5 - الخامس: تطبيق:
أنه قد تتعارض الأدلة ويكون عند البخاري وجه التطبيق بينها بحمل كل واحد على محمل.
مثاله: "خوف المؤمن أن يحبط عمله وما يحذر من الإصرار على النفاق"(1)، كما تقدم مفصلًا في كلام شيخ المشايخ.
وهذا الأصل مطَّرد كثير الشيوع في الكتاب، أخذ به شيخ المشايخ في عدة مواضع من تراجمه، فقال في "باب قوله(2): لا تستقبل القبلة بغائط. . ." إلخ: في هذه المسألة القول معارض للفعل، فأشار المصنف بضم الاستثناء في الترجمة إلى وجه الجمع إلى أن القول في الصحراء، والفعل بالأبنية.
وكذا قاله الشيخ قُدِّس سرُّه في "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يعذب الميت ببكاء أهله"، قال: غرضه من هذا الباب الجمع بين ما روي عن عمر بن الخطاب وأمية رضي الله عنهما، وبين ما ناقضت به عائشة رضي الله عنها، على طبق ما حكي عن الشافعي رحمه الله من وجه الجمع بينهما، انتهى.
قلت: ومن ذلك "باب النوم قبل العشاء لمن غلب. . ." إلخ، و"باب من سأل الناس تكثرًا".
6 - السادس: باب في باب:
أنه يجمع في باب أحاديث كثيرة دالة على الترجمة، ثم يظهر له في حديث فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، فيُعلم على ذلك الحديث بعلامة: الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، إلى آخر ما تقدم من كلامه مفصلًا.--------------------------------------------
(1) في الأصل: "التقاتل" وهو تحريف.
(2) "قوله" كذا في الأصل، وهو مقحم، انظر: "صحيح البخاري"، "كتاب الوضوء".
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٩)
وهذا أصل مطَّرد كثير الوقوع في كتابه، أخذ بذلك جمع من المشايخ، معروف في ألسنتهم بـ "باب في باب"، ونظائره في "صحيحه" لا سيما في "كتاب بدء الخلق" في "باب قوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164] " كثيرة، والعجب من عامة الشرَّاح أنهم لا يأخذون بهذا الأصل، ولذا مال الحافظ في "الفتح"، والعيني والقسطلاني في "شرحيهما" إلى أن الأَولى حذف هذه الأبواب، ولا حاجة إلى ذلك، فإنه أصل معروف ومطَّرد، ولا يضطر على قَبول هذا الأصل المطَّرد إلى تغليط النسَّاخ في ذكر الأبواب الكثيرة من هذا النوع في "الصحيح".
ولذا أورد عليهم شيخ المشايخ في تراجمه في "باب من مضمض من السويق" إذ قال: هذا الباب من قبيل الباب في الباب؛ لأنه يشتمل على ما عقد له الباب السابق مع فائدة أخرى إلى أن قال: فاحفظ هذا التقرير فإنه ينفعك في مواضع من البخاري، وأكثر الشرَّاح في أمثال هذا المقام قد خبطوا كثيرًا، انتهى.
وبذلك جزم في "باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد"، إذ قال: دلالة الحديث على جواز ذلك ظاهرة، والحديث الذي في الباب الثاني أظهر في ذلك، ولهذا ينبغي أن يقال: إنه باب في الباب على نحو ما مرَّ سابقًا في مواضع عديدة، إلى آخر ما قال، وقال في "باب فضل صلاة الفجر في جماعة": هذا الباب في الباب، فلا إشكال في ربط الحديثين الآخرين فيه مع الترجمة فتدبر، انتهى، وقال في "باب المدبر": هذا باب في باب، انتهى.
والشرَّاح لما لم يأخذوا بهذا الأصل المطَّرد، جهدوا بربط هذين الحديثين بالترجمة جهدًا شديدًا، وذكروا في المطابقة توجيهات بعيدة، ثم لا يذهب عليك أن هذا الأصل المذكور غير الآتي في التاسع والخمسين.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٠)
7 - السابع: "باب" مكان (ح):
قد يكتب لفظ الباب مكان قول المحدثين: "بهذا الإسناد"، كما يكتبون (ح)، إلى آخر ما تقدم من كلامه قُدس سرُّه مفصَّلًا(1).
وهذا الأصل وضعه الشيخ رحمه الله لهذا الموضع خاصة، وليس له نظير آخر في نظري القاصر في جميع الكتاب، وليس الباب ههنا في نسخة الحافظ، وقال في "شرحه"(2): ووقع في كثير من النسخ ههنا: "باب إذا قال أحدكم آمين" إلى آخر الحديث، فصار ترجمة بغير حديث، وصارت الأحاديث التي تتلوه لا تعلى لها به، فأشكل أمره جدًا، وسقط لفظ الباب من رواية أبي ذر فخفف الإشكال، لكن لو قال: وبهذا الإسناد، أو: وبه قال، أو نحو ذلك، لزال الإشكال، وقد صنع ذلك الإسماعيلي فإنه ساق حديث "يتعاقبون"، فلما فرغ قال: وبهذا الإسناد "إذا قال أحدكم"، فساقه من طريقين عن أبي الزناد كذلك، وظهر بهذا أن الحديث وما بعده من الأحاديث بقية ترجمة ذكر الملائكة، انتهى.
قلت: وبصنيع الإسماعيلي أخذ الشيخ قُدِّس سرُّه هذا الأصل، وما يخطر في بال هذا العبد الضعيف أن هذا الباب ليس بمثبَت - بفتح الموحدة - حتى يحتاج له إلى حديث، بل هو مثبِت - بكسر الموحدة - كأنه أشار إلى أن "باب قوله صلى الله عليه وسلم: إذا قال أحدكم: آمين" بجميع رواياته المروية بالألفاظ المختلفة مثبِت للترجمة السابقة، وهي "ذكر الملائكة"، فلو جعل هذا أيضًا [أصلًا] مستقلًا، وهو أنه قد يترجم بباب، لا لإثباته بل هو مثبت للباب السابق، كان جديرًا لتفنن طبع المصنف قُدِّس سرُّه.
ثم رأيت أن السِّندي قد مال إلى ذلك التوجيه الذي سنح في خاطر هذا الفقير، فللَّه الحمد والمنة.--------------------------------------------
(1) انظر (ص 20).
(2) انظر: "فتح الباري" (6/ 314).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣١)
قال السندي(1): قوله: "باب إذا قال أحدكم: آمين" لعل مراده أن من جملة الأدلة على وجود الملائكة هذا الباب، أي: ما ذكر فيه وما يتعلق به من الأحاديث، فلم يأت بالباب ليذكر أحاديثه، والله أعلم، نعم ذكر بعض أحاديثه ليستدل به على وجود الملائكة فيما بعد أيضًا في جملة سائر الأحاديث لهذا المطلوب، والله تعالى أعلم، انتهى.
وحينئذ فلم يبق لي مانع أن أذكره أصلًا مستقلًّا، ولذا ذكرته أصلًا مستقلًّا كما سيأتي في الأصل الستين، وسيأتي هناك بعض أمثلته.
8 - الثامن: الحديث بضد الترجمة:
أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، وبما كان يذهب إليه بعضهم، أو بحديث لم يثبت عنده، ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إما بعمومه أو غير ذلك، انتهى.
كذا في مبدأ تراجم الشيخ قدِّس سرُّه ولم يمثل له بمثال، وما ذكر هذا الأصل في موضع من تراجمه المفصلة، ومع ذلك هذا أصل مشهور على ألسنة المشايخ.
ويمكن عندي أن يمثل له بـ "باب إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وهو قطعة من حديث معروف، وذكر بعده الإمام البخاري: "وصلى النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس"، ثم أورد في الباب حديثًا(2) طويلًا في مرضه صلى الله عليه وسلم، وفيه: "فجعل أبو بكر رضي الله عنه يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد"، قال الشيخ في "التراجم": قوله: "وصلى النبي صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ، أشار بإيراد هذا القول في تعاليق الباب إلى نسخ هذا القدر من الحكم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري" بحاشية السندي (2/ 74).
(2) أخرجه البخاري (ح: 687).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٢)
ويمكن أيضًا أن يمثل له بـ "باب جهر المأموم بالتأمين"؛ إذ أورد فيه حديث تأمين المأموم(1) مطلقًا بدون قيد الجهر، فكأنه لم يجهر المأموم بالتأمين على إحدى التوجيهات العديده في توافق الحديث بالترجمة.
وهكذا ترجم بـ "باب بيع العبد الزاني"، وأورد فيه حديث(2) زنا الأَمَة، على إحدى التوجيهات.
وكذا ترجم بـ "باب [وقت] الجمعة إذا زالت الشمس"، وأورد فيه حديث(3) التبكير بها والقيلولة بعدها.
وترجم بـ "باب من كفن بغير قميص"، وأورد فيه حديث(4) ابن أُبَي المنافق الدال على القميص.
وترجم بـ "باب تحري ليلة القدر في الوتر"، وأورد فيه عن ابن عباس(5): "التمسوا في أربع وعشرين".
وهذا الأصل غير الأصول الآتية في 43 و 55 و 64، فلا تلتبس الأربعة، وكذلك هذا الأصل بمعزل من الأصل الثالث كما لا يخفى.
9 - التاسع: استنباط الأحوال التاريخية:
يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارة طرق الحديث، وربما يتعجب الفقيه من ذلك. . .، إلى آخر ما قال.
ويوضح كلامه هذا ما تقدم من كلامه مبسوطًا في آخر الفائدة الثالثة عشرة في "باب ذكر قحطان".
ويمكن عندي أن يمثل له بـ "باب كيف كان بدء الحيض"؛ إذ--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (ح: 780).
(2) أخرجه البخاري (ح: 2152).
(3) أخرجه البخاري (ح: 905).
(4) أخرجه البخاري (ح: 1269).
(5) أخرجه البخاري (ح: 2022).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٣)
استنبط الإمام رضي الله عنه كونه من زمن آدم عليه السلام بحديث(1) عائشة رضي الله عنها في الحج.
وهذا الأصل بمعزل من الآتي في الرابع والخمسين والتاسع والخمسين.
10 - العاشر: التمرن:
ما قال قُدِّس سرُّه: قد يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث إلى هذا النوع.
مثاله ذكر الصوَّاغ في "باب ذكر الحناط"، هكذا أفاد الشيخ، ولا ريب في قصد التمرن من الإمام البخاري في جميع كتابه، ومع ذلك لم أجد هذا الباب فيما عندي من نسخة "الجامع الصحيح"، فلعله يكون في نسخة الشيخ قُدِّس سرُّه.
11 - الحادي عشر: الاشارة إلى بعض طُرق الحديث:
قد يذكر حديثًا لا يدل هو بنفسه على الترجمة أصلًا، لكن له طرق، وبعض طرقه يدل عليها إشارةً أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أن له أصلًا يتأكد به ذلك الطريق. ومثل هذا لا ينتفع به إلا المهرة من أهل الحديث، انتهى.
هكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه، وجعل كله أصلًا واحدًا، وإلا ففي الحقيقة هما أصلان مطَّردان كثيرا الوقوع في "الجامع":
الأول: أنه يشير به إلى بعض طرقه الواردة في "الصحيح" في الموضع الآخر، وأشار إلى ذلك الشيخ بأول كلامه.
والثاني: أن يشير بذلك إلى بعض طرقه الواردة في الكتب الأخر--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (ح: 294).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٤)
من غير "الجامع"، وإليه أشار الشيخ بآخر كلامه بقوله: أشار على أن له أصلًا صحيحًا. . . إلخ.
وجعلهما شيخ الهند رحمه الله أيضًا في أصول تراجمه أصلًا واحدًا، وباتّباعهما قُدِّس سرُّهما جعلته أصلًا واحدًا، وإلا فهما أصلان متغايران جدًّا، جديران بأن يُفْرَدَ كلُّ واحد منهما عن الآخر.
وبسَطَ الكلام على ذلك شيخ الهند رحمه الله في الأصل السادس من أصول تراجمه إذ قال: قد يذكر المصنف في الباب حديثًا لا تعلق له بالترجمة أصلًا، لكنه رحمه الله يذكر هذا الحديث في باب آخر من "صحيحه"، ويكون فيه ما يثبت الترجمة الأولى صريحًا، ومن لم يعرف ذلك يتكلف في التطبيق بين الترجمة الأولى وحديثها تكلفات باردة.
مثاله: أنه ترجم في أول كتابه "باب السمر في العلم"، وأورد فيه حديث ابن عباس(1): "بِتُّ في بيت خالتي ميمونة رضي الله عنها. . ." إلخ، ولا ذكر فيه للسمر أصلًا، فاضطر الشرَّاح في ذلك إلى تأويلات باردة كلها بمعزل من الحقيقة.
وأجاد في ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في "شرحه" إذ قال: إن المصنف أخرج الحديث في كتاب التفسير، وفيه زيادة وهي قوله: "فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة"(2)، وهذه الجملة نص في إثبات الترجمة الأولى، انتهى.
قلت: وتمام كلام الحافظ(3) في الباب المذكور بعد ذكره التوجيهات العديدة عن الشرَّاح الأخر، وكل ذلك معترض، والأَولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه المصنف كثيرًا، يريد به تنبيه الناظر في كتابه على--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري" (ح: 117).
(2) أخرجه البخاري (ح: 4560).
(3) "فتح الباري" (1/ 213).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٥)
الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع ألفاظ الرواة؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن.
وإنما أراد البخاري ههنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحًا على حقيقة السمر، وهو ما أخرجه في التفسير بلفظ: "تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة، ثم رقد. . ." الحديث، فصحَّت الترجمة صريحًا - بحمد الله - من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن، انتهى مختصرًا.
قلت: هو كذلك فإن الإمام البخاري رحمه الله أخرج بهذه الزيادة في باب قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 164].
ثم قال شيخ الهند رحمه الله في هذا الأصل السادس المذكور: وتارة يكون الحديث الذي فيه جملة مثبتة للترجمة لا يكون على شرط المؤلف وإن كان صحيحًا، لكنه لمَّا لم يكن على شرطه لا يذكره المؤلف في "صحيحه"، ولا يظفر بذلك إلا من تتبع كتب الحديث، انتهى مختصرًا.
وهذان الأصلان مطَّردان في "صحيحه" قد أخذ بهما الحافظ ابن حجر في المواضع التي لا تحصى من "شرحه"، منها: ما قال في "باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان": الذي يظهر لي من تصرُّف البخاري أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا(1)، ثم ذكر الطرق المصرِّحة بذلك، وقال في "باب دلك المرأة. . ." إلخ: جرى على عادته في الترجمة بما تضمَّنه بعض طرق الحديث(2)، وقال في "باب أمور الإيمان، وقول الله عز وجل {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا} الآية [البقرة: 177] ": وجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب تظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق(3) وغيره، ورجاله ثقات، ولم يسقه--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (1/ 553).
(2) انظر: "فتح الباري" (1/ 414).
(3) "مصنف عبد الرزاق" (رقم 20110).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٦)
المصنف؛ لأنه ليس على شرطه، فإن قيل: ليس من المتن ذكر التصديق، أجيب: بأنه ثابت في أصل هذا الحديث كما أخرجه مسلم وغيره، والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الذي يذكر أصله ولم يسقه تامًّا(1)، انتهى ملخصًا، وهذا من الأصل الثاني من هذين الأصلين.
وقال أيضًا في "باب الفتيا وهو واقف على الدابة" في "كتاب العلم": فإن قيل: ليس في سياق الحديث ذكر الركوب، فالجواب أنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج(2) فقال: "كان على ناقته" ترجم له: "باب الفتيا على الدابة"(3)، انتهى، وهذا من الأصل الأول من الأصلين المذكورين.
والعجب من العلَّامة العيني قُدِّس سرُّه أنه أورد على الحافظ في الباب المذكور، إذ قال(4): وأجاب بعضهم بأنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج، وبُعد هذا الجواب كبُعد الثرى من الثريا، فكيف يعقد باب بترجمة ثم يحال ما يطابق ذلك على حديث يأتي في باب آخر؟ انتهى.
وأشد التعقب على الحافظ في "باب السمر في العلم" فقال رادًّا على كل جزء من كلامه(5): وأما قوله: والأَولى من هذا كله إلى آخره، فكلام ليس له توجيه أصلًا، فضلًا عن أن يكون أولى من غيره، لأن من يعقد بابًا بترجمة ويضع فيه حديثًا هل يقال: مناسبة الترجمة في هذا الباب تستفاد من ذلك الحديث الموضوع في باب آخر؟ فما أبعد هذا الكلام، وأبعد من هذا البعيد أنه علَّله بقوله: لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، فسبحان الله، هؤلاء ما فسَّروا الحديث، بل ذكروا مطابقة الحديث بالترجمة، وما ذكره هو الرجم بالظن، انتهى ملخصًا.--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (1/ 51).
(2) انظر: "صحيح البخاري" (ح: 1736).
(3) "فتح الباري" (1/ 180).
(4) انظر: "عمدة القاري" (2/ 122).
(5) انظر: "عمد القاري" (2/ 251).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٧)
ومع هذا كله، فقد أخذ بهذا الأصل بنفسه أيضًا، إذ قال في "باب من حمل جارية صغيرة على عنقه": وقد أخرج فيه البخاري حديث أبي قتادة في صلاته صلى الله عليه وسلم حاملًا أُمامة بنت زينب، فقال العيني(1): مطابقته ظاهرة، فإن قلت: أين الظهور وقد خص الحمل بكونه على العنق، ولفظ الحديث أعم من ذلك؟ قلت: كأنه أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى، منها لمسلم(2) من طريق بكر، وصرَّح فيه "على عنقه"، وكذا لأبي داود وأحمد(3) من طريق أخرى، انتهى مختصرًا.
وهكذا أخذ العلامة العيني بذلك في "باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها" إذ قال(4): مطابقته للترجمة في لفظ التسوية ظاهرة وليس فيه ما يطابق بقوله: "عند الإقامة وبعدها"، ولكنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك.
وقال في "باب التقاضي والملازمة": وجه مطابقة الحديث للترجمة في التقاضي ظاهر(5)، وأما في الملازمة فبوجهين، ثانيهما: أنه أخرج هذا الحديث(6) في عدة مواضع، منها في "باب الصلح" و"باب الملازمة" بلفظ: "فلزمه" فكأنه أشار بالملازمة إلى الحديث المذكور على أن ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد، وله عادة في بعض المواضع يذكر التراجم بهذه الطريقة، انتهى ملخصًا.
فجُملة الكلام أن هذين الأصلين مطَّردان في "صحيحه"، أخذهما الشرَّاح قاطبةً، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الثامن والثلاثين ولا الحادي والأربعين.--------------------------------------------
(1) "عمد القاري" (3/ 604).
(2) "صحيح مسلم" (ح: 846).
(3) "سنن أبي داود" (ح: 920 و 921)، "مسند أحمد" (5/ 310).
(4) "عمد القاري" (4/ 352).
(5) "عمدة القاري" (3/ 502).
(6) أخرجه في: باب الصلح (ح: 2706، 2710)، وفي: باب الملازمة (ح: 2424).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٨)
12 - الثاني عشر: [ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى]:
وكثيرًا ما يترجم لأمرٍ ظاهر قليل الجدوى، لكنه إذا تحقق المتأمل أجدى.
كقوله: "باب قول الرجل: ما صلينا"، فإنه أشار به إلى الردِّ على من كره ذلك، انتهى.
قلت: أخذ الشيخ قُدِّس سرُّه هذا الأصل من كلام الحافظ المذكور فيما سبق عن المقدمة(1)، ورقمت عليه "الثامن"، وزاد الحافظ في مثاله: ومنه قوله: "باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة"، وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا القول، انتهى.
وتبعه القسطلاني في "مقدمة شرحه"(2) في ذكر هذا الأصل، وهو أصل مطَّرد، ويظهر بالتأمل وتفتيش المذاهب والآثار الواردة في ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهما.
وذكر هذا الأصل شيخ الهند رحمه الله أيضًا في الأصل الحادي عشر، ووجَّهه بوجوه كما سيأتي في محله.
الثالث عشر: [تعقبات على مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة]:
ما قال: وأكثرها تعقبات على مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم مصنفَيهما، ومثله لا ينتفع به إلا من مارس الكتابين واطَّلع على ما فيهما، انتهى.
قلت: وهو كذلك، ويظهر ذلك بمطالعة "فتح الباري" والعيني، فإنهما يصرِّحان بذلك في كثير من التراجم أن غرضه الرد على قول فلان، أخرجه فلان، وذكره شيخ الهند رحمه الله أيضًا، لكنه لم يذكره أصلًا مستقلًّا،--------------------------------------------
(1) انظر: "هدي الساري" (ص 14).
(2) "إرشاد الساري" (1/ 44).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٩)
بل أدمجه في الأصل الثاني عشر المذكور فيما سبق، وذكره شيخ الهند رحمه الله في الأصل الحادي عشر من أصوله، وأضاف فيه احتمالات أُخر أيضًا.
وقال الحافظ في "باب السترة بمكة" بعد ذكر توجيه ابن المنيّر: والذي أظن أنه أراد أن يُنَكِّتَ على ما ترجم به عبد الرزاق حيث قال: "باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء"، إلى آخر ما بسط الحافظ(1).
وقال أيضًا في "باب الصلاة على الحصير"(2): النكتة في ترجمة الباب: الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق شُريح بن هانئ أنه سأل عائشة رضي الله عنها: "أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي على الحصير، والله يقول: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 8]، فقالت: لم يكن يصلي على الحصير"(3)، فكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذًّا مردودًا لمعارضة ما هو أقوى منه، إلى آخر ما قال.
وقال العيني(4) في "باب الاستنجاء بالماء": قصد بهذه الترجمة الرد على من كره الاستنجاء بالماء، وعلى من نفى وقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم لما رواه ابن أبي شيبة(5) بأسانيد صحيحة إلى آخر ما ذكر.
وقال الحافظ(6) في "باب أذان الأعمى": روى ابن أبي شيبة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 576).
(2) "فتح الباري" (1/ 491).
(3) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (7/ 426) (رقم 4448)، وذكره ابن حجر في "المطالب العالية" (ح 364).
(4) "عمدة القاري" (2/ 408).
(5) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"، "باب من كان لا يستنجي بالماء ويجتزئ بالحجارة".
(6) "فتح الباري" (2/ 99).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٠)
وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى.
وقال الحافظ(1) في "باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد": كأنه يشير إلى ما رواه عبد الرزاق(2) بإسناد صحيح: "أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يؤذن للصبح في السفر أذانين".
وقال(3) في "باب الأذان للمسافرين. . ." إلخ: وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: إنما التأذين لجيش أو ركب عليهم أمير، فينادى بالصلاة ليجتمعوا لها، وأما غيرهم فإنما هي الإقامة، وحكي نحو ذلك عن مالك، انتهى.
وهذا الأصل يختصُّ بالكتابين المذكورين، بل الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم في "صحيحه" على رد الروايات التي لا تصح عنده، سواء كانت في الكتابين المذكورين أو غيرهما من كتب السنن وغيرها، وخصَّ الشيخ قُدِّس سرُّه الكتابين المذكورين لكثرة التعقبات عليهما، ولا يمتري في ذلك من مارس التراجم، وأمعن النظر في الكتابين المذكورين.
قال الحافظ(4) في "باب الدفن بالليل": أشار بهذه الترجمة إلى الرد على منع ذلك محتجًا بحديت جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن يقبر الرجل ليلًا، إلا أن يضطر إلى ذلك"، أخرجه ابن حبان(5)، إلى آخر ما قال.
قلت: ويدخل في ذلك الأصل: "باب موت الفجأة" على ما قال ابن رُشيد كما حكاه عنه في "الفتح"(6).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (2/ 110).
(2) "مصنف عبد الرزاق" (رقم 1897).
(3) "فتح الباري" (2/ 111).
(4) "فتح الباري" (3/ 207).
(5) "صحيح ابن حبان" (ح: 3168).
(6) "فتح الباري" (3/ 254).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤١)
14 - الرابع عشر: الآداب والعادات المسلوكة:
ما قال: وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل من الكتاب والسُّنَّة والعادات الكائنة في زمانه صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا لا يدرك حُسنه إلا من مارس كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثم طلب لها أصلًا من السُّنَّة، انتهى.
قلت: وهو كذلك، لا مراء في ذلك ولا امتراء، ويتضح ذلك بمطالعة الأبواب مفصلًا، لا سيما في كتاب العلم والجهاد والنكاح والأطعمة والآداب وغيرها، ويمثل له بالأبواب المسلسلة في "كتاب العلم" من "باب من سئل علمًا وهو مشتغل. . ." إلخ، و"من رفع صوته بالعلم"، و"طرح الإمام المسألة"، و"القراءة [والعرض] على المحدث"، و"من قعد حيث ينتهي به المجلس"، و"ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوَّلهم بالموعظة"، و"من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة"، و"الفتيا على الدابة"، و" [من أجاب] الفتيا بإشارة اليد والرأس"، و"الغضب في الموعظة"، و"من برك على ركبتيه"، وغير ذلك من الأبواب الكثيرة في الكتب المتفرقة.
15 - الخامس عشر: ذكر الشواهد من الآيات لإرادة الخصوص من العموم:
ما قال: وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات، ومن شواهد الآية من الأحاديث تظاهرًا، ولتعيُّن بعض المجملات دون البعض، فيكون كقول المحدث: المراد بهذا العام المخصوص، أو بهذا الخاص العموم ونحو ذلك.
ذكره شيخ المشايخ قُدِّس سرُّه أصلًا واحدًا، وإلا ففي الحقيقة هي ثلاثة أصول مختلفة:
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٢)
أحدها: التظاهر.
والثاني: إرادة العام بالخصوص.
والثالث: عكسه.
وقد تقدم نحو ذلك في كلام الحافظ(1) المذكور في الفائدة الثانية، ورقمت عليه (1) و (2)، لكنه خصَّه بالترجمة، ولذا أدخلته في الأصل الثلاثين.
ولا يلتبس هذا بالأصل الأربعين لجزم الحكم ههنا، وعدم جزمه في الأربعين لإظهار اختيار المؤلف، والشواهد ههنا لتعيين محتملات الحديث، وفي الأربعين لإظهار اختيار المؤلف، وكذا الفرق بينه وبين الثامن عشر واضح، لإرداة الخصوص بالعموم ههنا وعكسه في الثامن عشر، فالجملة ههنا عدة أصول متقاربة يظهر الفرق بينها بالتأمل، وهي (18) و (24) و (40) و (53)، والمقصود ههنا ذكر الشواهد من الآيات للتظاهر أو لتعيين بعض المحتملات.
فهذه خمسة عشر أصلًا(2)، ذكرها شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي قُدِّس سرُّه في مبدأ تراجمه.
وأخذ في ذيل تراجمه عدة أصول أُخر، نُلحقها بكلامه، منها:
16 - السادس عشر: الترجمة بكلِّ محتمل:
أن من دأب الإمام البخاري الاستدلال بكل المحتمل.
قال شيخ المشايخ(3) في "باب الرجل يأتم بالإمام. . ." إلخ: هذا يحتمل معنيين، وذهب المؤلف إلى كلا الاحتمالين. . . إلخ.--------------------------------------------
(1) انظر: "هدي الساري" (ص 13).
(2) لكنه ذكر أربعة عشر أصلًا فقط.
(3) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 227).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٣)
وقال في "باب الْعَلَم بالمصلى": ولما كان ظاهر لفظ الحديث يحتمل أن يكون العلم في زمانه صلى الله عليه وسلم بنى المؤلف عقد الباب عليه، انتهى(1).
وقال في "باب إذا قيل للمصلي: تقدم. . ." إلخ: استنباط المؤلف مستصعَب عند الشرَّاح غاية الصعوبة، وحله عندي أن دأب البخاري أن يستدل بكلا احتماليه، وهذا في كتابه كثير، انتهى.
وكذا قال في "باب العرض في الزكاة": من أن قوله: "وأما خالد. . ." إلخ(2)، استدلال ببعض محتملاته. . . إلخ.
قال الشيخ أيضًا في "باب من نام عند السحر": استدل المؤلف بقول عائشة على ترجمة الباب استدلالًا ببعض محتملاته، وهذا من دأبه، يفعله كثيرًا في كتابه، وأخذ الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا بهذا الأصل في "باب العرض في الزكاة" إذ قال: واستدلال المؤلف بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وأما خالد. . ." إلخ، استدلال ببعض محتملاته، إلى آخر ما أفاده، وهذا الأصل جارٍ على ألسنة المشايخ كثيرًا.
17 - السابع عشر: تعدد الطرق:
ما قال في "باب حك المخاط بالحصى": وههنا توجيه آخر مطَّرد في أكثر المواضع، وهو أجود التوجيهات عندي، وهو: أنه من دأب المصنف أن يورد حديثًا واحدًا متعدد الطرق مرارًا متعددة، ويعقد كل ترجمة بلفظ آخر واقع في ذلك الحديث، ومقصوده ليس إلا إكثار طرق الحديث، كما وقع في هذا المقام، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 285)، وانظر: "فتح الباري" (2/ 539).
(2) انظر: "فتح الباري" (3/ 313)، و"شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 315).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٤)
وأخذ بذلك الأصل في "باب صلاة التطوع على الحمار" أيضًا.
قلت: ويستأنس هذا الأصل مما قالت الشرَّاح في "باب طرح الإمام المسألة على أصحابه": فإن مؤدَّى كلام الكرماني(1) وتبعه العيني وغيره، أن المقصود ذكر الحديث بطريقيه اللتين سمعهما عن شيخيه.
ويستأنس ذلك أيضًا عمَّا قال الحافظ في "باب الصلاة على الخُمرة"(2)، أفردها بترجمة لكون شيخه أبي الوليد حدَّثه بالحديث مختصرًا، وبذلك جزم العيني(3) في "باب إتيان مسجد قباء راكبًا وماشيًا": لو قلنا: إفراد هذه الترجمة لبيان تعدد سنده لكان فيه الكفاية، انتهى.
وإلى ذلك الأصل أشار الحافظ في "مقدمته"(4) مجيبًا عن تكرار الروايات: أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم، فحدَّث راوٍ بحديث فيه كلمة تحتمل معنى، وحدَّث آخر، فعبَّر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر، فيورده بطرقه إذا صحَّت على شرطه، ويفرد لكل لفظ بابًا مفردًا، انتهى.
18 - الثامن عشر: إرادة العام بالترجمة الخاصة:
ما قال في "باب رفع البصر إلى الإمام": عقد هذا الباب لما تقرر أن الأولى أن ينظر المصلي في صلاته إلى موضع سجوده، ومع ذلك لو رأى إلى إمامه ولم ينظر إلى ذلك الموضع لم تفسد عليه صلاته.
وقد مر غير مرة أن البخاري ربما يعقد الترجمة لأمر خاص من بين--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري بشرح الكرماني" (2/ 13).
(2) "فتح الباري" (1/ 491).
(3) "عمدة القاري" (5/ 574).
(4) "هدي الساري" (ص 15).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٥)
العام، مع أن مراده إثبات ذلك العام، وذلك لتعيين صورة من بين صوره المحتملة كما قلنا ههنا، فإن مراده رحمه الله نفي لزوم النظر إلى موضع السجود وهو عام، ومن صوره المحتملة اختيار صورة خاصة وهي حالة النظر إلى الأمام مع أن الغرض إثبات العام، فاحفظ هذا التحقيق فإنه مما ينفعك في مواضع شتّى من هذا الكتاب، انتهى.
وإلى ذلك الأصل أشار الحافظ في "الفتح"(1) في "باب غسل المرأة أباها الدم"، إذ قال: هذه الترجمة معقودة لبيان أن إزالة النجاسة ونحوها يجوز الاستعانة فيها، وبهذا يظهر مناسبة أثر أبي العالية، انتهى.
وبذلك الأصل أخذ شيخ المشايخ في "باب من دعي لطعام في المسجد" إذ قال: غرضه من عقد هذا الباب جواز الكلام المباح في المسجد، إلى آخر ما قاله.
وكذا في "باب هل يَتَتَبَّعُ المؤذِّن فاه؟. . ." إلخ إذ قال: غرضه أن الأذان غير ملحق بالصلاة في الأحكام، ولا يشترط فيه الاستقبال، وبهذا تتحقق المناسبة بين الترجمة والآثار، انتهى(2).
وبذلك أخذ في "باب الرجل ينعى إلى أهل الميت" إذ قال: ذكر الأهل لمجرد تصوير صورة، والمقصود إثبات جواز النعي مطلقًا.
وبذلك أخذ في "باب الصدقة باليمين" إذ قال: مقصود الترجمة الإعطاء بنفسه، فلا خفاء لمناسبة الحديث الثاني، انتهى.
والأوجه عندي أن هذا الباب من الأصل السادس والخمسين، وقد عرفت في الخامس عشر أن ههنا عدة أصول متقاربة فلا تلتبس عليك، لا سيما هذا الأصل بالأصل الثلاثين.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 355).
(2) "فتح الباري" (2/ 115).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٦)
19 - التاسع عشر: الإثبات بالأولوية:
أن الإمام البخاري يذكر في الترجمة أمرين، يثبت أحدهما بالنص، والآخر بالأولوية، كما أفاده شيخ المشايخ في "باب ما يذكر في المناولة. . ." إلخ، إذ قال: ذكر في الترجمة أمرين: المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، وأثبت بحديثي الباب الأمر الثاني، فثبوت الأمر الأول بالطريق الأَولى فافهم، انتهى.
قلت: قد أخذ شيخ المشايخ بهذا الأصل في عدة مواضع من تراجمه فقال في "باب التيمُّن في الوضوء والغسل": ثبت بأول حديث الباب التيمُّن في غسل الميت، فثبت التيمُّن في غسل الحي بالطريق الأولى لكونه الأصل.
وذكره في "باب البول قائمًا وقاعدًا": أثبت بالحديث الأَولَ، والثانيَّ بالطريق الأولى، وهكذا قرره الشرَّاح، ثم ذكر توجيهًا آخر، واختاره ههنا خاصّةً.
وما حكاه الشيخ عن الشرَّاح حكاه الحافظ في "الفتح"(1) عن ابن بطَّال: دلالة الحديث على القعود بالطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز، وأخذ شيخ المشايخ بهذا الأصل في "باب التسمية على كل حال. . ." إلخ، إذ قال: لمَّا لم يكن الحديث الذي روى في باب التسمية قبل الوضوء على شرط المؤلف، أثبت التسمية للوضوء بالحديث الذي أورده في الباب لدلالته على الاستحباب في الوضوء بالطريق الأَولى، انتهى مختصرًا ملخصًا.
وأخذ العيني(2) هذا الأصل في الباب المذكور بوجه آخر، وهو أن إثبات التسمية عند الوقاع نص، وعلى كل حال بالأَولى، وحكاه الحافظ في--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/ 328).
(2) انظر: "عمد القاري" (2/ 378).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٧)
"باب وجوب القراءة" تحت حديث قصة سعد عن الكرماني إذ قال(1): وأبدى الكرماني لتخصيص العشاء بالذكر حكمة، وهو أنه لما أتقن فعل هذه الصلاة التي وقتها وقت الاستراحة، كان ذلك في غيرها بطريق الأولى، انتهى.
وذكر شيخ الهند رحمه الله أيضًا في مبدأ تراجمه هذا الأصل، لكنه رحمه الله ذكر له وجهًا آخر، إذ قال في الأصل الثالث عشر: إنه قد يذكر في الترجمة أمران، والوارد فيه مُثْبِت للواحد فقط، فيتوهم منه أن الأمر الثاني لم يثبت، وليس كذلك، بل يكون مقصود المؤلف جزءًا واحدًا لا الآخر، لظهوره واتفاق العلماء عليه، فيذكره تبعًا واستطرادًا، انتهى ما قاله معربًا مختصرًا.
وأخذ شيخ الهند قُدِّس سرُّه عن العيني إذ اختاره في الباب المذكور، أي: "البول قائمًا وقاعدًا" بعد التعقب على توجيه ابن بطال: والأحسن أن يقال: لما ورد في الباب جواز البول قائمًا وقاعدًا بأحاديث كثيرة، أورد البخاري حديث الفصل الأول، وفي الترجمة أشار إلى الفصلين، إما اكتفاءً بشهرة الفصل الثاني وعمل أكثر الناس به، أو إشارة إلى أنه اقتصر على أحاديث الفصل الأول لكونها على شرطه(2)، انتهى مختصرًا.
وهذا الأصل غير الأصلين الآتيين في 38 و 39، وغير الذي تقدم في الحادي عشر كما لا يخفى.
20 - العشرون: باب بلا ترجمة للفصل:
ما اختاره في تراجمه مرارًا، أن الباب الخالي عن الترجمة يكون بمنزلة الفصل عن الباب السابق.
ذكره الشيخ في "باب" خال عن الترجمة بعد "باب إدخال البعير في--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (2/ 238).
(2) انظر: "عمدة القاري" (2/ 620).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٨)