قلت: أخذ القسطلاني هذا من كلام الحافظ كما تقدم من كلامه في أول الفائدة الثالثة من الفصل الثاني، وهذا الأصل مطَّرد معروف في "الصحيح" كثير الشيوع في كتابه؛ فإنه رحمه الله اقتصر في "باب استواء الظهر في الركوع" على قوله: "وقال أبو حميد في أصحابه: ركع النبي صلى الله عليه وسلم(1)، ثم هصر ظهره" فقط، واقتصر في "باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة" على قوله: "قال أبو حميد: عن النبي صلى الله عليه وسلم"(2)، وقال في "باب الصلح مع المشركين": "فيه عن أبي سفيان"(3)، انتهى.
واقتصر في "باب من غزا وهو حديث [عهد] بعرسه" على قوله: "فيه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم"(4)، وفي "باب من اختار الغزو بعد البناء" على قوله: "فيه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم"(5)، وقال في "باب تزويج اليتيمة": "فيه سهل عن النبي صلى الله عليه وسلم"(6)، وغير ذلك من الأبواب الكثيرة.
34 - الرابع والثلاثون: زيادة لفظ: "أو غيرها":
ما قال حافظ الحديث مولانا السيد أنور شاه في "فيض الباري" في "باب الفتيا وهو واقف على ظهر الدابة أو غيرها"(7): قد استفدت من عادة البخاري أن الحديث إذا اشتمل على جزء مخصوص، ويكون الحكم عامًّا--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري" 10 - "كتاب الأذان"، (120)، باب استواء الظَّهر في الركوع.
(2) "صحيح البخاري" 10 - "كتاب الأذان"، (131)، باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة.
(3) "صحيح البخاري" 53 - "كتاب الصلح" (7)، باب الصلح مع المشركين.
(4) "صحيح البخاري" 56 - "كتاب الجهاد والسير" (114)، باب من غزا وهو حديث عهد بعرسه.
(5) "صحيح البخاري" 56 - "كتاب الجهاد والسير" (115)، باب من اختار الغزو بعد البناء.
(6) "صحيح البخاري" 67 - "كتاب النكاح" (44)، باب تزويج اليتيمة.
(7) "فيض الباري" (1/ 264).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٩)
عنده، فيصنع البخاري هناك هكذا، ويضع لفظ "أو غيرها" دفعًا لإيهام التخصيص، وإفادةً للتعميم، ثم لا يخرج له دليلًا فيما بعد.
فالمصنف رحمة الله عليه ههنا أخرج من الحديث مسألة الدابة فقط، وإنما أضاف "أو غيرها" إفادة لتعميم الحكم، فهذا فقه وبيان مسألةٍ احتراسًا، فطلب الدليل على هذا الجزء في كلامه بعيد عندي، انتهى.
قلت: وهذا الأصل قريب مما تقدم في الأصل الثالث والعشرين، وأفردته بالذكر؛ لأن تبويب الإمام البخاري بلفظ "غيره" مطَّرد شائع في كتابه، وأيضًا فرق ما بين شرح الحديث بالترجمة وبين الإشارة إلى عدم التخصيص بلفظ "غيره" في الترجمة، وهذا السياق كثير الشيوع في البخاري.
مثلًا: ترجم "إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره" قال الحافظ(1): استدل البخاري على أن بقاء الأثر بعد زوال العين في إزالة النجاسة وغيرها لا يضر، فلذا ترجم: "إذا غسل الجنابة أو غيرها. . ." إلخ. وترجم "باب الإهلال من البطحاء وغيرها. . ." إلخ، إشارةً إلى عدم التخصيص بالبطحاء. وترجم: "هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم. . .؟ " إلخ، إشارة إلى عدم التخصيص بأصحاب السقاية. وترجم "باب العمرة ليلة الحسبة وغيرها"، إشارة إلى عدم التخصيص بليلة الحسبة، وإن كانت عمرة عائشة رضي الله عنها فيها. وكقوله: "باب الفطر بما تيسر بالماء وغيره".
35 - الخامس والثلاثون: عدم الجزم لاختلاف العلماء:
ما قال الحافظ في "الفتح"(2) في "باب كتابة العلم": طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف، أن لا يجزم فيها بشيء، بل يوردها على--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 334).
(2) "فتح الباري" (1/ 204).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٠)
الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك؛ لأن السلف اختلفوا في ذلك عملًا وتركًا، وإن كان الأمر استقر، والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم إلى آخره.
وقال في "باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا": قال الزين ابن المنيِّر: لم يذكر جوابَ "إذا" جريًا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه(1)، انتهى.
وقال في "باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة"، أي: هل يجب إجابتها أم لا؟ وإذا وجبت هل تبطل الصلاة أو لا؟ في المسألتين خلاف، ولذلك حذف المصنف جواب الشرط(2)، انتهى.
ويمثل هذا أيضًا بـ "باب الوضوء من غير حديث" لمكان الاختلاف فيه في السلف، كما بسطه الحافظ(3): وإن استقر الإجماع بعدُ على عدم الوجوب.
وهذا الأصل مطَّرد كثير الشيوع في "الصحيح"، وهذا غير الأصل الرابع، كما لا يخفى؛ فإنه تقدم فيه أنه رحمه الله لا يجزم بالحكم لاختلاف العلماء، ولا يأتي بالروايات المختلفة، كما ترى في هذه الأمثلة، فإنه لم يذكر في هذه الأبواب إلا روايةً واحدةً، كما في "باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا".
وكتب مولانا الشيخ محمد حسن المكي عن شيخه الإمام الكَنكَوهي قَدَّس الله أسرارهما: إن الدأب الشائع للبخاري الروايات، فيأتي بالروايات على اختلافها، وها هنا عدم الجزم إشارة إلى اختلاف أنه يضع الترجمة ولا يذكر معها الحكم، إما لاشتباه الحكم عليه، أو للإحالة إلى فهم الناظر، ثم يورد لها أحاديث متفقة على حكم واحد، أو متعارضة من غير تطبيق بينها، فيذكرها على سبيل التعداد، ويحيل التطبيق إلى فهم الناظر،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 203).
(2) "فتح الباري" (3/ 78).
(3) انظر: "فتح الباري" (1/ 232، 316).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧١)
فكأنه يختبره، فلذلك ذكر "باب سؤر الكلب" مطلقًا، ثم أورد فيه مذهب الزهري، ثم أورد حديثًا منابذًا له؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "فليغسله سبعًا"، ثم أورد حديثين معارضين لذلك الحديث مؤيدين لمذهب الزهري، وهما: حديث الخف، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فكل. . ." إلخ، يعني حديث الصيد الآتي في الباب الثاني، وكلامه قُدِّس سرُّه هذا يشتمل أصولًا، منها هذا الأصل والأصل الرابع، لقوله: ثم يأتي لها أحاديث متفقة أو متعارضة، فتأمل.
وأدخل شيخ المشايخ في هذا الأصل "باب الصلاة على الشهيد"، إذ قال: فيه اختلاف العلماء، وإنما عقد المؤلف الباب للإشارة إلى أن الدلائل في هذا الباب متعارضة، فمن مثبت ومن ناف، ومن دأبه الإشارة إلى تعارض أدلة المسألة أيضًا، وعقد الباب لمجرد ذلك، كما لا يخفى على متتبع كتابه حق التتبع، انتهى.
والأوجَه عندي أن هذا الباب من الأصل الرابع لذكر الروايتين المختلفتين في ذلك، وإن كان فيه اختلاف العلماء أيضًا.
36 - السادس والثلاثون: التعليل بالعلة البعيدة تاركًا العلةَ القريبةَ:
ما أفاده شيخ المشايخ في تراجمه في "باب الوضوء من النوم".
وحاصله: أن التعليل بالعلة البعيدة تاركًا العلةَ القريبةَ، دليل على أن العلة القريبة غير مؤثرة، قال: وأمثال هذه الاستدلالات للمؤلف كثيرة، فاحفظ فإنه ينفعك، انتهى.
وسيأتي تمام كلام الشيخ في هامش "التقرير"(1) في هذا الباب.--------------------------------------------
(1) انظر: "لامع الدراري" (2/ 162).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٢)
37 - السابع والثلاثون: باب بلا ترجمة، تنبيه على اختلاف طرق الرواية:
ما قال العيني(1) في "باب" بلا ترجمة بعد "باب ما جاء في غسل البول"، وقد ذكر فيه البخاري حديث الرجلين يعذبان في القبر: هذا الحديث في نفس الأمر هو الحديث الذي ترجم له البخاري بقوله: "باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله"؛ لأن مخرجهما واحد، غير أن الاختلاف في السند وبعض المتن؛ لأن هناك عن مجاهد عن ابن عباس، وها هنا عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس. . . إلى آخر ما قال.
وحاصله: أنه ذكر الباب بلا ترجمة تنبيهًا على الاختلاف في الرواية، والفرق بينه وبين الأصول العشرين، والخامس والعشرين، والسابع والخمسين لا يخفى، وهكذا هذه كلها بمعرض من الأصل السابع.
38 - الثامن والثلاثون: عدم الذكر لأحد جزئي الترجمة إشارة إلى ما ورد:
إن من دأب البخاري المطَّرد في كتابه أنه طالما يترجم بترجمتين، ولا يذكر الحديث إلا لواحد منهما، ويترك الأخرى سدى.
وميل الحافظ في هذه الأبواب: أنه رحمه الله أشار بالترجمة الثانية إلى روايات ليست على شرطه؛ فقد قال في "باب غسل المني وفركه. . ." إلخ: لم يُخرِّج البخاري حديث الفرك، بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته(2)، انتهى.
وقال في "باب البول قائمًا وقاعدًا"، ولم يذكر البخاري حديث الجزء الثاني، فقال(3): ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (2/ 604).
(2) "فتح الباري" (1/ 332).
(3) "فتح الباري" (1/ 328).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٣)
عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، انتهى. وقد حمله ابن بطَّال على الأصل التاسع عشر، كما تقدم.
وقال الحافظ(1) في "باب إذا غسل الجنابة أو غيرها": ذكر في الباب حديث الجنابة، وألحق غيرها بها قياسًا، أو أشار بذلك إلى ما رواه أبو داود(2) وغيره من حديث أبي هريرة في سؤال خولة عن ثوب الحيض.
وقال(3) في "باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان": والذي يظهر لي من تصرُّف البخاري، أنه أشار بكل ذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا - ثم ذكر الروايات المصرحة بهذه الأجزاء - وقال في آخره: وتكلف من لم يطلع على ذلك، فزعم أن حكم الترجمة يؤخذ من إتيان النبي صلى الله عليه وسلم القبر حتى صلى عليه، قال: فيؤخذ من ذلك الترغيب في تنظيف المسجد.
وقال في "باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها": ولم يذكر البخاري حديثًا قبلها، فقال الحافظ(4) بعد ذكر توجيهات الشرَّاح الأخر: والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب، وهو ما رواه أبو داود وابن حبان، فذكر الحديث.
ونظائرها كثيرة في "الفتح"، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الحادي عشر، والتاسع عشر، فإن الفرق بينها واضح.
39 - التاسع والثلاثون: عدم الذكر لأحد جزئي الترجمة إشارة إلى عدم الثبوت:
ما قالوا في النوع المذكور - يعني: إذا ذكر جزئين في الترجمة ولم--------------------------------------------
(1) قلت: ذكر الحافظ قوله هذا في: باب غسل المني وقوله. . . إلخ لا في: باب إذا غسل الجنابة. . . إلخ، انظر: "فتح الباري" (1/ 334).
(2) "سنن أبي داود" (ح: 365).
(3) "فتح الباري" (1/ 553).
(4) "فتح الباري" (2/ 426).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٤)
يذكر الحديث إلا لواحد منها -: أن الإمام البخاري يشير بذلك إلى أن أحد الجزئين ثابت والثاني لا يثبت، فكأن البخاري رد عليه بالترجمة وأنكره.
جزم بذلك الكرماني في "باب غسل المني وفركه"، إذ قال(1): فإن قلت: الحديث لا يدل على الفرك، قلت: عُلم من الغسل عدم الاكتفاء بالفرك، والمراد من الباب حكم المني غسلًا وفركًا في أن أيهما ثبت في الحديث وما الواجب منهما، انتهى.
وعلى ذلك حمل الشيخ ابن القيم في "الهدي"(2) ترجمة البخاري "باب الصلاة قبل الجمعة وبعدها"، وبسط الكلام على أن لا صلاة قبل الجمعة، قال: ولم يرد البخاري إثبات السُّنَّة قبل الجمعة، وإنما مراده: هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء؟ ثم ذكر هذا الحديث، أي: أنه لم يرو عنه فعل السُّنَّة إلا بعدها، ولم يرد قبلها شيء، انتهى.
ويدخل في ذلك "باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد"، إذ أورد الحديث للأول دون الثاني، وأشكل على الشرَّاح إثبات الثاني.
وقال العيني(3): لعل غرض البخاري رحمه الله أن لا يصلى عليها في المسجد. . . إلى آخر ما قال.
وإلى ذلك الأصل أشار العيني في "باب البول قائمًا وقاعدًا" احتمالًا، إذ قال(4): وإما إشارة إلى أنه وقف على أحاديث الفصلين، ولكنه اقتصر على أحاديث الفصل الأول لكونها على شرطه، انتهى.
يعني: أحاديث الفصل الثاني لم تكن على شرطه، ولا يلتبس هذا بالأصل الخامس والخمسين.--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري بشرح الكرماني" (3/ 81).
(2) "زاد المعاد" (1/ 433).
(3) "عمدة القاري" (6/ 182).
(4) "عمدة القاري" (2/ 620).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٥)
40 - الأربعون: يؤخذ مختار البخاري من الآثار:
ما يستنبط من كلام الحافظ في باب "في كم تصلي المرأة من الثياب؟ ": أن من عادة البخاري أنه طالما لا يذكر في الترجمة حكمًا، لكن مختاره يظهر عمَّا ذكر في الباب من الآثار.
إذ قال بحثًا: إنه لم يصرح بشيء، إلا أن اختياره يؤخذ في العادة من الآثار التي يودِعها في الترجمة(1)، انتهى.
وتبعه القسطلاني(2) في ذلك، وبذلك الأصل أخذ العيني(3) في الباب المذكور، إذ قال: واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها، انتهى.
وإلى ذلك أشار الحافظ في "باب سؤر الكلب"، إذ قال(4): والظاهر من تصرُّف المصنف أنه يقول بطهارته، انتهى.
وقريب من ذلك ما قال(5) في "باب أبواب الإبل والدواب": لم يفصح المصنف بالحكم كعادته في المختلف فيه، لكن ظاهر إيراده حديث العُرنيين يشعر باختياره الطهارة، انتهى.
وقلت: قريب من ذلك؛ لأنه ليس فيه الأثر بل الحديث، لكنه مُشعر إلى الأصل المذكور، ويدخل في ذلك عندي "باب الصلاة في الجبة الشامية. . ." إلخ؛ فإنه يحتمل مسألة النجاسة ومسألة التشبه، لكن الآثار التي أوردها في الباب تؤيد الثاني، قال الحافظ(6): هذه الترجمة معقودة لجواز الصلاة في ثياب الكفار ما لم يتحقق نجاستها، انتهى.
قلت: ويؤيده أثر معمر، وبذلك الأصل أخذ الحافظ في "باب وجوب--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 482).
(2) "إرشاد الساري" (2/ 39).
(3) "عمدة القاري" (3/ 309).
(4) "فتح الباري" (1/ 282).
(5) "فتح الباري" (1/ 335).
(6) "فتح الباري" (1/ 473).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٦)
صلاة الجماعة"، إذ قال(1): أطلق الوجوب، وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يُشعر بكونه يريد أنه وجوب عين، انتهى.
وهذا اللفظ - أي: تعيين المراد بالوجوب - عنده غرضي ههنا بذكر كلامه، وإلَّا فقد تقدم كلامه في الخامس عشر لأصل آخر.
وقال الكرماني(2) في "باب هل يتتبع المؤذن فاه. . ." إلخ في قول البخاري: "ويُذْكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه"، وكان ابن عمر لا يجعل: ميل البخاري إلى عدم الجعل؛ لأن التعليق الأول ذكره بصيغة التمريض، والثاني بصيغة التصحيح، انتهى.
وسيأتي قول الكرماني هذا في الأصل الخامس والأربعين لغرض آخر.
وهكذا قال العيني(3): يعني ذكر الأول بصيغة التمريض، والثاني بصيغة التصحيح، فكان ميله إليه.
وقال الحافظ في "باب كيف الإشعار للميت"، وقال الحسن. . . إلخ: وبقول الحسن قال زفر. وكأن المصنف أشار بذلك إلى موافقة قول زفر(4)، انتهى.
وقال الحافظ(5): عادة البخاري في موضع الاختلاف مهما صدَّر به من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره، انتهى.
والفرق بين هذا الأصل وبين الأصول التي ذكرت في الأصل الخامس عشر واضح لا يخفى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 125).
(2) "صحيح البخاري بشرح الكرماني" (5/ 29). وحديث بلال أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (1/ 467) (رقم 1806) وحديث ابن عمر أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (1/ 470) (رقم 1816) وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 210).
(3) "عمدة القاري" (4/ 206).
(4) "فتح الباري" (3/ 133).
(5) "فتح الباري" (9/ 374).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٧)
نعم، الفرق بين ذلك وبين ما تقدم في الخصيصة السادسة من خصائص البخاري في الفائدة الثانية من الفصل الثاني دقيق، ذُكر هناك.
41 - الحادي والأربعون: يقوي حديثًا بالترجمة ليس على شرطه:
من عادته المستمرة المعروفة أنه رحمه الله كثيرًا ما يقوي بالترجمة معنى حديث ليس على شرطه، لكن معناه صحيح عنده، فيستدل بالرواية التي هي على شرطه على صحة معنى حديث ليس على شرطه.
والفرق بين هذا الأصل وبين الأصل الأول من هذه الأصول، أن المذكور في الترجمة هناك كان لفظ الحديث، وههنا الترجمة ليست بلفظ حديث، بل ههنا أشار بالترجمة إلى صحة معناه.
وتقدمت الإشارة إلى ذلك الأصل في كلام الحافظ في "مقدمته"(1) الذي حكيته في الفائدة الثانية، ورقمت عليه العاشر، إذ قال: وكثيرًا ما يُترجم بلفظ يُومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه، إلى آخر ما قال: فهذا الثاني تقدم في الأصل الأول، والأول من نوعي الحافظ.
هذا، ويمثل لذلك بما قاله شيخ المشايخ في تراجمه في "باب صيام أيام البيض": ثبت حديث الترجمة في السنن، وليس على شرط البخاري، فاستخرج له حديثًا على شرطه يشهد له، كذا للزركشي، انتهى.
قلت: ولفظ الترجمة مروي بألفاظ مختلفة ذكرها الحافظ في "الفتح"(2).
قلت: ويمثل لذلك الأصل بـ "باب كم بين الأذان والإقامة"، فإن المعروف أنه رحمه الله أشار بذلك إلى رواية جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: "اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله"،--------------------------------------------
(1) "هدي الساري" (ص 14).
(2) انظر: "فتح الباري" (4/ 226).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٨)
الحديث أخرجه الترمذي والحاكم(1)، لكن إسناده ضعيف، وله شواهد ذكرها الحافظ(2).
ويمثل لذلك أيضًا بـ "باب الصلاة في النعال"، قال الحافظ(3): روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعًا(4): "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم. . ." إلخ، ثم ترجم الإمام البخاري بـ "باب الصلاة في الخفاف"، قال الحافظ(5): يحتمل أنه أراد الإشارة إلى حديث شدَّاد بن أوس المذكور لجمعه بين الأمرين.
وترجم الإمام البخاري بـ "باب المساجد في البيوت" وهو عندي إشارة إلى حديثي عائشة وسمرة رضي الله عنهما أخرجهما أبو داود في "سننه"(6)، وترجم عليهما بـ "باب اتخاذ المساجد في البيوت"، فيهما الأمر ببنائها في الدور.
وترجم البخاري بـ "باب يلبس أحسن ما يجد"، وقد ورد في معنى ذلك عدة روايات ذكرها الحافظ في "الفتح"(7).
وترجم "باب من تمطر في المطر. . ." إلخ، قال الحافظ(8): لعله أشار إلى ما أخرجه مسلم(9) عن أنس قال: "حسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه المطر، وقال: لأنه حديث عهد بربه".
وترجم بـ "باب الثياب البيض للكفن"، قال الحافظ(10):--------------------------------------------
(1) انظر: "سنن الترمذي" (ح: 195)، و"المستدرك" (1/ 320).
(2) انظر: "فتح الباري" (2/ 106).
(3) "فتح الباري" (1/ 494).
(4) أخرجه أبو داود في "سننه" (ح: 652)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 260).
(5) "فتح الباري" (1/ 494).
(6) "سنن أبي داود" (ح: 455، 456).
(7) "فتح الباري" (2/ 374).
(8) "فتح الباري" (2/ 520).
(9) "صحيح مسلم" (ح: 898).
(10) "فتح الباري" (3/ 135).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٩)
كأن البخاري لم يثبت على شرطه الحديث الصريح في الباب، وهو ما رواه أصحاب السنن(1) من حديث ابن عباس، بلفظ: "البسوا ثياب البيض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم"، صحَّحه الترمذي والحاكم، وله شاهد من حديث سمرة، ذكره الحافظ.
وترجم "باب حمل الرجال الجنازة دون النساء"، قال الحافظ(2): لعله أشار إلى ما أخرجه أبو يعلى(3) من حديث أنس فذكره.
وترجم بـ "باب ما ذكر في الحجر الأسود"، قال الحافظ(4): أورد فيه حديث عمر رضي الله عنه، وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد ورد فيه أحاديث فبسطها.
وترجم بـ "باب ما جاء في زمزم"، قال الحافظ(5): كأنه لم يثبت عنده في فضلها حديث، إلى آخر ما قال.
والفرق بين هذا الأصل، وبين الحادي عشر، واضح لا يخفى.
42 - الثاني والأربعون: ترجمة غير متعلقة بالكتاب:
أن من دأبه المعروف المطَّرد، أنه قد يُنَبِّه بالترجمة على مسألة مهمة غير متعلقة بالكتاب استطرادًا، فيشكل على الناظرين توفيق هذه الترجمة بالكتاب.
مثلًا: ترجم في أبواب المساجد "باب الاغتسال إذا أسلم"، وأشكل على الشرَّاح قاطبة إدخاله في "أبواب المساجد".--------------------------------------------
(1) "سنن أبي داود" (ح: 4061، 3878)، و"سنن ابن ماجه" (ح: 1472، 3566)، و"سنن الترمذي" (ح: 994).
(2) "فتح الباري" (3/ 182).
(3) مسند أبي يعلى (رقم 4056، 4274).
(4) "فتح الباري" (3/ 462).
(5) "فتح الباري" (3/ 493).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٠)
قال الحافظ(1): الاغتسال إذا أسلم لا تعلق له بأحكام المساجد إلا على بُعْدٍ، وهو أن يقال: الكافر جُنُب غالبًا، وهو ممنوعٌ من المسجد إلا لضرورة، فلما أسلم لم تبق ضرورة للُبثه في المسجد جنبًا، فاغتسل لتسوغ له الإقامة في المسجد، إلى آخر ما بسط من التوجيهات البعيدة، حتى قال: يحتمل أن يكون بيَّض للترجمة فَسَدَّ بعضهم البياض بما ظهر له، وحكى عن بعضهم ههنا التراجم، ولو أمعنوا النظر في عادات المصنف تخلصوا عن الإشكال.
فالأوجه عندي أن يقال: إن الحديث من الباب السابق، ولذا نبَّه عليه بربط الأسير أيضًا، وذكر مسألة الاغتسال استطراد اهتمامًا بشأنها لشدة اختلاف الأئمة الأربعة في تلك المسألة حتى لم يتفق اثنان منهم على قول واحد، بل لكل واحد من الأربعة مسلك مستقل في تلك المسألة.
ولما كانت المسألة مستنبطة بحديث الباب، نَبَّهَ عليها بالترجمة كالتنبيه، ثم رأيت أن هذا الأصل أخذه مولانا السيد أنور شاه نوَّر الله مرقده أيضًا، فللَّه الحمد والمنة، فقد قال في "فيض الباري"(2) في "باب فضل صلاة الفجر والحديث": هذا من عادات المصنف رحمه الله تعالى: أن الحديث إذا اشتمل على فائدة ويريد أن ينبِّه عليها، فإنه يذكرها في الترجمة وإن لم يناسب سلسلة التراجم، أعني به: أن التراجم إذًا تكون عنده مسلسلة، ثم تبدو له فائدة في الأحاديث المستخرجة ويراها مهمة، فلا ينتظر أن يبوِّب لها [بابًا] مستقلًّا، ولكن يفرِّغ عنها في ذيول هذه التراجم، وأسمِّيه: إنجازًا.
فقوله: "والحديث"، أي: الحديث بعد العشاء وإن لم يناسب ذكره ههنا؛ لأنه عقد الترجمة لفضل صلاة الفجر، ولا مناسبة بينه وبين الحديث بعد العشاء، إلا أنه لما كان مذكورًا في الحديث المترجم له ذكره إنجازًا، وقد اضطرب في توجيهه الشارحون، ولم يأتوا بشيء، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 555).
(2) "فيض الباري" (2/ 174).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨١)
قلت: وما وجَّه - أي: الشيخ الكشميري رحمة الله عليه - للفظ الحديث، يأتي الكلام عليه في محله من "اللامع"(1)، وما اختاره في توجيهه هو أقرب التوجيهات عند هذا العبد الضعيف أيضًا، لكن مع التفحُّص الكثير لم أجد بعدُ في رواية نصًّا بأن هذا الكلام كان بعد العشاء فليتفحَّص، وعلى هذا الأصل حمل شيخ المشايخ في تراجمه "باب نفض اليدين من الغسل"، إذ قال: وغرضه عندي إثبات طهارة الغسالة، إذ النفض لا يخلو عن إصابة الرشاش بالبدن، انتهى.
43 - الثالث والأربعون: الترجمة بخلاف لفظ الحديث:
أن من دأبه المعروف أنه كثيرًا ما يذكر الترجمة بخلاف لفظ الحديث، ويكون الغرض منه الإشارة إلى اختلاف ألفاظ الرواية الواردة في الباب.
وهذا مطَّرد في كتابه، وأمثلته كثيرة في "الصحيح"، منها: أنه ترجم بـ "باب من أدرك من الصلاة ركعة"، وأورد فيه حديث أبي هريرة بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة"، قال الحافظ(2): أخرجه البيهقي وغيره(3) بلفظ ترجمة الباب، قدّم قوله: "من الصلاة" على قوله: "ركعة".
وقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري مما يترجم بلفظ الحديث، لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث الذي يورده، إلا وقد ورد من وجه آخر بذلك اللفظ المغاير، فللَّه درُّه ما أكثر اطلاعه، انتهى.--------------------------------------------
(1) انظر: "لامع الدراري" (3/ 59)، فيه كلام لطيف.
(2) "فتح الباري" (2/ 57).
(3) انظر: "صحيح مسلم" (ح: 607)، و"سنن النسائي" الكبرى (ح: 1742)، و"سنن أبي داود" (ح: 1121)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 386) (رقم 1684).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٢)
قلت: ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الآتي: الرابع والستين.
44 - الرابع والأربعون: التوافق بجزء من الترجمة:
ما اختاره العيني في "شرحه"(1) في كثير من التراجم أن التوافق بجزء من الترجمة يكفي للمطابقة، كما قال في "باب فضل صلاة الفجر في الجماعة" في ذيل حديث أم الدرداء.
فإن قلت: الترجمة في فضل الصلاة بالجماعة في الفجر: والذي يفهم من الحديث أعم من ذلك، فكيف يكون التطابق؟
قلت: إذا طابق جزء من الحديث الترجمة يكفي، ومثل هذا وقع له كثيرًا في هذا الكتاب، انتهى.
وقال في "باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره"(2): مطابقة حديث ابن عمر للترجمة في أحد جزئيها، واكتفى البخاري بدلالته على بعض الترجمة حيث دل حديث أبي هريرة على تمامها، ثم قال بعد ذلك في حديث أبي موسى: مطابقته للترجمة في أحد جزئيها، كما قلنا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، انتهى.
وقال في "باب الأذان للمسافرين. . ." إلخ، بعد حديث أبي ذر(3): إن قلت: لا دلالة ههنا على الإقامة، والترجمة مشتملة على الأذان والإقامة معًا! قلت: المقصود هو الدلالة في الجملة، ولا يلزم الدلالة صريحًا على كل جزء من الترجمة، انتهى.
وبهذا الأصل أثبت مناسبة حديث ابن عباس بـ "باب الخطبة بعد العيد"، إذ قال(4): مطابقته للترجمة تأتي بالتكلف من حيث إن الترجمة--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (4/ 235).
(2) "عمدة القاري" (3/ 549، 547).
(3) "عمدة القاري" (4/ 202).
(4) "عمد القاري" (5/ 175).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٣)
مشتملة على العيد، والمراد منه صلاة العيد، وأشار بالحديث إلى أن صلاة العيد ركعتان، انتهى.
وإن كان عندي في وجه المطابقة ههنا ما قاله الكرماني(1) من أن الأمر للنساء بالصدقة من تتمة الخطبة أوجه مما قاله العيني، لكن العيني طابق الحديث بجزء الترجمة.
وقال الحافظ في "باب هل يصلي الإمام بمن حضر. . ." إلخ(2): وحديث أنس رضي الله عنه لا ذكر للخطبة فيه، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل ما في الترجمة، انتهى.
وأخذ بذلك أيضًا في "باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء" إذ قال(3): وحاصله: أن حديث ابن عمر يدل على بعض الترجمة، وحديث عائشة على جميعها، انتهى.
وأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في "باب مسح الرأس كله"، إذ قال: وتعلق قول ابن المسيب بالباب إنما هو لمجرد ذكر المسح فيه، ولا تعلق له بخصوص الترجمة، ومثل ذلك في تعاليق البخاري كثير، انتهى.
45 - الخامس والأربعون: ما يذكر بصيغة التمريض:
ما هو المعروف في الشروح جُلَّة، وعلى ألسنة المشايخ قاطبةً: أن ما يذكره البخاري في تراجمه بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه.
قال النووي في مبدأ شرحه: قال العلماء المحققون من المحدثين وغيرهم: إذا كان الحديث ضعيفًا لا يقال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعل،--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري بشرح الكرماني" (6/ 70).
(2) "فتح الباري" (2/ 185).
(3) "فتح الباري" (4/ 325).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٤)
أو أمر، أو نهى، أو شبه ذلك من صيغ الجزم، وكذا لا يقال: روى أبو هريرة، أو ذكر، أو قال شبه ذلك، وكذا لا يقال ذلك في التابعين ومن بعدهم فيما كان ضعيفًا، فلا يقال شيء من ذلك بصيغة الجزم، وإنما يقال في الضعيف بصيغة التمريض، فيقال: روي عنه، أو نُقِلَ، أو ذُكِرَ، أو يُروى، أو يحكى، أو جاء عنه، أو بلغنا عنه.
قالوا: وإذا كان الحديث أو غيره صحيحًا أو حسنًا، عيّن المضاف إليه بصيغة الجزم، ودليل ذلك: أن صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه، فلا يطلق إلا على ما صح وإلا فيكون في معنى الكاذب.
وهذا التفصيل مما يتركه كثير من المصنفين في الفقه والحديث وغيرهما، وقد اشتد إنكار الإمام البيهقي فيمن خالف هذا من العلماء: هذا التساهل من فاعله قبيح جدًا، فإنهم يقولون في الصحيح بصيغة التمريض، وفي الضعيف بالجزم، وهذا حيدٌ عن الصواب.
وقد اعتنى البخاري رحمه الله بهذا التفصيل في "صحيحه"، فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض، وبعضه بجزم، مراعيًا ما ذكرنا، وهذا مما يزيدك اعتقادًا في جلالته وتحرِّيه، وورعه واطلاعه، وتحقيقه وإتقانه، انتهى.
قلت: هذا هو المعروف في عامة الشروح، لكن الحافظ في "مقدمته"(1) بسط الكلام على ذلك الأصل بسطًا كثيرًا لا يسعه هذا المختصر، وذكر عدة أمثلة للأنواع المختلفة من الجزم والتمريض، وبسط الكلام عليهما.--------------------------------------------
(1) انظر: (ص 19).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٥)
وقال في "باب الرجل يأتم بالإمام"(1): قوله: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ائتموا بي"، الحديث، هذا طرف من حديث أبي سعيد الخدري قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخرًا. . ." الحديث، أخرجه مسلم وأصحاب السنن(2)، قيل: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه لضعف فيه.
وهذا عندي ليس بصواب، لأنه لا يلزم من كونه على شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط "صحيحه" الذي هو أعلى شروط الصحة. والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح، انتهى.
وتعقب العيني إذ قال(3): قال الكرماني: "ويُذكر" تعليق بلفظ التمريض. . .، ثم ذكر العيني قول الحافظ، ثم قال: قلت: وهذا الذي ذكره يخرم قاعدته؛ لأنه إذا لم يكن على شرطه كيف يحتج به؟ وإلا فلا فائدة لذلك الشرط، إلى آخر ما ذكره.
والجملة أن المعروف عند الشرَّاح ما يذكره البخاري بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه، ولا أقل من أنه إشارة إلى أنه ليس على شرطه.
وأخذ الحافظ أيضًا بهذا الأصل في مواضع من شرحه، قال في "باب الجمع بين السورتين في ركعة" في قوله: "ويُذكر عن عبد الله بن السائب" بعد ما ذكر الاختلاف في إسناده على ابن جريج: وكأن البخاري علقه بصيغة "ويذكر" لهذا الاختلاف(4)، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 204).
(2) "صحيح مسلم" (ح: 438)، و"صحيح ابن خزيمة" (رقم 1612)، و"سنن أبي داود" (ح: 680)، و"سنن النسائي" (ح: 795)، و"سنن ابن ماجه" (ح: 978).
(3) "عمدة القاري" (4/ 348).
(4) انظر: "فتح الباري" (2/ 256).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٦)
ولذلك جزم العيني إذ قال(1): وذكره البخاري على صيغة المجهول، وهو صيغة التمريض؛ لأن في إسناده اختلافًا، ثم ذكر الاختلاف، وأمثلة ذلك في الشروح كثيرة.
قال الكرماني: في "باب هل يتبع المؤذن فاه ههنا"، ويذكر عن بلال أنه جعل أصبعيه في أذنيه، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يجعل. . . إلخ: ميل البخاري إلى عدم الجعل؛ لأن التعليق الأول ذكره بصيغة التمريض، والثاني بصيغة التصحيح(2)، انتهى.
تقدم قول الكرماني هذا في الأصل الأربعين لغرض آخر، وهو بيان ميل البخاري، وههنا بصيغتي التمريض والتصحيح.
ويقرب منه ذكر الإمام البخاري التراجم بصيغة التمريض، كما في قوله: "باب ما يذكر في المناولة"، وله نظائر كثيرة في التراجم، والفرق بين هذا وبين ما تقدم: أن التمريض فيما تقدم كان في ذكر الحديث وههنا في الترجمة.
46 - السادس والأربعون: بتّ الحكم مع الاختلاف:
أن الإمام البخاري طالما يبتّ الحكم في الترجمة في مسألة خلافية شهيرة أيضًا، لثبوت الجزم عنده في هذه، كما قالوا في "باب وجوب صلاة الجماعة".
قال الحافظ(3): هكذا بتّ الحكم في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (4/ 487).
(2) "صحيح البخاري بشرح الكرماني" (5/ 29).
(3) "فتح الباري" (2/ 125).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٧)
وقال في "باب التيمم للوجه والكفين"(1): أتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الاختلاف؛ لقوة دليله.
وقال في "باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس"(2): جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيه؛ لضعف دليل المخالف عنده.
وهكذا قالوا في "باب التكبير على الجنازة أربعًا"، قال الزين ابن المنيِّر: أشار بهذه الترجمة إلى أن التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يذكر ترجمة أخرى، ولا خبرًا بالباب، وقد اختلف السلف في ذلك، كما حكى أقوالهم الحافظ في "الفتح"(3).
وقد أكثر الحافظ بهذا الأصل في شرحه.
47 - السابع والأربعون: عدم الجزم للتوسع:
أن الإمام البخاري كثيرًا لا يجزم بالحكم في الترجمة إشارة إلى التوسع في ذلك، فيذكر الروايات المختلفة في الباب إشارةً إلى جواز كل ذلك، ذكر هذا الأصل مولانا الشيخ محمد حسن المكي عن شيخه الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّهما في "باب ما يقرأ بعد التكبير"، كما سيأتي في محله(4).
وعلى هذا الأصل يُحمل قول ابن المنذر في "باب ما يقول إذا سمع المنادي"، قال الحافظ(5): قال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول: تارة كذا وتارة كذا، انتهى.
قلت: ويدخل في ذلك "باب ما جاء في الوتر"، لم يجزم في الترجمة بحكم وارد في الباب ما يدل على الوصل والفصل معًا، وأخذ بذلك الأصل شيخ الهند - رحمة الله عليه - أيضًا في أصوله، كما--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 444).
(2) "فتح الباري" (2/ 387).
(3) "فتح الباري" (3/ 202).
(4) انظر: "لامع الدراري" (3/ 246).
(5) "فتح الباري" (2/ 91).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٨)