منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبًا.
والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها، والذي حمل القائلين بهذا على ما قالواه قوله: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فجواب تأويل الباءة على المؤن، وانفصل القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور، انتهى إلى آخر ما بسط الكلام عليه الحافظ قُدِّس سرُّه فارجع إليه لو شئت المزيد.
وقد بسط الحافظ أيضًا الكلام على حكم النكاح وقال: وقد قسم العلماء الرجل في التزويج إلى أقسام، ثم بسطها، وأيضًا ذكر عدة روايات واردة في الترغيب بالنكاح، وذكر من جملتها الحديث المعروف على الألسنة لكن لم يخرجه بل أحاله على السابق حيث قال: وقد تقدم في الباب الأول الإشارة إلى حديث عائشة: "النكاح سُنَّتي فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني"، انتهى. لكن لم أجد تلك الإشارة في الباب الأول فليتتبع.
(3 - باب من لم يَسْتطع الباءةَ فلْيصُم)
قال الحافظ(1): أورد فيه حديث ابن مسعود المذكور في الباب قبله، وهذا اللفظ ورد في رواية الثوري عن الأعمش في حديث الباب فعند الترمذي عنه بلفظ: "فمن لم يستطع الباءة فعليه بالصوم" وعند النسائي بلفظ: "ومن لا فليصم"، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 112).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٦٧)
(4 - باب كثرة النساء)
يعني لمن قدر على العدل بينهن، وهكذا قال القسطلاني والعيني(1).
قلت: ولعل المصنف أراد الترغيب إليها يعني بالشرط الذي ذكره الشرَّاح.
قوله: (كان عند النبي صلى الله عليه وسلم تسع) أي: عند موته وهن: سودة وعائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش وأم حبيبة وجويرية وصفية وميمونة رضي الله عنهن، هذا ترتيب تزويجه إياهن، ومات وهن في عصمته، واختلف في ريحانة هل كانت زوجة أو سرية وهل ماتت قبله أو لا.
قوله: (كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة) زاد مسلم في روايته: قال عطاء: التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب، قال عياض: قال الطحاوي: هذا وهم وصوابه سودة كما تقدم أنها وهبت يومها لعائشة، وإنما غلط فيه ابن جريج راويه عن عطاء، كذا قال، قال عياض: قد ذكروا في قوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} [الأحزاب: 51] أنه آوى عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة، فكان يستوفي لهن القسم وأرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية فكان يقسم لهن ما شاء، قال: فيحتمل أن تكون رواية ابن جريج صحيحة ويكون ذلك في آخر أمره حيث آوى الجميع فكان يقسم لجميعهن إلا لصفية، قلت: وقد أخرج ابن سعد من ثلاثة طرق: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم لصفية كما يقسم لنسائه"، لكن في الأسانيد الثلاثة الواقدي وليس بحجة، فيترجح أن مراد ابن عباس بالتي لا يقسم لها سودة كما قاله الطحاوي، لحديث عائشة: "أن سودة وهبت يومها لعائشة" وسيأتي في باب مفرد قبل كتاب الطلاق بأربعة وعشرين بابًا، والراجح عندي ما ثبت في "الصحيح"، ولعل البخاري حذف هذه الزيادة عمدًا، انتهى من "الفتح"(2).--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (11/ 390)، و"عمدة القاري" (14/ 9).
(2) "فتح الباري" (9/ 113).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٦٨)
(فائدة): ذكر الحافظ في حكمة استكثاره صلى الله عليه وسلم من النساء عشرة أوجه، فارجع إليه لو شئت(1).
(5 - باب من هاجر أو عمِلَ خيرًا لتزويج امرأةٍ فله ما نوى)
قال الحافظ(2): ذكر فيه حديث عمر بلفظ "العمل بالنية، وإنما لامرئ ما نوى" وقد تقدم شرحه مستوفى في أول الكتاب، وما ترجم به من الهجرة منصوص في الحديث، ومن عمل الخير مستنبط لأن الهجرة من جملة أعمال الخير، فكما عمم في الخير في شق المطلوب وتممه بلفظ "فهجرته إلى ما هاجر إليه" فكذلك شق الطلب يشمل أعمال الخير هجرة أو حجًّا مثلًا أو صلاة أو صدقة، وقصة مهاجر أم قيس أوردها الطبراني مسندة والآجري في "كتاب الشريعة" بغير إسناد، انتهى.
قال القسطلاني(3): قال في "الفتح": وهو محمول على أنه رغب في الإسلام ودخله من وجه وضم إلى ذلك إرادة التزويج المباح فصار كمن نوى بصومه العبادة والحمية، وأما إذا نوى العبادة وخالطها شيء مما يغاير الإخلاص فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف: أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان في ابتدائه لله خالصًا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره، والله أعلم.
(6 - باب تزويج المُعْسِر الذي معه القرآن والإسلام، فيه سهل بن سعد)
يعني: حديث سهل بن سعد في قصة التي وهبت نفسها، وما ترجم به مأخوذ من قوله: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئًا ومع--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (9/ 115).
(2) "فتح الباري" (9/ 115).
(3) "إرشاد الساري" (11/ 395).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٦٩)
ذلك زوجه، ثم ذكر طرفًا من حديث ابن مسعود "كنا نغزو وليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك" وقد تلطف المصنف في استنباطه الحكم كأنه يقول: لما نهاهم عن الاختصاء مع احتياجهم إلى النساء - وهم مع ذلك لا شيء لهم كما صرَّح به في نفس هذا الخبر كما سيأتي تامًا بعد باب واحد - وكان كل منهم لا بد وأن يكون حفظ شيئًا من القرآن فيتعين التزويج بما معهم من القرآن، فحكمة الترجمة من حديث سهل بالتنصيص ومن حديث ابن مسعود بالاستدلال، انتهى(1).
(7 - باب قول الرجل لأخيه: انظر أي زوجتي شئت حتى أنزل لك عنها)
هذه الترجمة لفظ حديث عبد الرحمن بن عوف في البيوع، قاله الحافظ(2).
قال القسطلاني(3): قوله: "حتى أنزل لك" بفتح الهمزة وكسر الزاي، أي: أطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجها، وحديث الباب قد مر في البيع، انتهى.
قال الحافظ(4): وفي الحديث ما كانوا عليه من الإيثار حتى بالنفس والأهل، وفيه جواز نظر الرجل إلى المرأة عند إرادة تزويجها، وجواز المواعدة بطلاق المرأة وسقوط الغيرة في مثل ذلك، إلى آخر ما ذكر.
ولا يبعد عندي أنه أشار إلى الجواز لما يدل على التحريم ما ورد من الوعيد عن الخطبة على خطبة أخيه وسؤال المرأة طلاق أختها، وعلى هذا لا يلزم التكرار بما سيأتي من "باب النظر إلى المرأة قبل التزويج".--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (9/ 116).
(2) "فتح الباري" (9/ 117).
(3) "إرشاد الساري" (11/ 396، 397).
(4) "فتح الباري" (9/ 117).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧٠)
(8 - باب ما يكره من التبتل والخِصَاء)
قال الحافظ(1): المراد بالتبتل هنا الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة، وأما المأمور به في قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] فقد فسَّره مجاهد فقال: أخلص له إخلاصًا، وهو تفسير معنى، وإلا فأصل التبتل الانقطاع، والمعنى انقطع إليه انقطاعًا، لكن لما كانت حقيقة الانقطاع إلى الله إنما تقع بإخلاص العبادة له فسَّرها بذلك، ومنه صدقة بتلة، أي: منقطعة عن الملك، ومريم البتول لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة، وقيل لفاطمة: "البتول" إما لانقطاعها عن الأزواج غير علي أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف.
قوله: (والخصاء) هو الشق على الأنثيين وانتزاعهما.
وإنما قال: "ما يكره من التبتل والخصاء" للإشارة إلى أن الذي يكره من التبتل هو الذي يفضي إلى التنطع وتحريم ما أحل الله، وليس التبتل من أصله مكروهًا، وعطف الخصاء عليه لأن بعضه يجوز في الحيوان المأكول، انتهى.
وقد تقدم حكم الاختصاء في تفسير سورة المائدة.
(9 - باب نكاح الأبكارِ)
قال العيني(2): وهو جمع بكر، والبكر خلاف الثيب، وهي التي لم توطأ واستمرت على حالتها الأولى، ويقعان على الرجل والمرأة، ومنه "البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة" انتهى بزيادة من "الفتح".
قلت: لعل غرض المصنف من الترجمة التأييد لما ورد من الترغيب في نكاح الأبكار، وفي "الإقناع"(3): ويسن أن يتزوج بكرًا لخبر الصحيحين--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 118).
(2) "عمدة القاري" (14/ 16)، و"فتح الباري" (9/ 120).
(3) "الإقناع" (2/ 116).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧١)
عن جابر: "هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" إلا لعذر كضعف آلته عن الافتضاض - إزالة البكارة - أو احتياجه لمن يقوم على عياله، انتهى.
(10 - باب تزويج الثيبات)
جمع ثيِّبة بمثلثة ثم تحتانية ثقيلة مكسورة ثم موحدة ضد البكر، انتهى من "الفتح"(1).
قال العيني(2): وقال بعضهم: جمع ثيِّبة وليس كذلك بل جمع ثيب، انتهى.
قوله: "فهلا جارية تلاعبها. . ." إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"(3): ودلالة الحديث على الترجمة فيما لم يذكر ههنا، وهو أنه صلى الله عليه وسلم حسّن فعله، انتهى.
وفي هامشه: لم يتعرض الشرَّاح قاطبة عن غرض الإمام البخاري بالترجمة إلا ما في "التيسير" إذ قال: أي في بيان جواز نكاح الثيب، انتهى معربًا.
وإليه يظهر ميل العلامة العيني إذ قال: مطابقته للترجمة في قوله: "ثيبًا" انتهى.
وظاهر ألفاظ الترجمة والحديث الوارد فيها أن غرض المصنف بيان إباحة نكاح الثيِّب مع التنبيه على ترجيح نكاح البكر، فإن الإمام البخاري أورد في الباب حديث جابر مقتصرًا فيه على قوله: "هلَّا بكرًا" الحديث، ولم يذكر الزيادة التي أشار إليها الشيخ.
والظاهر عند هذا العبد الضعيف بعد ملاحظة كلام الشيخ قُدِّس سرُّه أن غرض البخاري رحمه الله تعالى بالترجمة ترجيح نكاح الثيب لمصلحة دينية، فإنه صلى الله عليه وسلم ردّ عليه أولًا بقوله: "هلا بكرًا" فلما ذكر جابر مصلحة مهمة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 121).
(2) "عمدة القاري" (14/ 18).
(3) "لامع الدراري" (9/ 257).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧٢)
حسّن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله، فقد تقدم الحديث في كتاب الوكالة في "باب إذا وكل رجلًا أن يعطي شيئًا. . ." إلخ، وفيه قول جابر رضي الله عنه: "فأردت أن أنكح امرأةً قد جربت وخلا منها قال: فذلك".
قال الكرماني(1): قوله: "فذلك" مبتدأ خبره محذوف، أي: فذلك مبارك ونحوه، انتهى.
وإلى هذه الزيادة أشار الشيخ بقوله: دلالة الرواية على الترجمة فيما لم يذكر ههنا.
قال الحافظ(2) بعد ذكر حديث الباب: وفي الحديث الحثّ على نكاح البكر، وقد ورد بأصرح من ذلك عند ابن ماجه بلفظ: "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا وأنتق أرحامًا" ثم قال: وفي الحديث فضيلة لجابر لشفقته على أخواته وإيثاره مصلحتهن على حظّ نفسه، ويؤخذ منه إذا تزاحمت مصلحتان قدّم أهمهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صوّب فعل جابر ودعا له لأجل ذلك، واستنبط المصنف الترجمة من قوله: "بناتكن" لأنه خاطب بذلك نساءه، فاقتضى أن لهن بنات من غيره، فيستلزم أنهن ثيبات كما هو الأكثر الغالب، انتهى.
(11 - باب تزويج الصغار من الكبار)
أي: في السن، قال العيني(3): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي صغيرة، وكان عمرها ست سنين، انتهى.
قال الحافظ(4): قال الإسماعيلي: ليس في الرواية ما ترجم به الباب، وصغر عائشة عن كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم معلوم من غير هذا الخبر، ثم الخبر الذي أورده مرسل، فإن كان مثل هذا يدخل في "الصحيح" فيلزمه في غيره--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (10/ 141).
(2) "فتح الباري" (9/ 120 - 123).
(3) "عمدة القاري" (14/ 20).
(4) "فتح الباري" (9/ 124).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧٣)
من المراسيل. قلت: الجواب عن الأول يمكن أن يؤخذ من قول أبي بكر: "إنما أنا أخوك" فإن الغالب في بنت الأخ أن تكون أصغر من عمها، وأيضًا فيكفي ما ذكر في مطابقة الحديث للترجمة ولو كان معلومًا عن خارج، وعن الثاني أنه وإن كان صورة سياقه الإرسال، فهو من رواية عروة في قصة وقعت لخالته عائشة وجده لأمه أبي بكر، فالظاهر أنه حمل ذلك عن خالته عائشة أو عن أمه أسماء بنت أبي بكر، وقد قال ابن عبد البر: إذا علم لقاء الراوي لمن أخبر عنه ولم يكن مدلسًا حمل ذلك على سماعه ممن أخبر عنه، ثم قال الحافظ: قال ابن بطال: يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعًا ولو كانت في المهد، لكن لا يمكّن منها حتى تصلح للوطء، فرمز بهذا إلى أن لا فائدة للترجمة لأنه أمر مجمع عليه، انتهى.
(12 - باب إلى من ينكح وأي النساء خير. . .) إلخ
قال الحافظ(1): اشتملت الترجمة على ثلاثة أحكام، وتناول الأول والثاني من حديث الباب واضح، وأن الذي يريد التزويج ينبغي أن ينكح إلى قريش لأن نساءهنَّ خير النساء وهو الحكم الثاني، وأما الثالث فيؤخذ منه بطريق اللزوم لأن من ثبت أنهن خير من غيرهن استحب تخيرهن للأولاد، وقد ورد في الحكم الثالث حديث صريح أخرجه ابن ماجه وصححه الحاكم من حديث عائشة مرفوعًا: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء" وأخرجه أبو نعيم من حديث عمر أيضًا، وفي إسناده مقال ويقوى أحد الإسنادين بالآخر، انتهى.
(13 - باب اتخاذ السراري)
لعله أشار إلى تقوية معنى ما رواه الطبراني: "عليكم بالسراري" الحديث وسيأتي في كلام الحافظ.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 125).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧٤)
قال الحافظ: جمع سرية بضم السين وكسر الراء الثقيلة ثم تحتانية ثقيلة وقد تكسر السين أيضًا، وهي الأمة المتخذة للوطء، واشترط الفقهاء في صدق هذه التسمية حصول الوطء ولو مرة، سميت بذلك لأنها مشتقة من التسرر وأصله من السر، وهو من أسماء الجماع ويقال له الاستسرار أيضًا، وأطلق عليها ذلك لأنها في الغالب يكتم أمرها عن الزوجة، والمراد بالاتخاذ الاقتناء، وقد ورد الأمر بذلك صريحًا في حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "عليكم بالسراري فإنهن مباركات الأرحام" أخرجه الطبراني وإسناده واه، ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "انكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم يوم القيامة" وإسناده أصلح من الأول لكنه ليس بصريح في التسري، انتهى بزيادة من "القسطلاني"(1).
قوله: (ومن أعتق جارية ثم تزوجها) عطف هذا الحكم على الاقتناء؛ لأنه قد يقع بعد التسري وقبله، وأول أحاديث الباب منطبق على هذا الشق الثاني.
ثم قال الحافظ(2) بعد حديث الباب: وفيه دلالة على مزيد فضل من أعتق أمته ثم تزوجها سواء أعتقها ابتداءً لله أو لسبب، وقد بالغ قوم فكرهوه فكأنهم لم يبلغهم الخبر، فمن ذلك ما وقع في رواية هشيم عن صالح بن صالح الراوي المذكور وفيه قال: رأيت رجلًا من أهل خراسان سأل الشعبي فقال: إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها: فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبي. . . فذكر هذا الحديث، وأخرج الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود أنه كان يقول ذلك، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله، وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أنس: أنه سئل عنه فقال: إذا أعتق أمته لله تعالى فلا يعود فيها، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 126، 127)، و"إرشاد الساري" (11/ 406).
(2) "فتح الباري" (9/ 127).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧٥)
قلت: وقصة سؤال الخراساني أخرجها مسلم أيضًا في "صحيحه" ولعل الإمام البخاري أشار إلى الرد على هذه الروايات المروية عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وغيرهم من أهل العراق.
(باب من جعل عتق الأمة صداقها)
قال الحافظ(1): كذا أورده غير جازم بالحكم، وقد أخذ بظاهره من القدماء سعيد بن المسيب والنخعي وطاوس والزهري، ومن فقهاء الأمصار الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق قالوا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صحّ العقد والعتق والمهر على ظاهر الحديث، وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبة أقربها إلى لفظ الحديث: أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها فوجبت له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها، ويؤيده قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسًا رضي الله عنه، قال: "سبى النبي صلى الله عليه وسلم صفية فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت لأنس رضي الله عنه: ما أصدقها؟ قال: نفسها فأعتقها"، هكذا أخرجه المصنف في المغازي، وفي رواية حماد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس في حديث قال: و"صارت صفية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألت أنسًا: ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها فتبسم"، فهو ظاهر جدًا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق فالتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة مجهولة فإن في صحة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعية.
وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر ولكنه من خصائصه، وممن جزم بذلك الماوردي، وقال آخرون: قوله: "أعتقها وتزوجها" معناه: أعتقها ثم تزوجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقًا قال: أصدقها نفسها، أي: لم يصدقها شيئًا فيما أعلم، ولم ينف أصل الصداق، ومن ثم قال أبو الطيب--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 129، 130).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧٦)
الطبري من الشافعية وابن المرابط من المالكية ومن تبعهما: إنه قول أنس رضي الله عنه، قاله ظنًا من قبل نفسه ولم يرفعه، وربما تأيّد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقي من حديث أميمة - ويقال: أمة الله - بنت رزينة عن أمها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وخطبها وتزوجها وأمهرها رزينة، وكان أتى بها مسبية من قريظة والنضير، وهذا لا يقوم به حجة لضعف إسناده، ومن المستغربات قول الترمذي بعد أن أخرج الحديث: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قال: وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهرًا سوى العتق، والقول الأول أصح، وكذا نقل ابن حزم عن الشافعي، والمعروف عند الشافعية أن ذلك لا يصح لكن لعل مراد من نقله عنه صورة الاحتمال الأول، إلى آخر ما ذكر الحافظ.
قال القسطلاني(1): وقد تمسك بظاهر الحديث أبو يوسف وأحمد فقالا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العقد والعتق والمهر على ظاهر الحديث، انتهى.
(14 - باب تزويج المُعْسِر)
قال الحافظ(2): تقدم في أوائل كتاب النكاح: "باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإسلام" وهذه الترجمة أخص من تلك وعلّق هناك حديث سهل الذي أورده في هذا الباب مبسوطًا، وسيأتي شرحه بعد ثلاثين بابًا.
قوله: (لقوله تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32]) هو تعليل لحكم الترجمة، ومحصله أن الفقر في الحال لا يمنع التزويج لاحتمال حصول المال في المآل، والله تعالى أعلم، انتهى.
قلت: والظاهر عندي في غرض الترجمة أن المصنف أراد دفع توهم ما يتوهم من ظاهر قوله عليه السلام: "فمن لم يستطع فعليه صوم" وأوضح منه قوله--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (11/ 411).
(2) "فتح الباري" (9/ 131).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧٧)
عز اسمه: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] فإنه يشير إلى أن المعسر لا ينكح ما دام معسرًا، فأراد الإمام البخاري بهذا الباب بيان الجواز.
(15 - باب الأكفاء في الدين)
قال الحافظ(1): جمع كُفْءٍ بضم أوله وسكون الفاء بعدها همزة: المثل والنظير، واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه فلا تحل المسلمة للكافر أصلًا.
قوله: ({وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} الآية [الفرقان: 54])، قال الفراء: النسب من لا يحل نكاحه والصهر من يحل نكاحه، فكأن المصنف لما رأى الحصر وقع بالقسمين صلح التمسك بالعموم لوجود الصلاحية إلا ما دل الدليل على اعتباره وهو استثناء الكافر، وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك، ونقل عن ابن عمر وابن مسعود ومن التابعين عن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور.
وقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضًا والعرب كذلك، وهو وجه للشافعية، وقال الثوري: إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح، وبه قال أحمد في رواية، وتوسط الشافعي فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حرامًا فأراد به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضوا صح ويكون حقًا لهم تركوه، فلو رضوا إلا واحدًا فله فسخه.
قال الحافظ(2): ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، إلى آخر ما ذكر.
وبسط الكلام على مسألة الكفاءة في هامش "اللامع" وفيه(3): قال--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 132).
(2) "فتح الباري" (9/ 133).
(3) "لامع الدراري" (9/ 258 - 260)، و"بذل المجهود" (8/ 6).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧٨)
الشيخ ابن القيم: وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنها الدين، وفي رواية عنه: إنها ثلاثة: الدين والحرية والسلامة من العيوب، وقال أبو حنيفة: هي النسب والدين، وقال أحمد في رواية عنه: هي الدين والنسب خاصة، وفي رواية أخرى: هي خمسة: الدين والنسب والحرية والصناعة والمال، إلى آخر ما قال، وفي "البذل": ومذهب الحنفية أن الكفاءة تعتبر نسبًا فقريش أكفاء بعضهم بعضًا، وباقي العرب أكفاء بعضهم بعضًا، وحرية وإسلامًا وديانةً ومالًا، وتعتبر للنساء لا للرجال؛ لأن النصوص وردت في جانب الرجال خاصة، إلى آخر ما ذكر.
وقال القسطلاني(1): الكفاءة معتبرة في النكاح لما روى جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن من غير الأكفاء" ولأن النكاح يعقد للعمر ويشتمل على أغراض ومقاصد كالازدواج والصحبة والألفة وتأسيس القرابات، ولا ينتظم ذلك عادة إلا بين الأكفاء، وقد جزم مالك رحمه الله تعالى بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين، لقوله عليه الصلاة والسلام: "الناس سواء لا فضل لعربي علي عجمي، إنما الفضل بالتقوى" وقال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وأجيب بأن المراد في حكم الآخرة وكلامنا في الدنيا، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): قوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا} إيراد الرواية في هذا الباب مع إيراد الآية قبلها إشارة منه إلى أن المناكحة جائزة فيما بين من ليسوا أكفاء إلا أن اعتبار الكفوء والنسب أفضل؛ لأن الله تعالى مدح بالنسب فلا يخلو اعتباره عن مصالح وفوائد وإن لم يكن أمرًا لا بد له منه، كيف وقد أنكح أبو حذيفة سالمًا وكان مولاه بنت أخيه هند، وكذلك ضباعة كانت تحت المقداد، وكذلك الأمر في--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (11/ 414).
(2) "لامع الدراري" (9/ 258 - 264).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٧٩)
قوله: "فاظفر بذات الدين" يرجح اعتبار الدين على النسب، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" أشار إلى أن الدين هو المرجح القابل المزيد الاعتناء، فالمتدين أفضل من غيره وإن كان أدون منه في النسب والمال، وإذا كان خيرًا منه كان الإنكاح منه أفضل فعلم بذلك أن الأحق بالاعتناء في الكفاءة هو الدين، انتهى.
(16 - باب الأكفاء في المال)
بسط الكلام على المسألة في هامش "اللامع"(1) فارجع إليه لو شئت التفصيل.
وقال القسطلاني(2): واختلف فيه والأشهر عند الشافعية أنه لا أثر له في الكفاءة، فالمعسر كفء للموسرة لأن المال غاد ورائح ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر، نعم لو زوج الولي بالإجبار موليته معسرًا بغير رضاها بمهر المثل لم يصح النكاح؛ لأنه بخس حقها كتزويجها بغير كفء، نقله في "الروضة" عن فتاوى القاضي، ومنعه البلقيني، وقال الزركشي: هو مبني على اعتبار اليسار مع أنه نقل عن عامة الأصحاب عدم اعتباره، انتهى.
ونقل صاحب "الإفصاح" فيما حكاه في "الفتح" عن الشافعي أنه قال: الكفاءة في الدين والمال والنسب، وجزم باعتباره أبو الطيب والصيمري وجماعة، واعتبره الماوردي في أهل الأمصار وخص الخلاف بأهل البوادي والقرى المتفاخرين بالنسب دون المال، انتهى.
وقد تقدم في الباب السابق تفصيل الخلاف في الأوصاف التي تعتبر في الكفاءة، ثم إنهم اختلفوا أن الكفاءة من حق العباد، والأوجه عندي أنها في الدين من حق الله، وفي البواقي من حق العبد يسقط بالرضا.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (9/ 265).
(2) "إرشاد الساري" (11/ 422).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٨٠)
(17 - باب ما يتقى من شؤم المرأة)
قال الحافظ(1): الشؤم بضم المعجمة بعدها واو ساكنة وقد تهمز وهو ضد اليُمن يقال: تشاءمت بكذا وتيمنت بكذا.
قوله: (وقوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [التغابن: 14]) كأنه يشير إلى اختصاص الشؤم ببعض النساء دون بعض مما دلت عليه الآية من التبعيض، وذكر في الباب حديث ابن عمر من وجهين وحديث سهل من وجه آخر، وقد تقدم شرحهما مبسوطًا في كتاب الجهاد، وقد جاء في بعض الأحاديث ما لعله يفسر ذلك، وهو ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث سعد مرفوعًا: "من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء".
قوله: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) قال الشيخ تقي الدين السبكي: في إيراد البخاري هذا الحديث عقب حديثي ابن عمر وسهل بعد ذكر الآية في الترجمة: إشارة إلى تخصيص الشؤم بمن تحصل منها العداوة والفتنة، لا كما يفهمه بعض الناس من التشاؤم بكعبها(2) أو أن لها تأثيرًا في ذلك، وهو شيء لا يقول به أحد من العلماء، ومن قال: إنها سبب في ذلك فهو جاهل، إلى آخر ما ذكر.
قلت: وهو الأوجه عندي، يعني: أن المراد بالشؤم الوارد في الأحاديث ما تدل عليه الآية من كونها ذات عداوة للزوج.
(18 - باب الحرة تحت العبد)
قال الحافظ(3): أي: جواز تزويج العبد الحرة، إن رضيت به، أورد--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 137، 138).
(2) وفي بعض النسخ بدله بعينها وهو الأوضح، (ز).
(3) "فتح الباري" (9/ 139).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٨١)
فيه طرفًا من قصة بريرة حيث خيِّرت حين عتقت، وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الطلاق، وهو مصير من المصنف إلى أن زوج بريرة حين عتقت كان عبدًا، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"(1): "باب الحرة تحت العبد" وهذا لا يثبت بالرواية الموردة فيه إلا إذا سلم ما ذهبت إليه الشافعية من أن زوجها كان حين عتقها عبدًا، انتهى.
وفي هامشه توضيح المسألة كما بسط في "الأوجز": أنهم اختلفوا في مسألة خيار العتق وهي أن الأمة إذا عتقت وكان زوجها عبدًا فللأمة المعتقة الخيار إجماعًا، لكن إذا كان زوجها حرًا فالمسألة خلافية لا خيار لها عند الأئمة الثلاثة وغيرهم، وذهبت جماعة منهم الشعبي والثوري والنخعي والحنفية إلى ثبوت الخيار لها، ومبنى الاختلاف بينهم هو اختلافهم في علة الخيار، فعلتها عند الأئمة الثلاثة عدم الكفاءة، ولذا قالوا: إن الزوج إذا كان حرًا فالكفاءة ثابتة فلا خيار لها حينئذٍ بخلاف ما إذا كان عبدًا، وعندنا الحنفية علة الخيار ملكها بضعها فإن الأمة قبل ذلك كانت محلًا للطلاقين فقط، وبعد العتق صارت محلًا للثلاث، وهذه العلة أولى لكونها مستفادة من قوله صلى الله عليه وسلم لبريرة حين عتقت: "ملكت بضعك فاختاري" ثم اختلفت الروايات في زوج بريرة حين عتقت هل كان حرًا أو عبدًا، ورجح الأئمة الثلاثة رواية كونه عبدًا لكونها موافقة لأصلهم، ورجحت الحنفية رواية كونه حرًا إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
قلت: وميل المصنف إلى مسلك الجمهور وقد ترجم فيما سيأتي "باب خيار الأمة تحت العبد".--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (9/ 269)، "أوجز المسالك" (11/ 139).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٨٢)
(19 - باب لا يتزوج أكثر من أربع، لقوله تعالى: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ})
قال القسطلاني(1): كما اتفق عليه الأربعة وجمهور المسلمين، وأجاز الروافض تسعًا من الحرائر وكذا المدبرة وأم الولد، ونقل عن النخعي وابن أبي ليلى؛ لأنه بيَّن العدد المحلل بمثنى وثلاث ورباع بحرف الجمع، والحاصل عن ذلك تسع، وقد تزوج عليه الصلاة والسلام تسعًا، والأصل عدم الخصوصية إلا بدليل وأجاز الخوارج ثمان عشرة لأن مثنى وثلاث ورباع معدول عن عدد مكرر على ما عرف في العربية فيصير الحاصل ثمانية عشر، وحكي عن بعض الناس إباحة أيّ عدد شاء بلا حصر للعمومات من نحو {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} ولفظ {مَثْنَى} إلى آخره تعداد عرفي لا قيد، إلى آخر ما بسط.
وقال الحافظ(2): أما حكم الترجمة فبالإجماع إلا قول من لا يعتد بخلافه من رافضي ونحوه، وأما انتزاعه من الآية فلأن الظاهر منها التخيير بين الأعداد المذكورة بدليل قوله تعالى في الآية نفسها: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3] ولأن من قال: جاء القوم مثنى وثلاث ورباع، أراد أنهم جاؤوا اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فالمراد تبيين حقيقة مجيئهم وأنهم لم يجيئوا جملة ولا فرادى، وعلى هذا فمعنى الآية انكحوا اثنتين اثنتين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فالمراد الجميع لا المجموع، ولو أريد مجموع العدد المذكور لكان قوله مثلًا: تسعًا أرشق وأبلغ وأيضًا فإن لفظ مثنى معدول عن اثنين اثنين كما تقدم تقريره في تفسير سورة النساء، فدل إيراده أن المراد التخيير بين الأعداد المذكورة، واحتجاجهم بأن الواو للجمع لا يفيد مع وجود القرينة الدالة على عدم الجمع، وبكونه صلى الله عليه وسلم جمع بين تسع معارض بأمره صلى الله عليه وسلم من أسلم على أكثر من أربع بمفارقة من زاد على--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (11/ 428).
(2) "فتح الباري" (9/ 139).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٨٣)
الأربع، وقد وقع ذلك لغيلان بن سلمة وغيره، كما خرج في كتب السنن، فدل على خصوصيته صلى الله عليه وسلم بذلك.
وقوله: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]، تقدم الكلام عليه في تفسير فاطر، وهو ظاهر في أن المراد به تنويع الأعداد لا أن لكل واحد من الملائكة مجموع العدد المذكور.
قوله: (وقال علي بن الحسين) أي: ابن علي بن أبي طالب "يعني مثنى أو ثلاث أو رباع" أراد أن الواو بمعنى أو، فهي للتنويع أو هي عاطفة على العامل والتقدير: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ما طاب من النساء ثلاث إلخ، وهذا من أحسن الأدلة في الرد على الرافضة لكونه من تفسير زين العابدين وهو من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم ويعتقدون عصمتهم، انتهى.
(20 - باب: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23])
قال الحافظ(1): هذه الترجمة وثلاث تراجم بعدها تتعلق بأحكام الرضاعة، ووقع ههنا في بعض الشروح: "كتاب الرضاع" ولم أره في شيء من الأصول، وأشار بقوله: "ويحرم. . ." إلخ، أن الذي في الآية بيان بعض من يحرمه بالرضاعة وقد بيَّنت ذلك السُّنَّة، ووقع في رواية الكشميهني: ويحرم من الرضاعة، انتهى.
(21 - باب من قال: لا رضاع بعد حولين)
قال الشرَّاح: غرض الترجمة الرد على الإمام أبي حنيفة في قوله: إن أكثر مدة الرضاع ثلاثون شهرًا.
والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الرد على رضاعة الكبير فقد ترجم الإمام أبو داود على حديث الباب: "باب في رضاعة الكبير"، قال--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 140).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٨٤)
الشيخ في "البذل"(1): وإليه ذهبت عائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية، وحكاه النووي عن داود الظاهري، وإليه ذهب ابن حزم، انتهى.
فههنا مسألتان: الأولى: اختلافهم في أقصى مدة الرضاع، وهي التي ذكرها الشرَّاح ههنا، والثانية: مسألة رضاعة الكبير.
قال الحافظ(2): أشار بهذا إلى قول الحنفية: إن أقصى مدة الرضاع ثلاثون شهرًا، وحجتهم قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] أي: المدة المذكورة لكل من الحمل والفصال، وهذا تأويل غريب، والمشهور عند الجمهور أنها تقدير مدة أقل الحمل وأكثر مدة الرضاع، وإلى ذلك صار أبو يوسف ومحمد بن الحسن ويؤيد ذلك أن أبا حنيفة لا يقول: إن أقصى الحمل سنتان ونصف، وعند المالكية رواية توافق قول الحنفية لكن منزعهم في ذلك أنه يغتفر بعد الحولين مدة يدمن الطفل فيها على الفطام؛ لأن العادة أن الصبي لا يفطم دفعة واحدة، بل على التدريج في أيام قليلات، فللأيام التي يحاول فيها فطامه حكم الحولين، ثم اختلفوا في تقدير تلك المدة، قيل: يغتفر نصب سنة، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونحوه، وقيل: أيام يسيرة، وقيل: شهر، وقيل: لا يزاد على الحولين، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وبه قال الجمهور، ومن حجتهم حديث ابن عباس رفعه: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" أخرجه الدارقطني وقال: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ، إلى آخر ما بسط في فروع المسألة.
وقال القسطلاني(3): وقد ورد ظواهر أحاديث تمسك بها العلماء، فذهب الشافعي والجمهور إلى إناطة الحكم بالحولين بالأهلة من تمام--------------------------------------------
(1) "بذل المجهود" (7/ 616).
(2) "فتح الباري" (9/ 146).
(3) "إرشاد الساري" (11/ 437).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٨٥)
انفصال الولد، وعن أبي حنيفة إناطته بحولين ونصف، وعن زفر بثلاثة، وعن مالك بزيادة أيام بعد الحولين، وعنه بزيادة شهر وشهرين، ورواية بثلاثة أشهر لأنه يغتفر بعد الحولين مدة يدمن فيها الطفل على الفطام لأن العادة أن الطفل لا يفطم دفعة واحدة بل على التدريج، وقيل: لا يزاد على الحولين، وهو رواية ابن وهب عن مالك وبه قال الجمهور، لحديث ابن عباس عند الدارقطني مرفوعًا: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين"، وللترمذي وحسّنه: "لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الحولين"، وأما حديث سهلة السابق بعضه في "باب الأكفاء في الدين" أنها قالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالمًا ولدًا وقد أنزل الله فيه ما قد علمت فإذا تأمرني؟ فقال: "أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن عليك" ففعلت فكانت تراه ابنًا، فأجاب عنه الشافعي وغيره بأنه مخصوص بسالم، قال القاضي: ولعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمص ثديها ولا التقت بشرتاهما، قال النووي: وهو حسن، ويحتمل [أنه] عفي عن مسه لحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر، انتهى.
قوله: (وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره) تمسكًا بعمومات أحاديث كحديث الباب، وهو قول مالك وأبي حنيفة ومشهور مذهب أحمد، وذهب آخرون إلى أن الذي يحرم ما زاد على رضعة، وورد عن عائشة عشر رضعات، أخرجه مالك في "الموطأ"، وعنها أيضًا: سبع، أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح، وعنها أيضًا في مسلم: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس رضعات محرمات" الحديث، وإلى هذا ذهب إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى، انتهى، قاله القسطلاني(1).
في هامش النسخة "الهندية" عن الكرماني: مذهب البخاري أن الحرمة تثبت برضعة واحدة وعليه أبو حنيفة ومالك وقد صرَّح في الترجمة به، انتهى.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (11/ 437)، و"شرح الكرماني" (19/ 80).
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: ٤٨٦)