وانهزموا، فكفّ عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم، ثم قفل فوافى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قد قدمها للحج سنة عشر، قال كعب بن الأحبار: لما قدم علي اليمن لقيته - وكان كعب إذ ذاك باليمن - فقلت له: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يخبرني عنها، وجعلت أتبسم فقال لي: ممن تبسم؟ قلت: مما يوافق ما عندنا في صفته إلى أن قال: وصدّقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به، إلى آخر ما فيه.
(62 - باب غزوة ذي الخلصة)
بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، وحكى ابن دريد فتح أوله وإسكان ثانيه، وحكى ابن هشام ضمها، وقيل: بفتح أوله وضم ثانيه والأول أشهر، والخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة، وحكى المبرد أن موضع ذي الخلصة صار مسجدًا جامعًا لبلدة يقال لها: العبلات من أرض خثعم، ووهم من قال: إنه كان في بلاد فارس(1)، انتهى.
وروى الحاكم في "الإكليل" من حديث البراء بن عازب قال: "قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مائة رجل من بجيلة وبني قشير مع جرير بن عبد الله، فسأله عن بني خثعم فأخبرهم أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثة مائة من الأنصار، وأمره أن يسير إلى خثعم فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم وهدم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وضع فيهم السيف"(2)، انتهى.
قلت: ذكرها صاحب "مجمع البحار"(3) في وقائع السنة العاشرة، ولم يذكرها صاحب "الخميس" ها هنا، واختار هو في ذكر وقائع هذه السنة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 71).
(2) "فتح الباري" (8/ 72).
(3) "مجمع بحار الأنوار" (5/ 292).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٣٦)
ترتيب الإمام البخاري، فذكر أولًا بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، ثم بعث خالد بن الوليد، ثم بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن، ثم بعث جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع، وسيأتي ذكر بعث جرير إلى ذي الكلاع في البخاري مع الكلام عليه.
(63 - باب غزوة ذات السلاسل. . .) إلخ
بمهملتين، والمشهور أنها بفتح الأولى على لفظ جمع السلسلة، وضبطه كذلك أبو عبيد البكري(1)، قيل: سمي المكان بذلك لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم، وقال: هو بمعنى السلسال، أي: السهل(2) قيل: سميت ذات السلاسل؛ لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، قال: وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة، وقيل: كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب "صحيح التاريخ"، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنهما كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق، فقال: قبلها، قلت: وهو قضية ما ذكر عن ابن سعد وابن أبي خالد(3).
قوله: (وهي غزوة لخم وجذام) وعند ابن إسحاق أنه ماء لبني جذام ولخم، أما لخم فبفتح اللام وسكون المعجمة: قبيلة كبيرة شهيرة ينسبون إلى لخم، واسمه مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، وأما جذام فبضم الجيم بعدها معجمة خفيفة: قبيلة كبيرة شهيرة أيضًا ينسبون إلى عمرو بن عدي وهم إخوة لخم على المشهور، وقيل: هم من ولد أسد بن خزيمة.
وقوله: (بلاد بلِيّ) بفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب: قبيلة كبيرة ينسبون إلى بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وأما--------------------------------------------
(1) "معجم ما استعجم" (3/ 744).
(2) "فتح الباري" (7/ 26).
(3) "فتح الباري" (8/ 74).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٣٧)
عذرة فبضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: قبيلة كبيرة ينسبون إلى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بضم اللام ابن الحاف ابن قضاعة، وأما بنوا القين فقبيلة كبيرة أيضًا ينسبون إلى القين بن حسر، ويقال: كان له عبد يسمى القين حضنه فنسب إليه.
ذكر ابن سعد أن جمعًا من قضاعة تجمّعوا وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص فعقد له لواءً أبيض، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمدّه بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين، وأمره أن يلحق بعمرو وأن لا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم بهم فمنعه عمرو، وقال: إنما قدمت عليّ مددًا وأنا الأمير، فأطاع له أبو عبيدة فصلى بهم عمرو، وتقدم في التيمم: أنه احتلم في ليلة باردة فلم يغتسل وتيمم وصلى بهم، الحديث، وسار عمرو حتى وطئ بلاد بلي وعذرة، وكذا ذكر موسى بن عقبة نحو هذه القصة.
وذكر ابن إسحاق أن أم عمرو بن العاص كانت من بلي، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرًا يستنفر الناس إلى الإسلام ويستألفهم بذلك، وروى إسحاق بن راهويه والحاكم من حديث بريدة أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا نارًا، فأنكر ذلك عمر، فقال له أبو بكر: دعه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه، فهذا السبب أصح إسنادًا من الذي ذكره ابن إسحاق، لكن لا يمتنع الجمع إلى آخر ما ذكر الحافظ في "الفتح"(1).
وقال أيضًا(2): وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليته عليهم، لكن يقتضي أن له فضلًا في الجملة، وقد روينا في "فوائد--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 74، 75).
(2) "فتح الباري" (8/ 75).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٣٨)
أبي بكر بن أبي الهيثم" من حديث رافع الطائي، قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا واستعمل عليهم عمرو بن العاص وفيهم أبو بكر"، قال: وهي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام، إلى أن قال الحافظ بعد ذكر رواية: وفيه إشعار بأن بعثه كان عقب إسلامه، وكان إسلامه في أثناء سنة سبع من الهجرة، انتهى.
(64 - باب ذهاب جرير إلى اليمن)
ذكر الطبراني من طريق إبراهيم بن جرير عن أبيه قال: "بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن أقاتلهم وأدعوهم أن يقولوا لا إله إلا الله"، فالذي يظهر أن هذا البعث غير بعثه إلى هدم ذي الخلصة، ويحتمل أن يكون بعثه إلى الجهتين على الترتيب، ويؤيده ما وقع عند ابن حبان في حديث جرير: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا جرير إنه لم يبق من طواغيت الجاهلية إلا بيت ذي الخلصة"، فإنه يشعر بتأخير هذه القصة جدًا، وسيأتي في حجة الوداع: أن جريرًا شهدها فكأن إرساله كان بعدها، فهدمها ثم توجه إلى اليمن، ولهذا لما رجع بلغته وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (كنت ياليمن) في رواية أبي إسحاق عن جرير عند ابن عساكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى ذي عمرو وذي الكلاع يدعوهما إلى الإسلام فأسلما، قال: وقال لي ذو الكلاع، أدخل على أم شرحبيل يعني: زوجته، وعند الواقدي في الردة بأسانيد متعددة نحو هذا.
وذو الكلاع بفتح الكاف وتخفيف اللام، واسمه اسميفع بسكون المهملة وفتح الميم وسكون التحتانية وفتح الفاء وبعدها مهملة، ويقال: أيفع بن باكوراء، ويقال: ابن حوشب بن عمرو، وأما ذو عمرو فكان أحد ملوك اليمن وهو من حمير أيضًا، ولم أقف له على اسم غيره، ولا رأيت من أخباره أكثر مما ذكر في حديث الباب، وكانا عزما على التوجه إلى المدينة فلما بلغهما وفاة النبي صلى الله عليه وسلم رجعا إلى اليمن، ثم هاجرا في زمن
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٣٩)
عمر، انتهى كله من "الفتح"(1).
(65 - باب غزوة سيف البحر. . .) إلخ
هو بكسر المهملة وسكون التحتانية وآخره فاء، أي: ساحل البحر.
قوله: (وهم يتلقون عيرًا لقريش. . .) إلخ، هو صريح ما في الرواية الثانية في الباب حيث قال فيها: "نرصد عير قريش"، وقد ذكر ابن سعد وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثهم إلى حي من جهينة بالقبلية بفتح القاف والموحدة مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيدًا، وأن ذلك كان في رجب سنة ثمان، وهذا لا يغاير ظاهره ما في الصحيح؛ لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش ويقصدون حيًّا من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما عند مسلم عن جابر قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثًا إلى أرض جهينة" فذكر هذه القصة، لكن تلقى عير قريش ما يتصور أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان؛ لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة، بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست أو قبلها قبل هدنة الحديبية، نعم يحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدًا، بل فيه أنهم قاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد، فالله أعلم.
قوله: (وأَمَّر عليهم أبا عبيدة) في رواية أبي حمزة الخولاني في الأطعمة: فأمّر علينا قيس بن سعد بن عبادة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين أنه أبو عبيدة، وكأن أحد رواته ظن من صنيع قيس بن سعد في تلك الغزوة ما صنع من نحر الإبل التي اشتراها أنه كان أمير السرية، وليس كذلك، انتهى(2).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 76).
(2) انظر: "فتح الباري" (8/ 78).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤٠)
قلت: وذكر الإمام مالك رحمه الله هذه القصة في "موطئه" في الأطعمة من حديث جابر المذكور في هذا الباب، وبسط الكلام في "الأوجز"(1) في تعيين تلك الغزوة وتاريخها، وفيه: ذكر هذه الغزوة صاحب "الخميس"(2) في سنة ثمان، فقال: وفي رجب هذه السنة كانت سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، وهي سرية الخبط، وكان فيها ثلثمائة من المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب وقيس بن سعد بن عبادة، انتهى.
وذكرها ابن الجوزي في "التلقيح"(3) بعد عمرة القضاء قبل فتح مكة، وذكرها صاحب "المجمع"(4) في سنة ثمان، وإليه يظهر ميل البخاري، لكن مال الحافظ في موضع من "الفتح"(5) إلى أنها في السنة الثانية إذ قال: زعم الواقدي أن هذه القصة كانت في رجب سنة ثمان، وهو عندي خطأ إلى آخر ما تقدم، ثم إلى أن قال: ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك، أي: كونها في السنة الثانية بقول جابر في رواية مسلم: "إنهم خرجوا في غزوة بواط" فذكر فيها قصة الحوت نحو حديث الباب، وغزوة بواط كانت في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم خرج في مائتين من أصحابه يعترض عيرًا لقريش، فبلغ بواطًا، وهي جبال الجهينة مما يلي الشام، بينها وبين المدينة أربعة برد، فلم يلق أحدًا فرجع، فكأنه أفرد أبا عبيدة فيمن معه يرصدون العير المذكور، ويؤيد تقدم أمرها ما ذكر فيها من القلة والجهد، والواقع أنهم في سنة ثمان اتسع حالهم بفتح خيبر وغيرها، والجهد المذكور في القصة يناسب ابتداء الأمر، فيترجح ما ذكرته، انتهى من "الفتح".
قلت: والأوجه عندي أن يقال: إنهم خرجوا ابتداء لعير قريش، ثم أفرد صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة ومن معه بعثًا إلى جهينة، فتجتمع الروايتان، وما أيَّد به الحافظ كلامه من زمان العسرة، يشكل عليه أن غزوة تبوك كانت بعد فتح--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (16/ 383 - 400).
(2) "تاريخ الخميس" (2/ 75).
(3) "تلقيح فهوم أهل الأثر" (ص 70).
(4) "مجمع بحار الأنوار" (5/ 288).
(5) "فتح الباري" (8/ 78).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤١)
مكة بلا خلاف، وتسمى جيش العسرة، وللتوجيه مساغ، وما الزيلعي تبعًا لعبد الحق أنهما قصتان، وتعقب كلامه الحافظ في "الفتح" ومال إلى توحيدهما، انتهى من "الأوجز"(1)، وتقدم ذكر غزوة بواط في أول المغازي.
(66 - باب حج أبي بكر بالناس في سنة تسع)
كذا في النسخ الهندية، وليس في نسخ الشروح الثلاثة لفظة "باب".
قال الحافظ(2): كذا جزم به، ونقل المحب الطبري عن "صحيح ابن حبان" أن فيه عن أبي هريرة: "لما قفل النبي صلى الله عليه وسلم من حنين اعتمر من الجعرانة وأَمَّر أبا بكر في تلك الحجة"، قال المحب: إنما حج أبو بكر سنة تسع والجعرانة كانت سنة ثمان، قال: وإنما حجّ فيها عتاب بن أسيد، كذا قال، وكأنه تبع الماوردي فإنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَر عتابًا أن يحج بالناس عام الفتح، والذي جزم به الأزرقي في "أخبار مكة" خلافه فقال: لم يبلغنا أنه استعمل في تلك السنة على الحج أحدًا، وإنما ولى عتابًا إمرة مكة فحج المسلمون والمشركون جميعًا، وكان المسلمون مع عتاب لكونه الأمير.
قلت: والحق أنه لم يختلف في ذلك، وإنما وقع الاختلاف في أي شهر حج أبو بكر رضي الله عنه، فذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في "الإكليل"، ومن عدا هذين إما مصرح بأن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة - كالداودي وبه جزم من المفسرين الرماني والثعلبي والماوردي وتبعهم جماعة - وإما ساكت، والمعتمد ما قاله(3) مجاهد وبه جزم الأزرقي، ويؤيده أن ابن إسحاق صرّح بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوالًا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج، فهو--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (16/ 384).
(2) "فتح الباري" (8/ 82).
(3) كذا في نسخة "الفتح" التي بأيدينا وعلى هذا لا يتم التقريب، [ز].
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤٢)
ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة، فيكون حجه في ذي الحجة على هذا، والله أعلم.
وذكر الواقدي أنه خرج في تلك الحجة مع أبي بكر ثلاثمائة من الصحابة، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بدنة، انتهى.
وقال العلَّامة العيني(1): ولم يختلف في أن حجه كان في سنة تسع، ولكنهم اختلفوا في أي شهر حج أبو بكر، فذكر أقوالًا ثلاثة كما تقدم في كلام الحافظ من أنها في ذي القعدة أو في ذي الحجة، والقول الثالث السكوت، وتقدم شيء من الكلام عليه في هامش "اللامع"(2) في أول بدء الخلق تحت قوله: "إن الزمان استدار كهيئته".
قال الحافظ(3): (تنبيه): وقع هنا ذكر حجة أبي بكر قبل الوفود، والواقع أن ابتداء الوفود كان بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة في أواخر سنة ثمان وما بعدها، بل ذكر ابن إسحاق أن الوفود كانوا بعد غزوة تبوك، نعم اتفقوا على أن ذلك كله كان في سنة تسع، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة قال: كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود، وقد تقدم في غزوة الفتح في حديث عمرو بن سلمة: "كانت العرب تلوم بإسلامها الفتح" الحديث، فلما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، ولعل ذلك من تصرف الرواة كما قدمته غير مرة، وسيأتي نظير هذا في تقديم حجة الوداع على غزوة تبوك، وقد سرد محمد بن سعد في "الطبقات" الوفود، وتبعه الدمياطي في "السيرة" التي جمعها، وتبعه ابن سيد الناس، ومغلطاي، وشيخنا في نظم السيرة، ومجموع ما ذكروه يزيد على الستين، انتهى من "الفتح".
(67 - باب وفد بني تميم)
وليس في نسخ الشروح لفظ "باب"، قال العلَّامة العيني: شرح البخاري من ها هنا في بيان الوفود ذكر ابن إسحاق أن أشراف بني تميم--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (12/ 331).
(2) "لامع الدراري" (7/ 335، 336).
(3) "فتح الباري" (8/ 83).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤٣)
قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عطارد بن حاجب الدارمي والأقرع بن حابس الدارمي وقيس بن عاصم المنقري وغيرهم، وقال ابن إسحاق: عيينة بن حصن، وقد كان الأقرع وعيينة شهدا الفتح، ثم كانا مع بني تميم، فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجرته، فنزل فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} [الحجرات: 4] إلى قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 5] فأسلموا، وجوَّزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل اثني عشرة أوقية ونشًا، وأعطى لعمر بن الأهتم خمس أواق لحداثة سنه، وكان هذا قبل الفتح، انتهى.
وهكذا في "الفتح"، وقد مرَّ آنفًا الكلام على تعيين زمن الوفود وغير ذلك.
(68 - باب، قال ابن إسحاق: غزوة عيينة بن حصن. . .) إلخ
قال العلَّامة العيني(1): بعد ذكر لفظ: "باب"، أي: هذا باب، ولا يعرّب إلا بهذا التقدير؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بالعقد والتركيب، وهذا كالفصل لما قبله، انتهى.
فكأنه جعله بابًا بغير ترجمة، ولم يتعرض له الحافظ والقسطلاني لذلك.
قال الحافظ(2): ذكر الواقدي أن سبب بعث عيينة أن بني تميم أغاروا على ناس من خزاعة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم عيينة بن حصن في خمسين، ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيًا، فقدم رؤساؤهم بسبب ذلك، قال ابن سعد: كان ذلك في المحرم سنة تسع، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (12/ 333).
(2) "فتح الباري" (8/ 84).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤٤)
(69 - باب وفد عبد القيس)
هي قبيلة كبيرة يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى - بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى - ابن دعمي - بضم ثم سكون المهملة وكسر الميم بعدها تحتانية ثقيلة - ابن جديلة - بالجيم وزن كبيرة - ابن أسد بن ربيعة بن نزار، والذي تبين لنا أنه كان لعبد القيس وفادتان:
إحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: "بيننا وبينك كفار مضر"، وكان ذلك قديمًا إما في سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين أو قرية أقيمت فيها الجمعة بعد المدينة كما ثبت في آخر حديث في الباب، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلًا، وفيها سألوا عن الإيمان وعن الأشربة، وكان فيهم الأشجع، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" كما أخرج ذلك مسلم من حديث أبي سعيد.
وثانيتهما: كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذ أربعين رجلًا كما في حديث أبي حيوة الصناحي الذي أخرجه ابن منده، وكان فيهم الجارود العبدي، وقد ذكر ابن إسحاق قصته، وأنه كان نصرانيًا فأسلم وحسن إسلامه، ويؤيد التعدد ما أخرجه ابن حبان من وجه آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "ما لي أرى ألوانكم تغيرت" ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير، انتهى كله من "الفتح"(1).
قلت: وبسط الكلام على الوفادتين في هامش "اللامع" في أوائل كتاب الجمعة أشدّ البسط مع ترجيح الراجح فارجع إليه لو شئت.
قوله في أول أحاديث الباب: (قدم وفد عبد القيس. . .) إلخ، قال القسطلاني(2): أي: القدمة الثانية، وهكذا في بين سطور نسخ الهندية.
والصواب عندي القدمة الأولى، كما تقدم عن "الفتح".--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 85، 86).
(2) "إرشاد الساري" (9/ 400).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤٥)
(70 - باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال)
أما حنيفة فهو ابن لجيم - بجيم - ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهي قبيلة كبيرة شهيرة ينزلون اليمامة بين مكة واليمن، وكان وفد بني حنيفة كما ذكره ابن إسحاق وغيره في سنة تسع، وذكر الواقدي أنهم كانوا سبعة عشر رجلًا فيهم مسيلمة، وأما ثمامة بن أثال فأبوه بضم الهمزة وبمثلثة خفيفة ابن النعمان بن مسلمة الحنفي، وهو من فضلاء الصحابة، وكانت قصته قبل وفد بني حنيفة بزمان، فإن قصته صريحة في أنها كانت قبل فتح مكة كما سنبينه، وكأن البخاري ذكرها ها هنا استطرادًا.
قوله: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلًا قبل نجد) أي: بعث فرسان خيل إلى جهة نجد، وزعم سيف في "كتاب الزهد" له أن الذي أخذ ثمامة وأسره هو عباس بن عبد المطلب، وفيه نظر؛ لأن العباس إنما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمان فتح مكة، وقصة ثمامة تقتضي أنها كانت قبل ذلك بحيث اعتمر ثمامة، ثم رجع إلى بلاده، ثم منعهم أن يميروا أهل مكة، ثم شكا أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ثم بعث يشفع فيهم عند ثمامة، انتهى من "الفتح"(1).
قلت: وذكر صاحب "الخميس"(2) في وقائع السنة السادسة، فقال: وفي محرم هذه السنة لعشر خلون منه كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء بطن من أبي بكر بن كلاب، روي أنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة في ثلاثين راكبًا على جماعة من بني بكر بن كلاب بموضع يقال له: الضرية بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وتشديد التحتانية قرية على سبع مراحل بطريق خارج البصرة إلى مكة، وأمره أن يغير عليهم بغتة، وكان محمد يسير بالليل ويختفي بالنهار حتى أغار عليهم فجاءة، وهم عارون غافلون، وهرب سائرهم، وعند الدمياطي قتل نفرًا منهم، وهرب سائرهم،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 87).
(2) "تاريخ الخميس" (2/ 2، 3).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤٦)
وأصاب منهم خمسين بعيرًا وثلاثة آلاف شاة وساقها، وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه بعد إخراج الخمس، وكانت غيبته في تلك السرية تسع عشرة ليلة، وكان معه ثمامة بن أثال الحنفي سيد اليمامة أسيرًا فربط بسارية من سواري المسجد، انتهى.
قلت: ولذا ذكر البخاري هذا الحديث في "باب ربط الأسير في المسجد" مختصرًا.
قال العلَّامة العيني(1): مطابقته للجزء الثاني من الترجمة ظاهرة، وقال بعد ذكر الحديث الثاني: مطابقته للجزء الأول من الترجمة؛ لأن مسيلمة قدم في وفد بني حنيفة، قال ابن إسحاق: ادعى مسيلمة النبوَّة سنة عشر، وقدم مع قومه، إلى آخر ما ذكر.
قوله: (وقدمها في بشر كثير. . .) إلخ، قال الواقدي: كان معه من قومه سبعة عشر نفسًا، وقال الحافظ(2) بحثًا على قصة قدومه: يحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين إلى آخر ما ذكر فارجع إليه.
(71 - باب قصة الأسود العنسي)
بسكون النون، وحكى ابن التِّين جواز فتحها، ولم أر له في ذلك سلفًا، ثم قال بعد ذكر حديث الباب: أما مسيلمة فقد ذكرت خبره، وأما العنسي وفيروز فكان من قصة أن العنسي وهو الأسود واسمه عبهلة بن كعب، وكان يقال له أيضًا: ذو الخمار بالخاء المعجمة؛ لأن كان يخمر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وكان الأسود وقد خرج بصنعاء وادعى النبوَّة وغلب على عامل صنعاء المهاجر بن أبي أمية، ويقال له: إنه مر به فلما حازاه عشر الحمار فادعى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئًا فقام، وروى البيهقي في "الدلائل": خرج الأسود الكذاب وهو من بني عنس--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (12/ 338 - 340).
(2) "فتح الباري" (8/ 89).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤٧)
- يعني: بسكون النون - وكان معه شيطانان، يقال لأحدهما: سحيق بمهملتين وقاف مصغر، والآخر شقيق بمعجمة وقافين مصغر، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، وكان باذان عامل النبي صلى الله عليه وسلم بصنعاء فمات، فجاء شيطان الأسود فأخبره فخرج في قومه حتى ملك صنعاء وتزوج المرزبانة زوجة باذان، فذكر القصة في مواعدتها دادويه وفيروز وغيرهما حتى دخلوا على الأسود ليلًا، وقد سقته المرزبانة الخمر صرفًا حتى سكر، وكان على بابه ألف حارس فنقب فيروز ومن معه الجدار حتى دخلوا فقتله فيروز واحتز رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة فوافى بذلك عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو الأسود: عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيوم وليلة، فأتاه الوحي فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفن النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى(1).
(72 - باب قصة أهل نجران)
بفتح النون وسكون الجيم بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن يشتمل على ثلاثة وسبعين قرية مسيرة يوم للراكب السريع، كذا في زيادات يونس بن بكير بإسناد له في المغازي، وذكر ابن إسحاق أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهم حينئذ عشرون رجلًا لكن أعاد ذكرهم في الوفود بالمدينة فكأنهم قدموا مرتين، وقال ابن سعد: كان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم فخرج إليه وفدهم في أربعة عشر رجلًا من أشرافهم، وعند ابن إسحاق أيضًا من حديث كرز بن علقمة، أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلًا وسرد أسماءهم، انتهى من "الفتح"(2).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 92، 93).
(2) "فتح الباري" (8/ 94).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤٨)
(73 - باب قصة عمان والبحرين)
أما البحرين فبلد عبد القيس بين البصرة وعُمان، وأما عُمان فبضم المهملة وتخفيف الميم، قال عياض(1) هي فرضة بلاد اليمن، لم يزد في تعريفها على ذلك، وقال الرشاطي: عُمان في اليمن سميت بعُمان بن سبأ، ينسب إليه الجلندي رئيس أهل عُمان، ذكر وثيمة أن عمرو بن العاص قدم عليه من عند النبي صلى الله عليه وسلم فصدقه، وذكر غيره أن الذي آمن على يد عمرو بن العاص ولدا الجلندي عياذ وجيفر، وكان ذلك بعد خيبر، ذكره أبو عمرو، انتهى.
وروى الطبراني من حديث المسور بن المخرمة قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك" فذكر الحديث، وفيه: "وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعياذ ابني الجلندي ملك عُمان"، فرجعوا جميعًا قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمرًا فإنه توفي وعمرو بالبحرين.
وفي هذا إشعار بقرب عُمان من البحرين، وبقرب البعث إلى الملوك من وفاته صلى الله عليه وسلم، فلعلها كانت بعد حنين فتصحفت، ولعل المصنف أشار بالترجمة إلى هذا الحديث لقوله في حديث الباب: "فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(تنبيهان): بعمل الشام بلدة يقال لها: عمَّان لكنها بفتح العين وتشديد الميم، وليست مرادة ها هنا قطعًا، وإنما وقع اختلاف الرواة فيما وقع في صفة الحوض النبوي كما سيأتي في مكانه حيث جاء في بعض طرقه ذكر عمان، وجيفر مثل جعفر: إلا أن بدل العين تحتانية، وعياذ بفتح المهملة وتشديد التحتانية وآخره ذال معجمة، والجلندي بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون والقصر، انتهى من "الفتح"(2).--------------------------------------------
(1) "مشارق الأنوار" (2/ 135).
(2) "فتح الباري" (8/ 95، 96).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٤٩)
(74 - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن)
هو من عطف العام على الخاص؛ لأن الأشعريين من أهل اليمن، ومع ذلك ظهر لي أن في المراد بأهل اليمن خصوصًا آخر، وهو ما سأذكره من قصة نافع بن زيد الحميري أنه قدم وافدًا في نفر من حمير، وبالله التوفيق.
ثم قال: كان قدوم أبي موسى عند فتح خيبر لما قدم جعفر بن أبي طالب، وقيل: إنه قدم عليه بمكة قبل الهجرة ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قدم الثانية صحبة جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر ثم قدموا صحبته، وعلى هذا فإنما ذكره البخاري ها هنا ليجمع ما وقع على شرطه من البعوث والسرايا والوفود، ولو تباينت تواريخهم، ومن ثم ذكر غزوة سيف البحر مع أبي عبيدة بن الجراح، وكانت قبل فتح مكة بمدة، وكنت أظن قوله: "وأهل اليمن" بعد الأشعريين من عطف العام على الخاص، ثم ظهر لي أن لهذا العام خصوصًا أيضًا، وأن المراد بهم بعض أهل اليمن وهم وفد حمير، فوجدت في "كتاب الصحابة" لابن شاهين من طريق إياس بن عمير الحميري: أنه قدم وافدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من حمير فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين، الحديث، وقد ذكرت فوائده في أول بدء الخلق.
وحاصله: أن الترجمة مشتملة على طائفتين، وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، فإن قدوم الأشعريين كان مع أبي موسى في سنة سبع عند فتح خيبر، وقدوم وفد حمير في سنة تسع وهي سنة الوفود، ولأجل هذا اجتمعوا مع بني تميم، وقد عقد محمد بن سعد في الترجمة النبوية من الطبقات للوفود بابًا، وذكر فيه القبائل من مضر ثم من ربيعة ثم من اليمن، وكاد يستوعب ذلك بتلخيص حسن، وكلامه أجمع ما يوجد في ذلك مع أنه ذكر وفد حمير، ولم يقع له قصة نافع بن زيد التي ذكرتها،
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٥٠)
انتهى كله من "الفتح"(1).
(75 - باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي)
بفتح الدال المهملة وسكون الواو، ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد، وقوله: "الطفيل بن عمرو" أي: قصة الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، وله حكاية عجيبة غريبة طويت ذكرها مخافة التطويل، انتهى من "العيني"(2).
وقال الحافظ(3): كان يقال له (أي: للطفيل): ذو النور - آخره راء - لأنه لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم بعثه إلى قومه فقال: اجعل لي آية، فقال: "اللَّهم نور له"، فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا: إنه مثلة، فتحول إلى طرف سوطه، وكان يضيء في الليلة المظلمة، ذكره هشام بن الكلبي في قصة طويلة، وفيها أنه دعا قومه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمه، وأجابه أبو هريرة وحده.
قلت: وهذا يدل على تقدم إسلامه، وقد جزم ابن أبي حاتم بأنه قدم مع أبي هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية، انتهى.
(76 - باب قصة وفد طيئ)
وحديث عدي بن حاتم، أي: ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج - بوزن جعفر - ابن امرئ القيس بن عدي الطائي، منسوب إلى طيئ - بفتح المهملة وتشديد التحتانية المكسورة بعدها همزة - ابن أدد ابن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ يقال: كان اسمه جلهمة فسمي طيئًا؛ لأنه أول من طوى بئرًا، ويقال: أول من طوى المناهل، وأخرج مسلم--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 97).
(2) "عمدة القاري" (12/ 353).
(3) "فتح الباري" (8/ 101، 102).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٥١)
من وجه آخر عن عدي بن حاتم قال: أتيت عمر فقال: إن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه أصحابه صدقة طيئ جئت بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم"
وقال الحافظ بعد ذكر الحديث: روى الترمذي من وجه آخر عن عدي بن حاتم قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فقال: هذا عدي بن حاتم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يقول: إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي"، انتهى(1).
(77 - باب حجة الوداع)
بكسر الحاء المهملة وبفتحها، وبكسر الواو وبفتحها، ذكر جابر في حديثه الطويل في صفتها كما أخرجه مسلم وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين - أي: منذ قدم المدينة - لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم" الحديث، وعند الترمذي من حديث جابر: "أنه صلى الله عليه وسلم حجّ قبل أن يهاجر ثلاث حجج"، وعن ابن عباس مثله أخرجه ابن ماجه والحاكم.
قلت: وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، فإنهم قدموا أولًا فتواعدوا، ثم قدموا ثانيًا فبايعوا البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثًا فبايعوا البيعة الثانية كما تقدم بيانه أول الهجرة، وهذا لا يقتضي نفي الحج قبل ذلك، وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثوري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم حجّ قبل أن يهاجر حِججا".
وفي حديث ابن عباس أن خروجه من المدينة كان لخمس بقين من ذي القعدة أخرجه المصنف في الحج، وأخرجه هو ومسلم من حديث عائشة مثله، وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس، وفيه نظر؛ لأن أول--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 102، 103).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٥٢)
ذي الحجة كان يوم الخميس قطعًا لما ثبت وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعين أن أول الشهر يوم الخميس فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في الصحيحين عن أنس: "صلينا الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين" فدلّ على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويحمل قول من قال: "لخمس بقين" أي: إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين، فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليال لا خمس، وبهذا تتفق الأخبار، هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات.
وكان دخوله صلى الله عليه وسلم مكة صبح رابعة كما ثبت في حديث عائشة، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال، وهي المسافة الوسطى.
ثم ذكر المصنف في الباب سبعة عشر حديثًا تقدم غالبها في كتاب الحج، انتهى(1).
قلت: واختار ابن القيم أيضًا في "زاد المعاد"(2) خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم السبت وهو الراجح عندي كما حققته في "جزء حجة الوداع" لهذا العبد الضعيف، وتقدم تعريفه في كتاب الحج، وذكرت فيه أن هذه الحجة كما تسمى بحجة الوداع تسمى بحجة الإسلام، وبحجة البلاغ، وبحجة التمام أيضًا، وفيه أيضًا حكى صاحب "الخميس"(3) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كره أن تسمى بحجة الوداع، قلت: لكن تسميته بحجة الوداع هو الأشهر من بين أساميه كما قال العلَّامة العيني، ووقع هذه التسمية في عدة أحاديث صحيحة، فكان ما ذهب إليه ابن عباس مذهبًا تفرد به.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 103، 104).
(2) "زاد المعاد" (2/ 102).
(3) "تاريخ الخميس" (2/ 148).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٥٣)
ثم لا يذهب عليك أن الشرَّاح استشكلوا ذكر حجة الوداع ها هنا قبل غزوة تبوك، وجعلوا ذلك من تصرف النساخ، كما سيأتي هناك، وفي "الفيض"(1): ولم يظهر لي وجه تقديمها على غزوة تبوك مع كونها في السنة التاسعة وتلك في العاشرة، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المصنف رحمه الله قصد بذكر ها هنا بعد الفراغ من بيان الوفود الإشارة إلى أن سلسلة الوفود انجرت إلى حجة الوداع، ولذا لم يذكر بعدها وفدًا كما ترى، وأما كونها بعد غزوة تبوك فكان معروفًا بين العام والخاص فلم يلتفت إلى ذلك، والله تعالى أعلم.
ثم إن المصنف ذكر تحت هذا الباب حديث ابن عمر سادس أحاديث الباب، قال القسطلاني(2) تبعًا للحافظ: قد استشكل دخول هذا الحديث في باب حجة الوداع؛ لأن فيه التصريح بأن القصة كانت عام الفتح، وعام الفتح كان سنة ثمان وحجة الوداع، كانت سنة عشر، انتهى.
والعجب من العلَّامة العيني إذ قال(3): مطابقته للترجمة في قوله: "عام الفتح"؛ لأن حجة الإسلام كانت فيه، وهو حجة الوداع، انتهى ولم أتحصل ما قال.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(4) بعد ذكر الإشكال: والجواب: أنه إثبات لما اختلفوا فيه من دخوله في البيت يوم حجة الوداع فمن مثبت لذلك وناف له، فأورد هذا الحديث تنبيهًا على أنه إذا دخل البيت يوم الفتح، ولم يكن سفره هذا لقصد زيارة البيت، بل للجهاد والغزو، فأولى أن يكون دخله في الحج لوقوع سفره هذا للبيت خاصة، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (5/ 149).
(2) "إرشاد الساري" (9/ 431)، و"فتح الباري" (8/ 106).
(3) "عمدة القاري" (12/ 358).
(4) "لامع الدراري" (8/ 391، 392).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٥٤)
قلت: وهذا يقال له: الإثبات بالأولوية، وهو أصل مطرد من أصول التراجم.
(78 - باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة)
هكذا أورد المصنف هذه الترجمة بعد حجة الوداع، وهو خطأ، وما أظن ذلك إلا من النساخ، فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفًا لقول من قال: في رجب إذا حذفنا الكسور؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة.
وتبوك مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال: بين المدينة وبينها أربع عشرة مرحلة، وذكرها في "المحكم" في الثلاثي الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتل فإنه قال: جاءها النبي صلى الله عليه وسلم وهم يبوكون مكان مائها بقدح فقال: ما زلتم تبوكونها، فسميت حينئذ تبوك.
قوله: (وهي غزوة العسرة) بمهملتين الأولى مضمومة، بعدها سكون مأخوذ من قوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117] وهي غزوة تبوك، وفي حديث ابن عباس: "قيل لعمر: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فأصابنا عطش" الحديث، أخرجه ابن خزيمة، وفي "تفسير عبد الرزاق": عن معمر عن ابن عقيل قال: "خرجوا في قلة من الظَّهر، وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة من الماء وفي الظَّهر وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة". وتبوك المشهور فيها عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، ووقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة، ثم ذكر الحافظ عدة روايات من حديث مسلم وأحمد وغيرهما.
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٦٥٥)