (4/ 567). والرواية المشهورة: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك» ، وكذلك تقع في كتب المصنف المطبوعة.
(2) أخرجه البخاري (817، 4968) ومسلم (484).
(3) أخرجه آدم بن أبي إياس في التفسير المنسوب إلى مجاهد (249) ، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (100) ، وابن جرير (5/ 230).
(4) الأصل: «يدل عليه ظاهره». كأنه من سهو الناسخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
وتسميةُ هذا تأويلًا لم يكن في عُرْف السَّلف، وإنما سمَّى هذا وحده تأويلًا طائفةٌ من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وظنَّ هؤلاء أن قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} يرادُ به هذا المعنى.
ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين:
* قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا الله.
* وطائفة يقولون: إن الراسخين في العلم يعلمونه.
وكلا الطائفتين مخطئة؛ فإن هذا التأويل في كثيرٍ من المواضع ــ أو أكثرها وعامَّتها ــ من باب تحريف الكَلِم عن مواضعه، من جنس تأويلات القرامطة والباطنية، وهذا هو التأويلُ الذي اتفق سلفُ الأمة وأئمَّتها على ذمِّه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورَمَوا في آثارهم بالشُّهْبان(1).
وقد صنَّف الإمام أحمد كتابًا في الردِّ على هؤلاء، وسمَّاه «الردّ على الزنادقة والجهمية فيما شكَّت فيه من متشابه القرآن وتأوَّلتْه على غير تأويله»(2)، فعاب أحمدُ عليها أنها تفسِّرُ القرآنَ بغير ما هو معناه.
ولم يقل أحمدُ ولا أحدٌ من الأئمَّة: إن الرسول لم يكن يعرفُ معاني--------------------------------------------
(1) جمع شهاب. وضمَّن ابن القيم هذا التعبير في «الكافية الشافية» (1/ 288).
(2) مال الذهبيُّ في «السير» (11/ 286) إلى أنه موضوعٌ على الإمام أحمد، ولم يجزم. والأشبه ثبوته عنه، وعليه أئمة الحنابلة الكبار: الخلال والقاضي أبو يعلى وابن عقيل وابن تيمية وغيرهم. وانظر احتجاج ابن القيم على صحة نسبته وردَّه على من طعن فيه في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (305، 306، 318 - 320).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
آياتِ الصفات وأحاديثها، ولا قالوا: إن الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ لم يعرفوا تفسيرَ القرآن ومعانِيَه.
كيف وقد أمر الله بتدبُّر كتابه، فقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]، ولم يقل: بعض آياته، وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82]، وقال: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68]، وأمثال ذلك من النصوص التي تبيِّن أن الله يحبُّ أن يُتَدبَّر القرآنُ كلُّه، وأنه جعله نورًا وهدًى لعباده، ومحالٌ أن يكون ذلك ممَّا لا يُفْهَمُ معناه.
وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن
ــ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ــ أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آياتٍ «لم نجاوِزْها(1) حتى نتعلَّم ما فيها من العلم والعمل» ، قالوا: «فتعلَّمنا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا»(2).
وهذه الأمور مبسوطةٌ في غير هذا الموضع(3).--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل، انتقل إلى نص قولهم.
(2) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (6/ 172) ، ومحمد بن وضاح في «البدع» (276) ، والفريابي في «فضائل القرآن» (169) وغيرهم بإسنادٍ صحيح من طريق حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي، وحماد سمع من عطاء قبل الاختلاط. وأخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (4/ 83، 84) من طريق سفيان وهمام بن يحيى عن عطاء، وكلاهما سمع منه قبل اختلاطه كذلك. وروي من طرقٍ أخرى عن عطاء.
(3) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (8/ 215 - 261) ، و «مجموع الفتاوى» (17/ 356 - 433) ، والمصادر المتقدمة لمعاني لفظ «التأويل».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
والمقصودُ هنا أن من يقولُ في الرسول وبيانه للناس مما هو من قول الملاحدة، فكيف يكونُ قوله في السَّلف حتى يدَّعيَ اتباعَه؟ ! وهو مخالفٌ للرسول والسَّلف عند نفسه وعند طائفته، فإنه قد أظهر من قول النفاة ما كان الرسولُ لا يرى إظهاره لما فيه من فساد الناس، وأما عند أهل العلم والإيمان فلا!
وقولُ النفاة باطلٌ باطنًا وظاهرًا، والرسول صلى الله عليه وسلم ومتَّبِعُوه منزَّهون عنه، بل مات صلى الله عليه وسلم وتركنا على المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغُ عنها إلا هالك، وأخبرنا أن كلَّ ما حدث بعده من محدثات الأمور فهو بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار(1).
وربما أنشد بعضُ أهل الكلام(2) بيتَ مجنون بني عامر(3):--------------------------------------------
(1) أخرجه النسائي (1578) ، وصححه المصنف في «إبطال التحليل» (119) ، وانظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/ 88). وأصل الحديث في «صحيح مسلم» (867) دون قوله: «وكل ضلالة في النار» ، وحكم بشذوذها بعض حذاق أهل الحديث المعاصرين، وردَّها المصنف من جهة معناها في موضع آخر، فقال: «ولم يقل: وكل ضلالة في النار، بل يضلُّ عن الحق من قصد الحقَّ وقد اجتهد في طلبه، فعجز عنه، فلا يعاقَب، وقد يفعل بعض ما أُمِر به فيكون له أجرٌ على اجتهاده، وخطؤه الذي ضلَّ فيه عن حقيقة الأمر مغفورٌ له، وكثيرٌ من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفةٍ ظنوها صحيحة … ». «مجموع الفتاوى» (19/ 191).
(2) هو العز بن عبد السلام كما سيأتي (ص: 206).
(3) لم أجد البيت منسوبًا في مصدرٍ متقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وكلٌّ يدَّعي وصلًا بليلى … وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا
فمن قال من الشعر ما هو حكمةٌ أو تمثَّل ببيتٍ من الشعر فيما تبيَّن أنه حقٌّ لكان قريبًا، أما إثباتُ الدعوى بمجرَّد كلامٍ منظومٍ من شعرٍ أو غيره فيقال لصاحبه: ينبغي أن تبيِّن أن السَّلف لا يقرُّون بمن انتحَلهم.
وهذا ظاهرٌ فيما ذكره(1) هو وغيرُه ممن يقولون عن السَّلف ما لم يقولوه ولم ينقله عنهم أحدٌ له معرفةٌ بحالهم وعَدَل فيما نقَل، فإن الناقل لا بدَّ أن يكون عالمًا عدلًا.
فإن فُرِض أن أحدًا نقَل مذهبَ السَّلف كما يذكُره، فإما أن يكون قليلَ المعرفة بآثار السَّلف، كأبي المعالي، وأبي حامد الغزالي، وابن الخطيب(2) وأمثالهم ممن لم يكن له من المعرفة بالحديث ما يعدُّ به من عوامِّ أهل الصناعة فضلًا عن خواصِّها، ولم يكن الواحدُ من هؤلاء يَعْرِفُ البخاريَّ ومسلمًا وأحاديثهما إلا بالسَّماع، كما يذكرُ ذلك العامَّة، ولا يميِّزون بين الحديث الصحيح المتواتر عند أهل العلم بالحديث والحديث المفترى المكذوب، وكتبهم أصدقُ شاهدٍ بذلك، ففيها عجائب(3).--------------------------------------------
(1) أي العز.
(2) فخر الدين الرازي.
(3) قال المصنف في «التسعينية» (923): « … واعتبر ذلك بأن كتاب أبي المعالي الذي هو نخبة عمره نهاية المطلب في دراية المذهب ليس فيه حديثٌ واحدٌ معزوٌّ إلى صحيح البخاري إلا حديثٌ واحدٌ في البسملة [«نهاية المطلب» (2/ 137)] ، وليس ذلك الحديث في البخاري كما ذكره»!! وانظر لمبلغ علمه بالحديث: منتخب «المنثور من الحكايات والسؤالات» لابن طاهر (406) ، و «الأنساب» للسمعاني (3/ 386) ، و «طبقات الشافعية» لابن الصلاح (1/ 230) ، و «شرح مشكل الوسيط» له (6/ 529) ، و «السير» (18/ 471) ، و «طبقات الشافعية» للسبكي (6/ 151) ، ، و «التلخيص الحبير» (1/ 65، 161، 256، 275، 2/ 19، 50، 61، 3/ 92، 201، 4/ 26، 57، 84، 183).
أما الغزالي فأمره أظهر وإنكار العلماء عليه في هذا أشهر، وقد اعترف في «قانون التأويل» (16) بأن بضاعته في علم الحديث مزجاة. وكتبه مشحونةٌ بالموضوعات والواهيات وما لا أصل له، وللسبكي في «الطبقات» (6/ 287 - 389) فصلٌ طويلٌ في ما لم يوجد له إسنادٌ من أحاديث الإحياء. وهو يتبع شيخه أبا المعالي الجويني في أحاديث الأحكام ويقلده في أوهامه. انظر: «التلخيص الحبير» (1/ 197، 222، 283، 348، 422، 496، 2/ 123، 3/ 74، 79، 88، 93، 177، 4/ 288) ، وقال ابن حجر في (2/ 40) بعد أن ذكر له وهمًا تابع شيخه فيه: «وهذا دليلٌ على عدم اعتنائهما معًا بالحديث».
وكذلك كان الفخر الرازي أجنبيًّا عن علم الحديث، وليس له به عنايةٌ ولا تصنيفٌ في روايته أو فقهه. انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 98، 338، 8/ 169).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
وتجدُ عامَّة هؤلاء الخارجين عن مناهج السَّلف من المتكلِّمة والمتصوِّفة يعترفُ بذلك إما عند الموت وإما قبل الموت، والحكاياتُ في هذا كثيرةٌ معروفة.
* هذا أبو الحسن الأشعريُّ نشأ في الاعتزال أربعين عامًا يناظرُ عليه، ثم رجع عن ذلك وصرَّح بتضليل المعتزلة وبالغ في الردِّ عليهم.
* وهذا أبو حامدٍ الغزالي [مع فَرْطِ ذكائه وتألهه، ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسلوكه طريقَ الزهد والرياضة والتصوُّف، رجع إلى طريقة أهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
الحديث](1) ، وصنَّف «إلجام العوام عن علم الكلام»(2).
* [وهذا الرازي في كتابه الذي صنَّفه في أقسام اللذَّات] قال: «لقد تأملتُ الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيتُ أقربَ الطرق طريقةَ القرآن، [أقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، وأقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، {وَلَا--------------------------------------------
(1) انظر: «درء التعارض» (1/ 162). وما بين المعكوفات هنا وفي المواضع التالية زياداتٌ تقديرية ليست في الأصل، ففي هذا الموضع منه سقطٌ واضطراب، وأثبتها من (ط) بتصرف واختصار ليستقيم السياق وحذفت ما لم أجده من كلام المصنف في كتبه الأخرى. قال الشيخ سليمان الصنيع: «إني لما رأيت هذه الصفحة فيها من السقط والتحريف ونسبة أقوالٍ إلى غير قائليها عرفتُ أن ذلك بلا شكٍّ ولا ريب من عمل النسَّاخ، ولما كانت تلك الأقوال وقائلوها معروفة مظانها في كتب شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله ، كمنهاج السنة النبوية، وبيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وكتاب النبوات، والفتوى الحموية، وغير ذلك، ومثل كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، واجتماع الجيوش الإسلامية لغزو المعطلة والجهمية، كلاهما لشمس الدين ابن قيم الجوزية، لما كان كذلك نقلتُ منها على الصواب، وجعلتُ ما زدته مما سقط من الناسخ في هذه الرسالة بين قوسين واقفين هكذا []».
(2) وردت العبارة في الأصل عقب أبيات الرازي، وهو من تخليط الناسخ.
ووقع في خاتمة نسخة مكتبة شهيد علي (1712) من كتاب «إلجام العوام» أن الغزالي فرغ من تأليفه أوائل جمادى الآخرة سنة 505، أي قبل وفاته بقليل. انظر: «مؤلفات الغزالي» لعبد الرحمن بدوي (231).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]. ثم قال: ومن جرَّب مثل تجربتي عرفَ مثل معرفتي](1) ، وكان يتمثَّل كثيرًا(2):
نهايةُ إقدام العقول عِقَالُ … وأكثرُ سَعْي العالَمِين ضلالُ
وأرواحُنا في وحشةٍ من جُسومنا … وحاصلُ دنيانا أذًى ووبالُ
ولم نَسْتَفِدْ من بحثنا طولَ عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قِيلَ وقالوا
* وهذا إمامُ الحرمين تركَ ما كان ينتحِلُه ويقرِّره واختار مذهبَ السلف، [وكان يقول: «يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو أني عرفتُ أن الكلام يبلغُ بي إلى ما بلغ ما اشتغلتُ به»(3).
* وكذلك الشَّهرستاني] ، وكان يُنْشِد(4):
لعمري لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها … وسيَّرتُ طرفي بين تلك المعالمِ--------------------------------------------
(1) «أقسام اللذات» (263 - نشرة ليدن) بمعناه واختلاف في بعض ألفاظه. وانظر: «تاريخ الإسلام» (13/ 142، 144) ، و «السير» (21/ 501) ، و «طبقات الشافعية» للسبكي (8/ 91) ، ولابن كثير (2/ 718).
(2) الأبيات من مشهور شعره، نسبها لنفسه في «أقسام اللذات» (262). وانظر: «إرشاد الأريب» (2590) ، و «عيون الأنباء» (1/ 468) ، و «وفيات الأعيان» (4/ 250) ، و «البدر السافر» للأدفوي (2/ق 140) ، وغيرها.
(3) انظر: منتخب «المنثور من الحكايات والسؤالات» لمحمد بن طاهر (416 - 417) بتحقيقي، ورددت هناك على السبكي دعواه كذب هذه الرواية وزعمه جهالة راويها.
(4) أوردهما في «نهاية الإقدام» (3) ، و «الملل والنحل» (1/ 173) دون نسبة. وينسبان إليه وإلى ابن سينا وابن باجه. انظر: «وفيات الأعيان» (2/ 161، 4/ 274) ، و «آثار البلاد» للقزويني (398) ، و «الوافي بالوفيات» (12/ 408).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
فلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ … على ذَقَنٍ أو قارِعًا سِنَّ نادم
* وابنُ الفارض ــ من متأخري الاتحادية، صاحب القصيدة التائيَّة المعروفة بـ «نظم السُّلوك»(1)، وقد نَظَم فيها الاتحادَ نظمًا رائق اللفظ(2)، فهو أخبثُ من لحم خنزيرٍ في صينيَّةٍ من ذهب، وما أحسنَ تسميتَها بـ «نظم الشُّكوك»، الله أعلمُ بها وبما اشتملت عليه، ونَفَقَت كثيرًا، وبالغ أهلُ العصر في تحسينها والاعتذار عما(3) فيها من الاتحاد ــ لمَّا حضرته الوفاة أنشد(4):
إن كان منزلتي في الحبِّ عندكمُ … ما قد لَقِيتُ لقد ضيَّعتُ أيامي
أمنيَّةٌ ظَفِرتْ نفسي بها زمنًا … واليوم أحسَبها أضغاثَ أحلام
ولهذا كان من أصول الإيمان أن يُثبِّتَ الله العبد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ--------------------------------------------
(1) ديوانه (31 - 82) ، ولها شروح كثيرة. انظر: «كشف الظنون» (1/ 266).
(2) غير محررة في الأصل، وتشبه أن تكون: «وافق اللغة» ، والمثبت أقوم بالمراد. وقال في موضع آخر: «وشعره في صناعة الشعر جيد، ولكنه كما قيل: لحم خنزير في طبق صيني». «مجموع الفتاوى» (2/ 472). وهؤلاء الاتحادية «يسقون الناسَ شرابَ الكفر والإلحاد في آنية أنبياء الله وأوليائه». «مجموع الفتاوى» (2/ 360).
وانظر: «الكواكب الدرية في تراجم الصوفية» للمناوي (2/ 421).
(3) الأصل: «بما». (ط): «والاعتداد بما». وكلاهما تحريف. وانظر: «مجموع الفتاوى» (2/ 297، 367، 379) ، و «المستدرك على الفتاوى» (1/ 39) ، و «نزهة الأنام» لابن دقمقاق (71).
(4) البيتان في ديوانه (138) ، والحكاية في «نزهة الأنام» لابن دقماق (72).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)} [إبراهيم: 24 ــ 27].
والكلمة أصلُ العقيدة، فإن الاعتقادَ هو الكلمةُ التي يعتقدُها المرء، وأطيبُ الكلام والعقائد كلمةُ التوحيد واعتقادُ أن لا إله إلا الله، وأخبثُ الكَلِم(1) والعقائد كلمةُ الشرك، وهو اتخاذُ إلهٍ مع الله، فإن ذلك باطلٌ لا حقيقة له، ولهذا قال سبحانه: {مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}.
ولهذا كلما بحَثَ الباحثُ وعَمِل العاملُ على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزدادُ إلا ضلالًا وبعدًا عن الحق وعلمًا ببطلانها(2)، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 39، 40].
فذكر سبحانه مَثَلين(3):--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل، غاير بين الموضعين، ولعله من تصرف الناسخ.
(2) يزداد الباحث علمًا ببطلانها، ويزداد العامل ضلالًا وبعدًا عن الحق.
(3) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (5/ 267) ، و «درء التعارض» (1/ 169، 7/ 285) ، و «الرد على المنطقيين» (435) ، و «الجواب الصحيح» (2/ 219) ، و «مجموع الفتاوى» (7/ 277، 10/ 101) ، و «جامع المسائل» (1/ 134).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)