رحمة"، فأراد البخاري معارضته بأثر عمر وابن الزبير، وصفوان ونافع وهم من الصحابة، وقوّى ذلك بقصة ثمامة وقد ربط في مسجد المدينة وهي أيضًا حرم فلم يمنع ذلك من الربط فيه، انتهى.
فائدة: قال ابن الهمام(1): لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه سجن، إنما كان يحبس في المسجد أو الدهليز حتى اشترى عمر رضي الله عنه دارًا بمكة بأربعة آلاف درهم واتخذه محبسًا، وقيل: بل لم يكن في عهد عمر ولا عثمان رضي الله عنهما أيضًا إلى زمن علي فبناه، [وهو] أول سجن بني في الإسلام.
قال في "الفائق"(2): إن عليًّا رضي الله عنه بنى سجنًا من قصب فسماه نافعًا(3)، فنقبه اللصوص، وتسيب الناس منه، ثم بنى سجنًا من مدر فسماه مخيسًا، والمخيس: موضع التخييس، وهو التذليل، انتهى، كذا في هامش "اللامع"(4).
(9 - باب في الملازمة)
ذكر فيه حديث كعب بن مالك أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد دين، وقد تقدم الكلام عليه في أبواب المساجد في باب التقاضي والملازمة في المسجد.
(10 - باب التقاضي)
أي: المطالبة بالدين، ولا يشكل عليك التكرار بما تقدم في أبواب المساجد من باب التقاضي والملازمة، كما تقدم هناك، ثم البراعة عندي وكذا عند الحافظ في قوله: "فدعني حتى أموت".--------------------------------------------
(1) "فتح القدير" (7/ 277، 278).
(2) "الفائق في غريب الحديث" (1/ 350).
(3) وفي "الفائق" (1/ 350): "مانعًا"، وهو تحريف.
(4) "اللامع" (6/ 308، 309).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٦)
45 - كتاب اللقطة
قال الحافظ(1): اللقطة: الشيء الذي يلتقط، وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض(2): لا يجوز غيره، وقال الزمخشري في "الفائق"(3): اللُّقطة بفتح القاف، والعامة تسكنها، كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، قال الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، انتهى.
وقال القسطلاني(4): هي اللغة الشيء الملقوط، وشرعًا ما وجد من حق ضائع محترم غير محرز ولا ممتنع بقوته ولا يعرف الواجد مستحقه، وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية من حيث إن الملتقط أمين فيما التقطه، والشرع ولّاه حفظه، انتهى.
ثم إنهم اختلفوا في حكم الالتقاط وبوَّب له المصنف فيما سيأتي بـ "باب هل يأخذ اللقطة" قال الموفق(5): قال إمامنا: الأفضل ترك الالتقاط، وروي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما، واختار أبو الخطاب إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها، فالأفضل أخذها، وهذا قول الشافعي، وحكي عنه قول آخر: إنه يجب أخذها، لقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]. وممن رأى أخذها ابن المسيب وأبو حنيفة، وقال مالك: إن كان شيئًا له بال يأخذها أحب إليّ، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"(6)،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (5/ 78).
(2) "مشارق الأنوار" (1/ 454).
(3) "الفائق" (1/ 338).
(4) "إرشاد الساري" (5/ 473).
(5) "المغني" (8/ 291).
(6) "أوجز المسالك" (14/ 219).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧)
وفيه عن الدردير(1): وجب أخذه لخوف خائن، لو تركه مع علمه أمانة نفسه، لا إن علم خيانته فيحرم أخذه.
وفي "الدر المختار"(2): ندب رفعها لصاحبها إن أمن على نفسه تعريفها وإلا فالترك أولى، ووجب عند خوف ضياعها، انتهى.
(1 - باب إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(3): وذكر العلامة وإن لم يكن مذكورًا في تلك الرواية، إلا أنه معلوم بملاحظة الرواية الأخرى، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: لم يقع في سياق الحديث ما ترجم به صريحًا فكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من رواية مسلم فإنه روى هذا الحديث مطولًا بطرق متعددة، وفي بعضها قال: "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه"، انتهى مختصرًا.
قلت: وما أورد أبو داود على هذه الزيادة أنها غير محفوظة رد عليه الحافظان ابن حجر والعيني، ومسألة الباب خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" فذهب مالك وأحمد إلى أنها تدفع لمن عرف العفاص والوكاء، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن تدفع إليه ولا يجبر على ذلك إلا ببينة. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"(4)، انتهى من هامش "اللامع"(5).
(2 - باب ضالة الإبل)
قال الحافظ(6): أي هل تلتقط أم لا؟ الضائع والضال في الحيوان كاللقطة في غيره، والجمهور على القول بظاهره في أنها لا تلتقط، وقال--------------------------------------------
(1) "الشرح الكبير" (4/ 119).
(2) "الدر المختار" (4/ 465).
(3) "لامع الدراري" (6/ 311).
(4) "أوجز المسالك" (14/ 218، 228).
(5) "اللامع" (6/ 311).
(6) "فتح الباري" (5/ 80).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨)
الحنفية: الأولى أن تلتقط، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشافعية، وكذا إذا وجدت بقرية فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضًا، انتهى.
وقال العيني(1): في التقاط الإبل عند المالكية ثلاثة أقوال، وعند الشافعية يجوز للحفظ فقط، انتهى.
وقال الموفق(2): كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له سواء كان لكبر جثته؛ كالإبل، والخيل، والبقر، أو لطيرانه كالطيور، أو لسرعته كالظباء والصيود، أو بنابه؛ كالكلاب والفهود، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك في ضالة الإبل: من وجدها في القرى عرّفها، ومن وجدها في الصحراء لا يقربها، ورواه المزني عن الشافعي، وقال أبو حنيفة: يباح التقاطها، انتهى مختصرًا.
وأما حديث الباب فقال ابن الهمام(3): أجاب عنه في "المبسوط" بأن ذلك كان إذ ذاك لغلبة أهل الصلاح والأمانة، لا تصل إليها يد خائنة، فإذا تركها وجدها، وأما في زماننا، فلا يأمن وصول يد خائنة إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها، فهو أولى. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"(4).
وفي "البذل"(5) عن "البدائع"(6): "ولنا ما روي أن رجلًا وجد بعيرًا بالحرة(7)، فعرّفه، ثم ذكره لسيدنا عمر رضي الله عنه، فأمره أن يعرّفه، فقال الرجل لسيدنا عمر: قد شغلني عن ضيعتي، فقال سيدنا عمر: أرسله حيث وجدته"(8).--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (9/ 163).
(2) "المغني" (8/ 343).
(3) انظر: "فتح القدير" (5/ 254).
(4) "أوجز المسالك" (14/ 240، 242).
(5) "بذل المجهود" (6/ 586).
(6) "بدائع الصنائع" (5/ 296).
(7) الحرة: الأرض ذات الحجارة السوداء، والمقصود هنا: حرة المدينة. انظر: "بذل المجهود" (6/ 586)، و"القاموس" (ص 349).
(8) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (ح: 18608، 18609).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٩)
وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبًا منه، ألا ترى أنه قال عليه الصلاة والسلام: "حتى يلقاها ربها"، وإنما يقال ذلك إذا كان قريبًا، أو كان رجاء اللقاء ثابتًا، ونحن به نقول، ولا كلام فيه. . .، إلى آخر ما بسط.
(3 - باب ضالّة الغنم)
كأنه أفردها بترجمة ليشير إلى افتراق حكمها عن الإبل، وقد انفرد مالك بتجويز أخذ الشاة وعدم تعريفها متمسكًا بقوله: "هي لك"، وأجيب بأن اللام ليست للتمليك، كما أنه قال أو للذئب والذئب لا يملك باتفاق، وقد أجمعوا على أن مالكها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لأخذها منه، انتهى من "الفتح"(1).
وقال العيني(2): وبه تمسك مالك رحمه الله في أنه يأخذها ويملكها بالأخذ ولو جاء صاحبها؛ لأنه صار حكمه حكم الذئب فلا غرامة، وردّ عليه بأن اللام ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يأكلها الملتقط بالضمان. . .، إلى آخر ما في "الأوجز"(3).
(4 - باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها)
أي: غنيًا كان أو فقيرًا، واستدل بحديث الباب على أن اللاقط يملكها بعد انقضاء مدة التعريف، وهو ظاهر نص الشافعي، انتهى من "الفتح"(4)، زاد القسطلاني(5): وخصها الحنفية بالفقير دون الغني؛ لأن تناول مال الغير بغير إذنه غير جائز بلا ضرورة بإطلاق النصوص، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (5/ 83).
(2) "عمدة القاري" (9/ 163).
(3) "أوجز المسالك" (14/ 233).
(4) "فتح الباري" (5/ 84).
(5) "إرشاد الساري" (5/ 481).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٠)
قال الموفق(1): إذا عرّف اللقطة حولًا فلم تعرف، ملكها ملتقطها، وصارت من ماله، غنيًا كان الملتقط أو فقيرًا، وبه قال الشافعي وإسحاق، وقال مالك وأصحاب الرأي والثوري: يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها خيّره بين الأجر والغرم، قالوا: وليس له أن يتملكها إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك، إن كان فقيرًا من غير ذوي القربى، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"(2).
وها هنا مسألة أخرى ذكرها الحافظ ها هنا وترجم عليها البخاري فيما سيأتي من "باب إذا جاء صاحبها اللقطة بعد سنة. . ." إلخ، وهي ما قال الحافظ(3): واختلف العلماء في ما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة، ثم جاء صاحبها هل يضمنها أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاري وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة. ومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية: "ولتكن وديعة عندك. . ."، إلى آخر ما بسط في دلائل مسلك الجمهور، ثم قال: وإذا تقرر هذا أمكن حمل قول المصنف في الترجمة: "فهي لمن وجدها" أي: في إباحة التصرف فيها حينئذ، وأما أمر ضمانها بعد ذلك فهو ساكت عنه، انتهى.
قلت: وما أفاده الحافظ رحمه الله أخيرًا فهو وجهه، فعلى هذا لا تنافي بين هذه الترجمة وبين ما ستأتي من "باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه؛ لأنها وديعة عنده"، فافهم.
(5 - باب إذا وجد خشبة في البحر. . .) إلخ
قال الحافظ(4): أي: ماذا يصنع به، هل يأخذه أو يتركه؟ وإذا أخذه هل يتملكه أو يكون سبيله سبيل اللقطة؟ وقد اختلف العلماء فيه، انتهى.--------------------------------------------
(1) "المغني" (8/ 299).
(2) "أوجز المسالك" (14/ 228).
(3) "فتح الباري" (5/ 84، 85).
(4) "فتح الباري" (5/ 85).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤١)
وفي "الفيض"(1): والتعريف في مثل هذه الأشياء اليسيرة يكون بقدر ما يرى، فيعرفها أيامًا معدودة، انتهى.
قال العلَّامة العيني(2): روى ابن عبد الحكم عن مالك: إذا ألقى البحر خشبة فتركها أفضل، ورخصت طائفة في أخذ اللقطة اليسيرة والانتفاع بها وترك تعريفها، وممن روي عنه ذلك عمر وعلي وعائشة، وهو قول عطاء والنخعي وطاوس، وقال عطاء: لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء والنعلين أن ينتفع بها، استدل من يبيح ذلك بحديث الخشبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه أخذها حطبًا لأهله ولم يأخذها ليعرفها، ولم يقل إنه فعل ما لا ينبغي.
وفي "الهداية": إن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها لا يتطلبها؛ كالنواة وقشور الرمان فإلقاؤه إباحة أخذه، فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح، إلى آخر ما بسط العيني(3).
وقال الحافظ(4): والأصح عند الشافعية أنه لا فرق في اللقطة بين القليل والكثير في التعريف وغيره، وفي وجه لا يجب التعريف أصلًا، وقيك: تعرّف مرة، وقيل: ثلاثة أيام، وهذا كله في قليل له قيمة، أما ما لا قيمة له كالحبة الواحدة فله الاستبداد به على الأصح، ثم ذكر مذهب الحنفية مثل ما تقدم آنفًا عن "الهداية" في كلام العيني، وزاد: وعند المالكية كذلك إلا أنه يزول ملك صاحبه عنه، انتهى.
وقال العيني(5): قيل: ليس في الباب ذكر السوط، وأجيب: بأنه استنبطه بطريق الإلحاق، وقيل: كأنه فاته عنه، وقال بعضهم - الحافظ ---------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (3/ 597).
(2) "عمدة القاري" (9/ 166).
(3) "عمدة القاري" (9/ 166).
(4) "فتح الباري" (5/ 85، 86).
(5) "عمدة القاري" (9/ 166).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٢)
أشار بالسوط إلى أثر يأتي بعد أبواب في حديث أُبي بن كعب، ثم تعقَّب العيني عليه.
(6 - باب إذا وجد تمرة في الطريق)
قال الحافظ(1): أي يجوز له أخذها وأكلها وكذا نحوها من المحقرات، وهو المشهور المجزوم به عند الأكثر، انتهى.
وقال القسطلاني(2) تبعًا للحافظ تحت حديث الباب: ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم تركها تورعًا خشية أن تكون من الصدقة، فلو لم يخش ذلك لأكلها، ولم يذكر تعريفًا، فدل على أن مثل ذلك من المحقرات يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف، لكن هل يقال: إنها لقطة رخص في ترك تعريفها أو ليست لقطة؛ لأن اللقطة ما من شأنه أن يتملك دون ما لا قيمة له، انتهى.
(7 - باب كيف تعرف لقطة أهل مكة؟)
كأنه أشار بذلك إلى إثبات لقطة الحرم، فلذلك قصر الترجمة على الكيفية، ولعله أشار إلى ضعف الحديث الوارد في النهي عن لقطة الحاج، أو إلى تأويله بأن المراد النهي عن التقاطها للتملك لا للحفظ، انتهى من "الفتح"(3).
قلت: والحديث الذي أشار إليه الحافظ هو ما أخرجه الإمام أبو داود عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج"(4).
وكتب الشيخ في "اللامع"(5): دلالة الرواية عليه من حيث أن تعريف لقطة مكة كتعريف لقطة غيرها، وتخصيص مكة لكونها مظنة مبادرة اللاقط إلى إنفاقها؛ لأن الناس يأتونها من بُعْد، فيبعد احتمال العود، أو لأن الجناية--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (5/ 86).
(2) "إرشاد الساري" (5/ 483).
(3) "فتح الباري" (5/ 87).
(4) "سنن أبي داود" (1719).
(5) "لامع الدراري" (6/ 314).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٣)
على مال الغير وإن كانت ممنوعة إلا أنها في البلد الحرام أشد، انتهى.
وقال الحافظ(1): واستدل بحديثي الباب على أن لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور، وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها؛ لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرَّفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال(2)، وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف، انتهى.
وفي "البذل"(3): قال في "البدائع"(4): وكل جواب عرّفه في لقطة الحل فهو الجواب في لقطة الحرم. . .، إلى آخر ما بسط في الدلائل.
وفي هامشه: قال الموفق(5): ظاهر كلام أحمد والخرقي أن لقطة الحل والحرم سواء، وعن أحمد رواية أخرى: لا يجوز لقطة الحرم للتملك، وعن الشافعي كالمذهبين، انتهى.
(8 - باب لا تحلب ماشية أحد بغير إذن)
هكذا أطلق الترجمة على وفق ظاهر الحديث إشارة إلى الرد على من خصصه أو قيّده، انتهى [من "الفتح"](6).
قال القسطلاني(7) تبعًا للحافظ بعد ذكر الحديث: وفيه النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئًا بغير إذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه فنبَّه به على ما هو أعلى منه.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (5/ 88).
(2) (6/ 557).
(3) "بذل المجهود" (6/ 614، 615).
(4) "بدائع الصنائع" (5/ 299).
(5) "المغني" (8/ 305).
(6) "فتح الباري" (5/ 88، 89).
(7) "إرشاد الساري" (5/ 490).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٤)
وقال النووي في "شرح المهذب"(1): اختلف العلماء في من مر ببستان أو زرع أو ماشية فقال الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئًا إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور، منهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، وقال بعض السلف: لا يلزمه شيء، وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين ولو لم يحتج إلى ذلك، وفي الرواية الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالتين، وعلَّق الشافعي القول بذلك على صحة الحديث، قال البيهقي: يعني: حديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة"، أخرجه الترمذي(2).
وذهب كثير من السلف إلى الجواز مطلقًا في الأكل والشرب سواء علم بطيب نفسه أو لم يعلم لرواية أبي داود(3) والترمذي وصححه عن سمرة مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثًا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل"، وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح فهو أولى بأن يعمل به، وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه فلا يلتفت إليه. . .، إلى آخر ما بسط في وجوه الجمع بين الروايات المتعارضة في هذه المسألة.
(9 - باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(4): أراد بذلك أنه لا فصل بين مدة ومدة، بل تجب القيمة على الملتقط كلما أتى المالك، انتهى.
قلت: هذه المسألة خلافية تقدم الكلام عليها في "باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة. . ." إلخ، فارجع إليه، وبسط الكلام عليه أيضًا في--------------------------------------------
(1) "شرح المهذب" (9/ 54).
(2) "جامع الترمذي" (ح: 1287).
(3) "سنن أبي داود" (ح: 2619)، و"جامع الترمذي" (ح: 1296).
(4) "لامع الدراري" (6/ 314).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٥)
هامش "اللامع"(1)، وأما مسألة مدة التعريف فخلافية، قال الموفق(2): قدر التعريف سنة، روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي (الثاقب)، وروي عن عمر رواية أخرى ثلاثة أشهر، وعنه ثلاثة أعوام لرواية أُبيّ، وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرِّفها ثلاثة أيام، وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرّفها جمعة أو نحوها، انتهى من "الأوجز"(3).
وفي "البذل"(4): وللحنفية فيها ثلاث روايات:
أولاها: ما ذكرها محمد في "الأصل" وهو ظاهر الرواية، تقديره بالحول من غير فصل بين قليل وكثير، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.
وثانيتها: ما ذكرها صاحب "الهداية"(5): فإن كانت أقل من عشرة دراهم عرَّفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرَّفها حولًا، قال العبد الضعيف: هذه رواية عن أبي حنيفة.
قال في "العناية"(6): قوله: هذه رواية عن أبي حنيفة، يشير إلى أنها ليست ظاهر الرواية، فإن الطحاوي قال: إذا التقط لقطة يعرِّفها سنة سواء كان شيئًا نفيسًا أو خسيسًا في ظاهر الرواية.
وثالثتها: ما ذكرها صاحب "الهداية"(7) أيضًا: قيل: الصحيح أن شيئًا من هذه المقادير ليس بلازم، ويفوض إلى رأي الملتقط يعرّفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، ثم يتصدق بها وهو الذي اختاره السرخسي في "مبسوطه"(8).--------------------------------------------
(1) "اللامع" (6/ 314، 316).
(2) "المغني" (8/ 393).
(3) "أوجز المسالك" (14/ 224).
(4) "بذل المجهود" (6/ 575، 576).
(5) "الهداية" (2/ 417).
(6) انظر: "العناية" مع "فتح القدير" (6/ 112، 113).
(7) "الهداية" (2/ 417).
(8) "المبسوط" للسرخسي (11/ 3).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٦)
قال الشامي في حاشيته على "الدر"(1): وصححه في "الهداية"، وفي "المضمرات" و"الجوهرة": وعليه الفتوى، وهو خلاف ظاهر الرواية من التقدير بالحول في القليل والكثير "بحر". قلت: والمتون على قول السرخسي. . .، إلى آخر ما بسط شيخنا في "البذل".
(10 - باب هل يأخذ اللقطة ولا يدعها. . .) إلخ
قال الحافظ(2): كذا للأكثر، وسقطت "لا" بعد حتى عند ابن شبويه، وأظن الواو سقطت من قبل حتى، والمعنى لا يدعها فتضيع ولا يدعها حتى يأخذها من لا يستحق. وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره اللقطة، ومن حجتهم حديث الجارود مرفوعًا: "ضالة المسلم حرق النار" أخرجه النسائي(3) بإسناد صحيح، وحمل الجمهور ذلك على من لا يعرفها، وأما ما أخذه من حديث الباب فمن جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أُبي رضي الله عنه أخذه الصرة، فدل على أنه جائز شرعًا، انتهى.
قلت: ولا يبعد أن المصنف أتى بلفظ الاستفهام؛ لأن حديث أبي ليس بنص في الأخذ بل لبيان الحكم بعد الأخذ، أو يقال: إنه أشار بلفظ هل إلى رواية النسائي فإنها نص في المنع، وحديث الباب فعل لا عموم له، وتقدم الكلام على مسألة الباب في أول "كتاب اللقطة".
(11 - باب من عرّف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان)
كأنه أشار بالترجمة إلى رد قول الأوزاعي في التفرقة بين القليل والكثير فقال: إن كان قليلًا عرَّفه وإن كان مالًا كثيرًا رفعه إلى بيت المال، والجمهور على خلافه، نعم فرَّق بعضهم بين اللقطة والضوال، وبعض المالكية والشافعية بين المؤتمن وغيره، فقال: يعرف المؤتمن، وأما غير--------------------------------------------
(1) "رد المحتار" (6/ 436).
(2) "فتح الباري" (5/ 92).
(3) "السنن الكبرى" للنسائي (رقم 5792، 5793).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٧)
المؤتمن فيدفعها إلى السلطان ليعطيها المؤتمن ليعرفها، انتهى مختصرًا من "الفتح"(1).
(12 - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ: كذا بغير ترجمة، وسقط من رواية أبي ذر، فهو إما من الباب أو كالفصل منه، فيحتاج إلى مناسبة بينهما على الحالين، فإنه ساق فيه طرفًا من حديث البراء في قصة الهجرة، والغرض منه شرب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر من لبن الشاة، وليس في ذلك مناسبة ظاهرة لحديث اللقطة، لكن قال ابن المنيِّر(2): مناسبة هذا الحديث لأبواب اللقطة الإشارة إلى أن المبيح للبن هنا أنه في حكم الضائع إذ ليس مع الغنم في الصحراء سوى راع واحد فالفاضل عن شربه مستهلك، فهو كالسوط الذي اغتفر التقاطه، وأعلى أحواله أن يكون كالشاة الملتقطة في الضيعة وقد قال فيها: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، انتهى.
ولا يخفى ما فيه من التكلف، ومع ذلك فلم تظهر مناسبته للترجمة بخصوصها، انتهى.
واختار العيني والقسطلاني ما حكى الحافظ عن ابن المنيِّر.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن من عادة الإمام البخاري المعروفة ذكر الأضداد في الكتب، وهو الأصل التاسع والستون من أصول التراجم، فنبَّه الإمام البخاري بذكر هذا الحديث ها هنا أن المال الذي عرف مالكه ليس بداخل في اللقطة، وذكره في باب بلا ترجمة؛ لأن الباب بلا ترجمة يكون لوجوه مختلفة، تقدم في المقدمة، منها الأصل الخامس والعشرون: أنه قد يحذف الترجمة تشحيذًا للأذهان، فينبغي أن يترجم هذا الباب بما قلته: إن المال الذي عرف مالكه ليس بلقطة، ويمكن إدخاله في--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (5/ 93).
(2) "المتواري" (ص 280).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٨)
الأصل السابع والخمسين أيضًا باعتبار أنه لا تعلق له بالترجمة السابقة، بل هو رجوع إلى الأصل، وهو أبواب اللقطة باعتبار الضد؛ كذكر أبواب الكفر في "كتاب الإيمان"، انتهى من هامش "اللامع"(1).
ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "فشرب حتى رضيت"، وعندي في قوله: "ينفض ضرعها من الغبار" فإن الناس بعد دفن الميت وإهالة التراب عليه ينفضون أيديهم من الغبار. والأوجه منه عندي في قوله: "حتى برد أسفله" فإن بدء برد الميت عند الموت يكون من الأسفل.
* * *--------------------------------------------
(1) "اللامع" (6/ 319، 320).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٤٩)
46 - أبواب المظالم والقصاص
هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة الفتح والقسطلاني "كتاب المظالم في المظالم والغصب"، وفي نسخة العيني "كتاب المظالم والغصب".
قال الحافظ(1): وللنسفي "كتاب الغصب باب في المظالم"، والمظالم جمع مظلمة مصدر ظلم يظلم، واسم لما أخذ بغير حق، والظلم وضع الشيء في غير موضعه الشرعي، والغصب أخذ حق الغير بغير حق، انتهى.
قال القسطلاني(2): المظالم جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها حكاه الجوهري وغيره، والكسر أكثر، والغصب لغةً أخذ الشيء ظلمًا، وقيل: أخذه جهرًا بغلبة، وشرعًا: الاستيلاء على حق الغير عدوانًا، انتهى.
قال العيني(3): القصاص اسم لمعنى المقاصة، وهو مقاصة ولي المقتول القاتل، والمجروح الجارح، وهي مساواته إياه في قتل أو جرح ثم عم في كل مساواة، انتهى.
(باب في المظالم والغصب)
أي: في بيان تحريم المظالم وتحريم الغصب، وقد تقدم الكلام على معناه آنفًا، ثم المصنف لم يذكر في هذا الباب حديثًا ولم يتعرض له الشرَّاح، إذ ليس في نسخهم ها هنا لفظ الباب كما تقدم، وأما على النسخة الهندية فيمكن أن يوجه بأن الحديث الآتي في الترجمة الآتية مثبت لكليهما، وقد تقدم في الأصل السابع والعشرين من أصول التراجم أن المصنف تارة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (5/ 95).
(2) "إرشاد الساري" (5/ 497).
(3) "عمدة القاري" (9/ 184).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٠)
يذكر بابًا مع الترجمة لكن لا يذكر فيه حديثًا، وفيه وجهان: مرة يذكر تحت الترجمة آية أو حديثًا أو قولًا من الصحابة والتابعين، وإلا على الترجمة فالترجمة مثبتة بذلك، واكتفى المصنف بذلك إما لأن حديثًا على شرطه ليس عنده، أو لقصد التمرين، ومرة لا يذكر في الباب شيئًا منها فيحمله الشرَّاح على سهو الناسخين أو سهو المصنف وغير ذلك، والتحقيق عندنا أن المؤلف لا يفعل ذلك إلا في موضع يكون دليل الترجمة مذكورًا قبلها في الباب السابق أو بعدها، إلى آخر ما تقدم.
(1 - باب قصاص المظالم)
قال الحافظ(1): يعني: يوم القيامة، ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري، وقد ترجم عليه في "كتاب الرقاق": "باب القصاص يوم القيامة"(2)، ويأتي الكلام عليه هناك، انتهى.
قلت: ولعل الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى أن المظالم لا تعفى بالتوبة فقط، بل لا بد من القصاص يوم القيامة، إما بإعطاء حسنات الظالم للمظلوم، أو بإعطاء الله تعالى من عنده كما ورد.
(2 - باب قول الله تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18])
ذكر فيه حديث ابن عمر "يدني الله المؤمن فيضع عليه كنفه" الحديث، ووجه دخوله في أبواب الغصب الإشارة إلى أن عموم قوله هنا "أغفرها لك" مخصوص بحديث أبي سعيد الماضي في الباب قبله، انتهى من "الفتح"(3).--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (5/ 96).
(2) (11/ 295)، باب (48).
(3) "فتح الباري" (5/ 96، 97).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥١)
(3 - باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه)
بضم أوله، يقال: أسلم فلان فلانًا إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه، وهو عام في كل من أسلم لغيره، لكن غلب في الإلقاء إلى الهلكة.
ثم قال تحت شرح الحديث: قوله: "ولا يسلمه" أي: لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون ذلك واجبًا وقد يكون مندوبًا بحسب اختلاف الأحوال، انتهى من "الفتح"(1).
(4 - باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا)
قال الحافظ: ترجم بلفظ الإعانة، وأورد الحديث بلفظ النصر، فأشار إلى ما ورد في بعض طرقه، ففي حديث جابر مرفوعًا: "أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا" أخرجه ابن عدي، وأبو نعيم في "المستخرج".
قال ابن بطال(2): النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة، وقال البيهقي: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه، فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسًا ومعنى.
ثم قال الحافظ: قيل: إن أول من قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" جندب بن العنبر، وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى من "الفتح"(3).
قلت: وعلى هذا يمكن أن يقال: إن غرض الترجمة الإشارة إلى تفسير هذه المقولة المعروفة في الجاهلية بما فسره صلى الله عليه وسلم، والرد على ما عليه أهل الجاهلية.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (5/ 97).
(2) (6/ 572).
(3) "فتح الباري" (5/ 98).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢)
(5 - باب نصر المظلوم)
إنما كرر هذا الباب مع أنه تقدم اهتمامًا له أو لإرادة التعميم، أي: وإن لم يكن أخًا له.
قال الحافظ(1): هو فرض كفاية، وهو عام في المظلومين، وكذلك في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح، ويتعين أحيانًا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير، انتهى.
وقال القسطلاني في شرح الحديث(2): قوله: "ونصر المظلوم" مسلمًا كان أو ذميًّا واجب على الكفاية ويتعين على السلطان، وقد يكون بالقول أو بالفعل، انتهى.
(6 - باب الانتصار من الظالم)
أي: هذا باب في بيان الانتصار، أي: الانتقام، قاله العيني(3).
وقال الحافظ(4): أما الآية الأولى فروى الطبري من طريق السدي قوله: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} أي: فانتصر بمثل ما ظلم به فليس عليه ملامة، وعن مجاهد {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} فانتصر فإن له أن يجهر بالسوء، وعنه: نزلت في رجل نزل بقوم فلم يضيفوه فرخص له أن يقول فيهم، وعن ابن عباس: المراد بالجهر من القول الدعاء، فرخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه، وأما الآية الثانية فروى الطبري من طريق السدي أيضًا في قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39]، قال: يعني: ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (5/ 99).
(2) "إرشاد الساري" (5/ 505).
(3) "عمدة القاري" (9/ 192).
(4) "فتح الباري" (5/ 99).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣)
وكتب الشيخ في "اللامع"(1) تحت الآية الثانية: قد يستنبط من تلك الآيات إشارة ما إلى ترتيب الخلافة، فقوله: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه حيث لم يقترف الفواحش والكبائر في جاهلية ولا إسلام، {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] شأن عمر رضي الله عنه حيث ترك الخلافة شورى بين نفر من الصحابة، {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ} عثمان حيث بغوا عليه وقتلوه ظلمًا، {هُمْ يَنْتَصِرُونَ} علي كرم الله وجهه المنتقم من الأعداء، ولما كان البغي على عثمان بغيًا على علي، وانتصار علي انتصار عثمان لكونهما نائبين منيبين، ورضاء كل منهما بفعل الآخر صح إسناد الفعلين إليهما، معًا، والله تعالى أعلم، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه: من كلام صاحب "الإشاعة في أشراط الساعة" وذكر فيه أيضًا ما ترجح عند هذا العبد الفقير فارجع إليه لو شئت.
(7 - باب عفو المظلوم)
لم يذكر المصنف في هذه الترجمة وفي الترجمة السابقة حديثًا، وقد تقدم منا الكلام عليه آنفًا في "باب المظالم والغصب" من الأصل السابع والعشرين.
(8 - باب الظلم ظلمات يوم القيامة)
الترجمة هي عين الحديث، والظلمات جمع ظلمة وهو خلاف النور، وضم اللام فيه لغة، ويجوز في الظلمات ضم اللام وفتحها وسكونها، قال المهلب: الذي يدل عليه القرآن: أنها ظلمات على البصر حتى لا يهتدي سبيلًا، قال الله تعالى في المؤمنين: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [الحديد: 12] وقال في المنافقين: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13] فأثاب الله--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (6/ 323، 327).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤)
المؤمن بلزوم نور الإيمان لهم، ولذذهم بالنظر إليه، وقوى به أبصارهم، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم ومنعهم لذة النظر إليه، انتهى [من "العمدة"](1).
(9 - باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم)
قال العلَّامة القسطلاني(2) في شرح الحديث: قوله: "ليس بينها وبين الله حجاب" كناية عن الاستجابة وعدم الرد كما صرَّح به في حديث أبي هريرة عند الترمذي مرفوعًا بلفظ: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله تعالى فوق الغمام" الحديث، انتهى.
(10 - باب من كانت له مظلمة عند الرجل. . .) إلخ
قال الحافظ(3) رحمه الله: المظلمة بكسر اللام على المشهور، وحكي فتحها وحكي الضم أيضًا، انتهى.
قال العيني(4): قوله: "مظلمة" أي: المأخوذ بغير حق، وقوله: "هل يبين؟ " أي: هل يحتاج إلى بيان تلك المظلمة حتى يصح التحليل؟ وفيه خلاف، فلذلك لم يذكر جواب "هل"، انتهى.
قال الحافظ(5): فيه إشارة إلى الخلاف في صحة الإبراء من المجهول، وإطلاق الحديث يقوي قول من ذهب إلى صحته، وقد ترجم بعد باب "إذا حلله ولم يبين كم هو"، وفيه إشارة إلى الإبراء من المجمل أيضًا، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (9/ 194، 195).
(2) "إرشاد الساري" (5/ 509).
(3) "فتح الباري" (5/ 101).
(4) "عمدة القاري" (9/ 196).
(5) "فتح الباري" (5/ 101).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٥)