شرح المعتمد في أصول الفقه (محمد الحبش)القسم: أصول الفقه
الكتاب: شرح المعتمد في أصول الفقه ((نظمها وشرحها د محمد الحبش))
المؤلف: محمد حبش
مع مقدمة: للدكتور محمد الزحيلي
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
عدد الصفحات: 106
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
شرح المعتمد في أصول الفقه
نظم وشرح
الدكتور محمد الحبش
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 2)
مدخل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله بخير ما حمده الحامدون، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الأزكيان الأعطران على حبيب رب العالمين، محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الأخيار الهداة المهديين.
وبعد..
فقد كتبت هذه المنظومة أيام الدراسة، غرة القرن الهجري الجديد، وكتب الله بها نفعاً لطلبة العلم، فحفظها عدد منهم، وأشار علي أستاذي الدكتور محمد الزحيلي بإعادة طباعتها مشروحة، وقد وافق ذلك رغبة لدي، فاستعنت بالله، وشرعت في المقصود، حتى منَّ الله بإتمامه، وها أنا أدفعه للقارئ الكريم، ألتمس منه دعوة صالحة بظهر الغيب.
وليس في هذا الكتاب إلا حل عبارة النظم، من طريق قريب، وأما بسط مسائل هذا العلم فتجدها في مظانها من الكتب الأصول.
وقد قدمت للكتاب بمقدمة في منهج التعليم بالمنظومات، ومزايا هذه الطريقة وقد سبق أن نشرتها في بعض كتبي السابقة وأعيدها هنا للفائدة كما أثبتُّ آخر الكتاب النظم بتمامه ليهون حفظه على الراغب، وبالله التوفيق.
د. محمد الحبش
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
مقدمة في منهج التعليم بالمنظومات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
التعليم بالمنظومات منهج أصيل لدى العلماء المسلمين، وهو لكثرة انتشاره واشتهاره، لا يحتاج إلى دليل يظهر مدى قناعة المسلمين به، واعتمادهم عليه.
فقد كتبت المنظومات في سائر العلوم الشرعية والكونية منذ قرون طويلة، وقُرِّرت في حلقات التعليم، وتناوب العلماء في خدمتها شرحاً وتدريساً وتحشية وتذييلاً، حتى أصبحت عنواناً على المعرفة، وأصبحت جزءاً رئيساً من ذاكرة طالب العلم، ومدخلاً واضحاً من مداخل المعرفة الأصيلة.
وقل أن تجد عالماً من علماء العربية اليوم لم يحفظ ألفية ابن مالك مثلاً، ويتخرَّج بشروحها وحواشيها، وجهود العلماء عليها.
وكذلك فإن علماء القراءة اليوم لا يزالون يشرطون على طالب هذا الفن أن يستظهر واحداً من النظمين: حرز الأماني مع الدرة أو طيبة النشر، ولا ينال الطريقين إلا باستظهارهما معاً.
والأمر ذاته في تحصيل علوم الفرائض والحديث والأصول وغيرهما من العلوم النظرية.
خصائص التعليم بالمنظومات:
وتكشف طريقة التعليم بالمنظومات عن وعي عميق لدى العلماء المسلمين، ذلك أنهم أدركوا أن طاقة العقل لدى الإنسان تتوزع بين الحفظ والفهم، وأن إطار الحفظ يبدأ كبيراً مع سن الطفولة فيما يكون إطار الفهم والاستيعاب أقل وأضعف، ثم يبدأ إطار الحفظ بالتناقص لحساب الفهم والاستيعاب حتى يتساويا ثم تصبح القدرة على الفهم والاستيعاب أكبر من القدرة على الحفظ والتخزين في الذاكرة.
فلو افترضنا أن طاقة العقل مائة درجة، فإن الإنسان في سن العاشرة، تتوزع قدرته على أساس أن الذاكرة لها تسعون والاستيعاب له عشرة فإذا بلغ سن العشرين تناقصت القدرة على الحفظ إلى خمسين وتعاظمت القدرة على الفهم إلى خمسين، فإذا بلغ الثلاثين أصبحت القدرة على الفهم تسعين والقدرة على الحفظ عشرة.
ولست أزعم أن هذه القاعدة مطلقة بحيث لا تتخلف، بل لها استثناءات كثيرة ترتبط بتركيب الإنسان النفسي كما ترتبط بظروفه الاجتماعية، ولكن الفترة الذهبية للحفظ هي بلا ريب فترة الطفولة، ففي الطفولة يتعلم المرء على ذاكرة بيضاء، فتكون المعلومات أرسخ وأبقى، حتى إذا كثرت المعارف والمشاغل ضاقت ساحة الذاكرة عن استيعاب الجديد، فتزاحمت المعارف، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً.
ومن هنا شاع بين أهل المعرفة: الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر، والحفظ في الكبر كالنقش في الكدر.
فبينما يرسخ النقش على الحجر، فإن النقش على الكدر، وهو الطين الجاف لا يلبث أن يتفتت لأول عامل من عوامل الدهر.
وعلى إدراك لذلك كله نهج العلماء المسلمون في التعليم، فقدموا للصغير أصول المعارف على هيئة منظومات ومتون، طلبوا من الفتى حفظها واستظهارها، ولم يشاؤوه على فهم مقاصدها واحتمالاتها، فشغلوه بما هو به جدير، وصرفوه عما هو ليس له بأهل، إذ لن يبلغ فهم هذه المنظومات إلا بتكليف وتعسف، بينما يمكنه حفظها بمتعة ويسر، ويتخذها له نغماً ولحناً.
ولست أعني أنه كان يُكَفّ عن فهم عباراتها، فيحفظها حفظ الأعجم، بل كانت تحل له عقد العبائر، دون الدخول في تفاصيل الدلالات.
وهكذا فإن الفتى يفتح عينيه على العلم في الثامنة عشرة مثلاً وعنده مخزون كبير من المعرفة، مطبوع في الذاكرة، كلما ناداه قال له لبيك، فيشرع بفهم المسائل، وإن أصولها مبسوطة على صفحة ذاكرته، كأنه يراها عياناً ويلمسها بناناً، فيكون ذلك أدعى للفهم وأوقر في العقل.
ثم يتصدر للتعليم والفتيا وعلمه معه حاضر، ولسانه له ذاكر، فيصبح كالغني عن حمل القراطيس، كما قال الإمام الشافعي:
علمي معي أينما يممت يتبعني صدري وعاء له لا بطن صندوقي
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وقال آخر:
ما العلم فيما قد حوى القمطر ما لعلم إلا ما حواه الصدر
وقد كانوا يعنون ذلك حينما قالوا: من حفظ المتون حاز الفنون، ومن قرأ الحواشي ما حوى شي.
ولست أدري لماذا تعرض الطريقة الحديثة في التعليم عن مناهج التعليم بالمنظومات، رغم أننا لن نحتاج إلى التدليل على موثوقية علم الأقدمين، وحضوره بين أيديهم في سائر الأحوال.
ولا شك أن الذي ألهم المسلمين هذا المنهج، هو تجربتهم الأصيلة في حفظ القرآن الكريم، فالمسلمون أمة اختصها الله بهذا التنزيل، وجاءت الأحاديث بالتوكيد على حفظه واستظهاره، وبدءاً من عصر السلف الأول فقد اعتبر حفظ القرآن الكريم شرطاً رئيساً لمن يخوض في التأويل أو التفسير، وبالحري إذن فهو شرط أساس لكل عالم يتصدر للتعليم.
وظهر للأقدمين بركة حفظ النصوص من خلال ذلك، فراحوا ينهجون النهج ذاته في العلوم الأخرى، من سبق الحفظ ثم تعقيبه بالفهم والشروح.
وإياك أن يأخذ بك الظن إلى تصور أنهم قصدوا محاكاة النظم القرآني، في أسلوبه المعجز، فهذا لا يدركه أحد، بل لم يزعمه أحد، وإنما أرادوا محاكاة الطريقة التعليمية الناجحة التي ألهمهم إياها أسلوبهم في تلقي العلوم المتصلة بالقرآن الكريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
تاريخ التعليم بالمنظومات:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
وتاريخ التعليم بالمنظومات متقدم، ولا بد من هدم الفكرة القائلة بأن المنظومات نشأت في عصور الانحطاط والركود، وأنها من تراث القرن العاشر الهجري وما بعده، ومع تحفظي على اصطلاح الانحطاط والركود فهذا كله غير واقعي، ولا شك أن المنظومات قد اتخذت منهجاً تعليمياً أصيلاً قبل ذلك بزمن بعيد.
ومع أن أقدم نظم (مطبوع) يعود إلى القرن السادس الهجري إلا أننا نؤكد أن هذا المنهج كان أصيلاً قبل ذلك بزمن، ذلك أن المتأمل في منظومات القرن السادس التي اشتهرت بين الناس يجد أنها لا تشير إفصاحاً ولا إلماحاً إلى أنها لون مبتدع في التعليم، بل يلتمس القارئ أنها صلة لجهود سابقة من الفن نفسه وعلى السبيل ذاته.
ففي منظومة (حرز الأماني ووجه التهاني) التي كتبها الإمام الشاطبي في القرن السادس الهجري، إذ توفي عام 590 هجرية، تجد نفسك أمام علم مكتمل، ونظم مستوفٍ لشرائط المنهج التعليمي المتين، مما يدل على أنها حلقة في سلسلة متقدمة، أضف إلى ذلك أن النظم في القراءات لا يتصور أن يبدأ إلا بعد نظم العلوم الأكثر تداولاً والأسهل منالاً، كالعقائد والاصطلاح والتجويد والفقه.
كذلك فإن الوصول إلى الألفية لا يتم مرة واحدة، بل لا بد أن يكون هذا العطاء قد سبقته منظومات أصغر وأخصر في الفن ذاته، ناهيك عن غيره من الفنون القريبة.
أذكر على سبيل المثال ما أورده حاجي خليفة في كشف الظنون ص 1344، حيث ذكر منظومة في قراءة نافع لأبي الحسن علي بن عبد الغني الفهري القيرواني، المتوفي سنة 488 هـ.
كذلك فقد كتب النسفي عمر بن محمد بن أحمد نظماً طويلاً في فقه الحنفية ومخالفيهم، ذكر أنه استكمله عام 504 هجرية، وقد أورد حاجي خليفة في كشف الظنون تعريفاً جيداً بالكتاب وما قام عليه من شروح وحواشي ومختصرات.
وقد بلغت أبيات هذا النظم 2669 بيتاً، كما أشار الناظم في آخرها:
وجملة الأبيات يا صدر الفئة ألفان والستون والستمائة
وتسعة، والله يجزي ناظمه جنات عدن وقصوراً ناعمة
وهذا كما ترى كثير، وقد صنفه النسفي مطلع القرن السادس، وهو يلتزم بحر الرجز الذي اعتمده الناظمون فيما بعد، والمفترض أن تكون هذه الألفية الكبيرة نتيجة جهود كبيرة سابقة، ولا ريب أن عدداً كبيراً من القصائد التعليمية قد كتب قبل ذلك بزمن.
وتلاحظ في أرجوزة النسفي التزام الشيخ رحمه الله بطريقة النظم السائدة من جعل كل بيت بقافية مستقلة، متطابقة في الصدر والعجز.
وبالرغم مما قام على هذه المنظومة من جهود هامة غير أنها لم تفرد بالطبع مستقلة.
كذلك فأنت تجد أن نظم (بغية الباحث عن جمل الموارث) للشيخ محمد بن علي الرحبي المتوفى عام 577 هجرية، وقد سطر الرحبي هذه المنظومة في وقت مبكر، ولا تزال هي المنهج الرئيس المعتمد في تعليم مادة الفرائض في أكثر المدارس الشرعية، وإنه لا يتصور أن ينشأ هذا النظم البديع من فراغ، ويستمر بعدئذ نحو ثمانية قرون منهجاً أصيلاً من غير أن يكون قبله تجارب سابقة يفيد منها، ويقتفي إثرها، ومن غير أن يشير هو إلى أنه ينهج في تعليم الفرائض نهجاً جديداً لم يكن معروفاً من قبل.
وليس ثمة مبرر من إطالة الكلام في تقدم المنظومات من جهة التاريخ، فقد أورد حاجي خليفة في كشف الظنون عدداً من المنظومات تعود إلى مطلع القرن الرابع، وربما نظمت في القرن الثالث، إذ مات مؤلفوها مطلع الرابع.
فمنها قصيدة في غريب اللغة لنفطويه النحوي المشهور المتوفى 323 هـ، شرحها ابن خالويه المتوفى 370 هـ.
ومنها قصيدة نونية في التجويد لأبي المزاحم موسى بن عبد الله الخاقاني المتوفى سنة 325 هـ. وقد أسماها (عمدة المفيد) (كذلك قال حاجي خليفة في كشف الظنون ص 1348، ولكنه نسب ذلك في ص 1171 إلى علم الدين السخاوي، وأغلب الظن أن هذا الاسم (عمدة المفيد) لكتاب السخاوي في الشرح على النونية المذكورة) ، وشرحها السخاوي المتوفى عام 643 هـ.
ومنها القصيدة الرائية في علم الإنشاء لأبي مزاحم موسى بن عبد الله الخاقاني المتوفى سنة 325 هـ. وذكر في الكشف نحو عشر منظومات تعليمية تعود إلى القرن الرابع والخامس، وسنأتي على إيرادها جميعاً في ثبت المنظومات العام في آخر الموسوعة.
ولكن يجب القول أن أقدم منظومة أثبتناها في الموسوعة هي من أعمال القرن السادس الهجري، على الرغم مما أكدناه لك أن ثمة منظومات أقدم من ذلك بزمن لم نوفق لخدمتها هنا، ولعلنا نوفق لذلك في أعمال قادمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
عيوب التعليم بالمنظومات:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
ولست أقصد فيما قدمت أن المنظومات كانت على مستوى واحد من حاجة الناس إليها، وعكوفهم عليها، فقد أصبحت المنظومات في المراحل المتأخرة ضرباً من المباراة بين المعلمين، وراح بعض المشتغلين بهذا اللون من التعليم ينظمون لغير ما مقصد علمي صحيح، فجاءت منظومات هزيلة، لم تأت بجديد، ولم تشتمل على مفيد، فيها تقليد بلا توفيق، وتلفيق بلا تجديد، فعلم الذين يحققون أن السعي قد أصبح في غير سبيل، وأن الميدان قد اجتازه من ليس من أهله، حتى ظهر في أهل العلم من يعمم هذا الحكم في كل نظم، ويجزم أن هذا الفن تكلف من غير تعرف، وتنطع يشغل عن العلم بالشكل دون المضمون.
ويمكن تلخيص عيوب المنظومات في وجوه:
الأول: كثرة الضرورات والجوازات، وقد نحا بعضهم نحواً لم يسمع في جوازات الشعر العربي، كإسكان المتحرك وتحريك الساكن، وترخيم الكلمات في غير مظان الترخيم، بل لجأ بعض النُّظَام إلى تغيير حركة الأواخر من خفض لرفع أو من رفع لفتح أو غير ذلك، مجاراة لوجه القافية!..
ولعمري فإن هذا تخبيص من غير تنصيص، إذ هو عكس مقاصد مؤسسي هذه المدرسة، فقد جعلت القافية لتذكير المتعلم بفرع المعرفة، من جهة أنها معلومة سلفاً، فإذا ما التوت كانت باباً للإشكال، وصار تحريرها يحتاج إلى اشتغال، والوقت في كلا الحالين هو الضريبة المؤداة في غير مقصد صحيح.
الثاني: التكرار في النظم، فقد كتبت في كل فن منظومته، وعلى من يعيد نظم المعارف أن يحقق جدوى سعيه، فإذا نظم فإن عليه أن يأتي بجديد في المعرفة، أو يرتقي بقديم، ينتخب من سلفه، فيزيده بياناً وإيضاحاً، بحيث يكون نسخة أوضح وأفصح، ولكن الذي حصل كان عكس ذلك، فقد ولع النُظَّام بسبك المنظومات إلى حد أنساهم غاياتها ومقاصدها، فصار النظم يتلو النظم وما فيه من ميزة إلا انحطاط مستواه، وتعثر مبناه ومعناه، والتعبير عن الجيد بالرديء.
وإن من الإنصاف أن نعتبر بما فعل الزمن، فقد حكم جزماً في هذه المنظومات، فألقاها في زوايا الإهمال والنسيان، وكافأها بما تستحق، وصارت لا تقرأ ولا تدرس إلا لتحقيق التاريخ فحسب، بعد أن جعل ناظموها آخر مقاصدهم من نظمها إضاءة المعرفة!..
الثالث: النظم في علوم لا يصلح فيها النظم، فقد اشتغل بعض المتأخرين في نظم علوم غير نظرية، فكان في ذلك تكلف ممل، وتعسف مخل، كالنظم في الاسطرلاب والهيئة والأعداد، فهذه العلوم لا يطلب فيها حشو الذاكرة بالمحفوظ بقد ما يطلب فيها حشو العين بالملحوظ، فأداة المعرفة فيها الرسوم والجداول والأرقام، أضف إلى أنها علوم متحولة متجددة، لا متأصلة مجردة.
فاشتغال بعض النُّظَّام بنظمها تكلف تنقضي فيه الأعمار، ولا يأتي إلا بأبخس الثمار، واشتغال الطلبة بحفظها ضياع للأوقات، ولا يجتنى منه إلا أهزل الثمرات.
الرابع: النظم في الفروع، وقد كثر ذلك لدى المتأخرين، وخيل إليهم أن المطلوب أن نجعل المعرفة كلها نظماً، من غير أن ندرك لها فهماً، وهذا تنطع لا داعي إليه، وتغييب للمقصد الرئيس من نظم هذه المنظومات، فقد بينا أنها تنظم أصلاً للصغير، يستحضرها في خياله يوم ينهض عقله بالتعبير والتفسير، فحيث طلبنا منه أن يحفظ ويحفظ، فقد زاحمنا في ذاكرته حق الفهم في أوانه، فأصبحنا كمن يزرع البذر في غير ميقاته وزمانه.
الخامس: كثرة الحشو والتطويل، هذا تكميل ولع به المتأخرون، ألجأهم إليه قصور العبارة، وركة الإشارة، فراحوا يزحمون البيت بالحشو المستهجن، الغريب عن المعنى والمبنى، من أجل استكمال القافية على القواعد العروضية، من غير أدنى اهتمام بالإيلاف بين العبارة والحشو، أو تكامل المعاني والمباني.
ولعمري إنه لا يسوغ الحشو إلا إذا جاء عفواً صفواً، يعبر عن المقصود، أو يتصل به بسبب معقول.
وبغير ذلك فإننا نكون قد كلفنا طالب العلم بحفظ الحشو، زيادة على حفظ المتن، وهل هذا إلا عبء على عبء، وعناء على عناء، وتكلف لا داعي له، ولا مسوغ له إلا ضعف الناظم ووهى عبارته.
ولا شك أن أفضل المنظومات تلك التي نظمها العلماء الشعراء أصلاً، الذين طاعت لهم العبارة ووافتهم الإشارة، وخدمتهم الكلمات وائتمرت بأمرهم العبارات، فلم يجيئوا إلى فن المنظومات مُتَقَحِّمين، ولم ينظموا متكلفين، وكما جاءت قرائحهم بشعر غني بالمشاعر، وافتهم كذلك بنظم لين سهل طافح بالمعرفة.
ومن هؤلاء أبو محمد القاسم بن فيرَّة الرعيني الشاطبي صاحب حرز الأماني، ومحمد بن علي الرحبي صاحب بغية الباحث عن جمل الموارث، ولا شك أن المتذوق للشعر العربي يطرب أيما طرب حين يطالع في الأعمال المتميزة لهؤلاء الأئمة.
ولست أقصد بأن العلماء الشعراء أفرغوا عواطفهم ومشاعرهم في هذه المنظومات كما يصنعون في الشعر، فهذا لا طائل تحته في هذا الفن، وإنما كان توفيقهم أكبر من حيث طاعت لهم العبارة، وخدمتهم المترادفات، إذ لا يراد بالنظم ما يراد بالشعر، فكل له مقاصده ووسائله، ولكن قوة السبك مطلوبة في كل واحد من الفنَّين، والعلماء الشعراء على ذلك أقدر من العلماء الذين لم يشتغلوا بالشعر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
[مقدمة الدكتور محمد الزحيلي]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
تعريف عام بعلم أصول الفقه
بقلم: الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي
الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على رسول الله، معلم الخير، ومرشد الناس إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، القائل: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»
ورضي الله عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعن العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، وبعد..
فإن الأمة الإسلامية تميزت عن بقية الأمم بميزات كثيرة في العلوم والثقافة، والحضارة والإبداع، وفي مجالات متنوعة، ومن هذه الميزات التي انفردت بها على بقية الأمم والشعوب في الجانب العلمي والتطبيقي والمنهجي إبداعها لبعض العلوم التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ، ولم يلحقها فيها أحد حتى الآن، ومن ذلك علمان أساسيان، وهما:
-1- علم مصطلح الحديث أو علم أصول الحديث ومصطلحه الذي وضعه العلماء المسلمون، ليكون أدق منهج علمي في النقد والتراجم والرجال ونقل الأخبار والروايات.
-2- علم أصول الفقه في مجال التشريع والأحكام، والأنظمة والشرائع، وفي دائرة الاجتهاد والفتوى والقضاء والإدارة، والمحاماة والبحث، وتفسير النصوص وفهمها.
لذلك يشكل علم أصول الفقه المنارة الوضاءة بين العلوم الشرعية، ويعتبر مفخرة الأمة في حضارتها وعلومها.
وهو علم فريد في تاريخ الأمم والشرائع القديمة والحديثة، وهو مما انفرد به المسلمون بين الأُمَمِ.
قال ابن خلدون: (واعلمْ أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة) وعلم أصول الفقه عبارة عن القواعد والمبادئ التي سار عليها الفقهاء في استنباط الأحكام من المصادر الشرعية، وبيانها للناس، ويتكون من الضوابط التي يلتزم بها الفقيه أو المجتهد، بقصد أن يكون طريقه مستقيماً واضحاً، لا يعتريه وهن أو انحراف، ولا خبط أو اضطراب، ويوصل إلى الهدف المقصود.
وهذا العلم هو المصباح الذي ورثته الأجيال، وحمله العلماء لبيان الأحكام الشرعية لكل جديد في كل عصر، ومعالجة المبادئ والأحداث التي تطرأ، وغير ذلك وفق منهج محدد، يسير عليه العالم في الاستنباط والاجتهاد.
وعلم أصول الفقه من العلوم الأساسية في الدين لضبط الخلاف، وتمييز الغث من الثمين، وكشف مناهج الأئمة والعلماء في الاجتهاد والاستنباط والاستدلال، لذلك بيَّن ابن خلدون أهمية أصول الفقه، فقال: (اعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية، وأجلها قدرا، وأكثرها فائدة … وهو في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام) (مقدمة ابن خلدون ص 455، وانظر التعريف بعلم أصول الفقه، وبيان أهميته، ونشأته، وتطوره، وأشهر علمائه، وأهم كتبه في كتاب «أصول الفقه الإسلامي» وكتاب «تعريف عام بالعلوم الشرعية» وكتاب «مرجع العلوم الإسلامية» وكلها للدكتور محمد الزحيلي)
وكان الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى أول من دون علم أصول الفقه وكتب فيه رسالته المشهورة (الرسالة) التي تعتبر أصل الأصول، ثم وضعها مقدمة لكتابه الفقهي العظيم (الأم) واتخذها منهاجا للاستنباط والاجتهاد وبيان الأحكام، قال الرازي: (اعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض) وقال ابن خلدون: (وكان أول من كتب فيه الشافعي)
وشمّر العلماء والفقهاء من مختلف المذاهب عن سواعدهم في التأليف والتصنيف في علم أصول الفقه، وتعددت طرق التأليف فيه، وظهرت المؤلفات العظيمة، والكتب القيمة في الأصول، واستمر هذا العمل المبارك طوال العصور الإسلامية، وصار علم أصول الفقه من أوائل العلوم الشرعية التي تدرس في جميع المدارس المعاهد الشرعية، وأصبح مقرراً أساسيا في جميع الجامعات الإسلامية وكليات الشريعة والدعوة، ولمست الجامعات الأخرى أهميته وفائدته وخواصه، فأصبح علم أصول الفقه أحد المقررات في جميع كليات الحقوق في العالم العربي والإسلامي.
وصنفت كتب كثيرة على طريقة المتأخرين، ومنهج التأليف المعاصر، الذي يتناسب مع الدراسة والتدريس في الجامعات الإسلامية، وكليات الشريعة والدعوة، وكليات الحقوق، وهي كتب قيمة ومفيدة.
كما نشرت في ربع القرن الأخير أهم كتب الأصول القديمة، وهي المراجع القيمة لهذا العلم، والمصادر الأصلية له، مما يبشر بخير عميم في دعوة هذه الأمة إلى تراثها، وحضارتها، وشريعتها، وعلومها لتكون بمشيئة الله تعالى خير خلف لخير سلف، وأصبحت مكتبة علم أصول الفقه عامرة والحمد لله، ولكنها تحتاج إلى التطبيق والممارسة للاستفادة الكاملة منها.
وكنت قد صنفت كتاباً في (أصول الفقه الإسلامي) لطلاب السنة الثانية من كلية الشريعة بجامعة دمشق، وطبع عدة مرات، وقام الشاب المؤمن النشيط الأستاذ محمد الحبش بنظمه بطريقة مفيدة، ونافعة، وميسرة، ثم رجع إلى المنظومة فشرحها ملتزماً بذلك خطة الكتاب الأصلي ومنهجه في الترتيب والتبويب والبيان، وها هو يقدمه للناس وطلاب العلم ليستفيدوا منه، وينتفعوا به، فجزاه الله خير الجزاء، ونفع الله به، وزاده علماً وأدباً وخلقاً.
نسأل الله العلي القدير أن يسدد خطانا لما فيه الخير والبركة، وأن يأخذ بيدنا إلى سواء السبيل، وأن يبارك لنا في العلم، وأن يمنحنا الفضل والقدرة على العمل والالتزام، وأن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، ويلهم المسلمين العمل بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عيه وسلم على الوجه الذي يرضاه، ويتفق مع التفسير الصحيح لكتاب الله تعالى، والفهم الدقيق للسنة، وأحكام الشرع، ومصادر التشريع.
والله ولي التوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين.
الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي
وكيل كلية الشريعة للشؤون العلمية بجامعة دمشق
رئيس شعبة الفقه المقارن في قسم الدراسات العليا
بمجمع أبي النور الإسلامي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
المقدمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
/متن المنظومة/
-1- بسمِ الإلهِ مبدعِ الأَكْوانِ … ثم لهُ الحمدُ على الإحسانِ
-2- ثم الصلاةُ والسلامُ السرَّمدَي … على النَّبيِّ المصُطفْى مُحَمَّدِ
-1- (بسم الإله) بدأ المصنف نظمه بالبسملة، وهي شعار الصالحين، وفي الحديث: «كل عمل لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر» أي مقطوع الخير والبركة.
وتستحب التسمية قبل الشروع في كل مباح مطلقاً، وهي أكثر استحباباً عند الشروع في الطاعات كذكر الله وطلب العلم ودخول المساجد.
(مبدع الأكوان) خالقها من العدم ومنشئها.
(ثم له الحمد على الإحسان) وثنى المصنف بالحمد لله اقتداء بالكتاب العزيز واعترافاً بسابغ نعم الله وعظيم فضله وإحسانه.
وفي الحديث: «أمتي الحمادون لله على كل حال»
-2- وثلَّث بذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم -لى الله عليه وسلم تبركاً (ثم الصلاة والسلام السرمدي) أي الدائم الذي لا ينقطع (على النبي المصطفى محمد)
وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«من صلى علي حين يصبح عشراً، وحين يمسي عشراً، أدركته شفاعتي يوم القيامة»
-3- والآلِ والصحبِ الكرامِ البَررَةْ والتابعينَ الطاهرينَ الخيَرةْ
-3- وأتبع المؤلف ذلك بالصلاة على آل النبي صلى الله عليه وسلم -لى الله عليه وسلم (والآل) وآل النبي صلى الله عليه وسلم على المرجح عند الشافعية هم بنو هاشم وبنو المطلب أولاد عبد مناف وهم الذين دخلوا مع رسول الله ص شعب أبي طالب، في فترة حصار قريش للنبي ص، وسائر بني هاشم وبني المطلب دخلوا في الإسلام راغبين، إلا ما كان من أمر أبي لهب وقد انقطع عقبه.
وفي تحديد آل النبي صلى الله عليه وسلم: أقوال مشهورة نذكر منها:
-1- إن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم علي وفاطمة وحسن وحسين وأولادهم وهم الذين ورد ذكرهم في حديث (العبا) عن أم سلمة وتمامه: قالت نزلت هذه الآية 33 الأحزاب في بيتي فدعا رسول الله ص علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فدخل معهم تحت كساء خيبري وقال: هؤلاء أهل بيتي وقرأ الآية وقال: اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: أنت على مكانك وأنت على خير. وقال القشيري: أدخلت رأسي في الكساء وقلت أنا منهم يا رسول الله؟ قال: نعم. أخرجه الترمذي وغيره وقال هذا حديث غريب
-2 إن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم زوجاته الطاهرات، ويدل له ورود آية الصلاة على آل البيت {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} في سورة الأحزاب الآية -33-، حيث وردت الآية في سياق الحديث عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
-3- إن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم الأتقياء من أمته ص، وقد أخرج الطيالسي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ص قال: «آل محمد كل تقي» .
-4- إن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم بنو هاشم وبنو المطلب، وهم الذين دخلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب وناصروه بأنفسهم وأموالهم، وهذا هو المختار عند الشافعية، وعليه فإن الصدقة لا تحل لبني هاشم ولا لبني المطلب.
وهذا القول من حيث المآل يشتمل على القول الأول والثاني، حيث لا يوجد للنبي ص اليوم نسل إلا من فاطمة عليها السلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
/متن المنظومة/
-4- وبعدُ فالعلمُ ذخيرةُ الفَتى … وزادُهُ يومَ المعادِ إذْ أَتى
-5- ولن ينالَ منهُ غيَر بعضهِ … ولو تقضَّى عمرُهُ بركضهِ
-4- (وبعد) كلمة تقال قبل الشروع في المقصود، وأول من قالها قس بن ساعدة الإيادي، خطيب العرب في الجاهلية (فالعلم ذخيرة الفتى) أي زاد المرء ومعتمده في كل أمر يشرع فيه من أمور الدنيا وهو كذلك (وهو زاده يوم المعاد) يوم القيامة (إذ أتى) أي حين يحضر للحساب.
-5- (ولن ينال) أي طالب العلم (منه) أي من العلم (غير بعضه) أي لا يمكن تحصيل جميع العلوم (ولو تقضى عمره بركضه) أي مهما اجتهد في التحصيل وقد روي عن الإمام الشافعي قوله: كل شيء إذا أعطيته بعضك أعطاك كله إلا العلم فإنك لو أعطيته كلك لم يعطك إلا بعضه.
والعلم في الإسلام أشرف الغايات وأغلاها ترحل في تحصيله الأنبياء كما علمنا الله سبحانه في قصة موسى والخضر، وكما أمر الله سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم: {وقل ربي زدني علماً}
والعلم في الإسلام غاية لا وسيلة وقد ورد عن الإمام الشافعي قوله: لو بلغني أن أجلي بعد ساعة لاخترت أن أمضيها في طلب العلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
/متن المنظومة/
-6- لذاكَ فابدأْ منْهُ بالأهَمِّ … ولا تُبالي بالثَّنَا والذَّمِّ
-7- واعلم بأنَّ العلمَ نورٌ يقذفُ … لكلِّ قلبٍ ذاكرٍ يُلُقَّفُ
-6- (لذاك) ولما كان العمر قصيراً، والأجل غير معروف، نصح الناظم طالب العلم فقال (فابدأ منه بالأهم) ثم المهم (ولا تبالي بالثنا والذم) من الناس بل اجعل قصدك في تحصيل العلم رضا مولاك.
وقد سُمِعَ الإمام الشافعي يقول: وددنا أن هذا العلم انتفعت به الناس ولم ينسب إلينا منه شيء.
وقرأت على هامش كتاب رشحات عين الحياة، بخط شيخنا الشيخ أحمد كفتارو ما نصه: (أولاً نحسب حساب الله، وما سواه لا نرجوه ولا نخشاه)
-7- (واعلم) أيها السالك (بأن العلم نور يقذف) من الله عز وجل وقد سمى الله سبحانه القرآن الكريم علماً فقال: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} وسماه نوراً فقال: {ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} فالعلم والنور صفتان للقرآن الكريم.
(لكل قلب ذاكر يلقف) أي إنما يقذف الله هذا العلم لتلقفه القلوب الذاكرة المشرقة، وبهذا المعنى أثر عن الإمام الشافعي قوله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
/متن المنظومة/
شكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نُور … ونور الله لا يهدى لعاصي
والغفلة عن الله حجاب يحول بين طالب العلم وبين تحصيل المعرفة، إذْ كلما كانت النفس أكثر صفاء وطمأنينة كلما تقبلت من العلم أبواباً أكثر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
/متن المنظومة/
-8- والناسُ كالأرضِ إذا أصابَها … غيثٌ تفتَّحت لهُ أبوابُها
-9- فبعضُها تشربَّتْ قليلاً … وبعضُها لَمْ تَستفِدْ فَتِيلاً
-10- وبعضُها تفتَّحت سريعاً … فتلكَ نالت خيَرهُ جمَيعاً
-8- (والناس) في انتفاعهم بالعلم مثلهم كمثل (الأرض إذا أصابها غيث) من السماء (تفتحت له أبوابها) فاستقبلت ماء السماء، فكانت على ثلاثة أصناف:
-9- الصنف الأول من الأراضي يصيبها الماء فتشرب منه قليلاً وتحفظ منه قليلاً فينتفع به الناس (وبعضها لم تستفد فتيلاً) قاحلة جدباء لا يفيدها ماء السماء إلا وحلاً وطيناً.
-10- والصنف الثالث خصبة غزيرة، تفتحت لملاقاة الماء فنفع الله بها الناس فسقوا وزرعوا.
فالماء واحد ينزل طاهراً من السماء وإنما يتنوع حال الناس من الانتفاع به بحسب استعدادهم.
والأبيات الثلاثة إشارة إلى ما أخرجه البخاري من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
/متن المنظومة/
-11- والعلمُ في الإسلامِ نورُ اللهِ … تنالهُ من بابِ حبِّ الله
-12- فالأنبياءُ المخلصِوُن الُكمَّلُ … من بابِ حبِّ الله قَدْ تكَمَّلوُا
-11- لا ينفعك العلم عن العمل في الإسلام، ولا يقبل علم عامل حتى يعمل بما يعلم، وفي الزُبَدْ:
وعالم بعلمه لم يعملن … معذَّبٌ من قبل عُبَّادِ الوثن
وكل من بغير علم يعملُ … أعماله مردودة لا تقبلُ
وكان السلف لا يطلقون اسم (عالم) إلا على من عظمت خشيته، وكثرت طاعاته، واشتهر صلاحه
على قدر علم المرء يعظم خوفه … فلا عالم إلا من الله خائف
وعلوم الشرع علوم نظيفة طاهرة لا ينالها إلا من طهرت سريرته، وزكت نفسه، وعظمت محبته
ولما حدثك عن سبيل تحصيل العلم الشريف، شرع يضرب لك الأمثال عن سلوك الأنبياء والأولياء في تلقي هذا العلم الشريف من باب الاستقامة والطاعة
-12- والمخلِص (بالكسر) من أخلص قلبه لله، والمخلص (بالفتح) من استخلصه الله سبحانه واصطفاه فهو أرفع منزلة من الأول، غير أن الفريقين اشتركا في إخلاص التوجه إلى الله، وتصحيح المعاملة في ما بينهم وبين مولاهم سبحانه. وإنما تحصل لهم الكمال من باب الاشتغال بالله وحده الانقطاع عما سواه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
/متن المنظومة/
-13- فالطورُ والخليلُ والحجابُ … والغارُ والمزمورُ والهضَابُ
-14- مسالكُ الخلقِ لبابِ الحقَّ … بها ينالُ القصدَ أهلُ الصِّدْقِ
-13- لقد كان لكل نبي ولكل ولي معتكف يخلو به مع الله، وينقطع عن الأغيار، ومن استأنس بالله استوحش مما سواه، ففي جبل الطور كان موسى يخلو بربه سبحانه، وهو جبل موحش مقفر في قلب صحراء سيناء، غير أن موسى رآه عامراً بالأنس لما كلمه ربه فيه، وقد بلغ شوق موسى إلى الله عز وجل وتعلقه به حداً جعله ينسى شعب بني إسرائيل ويسرع إلى مناجاة الله في (الطور) حتى ذكره الله عز وجل بقومه {وما أعجلك عن قومك يا موسى} ، ولم يسجل القرآن لموسى من مناجاة الطور إلا سؤالاً واحداً: {ربِّ أرني أنظر إليك} الأعراف 7 وذلك شأن كل مشتاق، وفي الحديث القدسي: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين» رواه الترمذي والدارمي.
وأما (الخليل) فهي بلدة كان يعتكف فيها إبراهيم الخليل في فلسطين وقيل موضع في برزة بدمشق، وبها قبر ينسب إليه، وهو يعكس صورة ما بين الخليل وربه من تجليات وإشراق، حتى استحق أن يدعى خليل الله، وكان اشتغاله بالله عز وجل حباً وشوقاً يشغله عن مسألته، وفي الخبر أن إبراهيم عليه السلام لما قدم إلى النار، وكان قومه قد أوقدوا تحتها عشرة أيام، حتى عظم لهيبها، وكان الطير إذا طار فوقها سقط فيها مشوياً من شدة طول ألسنة اللهب فيها، فوضعوه في المنجنيق ودفعوه، فأتاه جبريل وهو في رمية المنجنيق فقال: يا إبراهيم. ألك من حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: سل ربك؟ قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي، {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} قال: المفسرون لو أن الله قال: يا نار كوني برداً على إبراهيم لمات إبراهيم في جوفها من شدة البرد، ولكن قال: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم.
و (الحجاب) إشارة إلى قوله عز وجل في مريم ابنة عمران {فاتخذت من دونهم حجاباً} والمراد أن مريم عليها السلام احتجبت عن قومها لتفرغ لعبادة الله، حتى طهرت نفسها وتزكت جوارحها، فأكرمها الله عز وجل بعيسى ابن مريم.
و (الغار) إشارة إلى غار حراء، وهو الغار الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد فيه قبل النبوة، وكانت قد حببت إليه الخلوة، فكان يخرج إلى الغار وهو كهف يتسع لرجل أو رجلين، في أعلى جبل أبي قبيس، يطل على مكة، يبلغه الفتى النشيط في نحو ساعة ونصف، ولا شك أن هذا الغار كان يمثل المدرسة التي تلقى فيها النبي صلى الله عليه وسلم معارف النبوة، ونفحات العلم الإلهي.
و (المزمور) إشارة إلى مزامير داود التي كان يتغنى بها في مناجاته لربه، وهي مجموعة من الأدعية والضراعات، كان يتغنى بها في جوف الليل، وهي تكشف لك عند تأملها، عن شفافية ما كان بين داود ومولاه من الشوق والحب.
و (الهضاب) وهي إشارة إلى تلك الخلوات التي كان يلتزمها العابدون في انقطاعهم عن الأغيار.
-14- (مسالك الخلق) أي هذه الخلوات التي كان يدخلها الأنبياء والأولياء، هي الدروب الصحيحة التي كانت تصلهم (لباب الحق) سبحانه وتعالى (بها ينال القصد أهل الصدق) وشعار السالكين: (إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)