قلت: وتعقب على الاحتمال الثاني العلامة العيني(1) وقال: لأن لفظة "كم" موضوعة للعدد والعدد في مدة الخيار لا في تخيير أحد المتبايعين الآخر.
واختلفوا في مدة الخيار، فعند الحنفية والشافعية موقتة بثلاثة أيام، وأنكر مالك التوقيت في ثلاثة أيام بغير زيادة، قال: أمد كل شيء بحسبه، فللدابة مثلًا والثوب يوم أو يومان، وللجارية جمعة، وللدار شهر، وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق: إنه لا أمد لمدة خيار الشرط بل البيع جائز والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترطانه، انتهى ملخصًا من "الفتح"(2).
(43 - باب إذا لم يوقت الخيار. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"(3): أي: هل يجوز البيع؟ أراد بذلك إثبات أن الرواية لما كانت مطلقة عن ذكر المدة فالفصل بين مدة ومدة مما لا يجوز فيكون تأييدًا لمذهب من لم يوقت الأجل، ثم ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه الجواب عنه على مسلك الحنفية.
قال العلامة العيني(4): لم يذكر جواب الاستفهام لما فيه من الخلاف، انتهى.
وقال الحافظ(5): أي: إذا لم يعيّن البائع أو المشتري وقتًا للخيار وأطلقاه "هل يجوز البيع؟ " وكأنه أشار بذلك إلى الخلاف في حد خيار الشرط، ثم ذكر الحافظ اختلاف العلماء في تلك المسألة كما تقدم في الباب السابق، ثم قال: فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقًا، فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرط باطل والبيع جائز، وقال الثوري--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (8/ 383).
(2) "فتح الباري" (4/ 326 - 328).
(3) "لامع الدراري" (6/ 44).
(4) "عمدة القاري" (8/ 384).
(5) "فتح الباري" (4/ 328).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٨٤)
والشافعي وأصحاب الرأي: يبطل البيع أيضًا، وقال أحمد وإسحاق: للذي شرط الخيار أبدًا، انتهى.
ولم يذكر الحافظ مذهب المالكية، وفي "الأوجز"(1): قال الباجي: إذا شرط الخيار ولم يقرر المدة لم يبطل البيع، وحكم في ذلك بمقدار ما تختبر به تلك السلعة في غالب العادة، وقال أبو حنيفة والشافعي: يبطل العقد، انتهى.
وهو الراجح عند أحمد كما قال الموفق(2)، والرواية الثانية عنه ما تقدم في كلام الحافظ، والبسط في "الأوجز".
(44 - باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وبه قال. . .) إلخ
أي: بخيار المجلس، وهو بيِّن من صنيعه الذي مضى قبل باب، انتهى من "الفتح"(3).
وبه قال الجمهور، منهم الشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: يلزم العقد بالإيجاب والقبول، ولم يقولا بخيار المجلس، إلا أنه يبطل عند الشافعي بالتخاير، وعن أحمد: روايتان كما في "المغني"(4) والبسط في "الأوجز"(5).
(45 - باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه بعد البيع)
حاصل الترجمة أن خيار المجلس يبطل بالتخاير، وقد تقدم الخلاف فيه، فهو رد على إحدى الروايتين لأحمد من أنه يبقى الخيار إلى المجلس بعد التخاير أيضًا.
وكتب الشيخ في "اللامع"(6): هذه الترجمة تحتمل محملين:--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (13/ 137).
(2) "المغني" (6/ 43).
(3) "فتح الباري" (4/ 328).
(4) "المغني" (6/ 10).
(5) "أوجز المسالك" (13/ 130).
(6) "لامع الدراري" (6/ 47 - 48).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٨٥)
أحدهما: أن المتبايعين إذا كان لأحدهما خيار الشرط فقد وجب البيع وانعقد السبب وإن تأخر المسبب والحكم إلى ما بعد إسقاط الخيار أو انقضاء الأجل، وهذا إذا أريد بقوله: "أو يخير أحدهما الآخر" شرط الخيار.
وثانيهما: أن يراد بالترجمة أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه في أثناء المبايعة: اختر لنفسك القبول أو الرد فاختير البيع والقبول لا الرد فإن البيع واجب حينئذٍ ويثبت الحكم وهو الملك غير متراخ، وهذا إذا حمل قوله: "أو يخير أحدهما الآخر" على هذا المعنى فمعنى قوله في الرواية: "فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" مختلف باختلاف معنى قوله: "أو يخير"، انتهى. واختار الشرَّاح الاحتمال الثاني من هذين الاحتمالين.
(46 - باب إذا كان البائع بالخيار. . .) إلخ
كأنه أراد الرد على من حصر الخيار في المشتري دون البائع فإن الحديث قد سوى بينهما في ذلك، وقال في موضع آخر: قال الثوري: يختص الخيار بالمشتري ويمتد له إلى عشرة أيام فأكثر، ويقال: إنه انفرد بذلك، انتهى من "الفتح"(1).
(47 - باب إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته)
كتب الشيخ في "اللامع"(2): كأنه قاس على الهبة البيع فكما جازت هبة المشتري قبل قبضه فكذلك البيع، وإنما منعه أبو حنيفة رحمه الله تعالى لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تبع ما ليس عندك" ولورود النهي عن بيع الطعام قبل القبض، وقد قال ابن عباس: "أحسب كل شيء مثله" مع أن العلة وهي كون المبيع مظنة الهلاك يشمل كل شيء إلا العقارات فوجب--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 327 - 434).
(2) "لامع الدراري" (6/ 51 - 53).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٨٦)
تعميم الحكم، ولا يبعد أن يقال - والله أعلم بحقيقة الحال -: إن غرض البخاري رحمه الله منها ليس إثبات جواز الهبة بخصوصها بل المقصود بيان بعض التصرفات الجائزة قبل القبض كالعتق مثلًا والهبة على رأيه والبيع مطلقًا على رأي طاوس كما ذكره رحمه الله، فكان من جزئياته بيع المبيع من البائع ولو قبل قبض البائع الثمن والمشتري المبيع، وإن كان مشروطًا بكونه على الثمن الأول على ما ذكروه في باب الإقالة، وعلى هذا فلا يضرنا أثر ابن عمر رضي الله عنهما على التأويل الذي ذكرنا من حمل الخيار على الاستحباب، والله أعلم، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
قلت: قصة عمر في الإبل الصعب لما كان مخالفًا لمن قال بخيار المجلس أولها المصنف بهذه الترجمة وأشار إلى الجواب بأن سكوت البائع يكفي، وأشكل بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له حق في التصرف لما فيه خيار لغيره، وأجاب عنه الحافظ بأنه واقعة لا نعلم حقيقتها، وأوَّله الشافعية بوجوه أخر ذكره في "الفتح"(1).
والعجب من الإمام البخاري أورد على الأحناف في "كتاب الإكراه" في "باب إذا أكره حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز، وبه قال بعض الناس. . ." إلخ، وحاصله أنه ألزم الحنفية أنهم لا يجوزون بيع المكره وهبته ومع ذلك قالوا: لو نذر المشتري في ذلك الشيء المشترى أو دبره لو كان عبدًا أنه جائز، فأثبت التعارض والتناقض بين قولهم من عدم جواز البيع مع جواز تصرف المشتري فأنا أقول: إنه يرد مثل ذلك ههنا على الإمام البخاري ومن وافقه ممن قالوا بخيار المجلس من أنهم لما أثبتوا خيار المجلس للبائع فكيف جاز عندهم تصرف المشتري في ذلك، فتأمل.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 335).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٨٧)
(48 - باب ما يكره من الخداع في البيع)
قال الحافظ(1): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الخداع في البيع مكروه ولكنه لا يفسخ البيع، إلا إن شرط المشتري الخيار على ما تشعر به القصة المذكورة في الحديث، انتهى.
قلت: لكن الخداع حرام منهي عنه، والمصنف أبطل بيع النجش كما سيأتي لكونه حرامًا ومنهيًا عنه.
قال العيني(2) تحت ذكر ما يستفاد من الحديث: مذهب الحنفية والشافعية على أن الغبن غير لازم فلا خيار للمغبون سواء قل الغبن أو كثر، وهو الأصح من روايتي مالك، وقال البغداديون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة وإن كان دونه فلا، وقيل: السدس، وعن داود: العقد باطل، وعن مالك: إن كانا عارفين بتلك السلعة وسعرها وقت البيع لم يفسخ البيع، كثيرًا كان الغبن أو قليلًا، فإن كان أحدهما غير عارف بذلك فسخ البيع إلا أن يريد أن يمضيه، ولم يحد مالك حدًا، وأثبت هؤلاء خيار الغبن بالحديث المذكور، انتهى.
وقال القسطلاني(3): قوله: "إذا بايعت فقل لا خلابة"، واستدل به أحمد لأنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وحده بعض الحنابلة بثلث القيمة، وقيل بسدسها، وأجاب الشافعية والحنفية والجمهور بأنها واقعة عين وحكاية حال فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد، انتهى. وذكر في "الأوجز"(4) ههنا عدة أبحاث فقهية، فارجع إليه.
(49 - باب ما ذكر في الأسواق)
قال ابن بطال: أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق للأشراف والفضلاء، وكأنه أشار إلى ما لم يثبت على شرطه من أنها شر--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 337).
(2) "عمدة القاري" (8/ 394).
(3) "إرشاد الساري" (5/ 92).
(4) "أوجز المسالك" (13/ 262 - 272).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٨٨)
البقاع، وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حيث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق": وإسناده حسن، قال ابن بطال: وهذا خرج على الغالب وإلا فرُب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد، انتهى(1).
قوله: (دعا رجل بالبقيع) كتب الشيخ في "اللامع"(2): وكانت على قرب منه تجارات من الخيول وغيرها فصح إيراده ههنا وفيه الترجمة، انتهى. وبسط في هامشه الكلام من كلام الشرَّاح وغيره.
(50 - باب كراهية الصخب في السوق)
وفي نسخة الحافظ(3): "السخب" بالسين المهملة، فقال: السخب بفتح المهملة والخاء المعجمة بعدها موحدة، ويقال فيه الصخب بالصاد المهملة بدل السين، وهو رفع الصوت بالخصام، وأورد المصنف فيه حديث عبد الله بن عمرو في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، والغرض منه قوله: "ولا سخّاب في الأسواق"، انتهى.
قلت: والحاصل أنه أخذ الكراهة من نفي كونه صفة له صلى الله عليه وسلم، وهو مشكل لأن كثيرًا من المباحات ليست من صفته عليه الصلاة والسلام، اللَّهم إلا أن يقال: إنه ذكر في مقام المدح فمقتضاه أن مقابله مما يذم ويكره.
قوله: ({يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ. . .}) إلخ، قال العلامة السندي(4): لعله يكون حكاية عما أنزل الله تعالى عليه في القرآن أو غيره إذ لا يمكن الخطاب معه صلى الله عليه وسلم في التوراة حين أنزلت التوراة، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 339).
(2) "لامع الدراري" (6/ 56 - 57).
(3) "فتح الباري" (4/ 343).
(4) "حاشية السندي على صحيح البخاري" (2/ 14).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٨٩)
(51 - باب الكيل على البائع والمعطي)
قال الحافظ(1): أي مؤنة الكيل على المعطي بائعًا كان أو مُوَفِّي دين أو غير ذلك، ويلتحق بالكيل في ذلك الوزن فيما يوزن من السلع وهو قول فقهاء الأمصار، وكذلك مؤنة وزن الثمن على المشتري إلا نقد الثمن فهو على البائع على الأصح عند الشافعية، انتهى.
قال العيني(2): قال الفقهاء: إن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات على البائع، ومن عليه الوزن والكيل فعليه أجرة ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، انتهى.
وفي "الهداية": وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع، أما الكيل فلا بد منه للتسليم وهو على البائع، ومعنى هذا إذا بيع مكايلة، وكذا أجرة الوزان والزراع والعداد، وأما النقد فالمذكور رواية ابن رستم عن محمد، وفي رواية ابن سماعة عنه: على المشتري، انتهى.
وقال الموفق: أجرة الكيال والوزان على البائع، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع"(3).
وكتب الشيخ في "اللامع"(4) تحت الباب: ودلالة الرواية عليه ظاهرة أما في الأولى فقد كتبه المحشي، وأما في الثانية ففي قوله عليه الصلاة والسلام لجابر: "كِلْ للقوم" وكان هو المعطي، ولما كان في الترجمة ذكر الكيل ناسب أن يذكر الآية التي ذكر فيها الكيل فقال: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} [المطففين: 3] مع أن فيه دلالة على أن الكيل والوزن إنما هو على البائع والمعطي، ولا يتوهم أن أول الآية وهو قوله تعالى: {إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} [المطففين: 2] يدل على أن الكيل قد يكون من المشتري والآخذ أيضًا؛ لأن معنى قوله: {اكْتَالُوا} هو الأخذ والاستيفاء لا الكيل، ولو سلم--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 344).
(2) "عمدة القاري" (8/ 409).
(3) "اللامع" (6/ 58 - 59).
(4) "لامع الدراري" (6/ 59 - 61).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩٠)
فالمعنى إذا كال لهم البائع لا يستسلمون كيله فنسب الكيل إليهم لأنهم المتصرفون فيه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "اكتالوا حتى تستوفوا" أورده ههنا لدلالته على ما دلت عليه الآية من أن الاكتيال يستعمل لما يجعله المرء لنفسه، انتهى. وبسط الكلام عليه في هامشه.
(52 - باب ما يستحب من الكيل)
قال الحافظ(1): أي: في المبايعات، انتهى.
قلت: هذا ليس بوجيه بل الأوجه عندي أن المراد منه الكيل في الإنفاق على الأهل والعيال كما يدل عليه حديث الباب، وذكره المصنف ههنا تبعًا واستطرادًا.
قال الحافظ(2): قال ابن بطال(3): الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله، ومعنى الحديث أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم، مع ما وضع الله من البركة في مد أهل المدينة بدعوته صلى الله عليه وسلم، وقال ابن الجوزي(4): يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه عند الكيل، انتهى.
ويشكل على الحديث ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا توكي فيوكي الله عليك"(5)، وأشكل منه ما روي عن عائشة "كان عندي شطر شعير فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني"(6)، وجمع الشرَّاح بينهما بوجوه.
(53 - باب بركة صاع النبي صلى الله عليه وسلم -)
إيراد المصنف هذه الترجمة عقب التي عقب التي قبلها يشعر بأن البركة المذكورة في حديث المقدام مقيدة بما إذا وقع الكيل بمد النبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 345).
(2) "فتح الباري" (4/ 346).
(3) (6/ 255).
(4) "كشف المشكل" (4/ 174).
(5) أخرجه البخاري (ح: 1433)، وأبو داود (ح: 1699).
(6) أخرجه البخاري (ح: 6451، 3097)، ومسلم (ح: 2973).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩١)
وصاعه، ويحتمل أن يتعدى ذلك إلى ما كان موافقًا لهما لا إلى ما يخالفهما، انتهى من "الفتح"(1).
قال القسطلاني(2): قوله: "يعني أهل المدينة" وهل يختص بالمد المخصوص أو بكل مد تعارفه أهل المدينة زاد أو نقص، وهو الظاهر لأنه أضافه إلى المدينة تارة وإلى أهلها أخرى، ولم يضفه عليه الصلاة والسلام إلى نفسه الزكية فدل على عموم الدعوة لا على خصوصها بمده عليه الصلاة والسلام، وقال أيضًا تحت قوله: "اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم": وقد استجاب الله دعاء رسوله وكثر ما يكتال بهذا الكيل حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، ولقد شاهدت من ذلك ما يعجز عنه الوصف، وهو علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن يتخذ ذلك المكيال رجاء بركة دعوته عليه الصلاة والسلام والاستنان بأهل البلد الذين دعا لهم عليه الصلاة والسلام، انتهى.
(54 - باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة)
قال القسطلاني(3): أي: ما يذكر في بيع الطعام قبل قبضه وما يذكر في الحكرة، انتهى.
قال الحافظ: الحكرة بضم المهملة وسكون الكاف: حبس السلع عن البيع، وليس في حديث الباب للحكرة ذكر، وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه، فلو كان الاحتكار حرامًا لم يأمر بما يؤول إليه، وكأنه لم يثبت عنده حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا "لا يحتكر إلا خاطئ" أخرجه مسلم، لكن مجرد إيواء الطعام إلى الرحال لا يستلزم الاحتكار الشرعي؛ لأن الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 347).
(2) "إرشاد الساري" (5/ 106 - 107).
(3) "إرشاد الساري" (5/ 107).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩٢)
ويحتمل أن يكون البخاري أراد بالترجمة بيان تعريف الحكرة التي نهي عنها في غير هذا الحديث، وأن المراد بها قدر زائد على ما يفسره أهل اللغة، فساق الأحاديث التي فيها تمكين الناس من شراء الطعام ونقله، ولو كان الاحتكار ممنوعًا لمنعوا من نقله، أو لبيَّن لهم عند نقله الأمد الذي ينتهون إليه، أو لأخذ على أيديهم من شراء الشيء الكثير الذي هو مظنة الاحتكار، وكل ذلك مشعر بأن الاحتكار إنما يمنع في حالة مخصوصة بشروط مخصوصة، انتهى من "الفتح"(1).
وفي "تراجم(2) شيخ المشايخ": إن قلت: ليس في أحاديث الباب ذكر الحكرة، قلت: أراد أن بيع الطعام لا بأس به إلا من علة خارجية كعدم القبض ونحوه، كأنه يقول: ما يذكر في بيع الطعام وما يمنعه من الحكرة ونحوها، انتهى.
قلت: واختلفوا فيما يكره فيه الاحتكار، قال النووي(3): قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحلال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا جاءه من قرية، أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، وهذا تفصيل مذهبنا.
وقال ابن العربي(4): قال مالك: الاحتكار في كل شيء إذا أضرّ بالناس، إلا الفواكه، وأما عند الحنابلة فما في "المغني"(5): قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أي شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 348).
(2) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 389).
(3) "شرح النووي على صحيح مسلم" (6/ 49).
(4) "عارضة الأحوذي" (6/ 22).
(5) "المغني" (6/ 317).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩٣)
وفي "الدر المختار"(1): كره احتكار قوت البشر كتينٍ وعنب ولوز، والبهائم كتِبنٍ وقتٍّ(2) في بلدٍ يضر بأهله، فإن لم يضر لم يكره، قال ابن عابدين: قوله: قوت البشر، قول أبي حنيفة ومحمد وعليه الفتوى، وعن أبي يوسف: كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار، وعن محمد: الاحتكار في الثياب، وقوله: كتين وعنب، أي: مما يقوم به بدنهم من الرزق، ولو دخنًا لا عسلًا وسمنًا، وقوله: في بلد يضر بأهله، بأن كان البلد صغيرًا، وقوله: لا يكون محتكرًا بحبس غلة أرضه؛ لأنه خالص حقه لم يتعلق به حق العامة، ألا ترى أن له أن لا يزرع، فكذا له أن لا يبيع، انتهى.
وفي "البدائع"(3): والكلام في الاحتكار في موضعين، أحدهما: في تفسير الاحتكار وما يصير به الشخص محتكرًا، والثاني: في بيان حكمه، أما الأول فهو أن يشتري طعامًا في مصر ويمتنع عن بيعه وذلك يضر بالناس، وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر وذلك المصر صغير وهذا يضر به يكون محتكرًا، وإن كان مصرًا كبيرًا لا يضر به لا يكون محتكرًا، ولو جلب إلى مصر طعامًا من مكان بعيد وحبسه لا يكون احتكارًا، وعن أبي يوسف: أنه يكون احتكارًا، إلى أن قال: والاحتكار يجري في كل ما يضر بالعامة عند أبي يوسف قوتًا كان أو لا، وعند محمد لا يجري الاحتكار إلا في قوت الناس وعلف الدواب من الحنطة والشعير والتين والقت، إلى آخر ما بسط في الدلائل.
ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث، والرابع حديث عمر، ومطابقته للترجمة لما فيه من اشتراط قبض الشعير من الربويات في المجلس--------------------------------------------
(1) "رد المحتار" (9/ 656).
(2) "قت" بالقاف والتاء المثناة من فوق: الفصفصة - بكسر الفائين - وهي الرطبة من علف الدواب، "أوجز المسالك" (13/ 8)، و"مجمع بحار الأنوار" (4/ 205).
(3) "بدائع الصنائع" (4/ 308 - 309).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩٤)
فإنه داخل في قبض الطعام بغير شرط آخر، وقد استشعر ابن بطال(1) مباينته للترجمة فأدخله في ترجمة "باب بيع ما ليس عندك" وهو مغاير للنسخ المروية عن البخاري، انتهى من "الفتح"(2).
وقال العلامة العيني(3): مطابقته للترجمة من حيث إن فيه اشتراط القبض للربويات، وفي الترجمة ما يشعر باشتراط القبض للطعام، وزعم ابن بطال أنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة، انتهى.
ولا إشكال عندي لما قال الحافظ والعيني، وأما مطابقة بقية الأحاديث فظاهرة.
(55 - باب بيع الطعام قبل أن يقبض. . .) إلخ
قال الحافظ(4): لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك وكأنه لم يثبت على شرطه فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى، وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ "قلت: يا رسول الله! يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال: "لا تبع ما ليس عندك"(5)، انتهى.
وفي "البذل"(6): قال الخطابي(7): أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الطعام قبل القبض، وقال مالك: يجوز غيره، قال الحنفية: يجوز بيع العقار، وقال الشافعي: كل شيء مثل الطعام لا يجوز شيء منه، وقال أحمد: لا يجوز المكيل والموزون، ويجوز غيرهما، انتهى. وهكذا ذكر--------------------------------------------
(1) (6/ 260).
(2) "فتح الباري" (4/ 348).
(3) "عمدة القاري" (8/ 418).
(4) "فتح الباري" (4/ 349).
(5) "سنن أبي داود" (ح: 3503)، و"سنن الترمذي" (ح: 1232)، و"سنن النسائي" (ح: 4627)، و"سنن ابن ماجه" (ح: 2187).
(6) "بذل المجهود" (11/ 211).
(7) "معالم السنن" (3/ 135).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩٥)
العلامة القسطلاني(1).
وفي "الفيض"(2): واعلم أن الاختلاف المذكور إنما هو في البيع خاصةً، لا في سائر التصرفات؛ لأنهم جوّزوا الهبة والتصدق قبل القبض، كما في "النهاية" و"البحر" عن محمد، ولذا ترى أرباب المتون لم يضعوا المسألة إلا في البيع، ففي "الهداية": من اشترى شيئًا مما ينقل ويحول، لم يجز له بيعه، حتى يقبضه، ويجوز بيع العقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز، انتهى.
(56 - باب من رأى إذا اشترى طعامًا جزافًا. . .) إلخ
قال الحافظ(3): أي: تعزير من يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله، ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك، وهو ظاهر فيما ترجم له، وبه قال الجمهور، لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيَّدوه بالإيواء إلى الرحال، أما الأولى فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فدخل فيه المكيل، وأما الثاني فلان الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب، وفرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه وبه قال الأوزاعي وإسحاق، واحتج لهم بأن الجزاف مرئي فتكفي فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون. وفي الحديث: مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة، وإقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك، والله أعلم، انتهى مختصرًا.
قلت: وغرض الترجمة عندي رد على المالكية فإنهم فرقوا بين الجزاف والمكيل بخلاف الجمهور.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (5/ 111).
(2) "فيض الباري" (3/ 440).
(3) "فتح الباري" (4/ 350 - 351).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩٦)
(57 - باب إذا اشترى متاعًا أو دابةً. . .) إلخ
قال العلامة العيني(1): ولم يذكر الجواب لمكان الاختلاف، ولكن تصدير الترجمة بأثر ابن عمر يدل على أن اختياره ما ذهب إليه ابن عمر، وهو أن الهالك في الصورة المذكورة من مال المبتاع، وقال ابن بطال: اختلف العلماء في هلاك المبيع قبل القبض، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن ضمانه إن تلف من البائع، وقال أحمد وإسحاق: من المشتري، وأما مالك ففرق بين الثياب والحيوان، فقال: ما كان من الثياب والطعام فهلك قبل القبض فضمانه من البائع، وأما الدواب والحيوان والعقار فمصيبته من المشتري، انتهى.
قلت: وما حكى ابن بطال من مذهب الحنابلة هو الصحيح، كما في كتب فروعهم من "نيل المآرب"(2) وغيره، وما حكى القسطلاني من موافقتهم لمذهب الحنفية والشافعية ليس بصحيح.
ثم أورد المصنف حديث عائشة في قصة الهجرة، قال العيني(3): مطابقته للترجمة من حيث إن لها جزئين: أما دلالته على الجزء الأول فظاهرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما أخذ الناقة من أبي بكر بقوله: "قد أخذتها بالثمن" الذي هو كناية عن البيع، تركه عند أبي بكر، فهذا يطابق قوله: فتركه عند البائع، وأما دلالته على الجزء الثاني - وهو قوله: أو مات قبل أن يقبض - فبطريق الإعلام أن حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عند البائع قياسًا عليه، انتهى.
قال الحافظ(4): قال ابن المنيِّر: مطابقة الحديث بالترجمة من جهة أن البخاري أراد أن يحقق انتقال الضمان في الدابة ونحوها إلى المشتري بنفس العقد، فاستدل لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "قد أخذتها بالثمن" وقد علم أنه لم يقبضها--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (8/ 424).
(2) "نيل المآرب" (1/ 350).
(3) "عمدة القاري" (8/ 425).
(4) "فتح الباري" (4/ 351 - 352).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩٧)
بل أبقاها عند أبي بكر، ومن المعلوم أنه ما كان ليبقيها في ضمان أبي بكر لما يقتضيه مكارم أخلاقه حتى يكون الملك له والضمان على أبي بكر من غير قبض ثمن.
قال الحافظ: ولقد تعسف في هذا، وليس في الترجمة ما يلجئ إلى ذلك، فإن دلالة الحديث على قوله: "فوضعه عند البائع" ظاهرة جدًا، وأما دلالته على قوله: "أو مات قبل أن يقبض" فهو وارد على سبيل الاستفهام، ولم يجزم بالحكم في ذلك بل هو على الاحتمال فلا حاجة لتحميله ما لم يتحمل، نعم ذكره لأثر ابن عمر في صدر الترجمة مشعر باختيار ما دلَّ عليه فلذلك احتيج إلى إبداء المناسبة، والله الموفق، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن لفظ الترجمة في النسخ الهندية(1) بلفظ "فوضعه عند البائع فباع أو مات" إلخ، ولا يوجد لفظ "فباع" في النسخ المصرية، ولا في الشروح الخمسة: "الكرماني"(2) "الفتح"(3) و"العيني"(4) و"القسطلاني"(5) و"السندي"(6)، وكتب المحشي على هامش الهندية(7): قوله: "فباع أو مات" هكذا في النسخ الموجودة، وأما المنقول عنه ففيه: "ضاع أو مات" مكان قوله: "فباع أو مات"، أما في "العيني" فلا يوجد فيه كلمة "فباع" ولا "ضاع" أصلًا بل لفظه "فوضعه عند البائع أو مات"، وكذا في "الفتح"، انتهى.
قلت: وقد تعرض له في تقرير مولانا محمد حسن المكي كما في هامش "اللامع"(8) فارجع إليه لو شئت، وفي "الفيض"(9): وفي نسخة أخرى: "فضاع" بدل "فباع" وهو الظاهر؛ لأن ترجمة البيع قبل القبض مرّت--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري" (1/ 287).
(2) "الكرماني" (10/ 24).
(3) "فتح الباري" (4/ 351).
(4) "عمدة القاري" (8/ 424).
(5) "إرشاد الساري" (5/ 113).
(6) "حاشية السندي على صحيح البخاري" (2/ 16).
(7) (4/ 577).
(8) "لامع الدراري" (6/ 64).
(9) "فيض الباري" (3/ 441 - 442).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩٨)
آنفًا، وإنما أراد في تلك الترجمة التنبيه على حكم ضياع المبيع قبل القبض، وحاصل الترجمة على ما فهمه الشارحون: أن المبيع إن هلك قبل القبض، هل يهلك من مال البائع أو المشتري؟ فالجمهور إلى أنه لو هلك قبل قبض المشتري هلك من مال البائع، وبعده من مال المشتري، قوله: "أو مات" أي: فإن مات المشتري قبل القبض، فعلى ورثته أن يقبضوه، وإن مات البائع فعلى أوليائه التسليم.
قلت: وعندي أن المصنف لم يتعرض إلى تلك المسألة بل إلى مسألة أخرى، وهي أن المشتري إذا اشترى المبيع، ثم وضعه عند البائع، فهل يجوز له أن يبيعه وهو عند البائع؟ والذي يظهر من تراجمه أنه يصح؛ لأن النقل ليس بشرط عنده، كما مرَّ، فصح لفظ: "فباع" على ما في أكثر النسخ، أما ما ذهب إليه أكثر الشارحين، فلا يصح إلا على نسخة: "فضاع".
ثم قوله: "أو مات" المراد منه موت أحد المتعاقدين دون المبيع؛ لأنه لا يقال فيه: مات، بل هلك، فتبين أنه لا تعلق لترجمته بما ذهب إليه الشارحون، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ترجمة الإمام البخاري تمت إلى قوله: "فوضعه عند البائع" والمقصود جواز ترك المبيع عند البائع، وهذا المعنى واضح من حديث عائشة، وأما قوله: "فباع أو مات" إلخ، فليس بجزء للترجمة، بل فرع على الترجمة مسألة مستأنفة لمكان اختلاف العلماء في ذلك، وبين مختاره في تلك المسألة بأثر ابن عمر، فلا حاجة إلى إثبات هذه المسألة من الحديث، وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع"(1).--------------------------------------------
(1) "اللامع" (6/ 64 - 68).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٥٩٩)
(58 - باب لا يبيع على بيع أخيه. . .) إلخ
قال الحافظ(1): أورد فيه حديثي ابن عمر وأبي هريرة في ذلك، وأشار بالتقييد إلى ما ورد في بعض طرقه عند مسلم بلفظ "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له" وترجم أيضًا بالسوم ولم يقع له ذكر في حديثي الباب، وكأنه أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه أيضًا، وهو ما أخرجه في "الشروط"(2) من حديث أبي هريرة بلفظ "وأن يستام الرجل على سوم أخيه"، انتهى.
قلت: أو القيد في الترجمة شرح للحديث، وكذا المراد بالسوم شرح معنى الحديث فإنهم اختلفوا في معنى البيع الواقع في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: في معناه المعروف، أو الشراء، كما قاله ابن حبيب، أو السوم، كما قاله الإمام مالك، وهذا أحد الأبحاث الأربعة في هذا الحديث كما بسط في "الأوجز"(3) وأجمل في هامش "اللامع"(4).
(59 - باب بيع المزايدة)
أراد الإمام البخاري في هذه الترجمة استثناء بيع المزايدة وأنه لا يدخل في النهي عن البيع على بيع أخيه.
قال الحافظ(5): لما تقدم في الباب قبله النهي عن السوم أراد أن يبيِّن موضع التحريم منه، وقد أوضحته في الباب الذي قبله - وأشار بذلك إلى ما قال قبل ذلك - ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك صريحًا فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهر ففيه وجهان للشافعية.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (4/ 353).
(2) (ح 2727).
(3) "أوجز المسالك" (13/ 219 - 221).
(4) "اللامع" (6/ 70).
(5) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 390).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٦٠٠)
ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك وقال: إن لفظ الحديث لا يدل عليه، وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقًا كما نقله ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك.
ثم قال: وورد في البيع فيمن يزيد حديث أنس "أنه صلى الله عليه وسلم باع حلسًا وقدحًا" الحديث، أخرجه أحمد وأصحاب السنن مطولًا ومختصرًا، وكأن المصنف أشار بالترجمة إلى تضعيف ما أخرجه البزار من النهي عن بيع المزايدة، فإن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.
ثم أورد المصنف حديث جابر في بيع المدبر، واعترضه الإسماعيلي فقال: ليس فيه بيع المزايدة، وأجاب ابن بطال بأن شاهد الترجمة قوله في الحديث: "من يشتريه مني" قال: فعرضه للزيادة ليستقضي فيه للمفلس الذي باعه عليه، انتهى مختصرًا.
وأجاب شيخ مشايخنا الدهلوي في "تراجمه"(1) عن تعقب الإسماعيلي: بأنه استدل البخاري على جواز المزايدة بهذا الحديث اقتضاء كأنه يقول: كان الذي دبره مفلسًا محتاجًا وبيع المفاليس لا يكون إلا بالمزايدة، وأيضًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أنه لا يهتدي لأمره تولى البيع من قبله كما يتولى الولي عقود الصبي، فلو زاد أحد من أحد كانت الغبطة ظاهرة فلم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا البيع، انتهى.
(60 - باب النجش. . .) إلخ
بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة، قاله الحافظ(2).
وحكى العيني(3) عن "المغرب" بفتحتين، ويروى بسكون الجيم، انتهى.--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 390).
(2) "فتح الباري" (4/ 355).
(3) "عمدة القاري" (8/ 428).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٦٠١)
قال الحافظ: وهو في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد، وفي الشرع الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك كما سيأتي عن الصحابي في ذلك الباب.
قال ابن بطال(1): أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسًا على المصراة، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية، انتهى من "الفتح"(2).
وفي "الفيض"(3): وهذا البيع لا يجوز عند المصنف أصلًا، لورود النهي عنه.
قلت: النهي لا يستلزم البطلان دائمًا، فإنا نرى من عهد الصحابة إلى زمن الأئمة أن النهي إذا ورد في محل، يحمله بعضهم على الكراهة، وبعضهم على البطلان فلا كلية فيه، ففي محل كذا، وفي محل كذا، والإمام البخاري يحمله على البطلان في أكثر المواضع، وقلّ موضعٌ يكون النهي ورد فيه ثم حمله المصنف على الجواز، بل يعترض على الحنفية بحملهم النهي على الصحة.
قوله: (وهو خداع باطل. . .) إلخ، أراد المصنف من نقل تلك--------------------------------------------
(1) (6/ 270).
(2) "فتح الباري" (4/ 355).
(3) "فيض الباري" (3/ 445).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٦٠٢)
الجزئيات: أن البيع لا يجوز، قلنا: سلّمنا عدم الحل أيضًا، ولكن الكلام في نفاذه لو اقتحمه أحد، انتهى.
(61 - باب بيع الغرر وحبل الحبلة)
بفتح المهملة والموحدة فيهما، وقيل: هو بسكون الموحدة في الأول وهو من عطف الخاص على العام، ولشهرته في الجاهلية أفرد بالتنصيص عليه.
قال القسطلاني(1): قال الحافظ(2): ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحًا وكأنه أشار إلى ما أخرجه أحمد عن ابن عمر قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر"، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، انتهى.
وزاد القسطلاني(3): لكنه لما كان حديث الباب في النهي عن بيع حبل الحبلة - وهو نوع من أنواع بيع الغرر - ذكر الغرر الذي هو عام، ثم عطف عليه حبل الحبلة من عطف الخاص على العام كما مرّ، لينبه على أن أنواع الغرر كثيرة وإن لم يذكر منها إلا حبل الحبلة من باب التنبيه بنوع مخصوص معلول بعلة على كل نوع توجد فيه تلك العلة، انتهى.
قلت: والظاهر أن بيع الغرر هذا باب، والتراجم الآتية فيما بعد فصول وأمثلة له، قال النووي(4): النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدًا، انتهى.
واختلفوا في معنى بيع حبل الحبلة على أربعة أقوال شهيرة، كما في الشروح و"الكوكب الدري"(5) وهامشه.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (5/ 121 - 122).
(2) "فتح الباري" (4/ 357).
(3) "إرشاد الساري" (5/ 123).
(4) "صحيح مسلم بشرح النووي" (5/ 416).
(5) "الكوكب الدري" (2/ 288).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٦٠٣)