تقدم في الأصل الرابع من أصوله، إلا أنه جعل عنوان الأصل معنى خفيًا للترجمة، كما تقدم في كلامه، ولا يلتبس هذا بالأصل الثامن والستين.
48 - الثامن والأربعون: الإشارة إلى حديث آخر لهذا الصحابي:
ما قالوا: إن الإمام البخاري قد يشير بذكر حديثٍ لصحابي لا يناسب الترجمة إلى حديث آخر لذلك الصحابي مناسب للترجمةِ، وهذا من أشد تشحيذاته للأذهان.
فقد ترجم البخاري في "صحيحه" "باب طول القيام في صلاة الليل"، وأورد في آخره حديث حذيفة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك"، وأشكل على الشرَّاح قاطبةً مناسبة هذا الحديث بالباب.
قال الحافظ(1): استشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب فقال: لا مدخل له ههنا؛ لأن التسوك بالليل لا يدل على طول الصلاة، قال: ويمكن أن يكون ذلك من غلط الناسخ، فكتبه في غير مواضعه، أو أن البخاري أعجلته المنية قبل تهذيب كتابه، فإن فيه مواضع مثل هذا تدل على ذلك.
ثم قال الحافظ بعد ذكر عدة توجيهات عن الشرّاح: وقال بدر بن جماعة: يظهر لي أن البخاري أراد بهذا الحديث استحضار حديث حذيفة الذي أخرجه مسلم(2) "أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، وكان إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، أو سؤال سأل، أو تعوُّذ تعوَّذ، ثم ركع نحوًا مما قال. . ." إلى آخر الحديث، قال: وإنما لم يخرجه البخاري لكونه على غير شرطه، فإما أن يكون أشار إلى أن الليلة واحدة، أو نَبَّهَ بأحد حديثي حذيفة على الآخر، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (3/ 19).
(2) "صحيح مسلم" (ح: 772).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٩)
قلت: وعلى هذا الأصل يمكن أن يقال: إن الإمام البخاري نَبَّهَ بذكر حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين"، في "باب ما يقرأ بعد التكبير"، إلى حديث أنس في "الاستفتاح بسبحانك اللهم"، قال العيني(1): وفي الباب عن أنس أخرجه الدارقطني، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم قال - أي: الدارقطني -: ورجال إسناده كلهم ثقات، انتهى.
وفي "المغني"(2) في ذكر تخريج هذا الحديث: ورواه أنس، ورجال إسناد حديثه كلهم ثقات، رواه الدارقطني، انتهى، ولا فرق بين هذا وبين ما اختاره البدر بن جماعة.
49 - التاسع والأربعون: الإثبات بالعادة:
أن الشرَّاح كثيرًا ما يثبتون الترجمة بالعادة المعروفة عنه صلى الله عليه وسلم.
وأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في التراجم في "باب دفع السواك إلى الأكبر"، إذ قال: وجه الدلالة من الحديث: أن عادته صلى الله عليه وسلم إذا أتي بشيء يسير أن يعطيه صغير السن، وإذا أهدي إليه شيء ذو خطر أن يعطيه الكبير، وأعطى السواك أولًا نظرًا إلى الظاهر الصغير، فقيل له: كَبِّر، ففهم منه فضيلة السواك وكونه ذا خطر، انتهى.
وقال الحافظ تحت حديث ابن مسعود في "باب طول القيام في صلاة الليل"(3): كذا للأكثر، وللحموي والمستملي: "باب طول الصلاة في قيام--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (4/ 412).
(2) "المغني" (2/ 144).
(3) "فتح الباري" (3/ 19).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٠)
الليل"، وحديث الباب موافق لهذا؛ لأنه دال على طول الصلاة لا طول القيام بخصوصه، إلا أن طول الصلاة يستلزم طول القيام؛ لأن غير القيام - كالركوع مثلًا - لا يكون أطول من القيام، كما عُرف بالاستقراء من صنيعه صلى الله عليه وسلم، انتهى، هكذا أفاد الحافظ رحمة الله عليه.
والأوجه عندي: أنَّ الترجمة ههنا واضحة، والغرض: أن الحافظ استعمل الأصل المذكور ههنا، وقال أيضًا في حديث حذيفة في هذا الباب: استشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب، فقال: لا مدخل له ههنا.
ثم حكى الحافظ التوجيهات العديدة من الشرَّاح، ومن جملتها: قال ابن رُشيد: الذي عندي أن البخاري إنما أدخله لقوله: "إذا قام للتهجد"، أي: إذا قام لعادته، وقد تبيَّنت عادته في الحديث الآخر.
ثم قال الحافظ بعد ذكر التوجيهات الأخر: وأقربها توجيه ابن رُشيد، انتهى.
وقال العيني(1) في حديث جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر رضي الله عنه. . . الحديث، أخرجه البخاري في "باب وجوب القراءة": قال: قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تعلقه بالترجمة؟ قلت: وجهه أن ركود الإمام يدل على قراءته عادة، انتهى.
وتبعه القسطلاني(2) في ذلك، إذ قال: والركود يدل على القراءة عادة، كما سيأتي في هامش "اللامع"(3).
وقال الحافظ(4) في "باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ ": أما مطابقة حديث أبي سعيد فمن جهة أن العادة في يوم المطر أن يتخلف بعض الناس. . . إلخ.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (4/ 438).
(2) "إرشاد الساري" (2/ 452).
(3) انظر: "لامع الدراري" (3/ 257).
(4) "فتح الباري" (2/ 158).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩١)
وقال العيني(1) في "باب كيف حَوّل النبي صلى الله عليه وسلم ظَهرَه إلى الناس" بعد ذكر توجيهات الشرَّاح الأخر: قلت: يمكن أن تؤخذ الكيفية من حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يعجبه التيمن في شأنه كله. . . إلخ.
وأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في "باب التماس الوضوء. . ." إلخ، وابن بطال في "باب يلبس أحسن ما يجد، أي: في الجمعة".
50 - الخمسون: الاستدلال بالعموم:
ما هو معروف مطَّرد عند الشرَّاح والمشايخ أن الإمام البخاري رحمه الله كثيرًا ما يستدل على الترجمة بالعموم، وأخذ بذلك الأصل الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه بمواضع من "تقريره"، منها: ما قال في "باب وجوب القراءة للإمام": استدل على مدعاه بأن الوارد مطلق عن تقييد بشيء من الصلوات أو المصلين،(2) انتهى.
وأخذ بذلك الأصل الحافظ ابن حجر أيضًا في الباب المذكور، إذ قال(3): وقد يؤخذ السفر والحضر من إطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه لم يفصل بين الحضر والسفر"، انتهى.
وأخذه الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا في "باب التشهد في الآخرة"، إذ قال(4): دلالة الرواية عليه من حيث إن المذكور فيها غير مقيد بالأولى والآخرة فلا يتقيد بشيء منهما. . . إلخ.
وقال العيني(5) في "باب التيمن في دخول المسجد في حديث--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (5/ 277).
(2) انظر: "لامع الدراري" (3/ 260).
(3) "فتح الباري" (2/ 239).
(4) "لامع الدراري" (3/ 269).
(5) "عمدة القاري" (3/ 423).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٢)
عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمن ما استطاع"، الحديث: مطابقته للترجمة من حيث عمومه؛ لأن عمومه يدل على البداية باليمين في دخول المسجد، انتهى.
وبذلك الأصل أخذ النووي أحاديث "باب الدعاء قبل السلام"، كما حكى عنه الحافظ(1)، إذ قال بعد ذكر أقوال الشرَّاح الأخر: وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: "في صلاتي" يعم جميعها، ومن مظانه هذا الموطن، انتهى.
وقال الحافظ(2) في "باب فضل صلاة الفجر في جماعة": تفنَّن المصنف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب، إذ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة بطريق الخصوص، ومن حديث أبي الدرداء بطريق العموم، ومن حديث أبي موسى بطريق استنباط، انتهى.
وقال شيخ المشايخ(3) في "باب ما جاء في غسل البول": قوله: "إذا تبرز لحاجته. . ." إلخ، التبرز وإن كان في متفاهم العرف يحمل على الغائط، لكن الصحابي لما حكى فعله وهو الذهاب إلى الفضاء، والذهاب إليه قد يكون للبول أيضًا، فبالنظر إلى هذا العموم استدل البخاري بالحديث على ثبوت الغسل من البول، ومثل هذا الاستدلال كثير شائع عند المؤلف، كما نبَّهناك مرارًا، انتهى.
ويدخل في هذا الأصل أيضًا، ما قال في "باب ذكر البيع والشراء في المسجد": إذ استدل بذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم على جواز البيع في المسجد بدون إحضار المبيع بعموم اللفظين، وقال: مثل هذه الاستدلالات كثيرة في "البخاري"، كما مر غير مرة، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 320).
(2) "فتح الباري" (3/ 138).
(3) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 93).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٣)
51 - الحادي والخمسون: المبدوء بباب كيف كان:
أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى ترجم في "صحيحه" بـ "باب كيف كان" أصالة: ثلاثون ترجمة، عشرون منها في النصف الأول، وعشر في النصف الثاني.
والمراد بقولي: أصالةً: أن المترجم بذلك تبعًا في الأبواب الأخر، وراء من ذلك، ولا تثبت الكيفية في أكثر هذه التراجم، واضطربت أقوال الشرَّاح في إثبات الكيفية من أحاديث هذه الأبواب.
والأوجه عندي في هذه الأبواب الخالية عن بيان الكيفية أن الإمام البخاري لم يرد في هذه الأبواب إثبات الكيفية، بل أراد إثبات ما بعد لفظ كيف، نَبَّهَ بلفظ كيف على الاختلاف الوأرد في كيفية هذه الأمور.
مثلًا ترجم بـ "باب كيف كان بدء الحيض؟ " وليس في الحديث بيان كيفية بدئه، بل الوارد فيه الاختلاف في وقت بدئه، وعلى ذلك حمل عامة المشايخ الترجمة، والأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى اختلافهم في كيفية البدء، هل كان بدؤه مصلحة أو عذابًا.
واستنبط ذلك من كلام شيخ المشايخ في تراجمه أيضًا، إذ قال: قوله: "كتبه الله. . ." إلخ: أنه شيء كتبه الله على بنات آدم تغذية لأجنَّتهن. خلافًا لبعضهم، إذ قالوا: أول ما أرسل الحيضر على نساء بني إسرائيل ابتلاء لهن. . . إلخ.
وترجم "كيف تهل الحائض بالحج والعمرة؟ "، قال شيخ المشايخ في "التراجم": قال الشارح القسطلاني(1) في معناه: ليس المراد بالكيفية الصفة، بل بيان صحة إهلال الحائض، وعندي أنه على الظاهر، والغرض إثبات صفة الإهلال إذا أهلت الحائض، وهي أن يكون إهلالها مقرونًا--------------------------------------------
(1) انظر: "إرشاد الساري" (1/ 651).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٤)
بالغسل، وإن كان ذلك الغسل في أثناء الحيض، وغسل عائشة رضي الله عنها يحتمل ذلك، انتهى.
قلت: ما حكاه الشيخ قُدِّس سرُّه عن الشارح أخذه الشارح المذكور عن "الفتح"(1)، إذ قال: مراده بيان صحة إهلال النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى "كيف" في الترجمة: الإعلام بالحال بصورة الاستفهام، لا الكيفية التي يراد بها الصفة.
وبهذا التقرير يندفع اعتراض من زعم أن الحديث غير مناسب للترجمة، إذ ليس فيها ذكر صفة الإهلال، انتهى.
وقال العيني(2): المراد من الكيفية الحال من الصحة والبطلان والجواز وغير الجواز، فكأنه قال: باب صحة إهلال الحائض بالحج. . . إلخ.
ومؤدَّى كلام هؤلاء المشايخ كلهم أن لفظ "كيف" حشو في كلام الإمام الهمام، وأنت خبير بأن هذا بعيد كل البعد عن جلالة شأنه ودقائق تدبُّره.
فالأوجه عندي على الأصل المذكور أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى نَبَّهَ بذلك على الاختلاف الواقع في كيفية هذا الغسل باعتبار الحكم، هل هو سُنَّةٌ مؤكدةٌ كما عند مالك، أو مستحب كما عند بقية الأئمة الثلاثة.
ففي "الأوجز"(3): هذا الغسل سُنَّة مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا يرخص في تركه إلا لعذر، وهو آكد اغتسالات الحج إلى آخر ما بسط فيه، ومال ابن حزم إلى أن هذا الغسل فرض للحائض المتمتع والنفساء، قال العيني(4): قال ابن حزم: لا يلزم الغسل فرضًا في الحج إلا المرأة تُهِلُّ بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت، فهذه تغتسل، ولا بدّ والمرأة--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (1/ 419).
(2) "عمدة القاري" (3/ 152).
(3) "أوجز المسالك" (6/ 339).
(4) "عمدة القاري" (7/ 83).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٥)
تلد قبل أن تهل بالعمرة أو بالقران، ففرض عليها أن تغتسل وتُهل، انتهى.
وترجم بـ "باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة؟ "، وليس في حديث الباب بيان كيفية الاعتماد، ولذا تكلف الشرَّاح في إثبات الكيفية من الحديث ولا يثبت، فالأوجه عندي أن الإمام البخاري لم يُرد بالباب إثبات الكيفية، بل أراد إثبات الاعتماد على الأرض فقط، وأما لفظ "كيف" فلمجرد التنبيه على اختلاف العلماء في كيفية الاعتماد.
وهكذا ترجم الإمام البخاري "باب كيف حوَّل النبي صلى الله عليه وسلم ظهره إلى الناس؟ "، وأتى فيه بحديث لا يدل على كيفية التحويل بل فيه ذكر التحويل فقط، ولذا اضطربت أقوال الشرَّاح في إثبات الكيفية من الحديث.
والأوجه عندي أن المقصود بالترجمة هو التحويل فقط، وهو ثابت بالحديث نصًّا وأشار بلفظ "كيف" إلى الاختلاف الواقع في كيفية ذلك التحويل باعتبار وقته، فعند الصاحبين من الحنفية: بعد الخطبتين، وعند الشافعية: إذا مضى الثلث من الخطبة الثانية، وعند المالكية في المشهور: بعد الخطبتين، وقال الباجي: اختلف فيه قول مالك فذكر القولين في ذلك، وعند الحنابلة: خطبة الاستسقاء واحدة على الأصح، ويستقبل القبلة في أثنائه، كما بسط اختلاف الأئمة في ذلك في "الأوجز"(1).
فالأوجه عندي أن البخاري لم يرد في ترجمته إثبات الكيفية، حتى يضطر إلى إثباتها بالحديث، بل نَبَّهَ بلفظ "كيف" على الاختلاف في الكيفية، هل يحوِّل ظهره في أثناء الخطبة أو بعدها عند الدعاء، أو عند الخطبة؟ وغير ذلك كما في "الأجز"(2).
ونظير ذلك عندي قوله: "باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة" وتحير الشرَّاح في لفظ "متى" ههنا، وأي معنى للسؤال.--------------------------------------------
(1) انظر: "أوجز المسالك" (4/ 138).
(2) انظر: "أوجز المسالك" (4/ 128).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٦)
وقال شيخ المشايخ في "التراجم"(1): أظهر تأويلات هذه الترجمة أن يقال: إن قوله: "إذا رأوا الإمام" جواب "متى" يعني: يقومون إذا رأوا الإمام عند الإقامة، انتهى.
ولا مراء في أن ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أقرب مما قالت الشرَّاح في ذلك.
وعند هذا المبتلى بالسيئات، والمعترف بالتقصيرات، الراجي واهب الحسنات بدل السيئات، أن لفظ "متى" ليس للإثبات حتى يحتاج إلى التوجيهات، بل الترجمة "يقوم الناس. . ." إلخ، وزاد لفظ "متى" كزيادة لفظ "كيف" تنبيهًا على الاختلاف الوارد في أنهم متى يقومون؟ مع الإقامة ومع رؤية الإمام أيضًا، فالمعروف عند المالكية من أول الإقامة، وعند الشافعية بعد تمام الإقامة، وعند الحنفية على قول المؤذن: "حي على الصلاة"، وعند الحنابلة على قوله: "قد قامت الصلاة". كما بسطت تلك الأقوال في "الأوجز"(2)، عند قول الإمام مالك رحمه الله تعالى: لم أسمع فيه بحد [يقام له] إلا أَنِّي أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد، انتهى.
وهكذا ترجم "باب كيف الإشعار للميت"، وذكر فيه: قال الحسن: الخرقة الخامسة، قال الحافظ(3): وقول الحسن في الخرقة الخامسة، قال به زفر، وقالت طائفة: تُشَدُّ على صدرها لتضم أكفانها، وكأن المصنف أشار إلى موافقة قول زفر، انتهى.
وذكر ابن عابدين(4) الاختلاف في ذلك، ثم قال: ومفاد هذه العبارات الاختلاف في عرضها، وفي محل وضعها، وفي زمانه، فتأمل، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 23) ط: الهند.
(2) انظر: "أوجز المسالك" (2/ 46).
(3) "فتح الباري" (3/ 133).
(4) "رد المحتار" (3/ 99).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٧)
وهكذا ذكر الاختلاف فيه غير الحنفية أيضًا، قال الموفق(1): فعلى قول الخرقي: تُشَدُّ الخرقة على فخذيها أولًا، ثم تؤزّر بمئزر،. . . إلخ.
فالأوجه عندي أن الإمام البخاري نَبَّهَ بلفظ "كيف" على الاختلاف، فلا بد للتدبر في الأبواب المبدوءة بلفظ "كيف" من الوقوف على اختلاف العلماء في كيفية هذه الأمور، واختلاف الأئمة المجتهدين رحمهم الله وشكر سعيهم - وخاطري أبو عذرة هذا الأصل.
52 - الثاني والخمسون: إثبات الأبواب العديدة بحديث واحد:
ما ظهر أيضًا لهذا الفقير المحتاج إلى رحمة ربه العليا، أن الإمام البخاري طالما يجمع الأبواب العديدة، ويأتي بعد تلك الأبواب بحديث واحد يُثبت الأبواب السابقة كلها، ويفعل ذلك تشحيذًا للأذهان.
ومن لم يُمعن النظر في ذلك يعدّ الأبواب السابقة خالية عن الحديث، ويأتي لذلك بتوجيهات بعيدة، كسهو المؤلف، أو عدم وجدانه للحديث، أو تحريف من الناسخ، وغير ذلك من التوجيهات العامة المعروفة.
ومثال ذلك: أنه رحمه الله تعالى ترجم بـ "باب الرياء في الصدقة"، ثم ترجم بـ "باب لا يقبل الله صدقة من غُلول، ولا يقبل إلا من كسب طيب"، ثم ترجم بـ "باب الصدقة من كسب طيب"، ولم يذكر حديثًا في الأولين، وذكر في الثالث؛ ولم يتعرض لذلك الشرَّاح إلا بقولهم: تخلو الترجمة عن الحديث، اقتصارًا على الاستدلال بالآية، انتهى، وهذا الذي اختاره شيخ الهند قُدِّس سرُّه في الأصل التاسع من أصوله، وتقدم في الأصل السابع والعشرين من هذه الأصول.
والأوجه عندي أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى، أثبت بالحديث--------------------------------------------
(1) "المغني" (3/ 391).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٨)
الوارد بعد الباب الثالث البابين السابقين أيضًا، فإنه رحمه الله أورد فيه حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله تعالى يتقبلها [بيمينه]، ثم يُرَبِّيها لصاحبه"(1) الحديث، فإن قوله: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب" ثالث التراجم، وقوله: "لا يقبل الله إلا الطيب" ثانيها، وقوله: "فإن الله تبارك وتعالى يربيها حتى تكون مثل الجبل"، يشير إلى أولها بالضد، فإن التربية تنافي الإبطال، والاستدلال بالأضداد من أصول التراجم، كما في التاسع والستين.
وسيأتي في أول "الجنائز"(2) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات يشرك بالله دخل النار"، قلت: من مات لا يشرك بالله دخل الجنة، فهذا ابن مسعود رضي الله عنه استنبط الثاني لكونه ضد الأول.
ومن ذلك الأصل أن الإمام البخاري ترجم "باب صدقة العلانية"، ثم "باب صدقة السر"، وذكر فيه حديثًا معلقًا، ثم "باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم"، ولم يأت بالحديث مسندًا للأولين، وأتى في الباب الثالث بحديث أبي هريرة: "قال رجل: لأتصدقن بصدقة. . ." الحديث، وقال الحافظ وتبعه غيره في الباب الأول(3): سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها شيء على شرطه، انتهى، وهكذا قال العيني وغيره.
والأوجه عندي: أنه ثبتت بحديث أبي هريرة المذكور التراجم الثلاثة، الصدقة على الغني ظاهر، ولما لم يكن في بعض النسخ الباب الثالث مستقلًّا وأدمجه بالباب الثاني، فوجَّه الحافظ مناسبة حديث أبي هريرة بالباب--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ب (رقم 1410).
(2) انظر: "صحيح البخاري" (ح: 1238).
(3) "فتح الباري" (3/ 289).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٩)
الثاني؛ بقوله: إن الصدقة بالمذكورة وقعت بالليل، لقوله في الحديث: "فأصبحوا يتحدثون"، بل وقع في "صحيح [مسلم] " التصريح بذلك، لقوله فيه: "لأتصدقن الليلة"، فدل على أن صدقته كانت سرًّا، إلى آخر ما قال.
قلت: ولما أصبحوا يتحدثون صارت علانية باعتبار المآل، فثبتت التراجم الثلاث.
ولا يلتبس هذا الأصل بالأصل السابع والعشرين، فإنه ليس فيه تسلسل الأبواب وذكر الحديث بعدها.
53 - الثالث والخمسون: إثبات الترجمة بالنظير والقياس:
من عادة الإمام البخاري الشائعة في كتابه، كثيرَ الوقوع في تراجمه، أنه كثيرًا ما يثبت الترجمة بالنظير والقياس.
وهذا الأصل معروف عند المشايخ والشرَّاح، أخذ بذلك الأصل الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه بمواضع من إفادته، منها: ما قال في "باب القراءة في الظهر"(1): دلالة الرواية على الترجمة على تقدير نسخة العشي ظاهرة، وعلى النسخة المكتوبة في المتن، وهو قوله: "صلاتي العشاء"، فالمدعى حاصله بالقياس، انتهى.
وقال العيني في "باب الدخول على الميت [بعد الموت] أدرج في أكفانه"، وقد ذكر فيه البخاري حديث دخول أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مُسَجًّى ببردةٍ.
فقال العيني(2): مطابقته للترجمة ظاهرة؛ قيل: لا نُسَلِّم الظهور؛ لأن الترجمة في الدخول [على الميت] إذا أدرج في الكفن، ومتن الحديث: "وهو مُسَجًّى ببردةٍ"، لم يكن حينئذٍ غسل، فضلًا عن أن يكون مدرجًا في--------------------------------------------
(1) انظر: "لامع الدراري" (3/ 266).
(2) "عمدة القاري" (6/ 18).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٠)
الكفن!! وأجيب: بأن كشف الميت بعد تسجيته مساوٍ لحاله بعد تكفينه. . . إلخ.
وقال الحافظ في الباب المذكور(1): دلالة الحديث الأول، وهو حديث أبي بكر المذكور، والحديث الثالث وهو حديث جابر قال: "لما قتل أبي جعلت أكْشِفُ الثوبَ عن وجهه. . ." الحديث، مشكلة؛ لأن أبا بكر إنما دخل قبل الغسل فضلا عن التكفين، ولأن جابرًا كَشَفَ الثوبَ قبل تكفينه؛ فقال بعد ذكر الأجوبة المختلفة: وقال ابن رُشيد: المعنى الذي في الحديثين من كشف الميت بعد تسجيته مساوٍ لحاله بعد تكفينه، انتهى.
وقال الحافظ(2) أيضًا في "باب القسمة وتعليق القنو في المسجد": لم يذكر البخاري في الباب حديثًا في تعليق القنو، فقال ابن بطال: أغفله، وقال ابن التين: أُنسيه. وليس كما قالا، بل أخذه من جواز وضع المال في المسجد، بجامع أن كلًّا منهما وُضِع لأخذ المحتاجين منه، انتهى.
وقال أيضًا في "باب فضل صلاة الفجر في جماعة"، وقد أورد فيه البخاري حديث أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم مشيًا. . ." الحديث(3)، فقال الحافظ(4): استشكل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب؛ لأنه ليس فيه لصلاة الفجر ذكر، بل آخره يشعر بأنه في صلاة العشاء، ووجَّهه ابن المنيّر وغيره بأنه دل على أن السبب في زيادة الأجر وجود المشقة بالمشي إلى الصلاة، إلى آخر ما قال.
وأيضًا ترجم البخاري رحمه الله تعالى "باب الخطبة أيام منى"، وأورد في جملة أحاديثه حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات".--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (3/ 115).
(2) "فتح الباري" (1/ 516).
(3) "صحيح البخاري" (ح: 651).
(4) "فتح الباري" (2/ 138).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠١)
قال الحافظ(1) ناقلًا عن ابن المنير: أراد البخاري أن يبين أن الراوي قد سمَّاها خطبة، كما سمَّى التي وقعت في عرفات خطبة، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات، فكأنه ألحق المختلف فيه بالمتفق عليه، انتهى.
وقال شيخ المشايخ في "التراجم"(2) في "باب تفريق الغسل": أي: التفريق في أفعال الوضوء والغسل، إشارة إلى جوازه، خلافًا لمن اشترط الموالاة، ويثبت بالحديث التفريق في الوضوء، فثبت في الغسل أيضًا بالمقايسة، إذ لا فرق بينهما في الأركان والآداب، انتهى.
وقال(3): في "باب تقضي الحائض المناسك كلها": قوله: وقال الله تعالى. . . إلخ، هذا بمنزلة المقدمة الثانية للدليل، يعني أن الذبح جائز مع الجنابة، مع أنه لا يجوز بدون ذكر الله، وحكم الجنابة والحيض سواء بالإجماع، انتهى.
وحكى شيخ المشايخ في "تراجمه" في "باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها" أنه قال: يعلم راتبة قبل الجمعة من حديث الباب بالقياس على راتبة الظهر.
54 - الرابع والخمسون: الإشارة إلى وقائع مخصوصة:
ما تقدم في كلام الحافظ في المقدمة، ورقمت عليه "التاسع": أن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي، كقوله: "باب استياك الإمام بحضرة رعيته"، فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل بعض الناس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استاك بحضرة الناس، دلَّ على أنه من باب التطيُّب لا من الباب الآخر، نبّه على ذلك ابن دقيق--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (3/ 574).
(2) (ص 112).
(3) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 124).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٢)
العيد(1)، انتهى.
هكذا في مقدمة "الفتح"، وحكاه القسطلاني في مقدمته وزاد فيه(2): قال الحافظ ابن حجر: لم أر هذا في "البخاري"، فكأنه ذكره على التمثيل، انتهى.
قلت: هو كذلك، لم أره أيضًا في "البخاري"، نعم ترجم النسائي في "سننه" "باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ "، انتهى.
ولو أدخل هذا الأصل في الأصل الثاني عشر كان كافيًا، إلا أن الحافظ في "المقدمة" ذكرهما أصلين مستقلين، كما تقدم في كلامه.
ويمثل لذلك الأصل عندي بـ "باب دفع السواك إلى الأكبر"، فإنه إشارة إلى واقعة خاصة في اليقظة أو في المنام.
وترجم البخاري "باب علامة المنافق"، وأورد فيه حديث: "آية المنافق ثلاث".
حكى الخطابي(3) عن بعضهم: أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان منافق، إنما يشير إشارة، انتهى. كذا في "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث".
ويمكن أن يدخل فيه باب "علامة المنافق"، وذكر فيه حديث أبي هريرة: "آية المنافق ثلاث".
وفي "البيان والتعريف": أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم، عن أبي هريرة، وحكى الخطابي عن بعضمهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان منافق، إنما يشير إشارةً، كقوله: "ما بال أقوام يفعلون كذا"، انتهى.--------------------------------------------
(1) انظر: "هدي الساري" (ص 14).
(2) "إرشاد الساري" (1/ 44).
(3) "أعلام السنن" (1/ 141).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٣)
وترجم الإمام البخاري "باب الأرواح جنود مجندة"، وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بذلك اللفظ، ويمكن التلويح بذلك إلى ما في "البيان والتعريف"، إذ قال: أخرجه الحاكم عن سلمان، والشيخان بلفظ "الأرواح جنود مجندة. . ." الحديث، وسببه عنه أن امرأة كانت تُضحك النساء بمكة قدمت المدينة، فنزلت على امرأة تُضحك النساء بالمدينة، فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: "الأرواح. . ."، فذكره، انتهى.
ويشكل عليه أن الحافظ في "الفتح"(1) ذكر قصة المرأة هذه بلفظ آخر، برواية "مسند أبي يعلى"(2) عن عمرة قالت: كانت امرأة بمكة مزَّاحة فنزلت على امرأة مثلها بالمدينة، فبلغ ذلك عائشة قالت: "صدق حِبِّي، سمعته صلى الله عليه وسلم"، فذكر مثله، انتهى. وفيه أن الأول من حديث سلمان، والثاني من حديث عائشة.
ولا يبعد عندي أيضًا، أن يمثَّل هذا الأصل بـ "باب المؤمن يأكل في مِعًى واحد"، فإن هذه الترجمة بوَّب لها البخاري بابين، ويشكل على الشراح تكرار الترجمة، واختلفت التوجيهات في التكرار، حتى مال كثير منهم إلى غلط النساخ، ولا يبعد عندي أن الإمام أشار بإحدى الترجمتين إلى أمر مختص ببعض الوقائع.
قال الحافظ(3): وقع في "مسلم"(4) عن أبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف وهو كافر، فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له بشاة فشرب حلابها، ثم بأخرى فلم يستتمّها. . ." الحديث، وهذا الرجل يُشبه أن يكون جهجاه الغفاري.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 370).
(2) "مسند أبي يعلى" (رقم 4381).
(3) "فتح الباري" (9/ 538).
(4) "صحيح مسلم" (ح: 2063).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٤)
فأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى(1) وغيرهما عنه أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم[المغرب]، فلمَّا سلَّم قال: "ليأخذ كل رجل بيد جليسه"، فلم يبق غيري، وكنت رجلًا عظيمًا طويلًا لا يقدم عليَّ أحدٌ، فذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله، فحلب لي عنزًا فأُتيتُ عليه، ثم [حلب لي] آخر، حتى حلب لي سبعة أعنز؛ فأُتيتُ عليها، ثم أُتيت بصنيع بَرمة فأَتيت عليها، فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "مه يا أم أيمن، أكَلَ رزقه، ورِزقُنا على الله".
فلما كانت الليلة الثانية وصلّينا المغرب صنع ما صنع في التي قبلها، فحلب لي عنزًا ورويت وشبعت، فقالت أم أيمن: أليس هذا ضيفنا؟ قال: "إنه أكل في مِعًى واحد الليلة وهو مؤمن، وأكل قبل ذلك في سبعة أمعاء، الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعًى واحد"، ثم ذكر قصة أخرى بنحوها. فلا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بإحدى الترجمتين إلى وقعة مخصوصة في ذلك.
55 - الخامس والخمسون: الترجمة بحديث لا يثبت إشارة إلى أنه لم يجد فيه حديثًا:
ما تقدم أيضًا في كلام الحافظ عن "المقدمة"(2)، ورقمت عليه الحادي عشر، ولفظه: وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آية، فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي.
وللغفلة من هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، انتهى.--------------------------------------------
(1) انظر: "مسند ابن أبي شيبة" (2/ 109) (رقم 605)، و"مسند أبي يعلى" (رقم 916)، و"الآحاد والمثاني" (2/ 244).
(2) انظر: "هدي الساري" (ص 14).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٥)
قلت: وبذلك جزم في "باب فضل العلم، وقول الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ} الآية" [المجادلة: 11]، إذ قال بعد ذكر أقوال الشرَّاح الأُخر: وعن بعض أهل العراق: أنه تعمَّد بعد الترجمة عدم إيراد الحديث؛ إشارة إلى أنه لم يثبت فيه شيء على شرطه.
والذي يظهر لي أن هذا محله حيث لم يورد فيه آية ولا أثرًا، أما إذا أورد [آية أو أثرًا] فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه، وما دلت عليه الآية كاف في الباب(1)، انتهى.
وقريب من ذلك: ما قال الحافظ في "باب صدقة العلانية، وقوله عز وجل: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] "، قال: سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها على شرطه شيء(2)، انتهى.
وقلت: قريب من ذلك؛ لأن لفظ الترجمة ليس لفظ حديث، وكذا قوله: "باب صدقة الكسب والتجارة، لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} الآية [البقرة: 267] "، ولم يذكر فيه حديثًا؛ كأنه لم يجده على شرطه، وترجم بـ "باب زكاة البقر"، ولم يذكر في الباب حديثًا نصًّا على ذلك.
حكى الحافظ عن الزين بن المنيِّر(3): لم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه، انتهى.
وترجم "باب العدل بين النساء: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} الآية [النساء: 129] "، ولم يذكر فيه حديثًا، كأنه لم يجده على شرطه.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 141).
(2) انظر: "فتح الباري" (3/ 289).
(3) "فتح الباري" (3/ 324).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٦)
قال الحافظ(1): وقد أخرج الأربعة عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل. . ." الحديث(2).
وهذا الأصل ضد الأصل الأول.
والفرق بين هذا الأصل والأصل الثامن أيضًا واضح، فإن المذكور في الثامن كان ذكر الحديث بخلاف الترجمة، وههنا عدم ذكر الحديث إشارة إلى أنه لم يجد فيه حديثًا على شرطه، كما رأيت في كلام الحافظ.
وأيضًا الفرق بين هذا وبين التاسع والثلاثين أيضًا واضح، فإن المذكور فيه كان أمرين، والاستدلال فيه كان لأحد الجزئين فقط، كما تقدمت أمثلته.
56 - السادس والخمسون: تقييد الأحاديث المطلقة:
ما قال الحافظ(3) في "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه. . ." إلخ، قال: هذا تقييد من المصنف لمطلق الحديث، وحملٌ منه لرواية ابن عباس المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر المطلقة، كما ساقه في الباب عنهما، وتفسير منه للبعض المبهم في رواية ابن عباس بأنه النَّوح، انتهى.
وهذا غير الأصل الخامس، فإن التطبيق بين الروايتين غير حمل المطلق على المقيد؛ لأن فيه بقاء الحديث المقيد على حاله، ويقيد به الحديث المطلق، بخلاف حمل الحديثين معًا على محمل، وهذا معروف عند المشايخ.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/ 313).
(2) أخرجه أبو داود (ح: 2134)، والترمذي (ح: 1140)، والنسائي في "الكبرى" (رقم 8891)، وابن ماجه (رقم 1971)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم 4205)، والحاكم في "المستدرك" (رقم 2761).
(3) "فتح الباري" (3/ 152).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٧)
وبذلك الأصل أخذ الحافظ في "باب ما جاء في غسل البول"، إذ قال(1): قال ابن بطال: أراد البخاري أن المراد بقوله في رواية الباب: "كان لا يستتر من البول" بول الناس لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، ومحصل الرد أن العموم في رواية من البول أريد به الخصوص، لقوله: "من بوله"، أو الألف واللام بدل من الضمير، انتهى.
ويمكن أن يدخل في هذا الأصل "باب الصدقة باليمين"، فكأنه أشار بالترجمة إلى تقييد الأحاديث المطلقة باليمين للروايات المقيدة.
57 - السابع والخمسون: باب بلا ترجمة رجوع إلى الأصل:
ما هو المعروف على ألسنة المشايخ أن الباب بلا ترجمة كثيرًا ما يكون رجوعًا إلى الأصل.
وأخذ بذلك الحافظ في "باب" بلا ترجمة، بعد "باب فضل ربنا لك الحمد"، إذ قال(2): كذا للجميع بلا ترجمة إلا للأصيلي فحذفه، والراجح إثباته؛ لأن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل "اللّهم ربنا لك الحمد" إلا بتكلف، فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، كما تقدم في عدة مواضع، وذلك أنه لما قال أولًا: "باب ما يقول الإمام ومن خلفه. . ." إلخ، وذكر فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ربنا لك الحمد"، استطرد إلى ذكر فضل هذا القول بخصوصه، ثم فصل بلفظ "باب" لتكميل الترجمة الأولى، فأورد بقية ما ثبت على شرطه مما يقال في الاعتدال، انتهى.
ويدخل في ذلك أيضًا "باب" بلا ترجمة، بعد "باب قطع الشجر--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 321).
(2) "فتح الباري" (2/ 284).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٨)