وقد أوضح السبب في ذلك الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في "أسماء رجال البخاري"(1)، فقال: أخبرني الحافظ أبو ذر عبد الرحيم بن أحمد الهروي قال: حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت "كتاب البخاري" من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض(2).
قال الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول(3)، أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني، ورواية أبي زيد المروزي، مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما، فأضافه إليه، ويبيِّن ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث.
قال الباجي: وإنما أوردت هذا ههنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها، وتكلُّفهم في ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ".--------------------------------------------
(1) سمَّاه الكرماني في أول "شرحه": "كتاب التعديل والتجريح لرجال البخاري" (ز). [قلت: قد طبع هذا الكتاب باسم: "التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح" في ثلات مجلدات، في الرياض، سنة 1406 هـ].
(2) انظر: "كتاب التعديل والتجريح" (1/ 287).
(3) ويشكل عليه أن ما تقدم من كلام المستملي لا يدل على التقديم والتأخير بل يدل على ضم أبواب بعضها إلى بعض بدون ترك البياض، نعم يوافقه ما حكى شيخ المشايخ في تراجمه في (باب إذا لم يتم السجود)، نقل عن الضريري [كذا في الأصل، والصواب على الظاهر: "الفربري"] أن بعض أوراق الكتاب كان غير ملتصق بالكتاب، فوقع الخطأ من بعض النساخ في إلحاق تلك الأوراق فألحقوها في غير محلها، إلى آخر ما قال. . . . (ز).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٩)
قال الحافظ: "وهذه(1) قاعدة حسنة يُفزع إليها؛ حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًا.
ثم ظهر لي أن البخاري مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوار، إن وجد حديثًا يناسب ذلك الباب ولو على وجه خفي، ووافق شرطه، أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه، وهي "حدثنا" وما قام مقام ذلك، و"العنعنة" بشرطها عنده، وإن لم يجد فيه إلا حديثًا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة كتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوق بها ما هو من شرطه، ومن ثَمَّ أورد التعاليق، وإن لم يجد فيه حديثًا صحيحًا لا على شرطه ولا على شرط غيره، وكان مما يُستأنس به ويقدمه قوم على القياس استعمل لفظ ذلك ومعناه ترجمةَ باب، ثم أورد في ذلك إما آية من كتاب الله تشهد له، أو حديثًا يؤيد عموم ما دل على ذلك الخبر.
وعلى هذا فالأحاديث التي فيه على ثلاثة أقسام، وسيأتي تفصيل ذلك مشروحًا.
ثم قال بعيد ذلك(2):
"ولنذكر ضابطًا يشتمل على بيان أنواع التراجم فيه، وهي: ظاهرة وخفية.
أما الظاهرة:
فليس ذكرها من غرضنا هنا، وهي أن تكون الترجمة دالَّة بالمطابقة لما يورد في مضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأنه يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلًا.--------------------------------------------
(1) قلت: وأورد عليها القسطلاني في "مقدمة شرحه" (1/ 43) إذ قال: وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث إن الكتاب قرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلا مرتبًا مبوبًا، فالعبرة بالرواية لا بالمسوَّدة التي ذكر صفتها، وسيأتي كلام الباجي هذا في الفائدة الرابعة أيضًا، (ز).
(2) "هدي الساري" (ص 13).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٠)
1 - وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه:
وهذا في الغالب قد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد، فيعيِّن أحد الاحتمالين بما ذكر تحتها من الحديث.
2 - وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك، بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة:
والترجمة ههنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلًا: المراد بهذا الحديث العام المخصوص، أو بهذا الحديث الخاص العموم، إشعارًا بالقياس لوجود العلة الجامعة، أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في الخاص والعام، وكذا في شرح المشكل، وتفسير الغامض، وتأويل الظاهر، وتفصيل المجمل.
وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب، ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه.
3 - وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم به ويستنبط الفقه منه.
4 - وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مُضْمَره واستخراج خبيئه.
5 - وكثيرًا ما يفعل ذلك، أي: هذا الأخير(1)، حيث يذكر الحديث المفسِّر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا، فكأنه يحيل عليه ويومئ بالرمز والإشارة إليه.
6 - وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام(2) كقوله: "باب هل يكون كذا،--------------------------------------------
(1) يريد تفسير الغامض وتأويل الظاهر، كذا في شرح "مقدمة القسطلاني"، وسيأتي ذلك في الأصل السابع والعشرين، (ز).
(2) سيأتي ذلك في الأصل الثاني والثلاثين، (ز).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١١)
أو من(1) قال كذا؟ " ونحو ذلك:
وذلك حينئذ لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت، فيترجم على الحكم، ومراده ما يتفسر(2) بعد من إثباته أو نفيه أو أنه محتمل لهما.
7 - وربما كان أحد الاحتمالين أظهر:
وغرضه أن يبقى للنظر مجالًا، وينبه على أن هناك احتمالًا أو تعارضًا يوجب التوقف حيث يعتقد أن فيه إجمالًا، أو يكون المدرك مختلفًا في الاستدلال به.
8 - وكثيرًا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى، لكنه إذا حقَّقه المتأمل كان أجدى:
كقوله: "باب قول الرجل: ما صلينا"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك، ومنه قوله: "باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة"، وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا القول.
9 - وكثيرًا ما بترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادي الرأي:
كقوله: "باب استياك الإمام بحضرة رعية"، فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل بعض الناس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استاك بحضرة الناس، دلَّ على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر، نبّه على ذلك ابن دقيق العيد(3).--------------------------------------------
(1) سيأتي هذا في الأصل الثالث.
(2) كذا في الأصل، وفي "مقدمة القسطلاني" بدله "ما يفسر" وهو أوضح، (ز) [انظر: "إرشاد الساري" (1/ 44)].
(3) زاد في "مقدمة القسطلاني" بعد ذلك قال الحافظ ابن حجر: ولم أر هذا في البخاري، فكأنه ذكره على سبيل المثال، انتهى [انظر: "إرشاد الساري" (1/ 44)]، هكذا فيه، وليس هذا الكلام في مقدمة "الفتح" التي بأيدينا، والكلام صحيح، =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٢)
10 - وكثيرًا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدِّي معناه تارة بأمر ظاهر، وتارة بأمر خفي:
من ذلك قوله: "باب الأمراء من قريش"، وهذا لفظ حديث(1) يروى عن علي، وليس على شرط البخاري، وأورد فيه حديث(2) "لا يزال والٍ من قريش".
ومنها قوله: "باب اثنان فما فوقهما جماعة"(3)، وهذا حديث(4) يروى عن أبي موسى الأشعري، وليس على شرط البخاري، وأورد فيه: "فأذّنا وأقيما"(5).
11 - وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آية:
فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي.
وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، ومن تأمل ظفر، ومن جدَّ وجد، انتهى.
وذكر الحافظ في بادي الرأي أحد عشر أصلًا في كلامه هذا، لكنه يتضمن أكثر من أحد عشر كما يظهر في الفائدة الثالثة.--------------------------------------------
= فإن هذه الترجمة لم أرها أيضًا في البخاري، نعم ترجم النسائي في "سننه": "باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ "، انتهى، وسيأتي البسط في ذلك في الأصل الرابع والخمسين، (ز).
(1) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (1/ 425) (رقم 564)، والبزار في "مسنده" (759).
(2) أخرجه البخاري في الأحكام (ح: 7140).
(3) انظر: "صحيح البخاري" "كتاب الأذان"، باب 35.
(4) أخرجه ابن ماجه (ح: 972)، والبيهقي في "الكبرى" (3/ 69)، وأبو يعلى في "مسنده" (13/ 189).
(5) أخرجه البخاري في "الأذان" (ح: 658).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٣)
وحكى كلامَ الحافظِ هذا القسطلانيُّ في مقدمته، سواء مع التغيير في حرف أو زيادة قول نبهت عليهما في الحاشية، زاد القسطلاني في آخره(1): "وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض(2)، وبالجملة فتراجمه حيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، ولقد أجاد القائل:
أعيا فحول العلم حل رموز ما … أبداه في الأبواب من أسرار
وإنما بلَغَت هذه المرتبة، وفازت بهذه المنقبة، لما روي أنه بيَّضها بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وأنه كان يصلي لكل ترجمة ركعتين"، انتهى.
وقال السندي(3) في أول "شرحه":
اعلم أن تراجم "الصحيح" على قسمين:
قسم يذكره للاستدلال بحديث الباب عليه.
وقسم يذكره ليجعل كالشرح لحديث الباب، ويبين به محمل حديث الباب مثلًا، لكون حديث الباب مطلقًا قد عُلم تقييده بأحاديث أخر، فيأتي بالترجمة مقيدة، لا ليستدل عليها بالحديث المطلق، بل ليبين أن محمل الحديث هو المقيد، فصارت الترجمة كالشرح للحديث(4)، والشرَّاح جعلوا الأحاديث كلها دلائل لما في الترجمة، فأشكل عليهم الأمر في مواضع، ولو جعلوا بعض التراجم كالشرح خلصوا عن الإشكال في مواضع.
وأيضًا كثيرًا ما يذكر بعد الترجمة آثارًا لأدنى خاصية بالباب(5)، وكثير من الشرَّاح يرونها دلائل للترجمة فيأتون بتكلُّفات باردة لتصحيح الاستدلال--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (1/ 45).
(2) في الأصل: "بلا تمييز"، والتصويب من القسطلاني.
(3) "حاشية السندي على صحيح البخاري" (1/ 5).
(4) هو الأصل الثالث والعشرون من الأصول الآتية في الفائدة الثالثة، (ز).
(5) هذا هو الأصل الرابع والعشرون، (ز).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٤)
بها على الترجمة، فإن عجزوا عن وجه الاستدلال عدُّوه اعتراضًا على صاحب "الصحيح"، والاعتراض في الحقيقة متوجه عليهم، حيث لم يفهموا المقصود.
وأيضًا كثيرًا ما يكون ظاهر الترجمة معنًى فيحملون الترجمة عليه(1)، والحديث لا يوافقه، فيعدّون ذلك إيرادًا على صاحب "الصحيح"، مع أنه قصد معنًى يوافقه الحديث قطعًا(2)، وقد يكون معنى الترجمة ما فهموا ولكن تطبيق الحديث عليه يحتاج إلى فضل تدقيق، فكثيرًا ما يغفلون عنه ويعدّونه اعتراضًا، وأنت إذا حفظت وراعيت ما ذكرنا لك، لَسَهُلَ عليك مواضع عديدة مما صعبت عليهم"، انتهى.
وقال الكرماني في أول "شرحه"(3): وبيَّنت - أي: في شرحي - مناسبة الأحاديث التي في كل باب لما ترجم عليه، ومطابقتها بما عقد له وأشير إليه، وهو قسم عجز عنه الفحول البوازل في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأمصار(4)، فتركوها واعتذروا عنها بأعذار، من جملتها ما قال القاضي أبو الوليد الباجي، فذكر كلامه المذكور قريبًا في كلام الحافظ ابن حجر.
ثم قال الكرماني: والبخاري رحمه الله، وإن كان من أعلم الناس بصحيح الحديث وسقيمه، فليس ذلك من علم المعاني وتحقيق الألفاظ بسبيل، كيف وفيها روى أبو إسحاق العلة في ذلك - كما تقدم في كلام الباجي - وبيَّنَها: أن الحديث يلي الترجمة ليس بموضوع لها، وإنما هو موضوع ليأتي قبل ذلك بترجمة، ويأتي للترجمة التي قبله من الحديث بما يليق بها، انتهى.--------------------------------------------
(1) كذا فيه، (ز).
(2) هذا هو الأصل الرابع والخامس من أصول شيخ الهند الآتية في الفائدة الثالثة، (ز).
(3) (1/ 5).
(4) كذا في الأصل، وفي "الكرماني": "من الأنصار"، والظاهر ما في الأصل.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٥)
أصول التراجم عند الإمام ولي الله الدهلوي
وذكر شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في أول رسالته في التراجم أصولًا بالإجمال، وهذا نصُّه، فقال بعد الحمد والصلاة:
يقول الفقير إلى رحمة الله الكريم، أحمد المدعو بولي الله بن عبد الرحيم - كان الله لهما -:
أول ما صنَّف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدوَّنًا في أربعة فنون:
فن السنة، أعني الذي يقال له: الفقه، مثل: "موطأ مالك"، و"جامع سفيان".
وفن التفسير، مثل: "كتاب ابن جريج".
وفن السير، مثل: "كتاب محمد بن إسحاق".
وفن الزهد والرقاق، مثل: "كتاب ابن المبارك".
فأراد البخاري أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب، ويجرده لما حكم له العلماء بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويُجرِّده للحديث المرفوع المُسْند، وما فيه من الآثار وغيرها إنما جاء به تبعًا لا أصالة، ولهذا سمَّى كتابه بـ "الجامع الصحيح المسند".
وإنما أراد أيضًا أن يفرغ جهده في الاستنباط من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستنبط من كل حديث مسائل كثيرة جدًا، وهذا أمر لم يسبق إليه غيره، غير أنه استحسن أن يفرق الأحاديث في الأبواب، ويودع في تراجم الأبواب سر الاستنباط.
وجملة تراجم أبوابه تنقسم أقسامًا:
1 - منها: أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شروطه، ويذكر في الباب حديثًا شاهدًا له على شرطه.
2 - ومنها: أنه يترجم بمسألة استنبطها من الحديث، بنحوٍ من الاستنباط من نصِّه، أو إشارته، أو عمومه، أو إيمائه.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٦)
3 - ومنها: أن يترجم بمذهب من ذهب إليه قبل، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة شاهدًا، ويكون له في الجملة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: باب من قال كذا.
4 - ومنها: أنه يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها. مثاله: "باب خروج النساء إلى البراز"(1)، جمع فيه حديثين مختلفين.
5 - ومنها: أنه قد تتعارض الأدلة، ويكون عند البخاري وجه التطبيق بينها بحمل كل واحد على محمل، فيترجم بذلك المحمل إشارةً إلى وجه التطبيق. مثاله: "باب خوف المؤمن أن يحبط عمله، وما يحذر من الإصرار على النفاق(2) والعصيان"، ذكر فيه حديث: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"(3).
6 - ومنها: أنه قد يجمع في باب أحاديث كثيرة، كل واحد منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، ويُعْلِمُ على ذلك الحديث علامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، وجاء الباب الآخر برأسه، ولكن قوله: "باب" هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ: "تنبيه"، أو لفظ: "فائدة"، أو لفظ: "قف". مثاله: قوله في "كتاب بدء الخلق": "باب قول الله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164] "، ثم قال بعد أسطر: "باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال" وأخرج هذا الحديث(4) بسنده، ثم ذكر حديث: "والفخر والخيلاء في أهل الخيل"، ثم ما ليس فيه ذكر الغنم، فكأنه أعلم على هذا الحديث بأنه مع دخوله في الباب فيه فائدة أخرى مع منقبة للغنم.--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري" "كتاب الوضوء"، باب (13).
(2) في الأصل: "التقاتل" وهو تحريف.
(3) صحيح البخاري (ح: 48).
(4) "صحيح البخاري" (ح: 3300).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٧)
7 - ومنها: أنه قد يكتب لفظة "باب" مكان قول المحدثين: "وبهذا الإسناد"، وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد، كما يكتب (ح) حيث جاء حديث بإسنادين.
مثاله: "باب ذكر الملائكة"، أطال فيه الكلام حتى أخرج حديث: "الملائكة يتعاقبون: ملائكة بالليل وملائكة بالنهار"(1) برواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ثم كتب: "باب إذا قال: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه"، ثم أخرج حديث: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة"(2)، ثم ما ليس فيه ذكر آمين إلا بعد كثير، قال الإسماعيلي في موضع الباب: "وبهذا الإسناد"، كأنه يشير إلى أن لفظة "باب" علامة لقوله: "وبهذا الإسناد".
8 - ومنها: أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، وبما كان يذهب إليه بعضهم، أو بحديث لم يثبت عنده، ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إما بعمومه أو غير ذلك.
9 - ومنها: أنه يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارة طرق الحديث، وربما يتعجَّب الفقيه من ذلك لعدم ممارسته لهذا الفن، ولكن أهل السير لهم اعتناء شديد بمعرفة تلك الخصوصيات.
10 - ومنها: أنه يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث على هذا النوع.
مثاله: ذكر "الصواغ" في "باب ذكر الحناط"(3)، وقد فرق البخاري--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري" (ح: 3223).
(2) "صحيح البخاري" (ح: 3224).
(3) نبه المؤلف في الأصل العاشر على ذلك وقال: لم أجد هذا الباب فيما عندي من نسخة الجامع الصحيح، فلعله يكون في نسخة الشيخ قدس سره، قلت: يوجد في النسخ المطبوعة: "الخياط".
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٨)
في تراجم الأبواب علمًا كثيرًا من شرح غريب القرآن، وذكر آثار الصحابة، والأحاديث المعلقة.
11 - وقد يذكر حديثًا لا يدخل هو بنفسه على الترجمة أصلًا، لكن له طرق، وبعض طرقه يدل عليها إشارةً أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أنَّ له أصلًا صحيحًا يتأكد به ذلك الطريق، ومثل هذا لا ينتفع به إلا المهرة من أهل الحديث.
12 - وكثيرًا ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى، ولكنه إذا تحقق المتأمل أجدى، كقوله: "باب قول الرجل: ما صلينا"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك.
قلت: وأكثر ذلك تعقُّبات وتبكيتات على عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم "مصنفيهما"؛ إذ شواهد الآثار تروى عن الصحابة والتابعين في "مصنفيهما"، ومثل هذا لا ينتفع به إلا من مارس الكتابين، واطلع على ما فيهما.
13 - وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل من الكتاب والسُّنَّة بنحو من الاستدلال والعادات الكائنة في زمانه صلى الله عليه وسلم.
ومثل هذا لا يدرك حسنه إلا من مارس كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثم طلب لها أصلًا من السُّنَّة.
14 - وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات، ومن شواهد الآية بالأحاديث تظاهرًا، ولتعيُّن بعض المجملات دون البعض. فيكون كقول المحدث: المراد بهذا العام المخصوص، أو بهذا الخاص العموم، ونحو ذلك.
ومثل هذا لا يدرك إلا بفهم ثاقب، وقلب حاضر.
فهذه مقدمة لا بد من حفظها لمن أراد أن يقرأ "البخاري" ويفهم.
والحمد لله أولًا وآخرًا، انتهى كلام شيخ المشايخ.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٩)
أصول التراجم عند شيخ الهند
وذكر شيخ الهند قُدِّس سرُّه خمسة عشر أصلًا بالبسط في اللغة الأردية في مبدأ تراجمه، يأتي بيانها في الفائدة الثالثة مفصلًا معربًا، وذكر في آخرها عدة أصول في العربية، وهذا نصه، فقال:
اعلم أن المؤلف رحمه الله مرّة يصرِّح بالترجمة، لكن غرضه لا يكون ظاهر العبارة، بل ما يثبت بالالتزام أو بالإشارة، جليًّا كان أو خفيًّا، يظهر مقصوده بعد التأمل في أحاديث الباب، فمن لم يتأمل وقصر على الظاهر يقع في التكلف والتخبُّط.
مثلًا: قال رحمه الله: "باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب"، وذكر فيه حديث(1) استئجار أهل الكتابين واستئجار هذه الأمة، فأشكل التطبيق على الشرَّاح، وتكلفوا فيه.
والتحقيق: أن غرض المؤلف من هذه الترجمة بيان آخر وقت العصر، فظهر التطبيق، فافهم، ولو قال: "باب تأخير العصر إلى الغروب" كما صرح في الصفحة السابقة: "باب تأخير الظهر إلى العصر"، ما تكلف أحد هذه التكلفات البعيدة.
وهكذا قال بعد ورقة: "باب من أدرك من الفجر ركعة"، فالمقصود منه أيضًا بيان آخر وقت الفجر لا ظاهر الترجمة، والله أعلم.
وهكذا قال في محل آخر: "باب ما يقول بعد التكبير"، وأدخل فيه حديث الكسوف(2) أيضًا، فأشكل التوفيق فتكلَّفوا.
والوجه عندنا أن بعد التأمل في أحاديث الباب يُفهم أن غرض المؤلف في هذا الباب إثبات التوسع في دعاء الافتتاح وتركه رأسًا، وعدم تعيين الدعاء المخصوص لزومًا، وأن الدعاء ثابت بعد التكبير متصلًا ومنفصلًا، فحينئذ ينطبق جميع الأحاديث المذكورة في الباب، فافهم، والله أعلم، وليس غرضه من هذا الباب تعيين الدعاء.--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري" (ح: 448).
(2) "صحيح البخاري" (ح: 748).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٠)
وتارة يذكر الباب(1) بلا ترجمة، ويذكر فيه حديثًا، فالشرَّاح رحمهم الله يذكرون في مثل هذا المقال احتمالات أكثرها بعيدة عن شأن المؤلِّف والمؤلَّف كليهما، كما لا يخفى على المهرة، وأحسن أعذارهم أنه كالفصل من الباب السابق، لكن هذا العذر أيضًا لا يتمشَّى في بعض المواضع.
مثلًا قال في الأبواب المتعلقة بأحكام البول: "باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله"، وذكر فيه حديث إنسانين يعذبان في قبورهما، ثم قال بعده: "باب ما جاء في غسل البول"، وذكر في الترجمة هذا الحديث(2)، ثم بعد ذلك الباب قال: "باب" بلا ترجمة، وذكر فيه هذا الحديث أيضًا، فكيف يقال: إنه كالفصل من الباب السابق؟ لأن هذا يمكن إذا كان الثاني مغايرًا للأول بوجه، وههنا لا تغاير أصلًا، فافهم.
وعندنا لا بد أن يقال: إن المؤلف أحيانًا يترك الترجمة عمدًا ويذكر حديثًا، ومقصوده أني أخرجت من هذا الحديث حكمًا أو أحكامًا، فينبغي أن تخرجوا منه حكمًا غير ذلك بشرط أن يكون مناسبًا لتلك الأبواب، ويفعل هكذا تشحيذًا للأذهان، وتنبيهًا وإيقاظًا للناظرين، كما هو دأبه في أمور كثيرة.
فعندنا - والله أعلم - هذا الاحتمال أقوى وأليق. وأنفع مهما أمكن.
نعم، إذا كان مانع منه في موضع ما، فلا بدَّ أن يتوجَّهوا إلى احتمال آخر يناسب ذلك المقام.
فعلى هذا يقال ههنا مثلًا: ينبغي أن تكون الترجمة كون البول موجبًا لعذاب القبر وما يماثلها، والله أعلم بالصواب، لا يقال: إن في أبواب القبر يقول: "باب عذاب القبر من الغيبة والبول"، فتتكرر الترجمة؛ لأنا نقول: المقصود هناك بيان حكم القبر، وها هنا المقصود ذكر حكم البول، فأين التكرار؟--------------------------------------------
(1) سيأتي في الأصل الخامس والعشرين، (ز).
(2) "صحيح البخاري" (ح: 218).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢١)
ونظائره كثيرة عند المؤلف لا تخفى على الناظرين، مثلًا: قال في أبواب الإيمان: "أداء الخمس من الإيمان"، ثم قال في أبواب الخمس: "أداء الخمس من الدِّين"، وهكذا قال المؤلف رحمه الله في آخر أبواب التيمم: "باب" بلا ترجمة، ثم ذكر حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: "يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ "، فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد، فإنه يكفيك"(1).
فعلى ما ذكرنا سابقًا يفهم من التراجم المذكورة في هذه الأبواب، أن الترجمة ههنا ينبغي أن تكون: "إذا لم يجد الجنب ماء يتيمم"، ولا حاجة إلى سهو الناسخين، أو عدم توفيق المؤلف رحمه الله.
وتارة يذكر بابًا(2) مع الترجمة، لكن لا يذكر حديثًا عكس الصورة الأولى، وفيه وجهان، مرة يذكر تحت الترجمة آية، أو حديثًا، أو قولًا من الصحابة والتابعين دالًّا على الترجمة، وهو كثير، ومرة لا يذكر شيئًا منها أيضًا، كما لا يذكر حديثًا مسندًا بل يذكر الترجمة فقط، فيحمله الشرَّاح على سهو الناسخين، أو سهو المؤلف، أو عدم تيسر إرادته بوجه من الوجوه، ولا يخفى استبعاده.
والتحقيق عندنا في هذه المواضع التفصيل:
أما الصورة الأولى: فظاهر أن الترجمة مدلَّلة بالآية أو الحديث أو غيرهما المذكور في ذيل الترجمة، فالترجمة تثبت ما تركها غير ثابتة، واكتفى المؤلف بهذا القدر بوجه ما، إما لأن حديثًا على شرط المؤلف ليس عنده، وإما لقصد التمرين.
وأما الصورة الثانية: فلا يختارها المؤلف إلا في موضع يكون دليل الترجمة مذكورًا قبلها في الباب السابق أو بعدها، مع أن هذه الصورة قليلة--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري" (ح: 348).
(2) يأتي في الأصل السابع والعشرين، (ز).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٢)
جدًا، فلا تكون الترجمة غير ثابتة، بل ثابتة بالدليل المذكور في الكتاب، وإن لم يذكر مع الترجمة لقصد التمرين والتنبيه وغيرها من الأسباب.
نعم، وجدنا في جملة الكتاب بابًا أو بابين، جعل رحمه الله الآية فيه ترجمة، واكتفى بها، ولم يذكر معها حديثًا ولا قولًا، فالأَولى أن يقال: لما جعل الترجمة آية القرآن وهو دليل فوق جميع الأدلة، فهذه الترجمة دعوى دليلها معها، لا يحتاج إلى دليل آخر، فاكتفى بها، فلا يقال: الدعوى بقيت بلا دليل، ولا يحتاج إلى أن يجعل حديثًا أو قولًا المذكور في الأبواب السابقة أو اللاحقة دليلًا لها، فالله أعلم.
هذا ما عندنا من التفصيل، فعليك بالتأمل الصادق والإنصاف اللائق، فإن كان حقًا فمن العزيز الرحيم، وإلا فمني ومن الشيطان الرجيم، انتهى.
وأشار الكرماني في مواضع من "شرحه"(1): أن الإمام البخاري يقتفي مشايخه في تراجم "صحيحه".
وتعقبه الحافظ في "الفتح"(2) ورد عليه في "باب طرح الإمام المسألة" إذ قال: وأما دعوى الكرماني أنه لمراعاة صنيع مشايخه في تراجم مصنفاتهم فإنها غير مقبولة، ولم نجد عن أحد ممن عرف حال البخاري وسعة علمه، وجودة تصرفه، حكى أنه كان يقلِّد في التراجم، ولو كان كذلك لم يكن له مزية على غيره، وقد توارد النقل عن كثير من الأئمة أن من جملة ما امتاز به كتاب البخاري دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، والذي ادَّعاه الكرماني يقتضي أنه لا مزية له في ذلك؛ لأنه مقلد فيه لمشايخه، وأعاد الكرماني هذا الكلام في "شرحه" مرارًا، ولم أجد له سلفًا في ذلك، والله المستعان، انتهى مختصرًا.
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: "صحيح البخاري بشرح الكرماني" (2/ 13).
(2) "فتح الباري" (1/ 148).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٣)
الفائدة الثالثة في تفاصيل الأصول من الأصول المذكورة في كلام الشرَّاح أو المشايخ المذكورين، أو من كلامهم في الشروح أو الدروس من غير ما ذكر سابقًا، أو مما كان خاطري أبا عُذْرَه
ونقدم من تلك الأصول الخمسة عشر التي تقدمت في كلام شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي قُدِّس سرُّه مع الزيادة عليها من كلامه رحمه الله في تراجمه، ثم بعد ذلك الأصول الخمسة العشر(1) التي ذكرها شيخ الهند رحمه الله باللغة الأردية في مبدأ تراجمه، ثم الأصول الأُخَر التي ظفرت بها.
ولما أردت أن أذكر كلام الشيخين الجليلين المذكورين مسلسلًا وقع التفريق في بيان الأصول المتناسبة التي كان حقها أن تذكر مسلسلة كما سترى في التفصيل:
1 - الأول: يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه:
من الأصول التي ذكرها شيخ المشايخ في مبدأ تراجمه -:
أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شروطه، ويذكر هنا حديثًا شاهدًا له على شرطه، انتهى.
وهذا أصل مطَّرد، كثير الشيوع في "صحيحه"، وتقدم هذا الأصل في كلام الحافظ في "مقدمته"(2) الذي رقمت عليه (10)، ومثَّل له الحافظ بـ "باب الأمراء من قريش"، وبـ "باب الاثنان فما فوقهما جماعة"، وتبع القسطلاني في "مقدمته"(3) في ذلك الأصل الحافظ.--------------------------------------------
(1) هكذا في الأصل، وقد تقدم أن أصول التراجم عند الإمام ولي الله الدهلوي أربعة عشر أصلًا، فتدبَّر.
(2) انظر: "هدي الساري" (ص 14).
(3) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 45).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٤)
قلت: ومن أمثلته:
"باب سترة الإمام سترة لمن خلفه" حديث لـ "الأوسط"(1) بضعف، ذكر له البخاري شاهدًا.
و"باب الأذان مثنى مثنى"، قال الحافظ(2): لفظ [هذه] الترجمة في حديث مرفوع لابن عمر رضي الله عنهما أخرجه الطيالسي. . . إلخ.
و"باب الإقامة واحدة"، قال الحافظ(3): ولم يقل واحدة واحدة مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبان في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: "الأذان مثنى والإقامة واحدة"(4).
و"باب الصعيد الطيب وضوء المسلم"، قال الحافظ(5): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البزار(6) بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا. . . إلخ.
و"باب من قال لا يقطع الصلاة شيء"، قال الحافظ(7): الجملة المترجم بها أخرجها الدارقطني(8) مرفوعًا لكن إسنادها ضعيف. . . إلخ.
و"باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، قال الحافظ(9): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن(10). . . إلخ.
قلت: ونظائره كثيرة في الكتاب، ولا يلتبس هذا الأصل بالأصل الحادي والأربعين الآتي في محله.--------------------------------------------
(1) "المعجم الأوسط" (1/ 147) (رقم 465).
(2) "فتح الباري" (2/ 72).
(3) "فتح الباري" (2/ 84).
(4) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (رقم 1677).
(5) "فتح الباري" (1/ 446).
(6) "مسند البزار" (9/ 387) (رقم 3973).
(7) "فتح الباري" (1/ 588).
(8) "سنن الدارقطني" (1/ 268).
(9) "فتح الباري" (2/ 149).
(10) "صحيح مسلم" (ح: 709)، و"سنن النسائي" (ح: 865)، و"سنن أبي داود" (ح: 572)، و"سنن الترمذي" (ح: 327)، و"سنن ابن ماجه" (ح: 775).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٥)
2 - الثاني: الترجمة بنوع من الدلالات:
أنه يترجم بمسألة استنبطها من الحديث بنحو من الاستنباط من نصِّه، أو إشارته، أو عمومه، أو إيمائه، انتهى.
ذكره شيخ المشايخ أصلًا واحدًا فاقتفينا أثره، وإلا فهو أصل متضمن لأربعة أصول كما لا يخفى، وأشار الحافظ في "الفتح"(1) في آخر "باب فضل صلاة الفجر في جماعة" إلى هذ الأصل، وبه أثبت المناسبة بالروايات.
وأثبت شيخ المشايخ في تراجمه بهذا الأصل مناسبة كثير من الروايات، كما قال في "باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. . ." إلخ: إنه رضي الله عنه أثبت ذلك بحديثي الباب بالدلالة الالتزامية، وقال في "باب الوضوء من النوم": استدل المؤلف بظاهر الحديث. . . إلى أن قال: وأمثال هذه الاستدلالات للمؤلف كثيرة، فاحفظ فإنه ينفعك.
وكذا في "باب عرق الجنب"، وكذا في "باب من صلى في الثوب الذي يجامع فيه"، إذ قال: احتاج في هذا الباب إلى هذا النوع من الاستدلال بالإيماءات والإشارات الخفية؛ لأنه لم يرد فيه نص يدل عليه، انتهى.
وكذا في "باب ذكر البيع والشراء في المسجد"، وكذا في "باب سُنَّة الصلاة على الجنازة"، وكذا في "باب المزايدة"، و"باب إيجاب التكبير"، أثبت بعضها بالإشارة أو الدلالة أو الاقتضاء.
وهذه الأنواع وسيعة في تراجم الإمام البخاري، وأخذ بذلك العيني في المواضع الكثيرة، مثلًا: قال(2) في حديث أبي موسى في "باب من أدرك ركعة من العصر": مطابقته للترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح. وكذا قال في الباب الذي بعده "باب وقت المغرب".--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (2/ 138).
(2) انظر: "عمدة القاري" (4/ 57 و 77).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٦)
3 - الثالث: من قال كذا:
أنه يترجم بمذهب ذهب إليه قبل، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: "باب من قال كذا"، انتهى.
قلت: هذا أصل معروف عند المشايخ جارٍ على ألسنتهم كثيرًا، وتقدمت الإشارة إليه في كلام الحافظ فيما رقمت عليه السادس، إذ قال: وكتيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله: "باب هل يكون كذا؟ أو من قال كذا"، ونحو ذلك؛ وذلك حينئذ لا يَتجه له الجزم بأحد الاحتمالين. . . إلى آخر ما تقدم من كلامه.
ولذا قال الحافظ في "الفتح"(1) في "باب من انتظر الإقامة": أوردها مورد الاحتمال تنبيهًا على اختصاص ذلك بالإمام، انتهى.
وتبعه القسطلاني أيضًا في هذا الأصل في مقدمة "شرحه"(2).
ولا يذهب عليك الفرق بين كلام شيخ المشايخ - إذ قال: إنه إشارة إلى مذهب من غير قطع بترجيحه -، وبين كلام الحافظ - إذ قال: إنه لعدم الجزم بأحد الاحتمالين -، ومع ذلك كله فليس هذا الأصل بمطَّرد، فإنه طالما يترجم بذلك في الإجماعيات، كما في "باب من بنى مسجدًا"، وفي "باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء"، و"باب من قال: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين".
نعم، ما قال الحافظ: إن غرضه بذلك التنبيه على الثبوت متجه في أكثرها، فإن المبدوء بلفظ: "باب من قال كذا" في جميع الكتاب عشرة أبواب(3)، والتنبيه على الثبوت محتمل في أكثرها بل كلها.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 109).
(2) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 44).
(3) بل اثنا عشر بابًا.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٧)
4 - الرابع: عدم جزم الحكم في الروايات المختلفة:
قد يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها.
مثاله: "باب خروج النساء إلى البراز"، جمع فيه حديثين مختلفين، انتهى.
قلت: هذا أصل مطَّرد معروف عند الشرَّاح، يعبِّرون عنه بأن الروايات التي لا تترجّح إحداهما على الأخرى عند المصنف لا يجزم بالحكم في الترجمة. وأخذ شيخ المشايخ في تراجمه في "باب إذا حنث ناسيًا في الإيمان"، إذ قال: جمع البخاري في هذا الباب أحاديث، بعضها يدل على أن الناسي والجاهل لا يؤاخذان بما فعلا، ومن قضيتها أن لا تجب الكفارة. وبعضها يدل على أنهما يؤاخذان ببعض فعلهما، إلى آخر ما قال. وبهذا الأصل جزم ابن المنيِّر في الباب المذكور إذ قال: أورد الأحاديث المتجاذبة ليفيد الناظر مظانَّ النظر، ومن ثَمَّ لم يذكر الحُكم في الترجمة، بل أفاد مراد الحكم، والأصول التي تصلح أن يقاس عليها، إلى آخر ما في "الفتح"(1).
ويدخل في هذا الأصل عندي: "باب الصلاة على الشهيد"، إذ لم يجزم فيه المصنف بالحكم، وأورد فيه حديثين متعارضين، و"باب رفع الصوت في المسجد" لم يجزم فيه بحكم، وأورد الروايتين المختلفتين، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الخامس والثلاثين؛ لظهور الفرق بينهما؛ فإن عدم جزم الحكم ها هنا لمكان اختلاف الروايات وهناك لمكان اختلاف أهل العلم، وكذا لا يلتبسان هذان بالأصل السابع والأربعين، فإن عدم الجزم بالحكم فيه للتوسع في الحكم، فتميّز كل أصل عن أخويه، ولا تلتبس الثلاثة بالثامن والستين، فإن عدم الجزم فيه لمجرد الاحتمال.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (11/ 551).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٨)