30 - كتاب الصوم
قد تقدم في مبدأ "كتاب الحج" وجوه المناسبة بين الحج والصوم وغيرهما.
قال العيني(1) في وجه المناسبة: العبادات أربعة: بدنية محض، وهي: الصلاة والصوم، ومالية محض، وهي: الزكاة، ومركبة منهما وهو الحج، وكان مقتضى الحال أن يذكر الصوم عقيب الصلاة لكونهما من واد واحدٍ، لكن ذكرت الزكاة عقيبها لما ذكرنا - كما تقدم في مبدأ الحج - ثم إن غالب المصنفين ذكروا الصوم عقيب الزكاة فلا مناسبة بينهما، والذي ذكره البخاري من تأخير الصوم وذكره في الأخير هو الأوجه والأنسب؛ لأن ذكر الحج عقيب الزكاة هو المناسب من حيث اشتمال كل منهما على بذل المال، ولم يبق للصوم موضع إلا في الأخير، انتهى.
قلت: وما أورد العيني على عامة المصنفين أجاب عنه ابن عابدين(2) في مبدأ "كتاب الصوم" إذ قال: أعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين، به قهر النفس الأمَّارة بالسوء، وأنه مركب من أعمال القلب ومن المنع عن المآكل والمشارب والمناكح عامة يومه، وهو أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يبدأ في التكاليف بالأخف، وهو الصلاة تمرينًا للمكلف، ثم يثني بالوسط وهو الزكاة، ويثلث بالأشق وهو الصوم، وإليه وقعت الإشارة في مقام المدح والترتيب {وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (8/ 3).
(2) "رد المحتار" (3/ 327 - 329).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٨٤)
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ} [الأحزاب: 35]، وفي ذكر مباني الإسلام: "وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان" فاقتدت أئمة الشريعة مصنفاتهم بذلك، انتهى.
وذكر في مبدأ "كتاب الصوم" من "الأوجز"(1) عشرة أبحاث مفيدة بالبسط، وفي "هامش اللامع" مختصرًا، منها: ما قالوا: إن بدء الصوم من زمن آدم عليه السلام، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] قال علي رضي الله عنه: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة قديمة ما أخلى الله تعالى أمة من افتراضه عليهم، ومنها: أن فرضية رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، كما في "تاريخ الخميس"(2) و"مجمع البحار"(3) و"الدر المختار"(4)، وفي "تفسير روح البيان"(5): أن افتراض الصيام بعد خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين، انتهى.
وعن ابن عباس: بعث الله تعالى نبيَّه بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صُدِّق زاد الصلاة، فلما صُدِّق زاد الزكاة، فلما صُدِّق زاد الصيام، فلما صُدِّق زاد الحج، انتهى. كذا في "الأوجز"(6).
(1 - باب وجوب صوم رمضان. . .) إلخ
قال الحافظ(7): كذا للأكثر، وللنسفي "باب وجوب رمضان وفضله"، وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه "حظائر القدس" لرمضان ستين اسمًا، وذكر بعض الصوفية أن آدم عليه الصلاة والسلام لما أكل من الشجرة ثم--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (5/ 5 - 13)، و"لامع الدراري" (5/ 329 - 330).
(2) "تاريخ الخميس" (1/ 168).
(3) "مجمع بحار الأنوار" (5/ 279).
(4) "رد المحتار" (3/ 330).
(5) "تفسير روح البيان" (1/ 362).
(6) "أوجز المسالك" (5/ 11).
(7) "فتح الباري" (4/ 102 - 103).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٨٥)
تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذريته صيام ثلاثين يومًا.
قال الحافظ: وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك.
قوله: (وقول الله تعالى. . .) إلخ، أشار بذلك إلى مبدأ فرضية الصيام، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه في شيء فأورد ما يشير إلى المراد، فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث: حديث طلحة الدال على أنه لا فرض إلا رمضان، وحديث ابن عمر وعائشة المتضمن للأمر بصيام عاشوراء، وكأن المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما محمول على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان، وهو ظاهر الآية؛ لأنه تعالى قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، ثم بيَّنه [فقال:] {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185].
وقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية: أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ، إلى آخر ما فيه، انتهى من "الفتح".
قلت: وقد بسط الكلام على درجات فرضية الصوم وتفاصيل شرعيته من ابتداء الأمر إلى ما استقر عليه في "كتاب التفسير" من "لامع الدراري"(1).
قوله: {كَمَا كُتِبَ} الآية، وفي "الأوجز"(2): اختلفوا هل كان صوم رمضان شرع من قبلنا؟ فقال جماعة: إن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يومًا من السنة، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضًا؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل:--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (9/ 14 - 15).
(2) "أوجز المسالك" (5/ 9).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٨٦)
نزيد فيه فزادوا عشرًا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعًا فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمة خمسين يومًا، وهذا معنى قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ} الآية [التوبة: 31]، كذا في "التفسير الكبير"(1)، وقيل: في زيادة النصارى أقوال أخَّر ذكرها أهل التفسير.
قال البجيرمي(2): إن كان التشبيه في قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ} في صوم رمضان كان من الشرائع القديمة؛ لأنه قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليها شهر رمضان إلا أنهم ضلَّوا عنه، وإن كان التشبيه في مطلق الصوم كان صوم رمضان من خصوصيات هذه الأمة، انتهى من "الأوجز".
واختار صاحب "فيض الباري"(3): أن هذه الآيات لا تعلق لها بصوم رمضان، بل هي متعلقة بصوم أيام البيض وعاشوراء، وبسط الكلام عليه، فارجع إليه لو شئت.
(2 - باب فضل الصوم)
غرض الترجمة واضح وثابت من الروايات.
قوله: (ولا يجهل) في "تراجم شيخ المشايخ(4) الدهلوي": الجهل ههنا ضد الحلم كما هو في الأكثر ضد العلم، انتهى. قلت: فهو من قبيل قول الشاعر(5):
ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قوله: (فليقل: إني صائم) في هامش النسخة الهندية عن "التوشيح"(6): قيل: يقولها بلسانه يخاطب بها من شاتمه، وقيل: بقلبه يزجر بها نفسه،--------------------------------------------
(1) "التفسير الكبير" (2/ 240).
(2) "شرح الإقناع" (2/ 371).
(3) "فيض الباري" (3/ 320).
(4) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 383).
(5) هو عمرو بن كلثوم بن مالك، من تغلب بن وائل، يكنى أبا الأسود توفي عام 52 قبل الهجرة و 570 للميلاد، "شرح المعلقات العشر" (ص 92).
(6) "التوشيح" (4/ 1413).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٨٧)
وقيل: باللسان في صوم الفرض وبالقلب في النفل، قال ابن العربي: الخلاف في النفل، وأما الفرض فبلسانه قطعًا، انتهى.
قوله: (الصيام لي) ذكر الحافظ(1) في معناه عشرة أوجه، وفي "شرح الإحياء": اختلفوا في معناه على أقوال تزيد على خمسين، ثم ذكرها، انتهى.
(3 - باب الصوم كفارة)
أطلق المصنِّف في الترجمة، والخبر مقيَّد بفتنة المال وما ذكر معه، ويؤيد الإطلاق ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"، ولابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله"، وقد حمل المصنف الحديث في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة، فقال في الزكاة: "باب الصدقة تكفر الخطيئة"، ثم أورد هذا الحديث بعينه، وأيضًا تقدم في أثناء الصلاة: "باب الصلاة كفارة"، وأورد فيه هذا الحديث بعينه من وجه آخر عن أبي وائل، انتهى ملخصًا من "الفتح"(2).
(4 - باب الريان للصائمين)
بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري: اسم علم على باب من أبواب الجنة، يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتق من الري، وهو مناسب لحال الصائمين، قال القرطبي: اكتفى بذكر الري عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه.
قلت: أو لكونه أشق على الصائم من الجوع، قاله الحافظ(3).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 107 - 109).
(2) المصدر السابق (4/ 110 - 111).
(3) المصدر السابق (4/ 111).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٨٨)
قلت: وسيأتي الكلام على أبواب الجنة في "باب صفة أبواب الجنة" من "كتاب بدء الخلق"، كما بسط في هامش "اللامع"(1) هناك.
(5 - باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"(2): فظاهر كلام المصنف الجواز حيث أورد قوله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان" وقوله: "لا تقدموا رمضان"، وإنما لم يورد حجة على جواز التكلم بشهر رمضان؛ لأن جوازه كان مجمعًا عليه، وأما على الرواية التي فيها شهر رمضان موضع قوله: "إذا دخل رمضان"، فالروايتان الموردتان في الترجمة حجة للتكلم به بدون الإضافة، والموردة بسرد الإسناد، أي: الرواية التي ذكرها بقوله: حدثنا يحيى بن بكير، فإن فيها نسخة على الحاشية بلفظ: "إذا دخل شهر رمضان" حجة لجواز التكلم به مضافًا إليه الشهر، انتهى.
وفي هامشه: أشار البخاري بذلك إلى مسألة شهيرة خلافية، قال الكرماني: اختلفوا فيه، فقال المالكية: لا يقال رمضان على انفراده؛ لأنه اسم من أسماء الله تعالى، وإنما يقال: شهر رمضان، وقال أكثر الشافعية: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر كما يقال: صمت رمضان فلا كراهة، وإلا فيكره، كما يقال: أحب رمضان، ومذهب البخاري أنه لا كراهة في إطلاقه بقرينة وبدونها، انتهى.
قال الحافظ(3): قوله: "ومن رأى كله واسعًا" أشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان" أخرجه ابن عدي في "الكامل" وضعَّفه بأبي معشر، قال البيهقي: قد روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (7/ 355 - 359).
(2) المصدر السابق (5/ 331).
(3) "فتح الباري" (4/ 113).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٨٩)
من طريقين ضعيفين، وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث.
وقد ترجم النسائي لذلك أيضًا فقال: "باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان"، ثم أورد فيه حديثين، وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال: {شَهْرُ رَمَضَانَ} مع احتمال أن يكون حذف لفظ "الشهر" من الأحاديث من تصرف الرواة، وكان هذا هو السر في عدم جزم المصنف بالحكم إلى آخر ما فيه.
(باب رؤية الهلال)
هذا الباب موجود في النسخ الهندية التي بأيدينا، وعليه علامة النسخة، ولا يوجد هذا الباب في نسخ الشروح من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني"، ولا في نسخة المصرية التي عليها حاشية العلامة السندي، ولم يتعرض له أحد من الشراح، ومع ذلك سيبوب المصنف فيما سيأتي بـ "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال. . ." إلخ فالظاهر عدمه، وأما على تقدير ثبوته فيمكن عندي أن يقال: إن الغرض من الترجمتين مختلف، فالغرض من الباب الآتي بيان حكم صوم يوم الشك، كما سيأتي هناك.
والغرض ههنا الحث والترغيب على رؤية هلال رمضان، وقد صرَّح الفقهاء في كتبهم باستحبابه بل بوجوبه على الكفاية، وفي "الهداية"(1): وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فإن رأوه صاموا، وإن غمَّ عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا لقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، انتهى.
وأخرج أبو داود(2) من حديث عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان" الحديث، فتأمل، فإنه غاية التوجيه لدفع التكرار، والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) (2/ 244 - 245).
(2) "سنن أبي داود" (ح: 2325).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩٠)
(6 - باب من صام إيمانًا واحتسابًا. . .) إلخ
قال الحافظ(1): قال ابن المنيِّر: حذف الجواب إيجازًا واعتمادًا على ما في الحديث، وعطف قوله: "نيته" على قوله: "احتسابًا"؛ لأن الصوم إنما يكون لأجل التقرب إلى الله تعالى، والنيَّة شرط في وقوعه قربة، والمراد بالإيمان الاعتقاد بحق فرضية صومه، وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى، وقال الخطابي: احتسابًا، أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه، انتهى.
(7 - باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم. . .) إلخ
قال القسطلاني تحت الحديث(2): لأنه شهر يتضاعف فيه ثواب الصدقة، و"ما" مصدرية، أي: أجود أكوانه يكون في رمضان، ثم قال: يحتمل أن يكون زيادة الجود بمجرد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أن يكون بمدارسته إياه القرآن، وهو يحث على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له صلى الله عليه وسلم خلقًا بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفصاله في هذا الشهر، وفي هذا الحديث تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن ثم معارضة ما نزل منه فيه، وأن ليله أفضل من نهاره، إلى آخر ما قال.
قال الحافظ(3): قال ابن المنيِّر: وجه التشبيه بين أجوديته صلى الله عليه وسلم بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي: فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 115).
(2) "إرشاد الساري" (4/ 513).
(3) "فتح الباري" (4/ 116).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩١)
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1) في "باب بدء الوحي": قوله: "من الريح المرسلة" والفضيلة عليها في أنها لا تبقي ولا تذر شيئًا أتت عليه، فكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبقي شيئًا مما هو في ملكه، انتهى.
قوله: (يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن. . .) إلخ، وتقدم في "باب بدء الوحي" من أول الكتاب بلفظ: "فيدارسه القران"، وسيأتي في "باب ذكر الملائكة" من "كتاب بدء الخلق" بلفظ: "أن جبرئيل كان يعارضه القرآن" وفي هامش الهندية(2): المعارضة المقابلة كما في "المجمع".
وفي "المشكاة": "كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم"، قال الطيبي نقلًا عن المظهر: يعني يأتيه جبريل عليه السلام ويقرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن من أوله إلى آخره لتجويد اللفظ، وليكون سُنَّة في حق الأمة، أقول: لا تساعد هذا التأويل تعدية [يعرض] بعلى؛ لأن المعروض عليه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللَّهم إلا أن يحمل على باب القلب، كنحو قولهم: عرضت الناقة على الحوض، انتهى كلام الطيبي.
قال الشيخ في "اللمعات": وقد ورد أنهما كانا يقرآن بطريق المدارسة، فيصح العرض من الجانبين، فلا حاجة إلى القول بالقلب كما قال الطيبي، انتهى من الهامش.
قلت: وسيأتي تبويب المصنف في "فضائل القرآن" بـ "باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم"، فثبت بهذا كله أن العرض كان من الجانبين.
وفي "شرح الإقناع"(3): وحقيقة المدارسة أن يقرأ الثاني ما قرأه الأول، وأما القراءة المشهورة الآن فهي إدارة لا مدارسة، ثم أشكل عليه--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (1/ 513).
(2) (6/ 583).
(3) "شرح الإقناع" (2/ 385).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩٢)
بقوله: كيف هذا مع أن الملائكة لم يعطوا فضيلة حفظ القرآن حتى جبريل النازل به، فكيف كان يدارسه؟ وأجيب بجوابين، أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أولًا فيعيد جبريل ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: كان ينظر في اللوح المحفوظ حين يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: وهذا أولى، لأن القصد من قراءته عليه ما استقر عليه الأمر، وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو المثبت في المصحف العثماني، وحكمة العرض لأجل أن يبين له الناسخ والمنسوخ، انتهى.
(8 - باب من لم يدع قول الزور والعمل به)
قال الزين بن المنيِّر(1): حذف الجواب؛ لأنه لو نصَّ على ما في الخبر لطالت الترجمة، أو لو عبَّر عنه بحكم معين لوقع في عهدته فكان الإيجاز ما صنع.
ثم قال الحافظ: قال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمَّارة بالنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله: "ليس لله حاجة" مجاز عن عدم القبول، فنفى السبب وأراد المسبب، انتهى.
(9 - باب هل يقول: إني صائم إذا شُتم)
كتب الشيخ في "اللامع"(2): أراد بذلك دفع ما يتوهم من كراهة إظهار العبادة، والمأمور به إخفاؤها، وحاصل الدفع أن الطاعة لا ضير في إِظهارها إذا تضمن فائدة، ما لم يكن من قصده الرياء والسمعة، وتضمن الفائدة فيما نحن فيه ظاهر، فإن المتجاهل المذكور لعله ينتهي عما ركب عليه من الجهل والسب والشتم، أو يعتبر بحاله فيفعل ما فعله صاحبه ويأخذ في الصوم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 116 - 117).
(2) "لامع الدراري" (5/ 334 - 335).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩٣)
وفي هامشه(1): بقي ههنا شيء، وهو أن الوارد في الحديث لفظ: "فليقل إني صائم" بصيغة الأمر نصًّا، وترجم عليه البخاري بلفظ: "هل يقول"، ووجه ذلك ما قال الحافظ: إنه اختلف في المراد بقوله عليه السلام: "فليقل: إني صائم" هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه، وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في "الأذكار"، وقال في "شرح المهذب": كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، ولهذا التردد أتى البخاري في الترجمة بالاستفهام، انتهى.
ثم ذكر بعد ذلك من الأقوال في معنى الحديث كما تقدم في "باب فضل الصوم".
(10 - باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة)
اختلفت نسخ البخاري في هذه اللفظة، ففي نسخة الحافظ(2): "العزبة"، فقال: بضم المهملة وسكون الزاي بعدها موحدة، وفي نسخة: "العزوبة" بزيادة واو، والمراد بالخوف منها ما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنت، انتهى.
وفي نسخة العيني(3): "العزوبة"، فقال: بضم العين والزاي، قال ابن الأثير: العزب البعيد من النكاح، ومعنى: "خاف على نفسه. . ." إلخ، يعني خاف من بعد النكاح أن يقع في العنت وهو الزنا، ومادة هذه اللفظة في الأصل تدل على البعد يقال: عزب عني فلان، أي: بعُد، ويقال: تعزّب فلان زمانًا ثم تأهل، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"(4): دفع لما يتوهم أن الصوم لا بدّ وأن يكون خاليًا عن منفعة أخرى دينية أو دنيوية، فإن المقصود إِرضاؤه تعالى،--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (5/ 334).
(2) "فتح الباري" (4/ 119).
(3) "عمدة القاري" (8/ 36 - 37).
(4) "لامع الدراري" (5/ 336).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩٤)
ولا يكون مخلصًا فيه إذا ترقب فيه حظًّا آخر، فحاصل الدفع أن الغرض المترتب عليه إذا كان دينيًّا فلا يضر قصده إياه لما أن العصمة من الزنا وغيرها مما يترتب على الصوم لما كان المقصود منها بأسرها إرضاؤه سبحانه وتعالى لم يكن ذلك القصد المتعلق بالصوم منافيًا لغرض الصوم الأصلي، انتهى.
قوله: (فعليه بالصوم. . .) إلخ، قال الحافظ(1): ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح، واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة، وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر، فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، والله أعلم، انتهى من "الفتح".
قلت: وقد وقع مثل هذا الإشكال والجواب بعينه لبعض شيوخنا، ويستأنس هذا الجواب بلفظ "عليه" الواقع في الحديث، فإنه يدل على المواظبة واللزوم بخلاف ما لو قيل: فليصم.
(11 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الهلال فصوموا. . .) إلخ
قال الحافظ(2): هذه الترجمة لفظ مسلم من حديث أبي هريرة، وقد سبق للمصنف في أول الصيام في حديث ابن عمر بلفظ: "إذا رأيتموه"، وذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتَّبها ترتيبًا حسنًا، إلى آخر ما قال، انتهى.
وقد تقدم الفرق بين هذه الترجمة وبين ما سبق من "باب رؤية الهلال" هناك، والمقصود ههنا - كما تقدم - مسألة صوم يوم الشك، وهي خلافية شهيرة.
ففي هامش "اللامع"(3): المراد بصوم يوم الشك هو صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلته، سواء كانت السماء مصحيّة أو مغيمة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 119).
(2) المصدر السابق (4/ 120).
(3) "لامع الدراري" (5/ 337 - 338).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩٥)
عند الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، وللحنابلة في ذلك ثلاث روايات، والمشهور عندهم أن ذلك مقيد بحالة الصحو، قال الموفق: النهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو، وفي "الروض المربع": يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير الهلال مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكره الصوم؛ لأنه يوم الشك المنهي عنه، وإن حال دونه، أي: دون هلال رمضان بأن كان في المطلع ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، أي: غبرة وكذا دخان فظاهر المذهب يجب صومه حكمًا ظنيًا احتياطًا بنية رمضان، قال في "الإنصاف": هو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا فيه التصانيف وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، انتهى مختصرًا من "الأوجز"(1) وهامش "اللامع".
قوله: (فإن غُمَّ عليكم فاقدروا) وفيه ثلاث تأويلات:
أحدها: ما قال الأئمة الثلاثة والجمهور: معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، ويرجح هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بهذا المعنى، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.
وثانيها: ما قالت طائفة: معناه: ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، وبه قال أحمد وغيره ممن يجوز صوم ليلة الغيم عن رمضان.
وثالثها: معناه: قدروه بحسب المنازل، ونقل ابن العربي عن ابن سريج: أن هذا خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم، وأن قوله: "فأكملوا العدة" خطاب للعامة، إلى آخر ما بسطه الشيخ في "البذل"(2).
(12 - باب شهرا عيد لا ينقصان)
قال الحافظ(3): هكذا ترجم ببعض لفظ الحديث، وهذا القدر لفظ--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (5/ 19 - 20).
(2) "بذل المجهود" (8/ 443).
(3) "فتح الباري" (3/ 124 - 125).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩٦)
طريق لحديث الباب عند الترمذي، وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فمنهم من حمله على ظاهره فقال: لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبدًا إلا ثلاثين، وهذا قول مردود معاند للموجود والمشاهد، ويكفي في رده قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، الحديث، فإنه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا، ومنهم من تأول له معنى لائقًا.
ثم ذكر الحافظ القولين المذكورين في ترجمة الباب عن أحمد وإسحاق، ثم قال: وهذان القولان مشهوران عن السلف، وقد ثبتا منقولين في أكثر الروايات في البخاري، وذكر القرطبي أن فيه خمسة أقوال، منها: أن معناه لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم تلك المقالة، وقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي فقال: معناه أن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين، وقيل: لا ينقصان في نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، ولا يخفى بعده، وقيل: لا ينقصان معًا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم؛ لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
(13 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا نكتب ولا نحسب)
قال الحافظ(1): بالنون فيهما، والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم، أو المراد نفسه صلى الله عليه وسلم.
ثم قال الحافظ: ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلَّق الحكم--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (4/ 127).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩٧)
بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، ويوضحه قوله: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير، وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، قال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين، وأيضًا لا يعرفها إلا القليل، انتهى مختصرًا.
قلت: وما قال الحافظ: نقل عن بعض الفقهاء. . . إلخ لعله أشار به إلى مذهب أبي العباس بن سريج من الشافعية كما تقدم في "باب إذا رأيتم الهلال فصوموا" تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" من المعاني الثلاثة، فلعل المصنف أراد بهذه الترجمة الرد على المعنى الثالث من تلك المعاني الذي اختاره ابن سريج، وأراد بالباب الآتي الرد على المعنى الثاني الذي اختاره الإمام أحمد، والله أعلم.
(14 - باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. . .) إلخ
قال الحافظ(1): بضم أوله وفتح ثانيه ويجوز فتحهما أي: المكلف، أي: لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط له، فإن صومه مرتبط بالرؤية، فلا حاجة إلى التكلف، واكتفى في الترجمة عن ذلك بتصريح الخبر به، انتهى.
وتقدم في الباب السابق بيان الغرض من هذا الباب.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 128).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩٨)
(15 - باب قول الله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ}. . .) إلخ
والمراد بهذه الترجمة بيان ما كان الحال عليه قبل نزول هذه الآية، ولما كانت هذه الآية منزلة على أسباب تتعلق بالصيام عجل بها المصنف، وقد تعرض لها في "التفسير" أيضًا كما سيأتي، ويؤخذ من حاصل ما استقر عليه الحال من سبب نزولها ابتداء مشروعية السحور، وهو المقصود في هذا المكان؛ لأنه جعل هذه الترجمة مقدمة لأبواب السحور، انتهى من "الفتح"(1).
(16 - باب قول الله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} الآية)
قال الحافظ(2): وهذه الترجمة سيقت لبيان انتهاء الأكل وغيره الذي أبيح بعد أن كان ممنوعًا، انتهى.
فالغرض من الترجمة بيان منتهى السحور بذكر تفسير الآية، وذلك لأنه لما ذكر الآية السابقة المجملة في الباب السابق لتعلقها بأحكام الصيام ناسب ذكر تفسير الآية لكونها مجملة.
(17 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال)
قال العيني(3): ومطابقة حديث الباب للترجمة من حيث إن معناه ومعنى الترجمة واحد، وإن اختلف اللفظ، قال ابن بطال: ولم يصح عند البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الترجمة، فاستخرج معناه من حديث عائشة، وقال صاحب "التلويح": فيه نظر من حيث إن البخاري صح عنده لفظ الترجمة، وذلك أنه ذكر في "باب الأذان قبل الفجر" حديث ابن مسعود عن--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (4/ 129).
(2) المصدر السابق (4/ 132).
(3) "عمدة القاري" (8/ 63).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٤٩٩)
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يمنعن أحدكم - أو أحدًا منكم - أذان بلال من سحوره"، فلو خرَّجه أبو عبد الله في هذا الباب لكان أمثل.
(18 - باب تعجيل السحور)
كتب الشيخ في "اللامع"(1): وفي بعض النسخ "باب تأخير السحور"، والحجة على الأولى تعجيل سهل في سحوره حيث تسحر قبله صلى الله عليه وسلم فلم ينهه عن ذلك، ولما جاز التعجيل ساعة جاز ساعات لعدم المفرق وحصول المقصود وهو التقوي على العبادات في النهار حتى لا يضعفه الصوم، وأما على النسخة الثانية فالحجة تسحره صلى الله عليه وسلم حيث كان تراخيا، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه من كلام الشرَّاح.
قلت: وحاصل ما أفاده الشيخ: أن الترجمة إن كان تعجيل السحور فالغرض بيان جوازه، وهو ثابت بفعل الصحابي، وإن كان الترجمة التأخير فالمقصود بيان استحبابه، وهو ثابت بفعله صلى الله عليه وسلم، وسلك صاحب "الفيض"(2) ههنا مسلكًا آخر إذ قال: معنى التعجيل ههنا السرعة فيه، أي: يفرغ عن سحوره بالعجلة، ولا يطوِّل فيه، وليس مقابلًا للتأخير، فلا يرد أن التأخير مستحب، فإن التعجيل ههنا باعتبار سرعة الأكل، والتأخير هناك بحسب وقت السحور، انتهى.
(19 - باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر)
أي: انتهاء السحور وابتداء الصلاة؛ لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل، والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها، قاله الزين ابن المنيِّر، وقال المهلب وغيره: في الحديث تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك--------------------------------------------
(1) "اللامع" (5/ 341).
(2) "فيض الباري" (3/ 336).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٠٠)
الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة، ولوكانوا يقدرون بغير العمل لقال مثلًا: قدر درجة أو ثلاث خمس ساعة، وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة، وفيه تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود، إلى آخر ما في "الفتح"(1).
قلت: والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الأولى جواز تعجيل السحور لتقريره عليه الصلاة والسلام، وفي هذا استحباب تأخيره وبيان منتهى التأخير، والله أعلم.
(20 - باب بركة السحور من غير إيجاب. . .) إلخ
قال الزين بن المنيِّر: الاستدلال على الحكم إنما يفتقر إليه إذا ثبت الاختلاف أو كان متوقعًا، لكن لما جاء الأمر به احتاج أن يبين أنه ليس على ظاهره من الإيجاب.
قال الحافظ(2): وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور، وقال ابن بطال: في هذه الترجمة غفلة من البخاري؛ لأنه قد أخرج بعد هذا حديث أبي سعيد: "أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر"، فجعل غاية الوصال السحر، وهو وقت السحور، قال: والمفسر يقضي على المجمل.
قال الحافظ: وقد تلقاه جماعة بعده بالتسليم، وتعقبه ابن المنيِّر في الحاشية بأن البخاري لم يترجم على عدم مشروعية السحور، وإنما ترجم على عدم إيجابه، وأخذ من الوصال أن السحور ليس بواجب، وحيث نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال لم يكن على سبيل تحريم الوصال، وإنما هو نهي إرشاد لتعليله إياه بالإشفاق عليهم، وليس في ذلك إيجاب السحور، ولما ثبت أن النهي عن الوصال للكراهة، فضد نهي الكراهة الاستحباب، فثبت استحباب السحور، كذا قال.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 138).
(2) "فتح الباري" (4/ 139).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٠١)
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن البخاري أراد بقوله: "لأن النبي صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ الإشارة إلى حديث أبي هريرة الآتي بعد خمسة وعشرين بابًا، فيه بعد النهي عن الوصال: "أنه واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم"، فدل ذلك على أن السحور ليس بحتم إذ لو كان حتمًا ما واصل بهم؛ فإن الوصال يستلزم ترك السحور، انتهى.
قلت: لكن الوصال المذكور في حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الحافظ إنما كان منه صلى الله عليه وسلم للزجر والتنكيل كما هو مصرح في الروايات، فتأمل.
(21 - باب إذا نوى بالنهار صومًا. . .) إلخ
لم يذكر المصنف الجواب، وذلك لمكان الاختلاف فيه، فعند مالك: لا يجوز مطلقًا لا فرضًا ولا نفلًا، وعند الشافعي وأحمد: يجوز النفل دون الواجب، وعندنا الحنفية: يجوز النفل، وكذا أداء رمضان والنذر المعين، ولا يجوز الواجب الغير المعين كقضاء رمضان والنذر المطلق، كما بسط في "الأوجز"(1)، وظاهر ميل المصنف إلى الجواز مطلقًا؛ لأنه لم يذكر الجواب في الترجمة، وما أورده في الباب من الآثار وغيرها كلها تدل على الجواز مطلقًا، ولا قرينة تدل على التفريق بين النفل والواجب.
(22 - باب الصائم يصبح جنبًا)
قال الحافظ(2): أي: هل يصح صومه أم لا؟ وهل يفرق بين العامد والناسي، أو بين الفرض والتطوع؟ وفي كل ذلك خلاف للسلف، والجمهور على الجواز مطلقًا، فصارت المسألة كالإجماعية بعد ما كانت كثيرة الاختلاف، وذكر العلامة العيني(3) فيها سبعة أقوال كما ذكر في هامش "اللامع"(4).--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (5/ 50 - 56).
(2) "فتح الباري" (4/ 143).
(3) "عمدة القاري" (8/ 82).
(4) "اللامع" (5/ 351).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٠٢)
(23 - باب المباشرة للصائم)
أي: بيان حكمها، وأصل المباشرة التقاء البشرتين، ويستعمل في الجماع أولج أو لم يولج، وليس الجماع مرادًا بهذه الترجمة، وقوله: "يحرم عليه فرجها" وأخرج عبد الرزاق عن مسروق قال: سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع، قوله: "كان يقبّل ويباشر. . ." إلخ، التقبيل أخص من المباشرة، فهو من ذكر العام بعد الخاص.
(24 - باب القبلة للصائم)
أي: بيان حكمها، واختلفت الروايات في مسألة القبلة للصائم، ولذا اختلف العلماء في ذلك سلفًا وخلفًا كما بسط في "الأوجز"(1)، وفيه: قال عياض: منهم من أباحها على الإطلاق، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وداود، ومنهم من كرهها على الإطلاق، وهو قول مالك، ومنهم من كرهها للشاب وأباحها للشيخ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وروي عن مالك، ومنهم من أباحها في النفل ومنعها في الفرض، وهو رواية ابن وهب عن مالك، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"(2).
قلت: هذا فيما إذا قبّل وسلِم، وأما إذا أنزل فيفطر عند الأئمة الأربعة، وإن أمذى يفطر عند مالك وأحمد، ولا يفطر عندنا والشافعي، كذا في "الأوجز"(3).
(25 - باب اغتسال الصائم)
كتب الشيخ في "اللامع"(4): أي: أنه لا يضر بصومه، ودلالة الرواية عليه ظاهرة، ولما لم ينتقض الصوم بغسل الجنابة لم ينتقض بغسله سوى--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (5/ 84 - 85).
(2) "اللامع" (5/ 354 - 355).
(3) "أوجز المسالك" (5/ 87).
(4) "لامع الدراري" (5/ 357 - 362).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٠٣)