خلقا كثيرا، وضعفا آخرين(1).
ولا غرو أن يميز النقاد القرينين بهذه الخصيصة المنهجية؛ فإنهما فضلا عن امتناعهما عن الرواية عن الضعاف، فقد كانا يتبعان مروياتهم في كتب تلاميذهم فيخطئان عليها؛ مثلما حكى بندار، قال: «أخذ يحيى وعبد الرحمن القلم من يدي، فضربا على نحو من أربعين حديثا من حديث الحارث(2) عن علي(3).»
وإن الأمر ليصل بالشيخين إلى أن يستعديا على من لم يكف عن الرواية عن هؤلاء الهلكى ممن وقع إضفاقهما معا على تركه، حكاه أبو داود وقال: «استعدى عبد الرحمن بن مهدي على عيسى بن ميمون صاحب محمد بن كعب في هذه الأحاديث، فقال: لا أعود(4).»
وصار هذا الصنيع من صيغة نفي تحديث الشيخين أو إثباته مسلكا مطروقا في طبقة المؤلف وطبقة تلاميذه، وعنهم تلقفها من بعدهم، فتجدها عند الإمام أحمد(5) وفيلسوف الصنعة ابن المديني(6) واختصها هذا بتأليف مستقل في خمسة أجزاء لم يصلنا(7) - ومحمد بن المثنى العنزي - وأظن--------------------------------------------
(1) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: 180؛ ر: 96.
(2) الخارفي الأعور.
(3) الضعفاء للعقيلي: 553/ 1؛ ر: 1020.
(4) سؤالات الآجري: 441/ 1 - 442؛ ر: 937.
(5) سؤالات أبي داود: 338 - 339؛ ر: 503؛ 341؛ ر: 509؛ 369/ 1؛ ر: 677؛ 272؛ ر: 316؛ 362؛ ر: 567. العلل ومعرفة الرجال (رواية) عبد الله): 412/ 1؛ ر: 4874؛ 525/ 1؛ ر: 1231؛ 531/ 1؛ ر: 1249؛ 524/ 2؛ ر: 3461؛ 3/ 80؛ ر: 4268؛ العلل (رواية المروذي): 89؛ ر: 127.
(6) طرر ابن شاقلا على نسخة أيا صوفيا من مجروحي ابن حبان: 83؛ ر: 69؛ الضعفاء للبخاري: 33؛ ر: 40؛ التاريخ الكبير: 308/ 4؛ ر: 2935؛ 351/ 5؛ ر: 1113؛ 339/ 7؛ ر: 1458.
(7) الجامع لأخلاق الراوي: 301/ 2؛ ر: 1915.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
تاريخه الصغير مقصورا على هذا الأمر، فإنه أكثر من نقلت عنه هاته الصيغة(1) ـ، وأبي حفص صاحبنا، وتلميذه أبي داود السجستاني(2).
ويبقى كتاب «العلل» للحين أوسع مدونة لهاته الصيغة تصل إلينا، ولا تظهر قيمة النقول فحسب في كونها تحكي اتفاق الشيخين أو اختلافهما في الرواية عن بعض الرواة أو تركها، بل أيضا في ما تصفه من تطور المواكبة النقدية عندهما لجملة من الرواة؛ من قبيل قول الفلاس عن جابر الجعفي: إن يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان عبد الرحمن قبل ذلك يحدثنا عنه ثم تركه»(3)، وقال مثل ذلك عن قيس بن الربيع(4). ونفى تحديثهما عن عمرو بن عبيد وأفاد بعد: «وكان يحيى يحدثنا عنه ثم تركه»(5). وأخبر أنهما تركا الرواية عن إسماعيل بن عبد الملك، وقال: «ورأيت عبد الرحمن يقول: أستخير الله أضرب على حديثه»(6).--------------------------------------------
(1) يكفي أن تعرف أن العقيلي وحده نقل عنه شيئا كثيرا من هذا، انظر مواضعه في الجزء الأول من ضعافه: 120؛ ر: 51؛ 139؛ ر: 84، 142؛ ر: 90؛ 165؛ ر: 139؛ 244؛ ر: 259؛ 248؛ ر: 323؛ 267؛ ر: 370؛ 276؛ ر: 397؛ 281؛ ر: 412؛ 288؛ ر: 428؛ 309؛ ر: 461؛ 363؛ ر: 581؛ 380؛ ر: 614؛ 395؛ ر: 646؛ 420؛ ر: 693، 474؛ ر: 819؛ 494؛ ر: 864؛ 497؛ ر: 871؛ 520؛ ر: 933؛ 545؛ ر: 998؛ 583؛ ر: 1080؛ 506؛ ر: 1131
(2) سؤالات الآجري له: 223/ 1؛ ر: 248؛ 1/ 434؛ ر: 369/ 1912؛ ر: 677؛ 377/ 1؛ ر: 701؛ 382/ 1؛ ر: 719؛ 394/ 1؛ ر: 763، 437/ 1؛ ر: 925؛ 439/ 1؛ ر: 930؛ 29/ 2؛ ر 1019؛ 37/ 2؛ ر: 1038؛ 37/ 2؛ ر: 1039؛ 53/ 2؛ ر 1095؛ 56/ 2؛ ر: 1107؛ 84/ 2؛ ر: 1200؛ 129/ 2؛ ر: 1337، 1392، ر: 1385، 2/ 147 ـ 148؛ ر: 1418؛ 152/ 2؛ ر: 1434؛ 152/ 2؛ ر: 1436؛ 2/ 158؛ ر: 1456؛ 2/ 299؛ ر: 1912؛ 2/ 15 - 16؛ ر: 979؛ 26/ 2؛ ر: 1012؛ 2/ 90؛ ر: 1223؛ 118/ 2؛ ر: 1301؛ 2/ 121؛ ر: 1309، 287/ 2؛ ر: 1873.
(3) العلل: ر: 211.
(4) العلل: ر: 257.
(5) العلل: ر: 223.
(6) العلل: ر: 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
واحتجاج الفلاس بعدم سماعه تحديث الشيخين عن الراوي مع توفر دواعيه، قرينة عنده في تضعيفه؛ مثلما يعلم في: بريد بن عبد الله بن أبي بردة(1)، وإسماعيل بن رافع(2)، وجميل بن زيد الطائي(3)، وأبي بكر الهذلي(4)، وحريث بن أبي مطر(5)، وسالم الخياط(6)، ويعقوب بن عطاء بن أبي رباح(7)، وأبي سفيان السعدي(8)، والأصبغ بن نباتة(9)، ويونس بن خباب(10).
لكنه لا يطرد عند صاحبنا التسليم بكل ما يحكيه عن الشيخين، ولا أظنه كان يعتبر مجرد تحديث أحدهما - دونهما معا - عن راو تعديلا بإطلاق، بدليل أنه قال: «وحدثنا يحيى، عن بكر بن خنيس» ثم قال عمرو عقيبه: «وهو ضعيف»، فلو كان تسليمه لمجرد التحديث فيصلا لم يعقب، أو لعله كان يريد أن تحديث يحيى مذاكرة لا رواية.
وما من شك في أن قوله: «والناس يختلفون فيه» ـ بعد قوله: «سمعت يحيى وعبد الرحمن، يحدثان جميعا عن عبد الله بن محمد بن عقيل»(11): لا يقدح عنده في أصل الاحتجاج بما اتفق عليه الشيخان، فتكون الزيادة حكاية حال فحسب، ولا تنتج تبنيه حكما نقديا مخالفا للشيخين.
وتبقى القيمة المثلى لما تضمنه كتاب «العلل» من الحكاية عن القرينين، في تصحيحه لبعض مما نقل عن الشيخين - خارج العلل - على غير وجهه، وترتب عنه اضطراب في الحكم النقدي المعزو لهما، وأيضا في تحقيق الحق في أولئك الرواة الذين خضعوا للمواكبة النقدية، فرويا عنهم لأول الأمر ثم--------------------------------------------
(1) كتاب العلل: ر: 244.
(2) كتاب العلل: ر: 246.
(3) كتاب العلل: ر: 249.
(4) كتاب العلل: ر: 254.
(5) كتاب العلل: ر: 256.
(6) كتاب العلل: ر: 269.
(7) كتاب العلل: ر: 277
(8) كتاب العلل: ر: 305.
(9) كتاب العلل: ر: 306.
(10) كتاب العلل: ر: 317.
(11) العلل: ر: 314.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
كفا بعد لدواع، أو امتنعا بداءة ثم انصلح حالهم فاستحقوا الجبر والقبول، ومن هؤلاء عدد مذكورون طي الكتاب، مع أن بعض النقلة أفسدوا بعض النصوص بعدم سوقها بتمامها، ففوتوا إدراك أثر المراجعات النقدية ليحيى وصاحبه(1).
2 - عبارات للشيخين بمدلول نقدي:
إن كثيرا من المصطلحات التي لم تأخذ شكلا مسكوكا يمثل استقرار المعنى النقدي، تخضع لشروط القراءة اللغوية السياقية، ولذا فمجال الخطأ فيها وراد، ويبدو أن بعض العبارات التي تحمل حكما نقديا قد تدخل هذه الدائرة أيضا، ومن ثم يظهر مبلغ العسر في تحديد معناها في بعض الأحيان؛ مثاله(2): قول أبي داود عن محمد بن جحادة الكوفي: «كل لا يأخذ إلا عن كل»(3)، ضبط المحقق الكاف في الحالين بالضم، وبدا لي لأول الأمر أنه تصحيف، وأن الأجدر أن يكون الضبط بالفتح، فيكون المعنى أن فلانا ضعيف لا يأخذ إلا عن مثله؛ انتزاعا من قول الله جل وعز: {وهو كل على موله أينما يوجهة لا يأت بخير} [النحل: 76]؛ لكن الذي ردني إلى الجادة، قول المؤلف بعد: «وأثنى عليه»، وهي قرينة صارفة عن المعنى المتبادر؛ ناهيك عن أن ابن جحادة من رجال الجماعة غير ضعيف بالمرة. لكن مع ذلك، يبقى تعبير «كل لا يأخذ إلا عن كل»، أبعد ما يكون عن نفس المحدثين، بل هو إلى نفس المتكلمين أقرب، زيدا على أنه تعبير غير مسموع، إذ لم نجده عند غير أبي داود على شدة تطلبه، ويوشك أن يكون ما في المناقل عن كتاب الآجري أجود لو لم يسلم من اضطراب؛ ففي «تهذيب الكمال»(4): «كان لا يأخذ إلا عن كل…»، ولم يتمها، وهي في تهذيب--------------------------------------------
(1) ن: بعض المثل في مبحث تصحيحات الكتاب، خاصة عند العروض للكلام عن الوليد بن جميع.
(2) خارج كتاب الفلاس.
(3) سؤالات الآجري: 1/ 202؛ ر: 173.
(4) 24/ 578؛ ر: 5114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
التهذيب»(1): «كان لا يأخذ عن كل أحد»، وأشك أنها خضعت فيه للتغيير، ومع هذا كله فلا زالت العبارة معماة تحتاج إلى فك.
ومثل العبارة التي مرت، مما يشكل في الغالب، وليست دلالتها الكامنة قاطعة، بل لا بد لها من توجيه خارجي غيري يضبط سياقها ويحدد مفهومها، ولا نعدم في كتاب «العلل» عبارات من هذا القبيل ليحيى وعبد الرحمن؛ فمنها: يحيى: «هذا من عتيق حديث فلان»:
قد تعني العبارة في سياق أغلبي اندراج الحديث المقصود بها في مرويات الراوي قبل اختلاطه، ومن ثم الحكم بقبوله كما في سياق قول يحيى عن حديث لابن أبي عروبة: «هذا من صحيح حديث سعيد، ومن عتيق حديثه»(2).
لكن استخدام يحيى للعبارة في أحوال شتى أفضى إلى أنه ليس محكوما بالسياق المتقدم دائما، فقد تستعمل ولا أثر لها في قبول الحديث والثقة بناقله أو التمييز بين طورين من أحوال عمره؛ مثلما يتضح في قول الفلاس:
وسمعت(3) يحيى، وذكر عبيدة بن معتب، فحدث عنه بحديث أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى أربعا قبل الظهر…»؛ ثم رآني أكتبه فقال: «لا تكتبه، أما إنه كان من عتيق حديثه»(4). وإلى عين المعنى الذي ذكرناه ألمح ابن معين؛ ففي كتاب «الضعفاء» لأبي القاسم البلخي، أن أبا بكر قال: «سألت ابن معين عن عبيدة صاحب إبراهيم؟ فقال: ضعيف ليس بشيء.
قلت: فمن سمع منه قديما؟ قال: ليس بشيء حديثا وقديما»(5).
يحيى: «فلان لم يكن بالسكة»:
هاته العبارة مما انفرد به يحيى فلم ينقل عن غيره، قال الفلاس:--------------------------------------------
(1) 120: 9/ 81؛ ر.
(2) العلل: ر: 86.
(3) المجروحين: 2/ 173؛ الضعفاء (ج): ل 331 ب.
(4) العلل: ر: 112.
(5) إكمال تهذيب الكمال: 9/ 116؛ ر: 3552.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
«وسألت عبد الرحمن، عن حديث من حديث الحسن بن صالح، فأبى أن يحدثني به؛ وقد كان حدث عنه ثلاثة أحاديث ثم تركه. وذكره يحيى بن سعيد فقال: «لم يكن بالسكة»»(1).
ومعنى العبارة: أن النقاد عجموا الحسن بن صالح بن حي كما يعجم الدينار فألفي مغشوشا، أو أنه خرج عن الحال السوية الجميلة المرضية إلى سبل معوجة غير سالكة، ولا جرم أن يصفه بذلك يحيى، فقد كان يترك الجمعة ويرى السيف(2)، نسأل الله العافية.
«العفو» عند يحيى:
قال الفلاس: «وسمعت يحيى بن سعيد يقول: كنت آخذ العفو في الحديث»(3).
قلت: لعل المعنى: أنه كان يأخذ ما سمح به خاطر الراوي دون ابتدائه بسؤال ولا إلحاح أو إضجار؛ كما يفهم ذلك من قول يحيى: «ما كلمت أشعث قط، وما أخذت منه إلا عفوه»(4).
وقد يعني مصطلح «العفو»، ما يقابل التشدد، وهذا يدرك بعراضه على سؤال لعلي بن المديني، فإنه قال: «سألت يحيى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: بل أشدد، قال: فليس هو ممن تريد، كان يقول: أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال يحيى: وسألت مالك بن أنس عنه فقال فيه نحوا مما قلت لك؛ يعني: محمد بن عمرو»(5).
فيتحصل مما مر أن للعفو طرفين: أولهما: عدم التخريج على الراوي--------------------------------------------
(1) العلل: ر: 285.
(2) ن: الضعفاء للعقيلي: 1/ 598؛ ر: 1112.
(3) العلل: ر: 102؛ 180.
(4) سؤالات الآجري: 2/ 28 - 29؛ ر: 1018.
(5) الضعفاء للعقيلي (ج): 343 أ؛ التعريف لابن الحذاء: 3/ 804؛ ر: 870.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
في إلقاء روايته. والثاني: عدم التشديد الخارج عن حد الاعتدال في قبول رواية الراوي.
ابن مهدي: «فلان ممن يزداد خيرا»:
بعض الأخبار تومئ إلى قضايا أو مصطلحات بعينها كمصطلح «استقرار الثقة»؛ ومعناه: بقاء الراوي على حال جميلة، وسلامته مما يعرض له مما يفسد ضبطه أو عدالته؛ كما في قول الفلاس: «وسمعت عبد الرحمن، وذكر عبد الواحد بن زياد، فقال: كان ممن يزداد خيرا»(1).
فخبر ابن مهدي هذا يفيد حسن حال عبد الواحد، وقول أبي داود عنه: «عمد إلى أحاديث كان يدلسها الأعمس فوصلها»(2)، ينزعه عن تلك الحال بالتدليس، بل إن يحيى لينفي عنه العلم بحديث الأعمش جملة، في قوله: «ما رأيت عبد الواحد بن زياد يطلب حديثا قط لا بالبصرة، ولا بالكوفة.
وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة، فنذاكره حديث الأعمش، لا يعرف منه حرفا»(3)، على أن هذه الحكاية لا تعطي تضعيف يحيى بإطلاق، فلذلك أنكر مغلطاي على ابن الجوزي أن يكون قوله: «ضعفه يحيى»، مما فهمه منها(4). على أن معرفة عبد الواحد - ولو بعض المعرفة - بحديث الأعمش لا تنكر، فقد استدل الإمام أحمد بمتابعته لتصحيح رواية مسروق عن المغيرة، فلو كان خلوا من المعرفة بالمرة كما تعطيه حكاية يحيى، لم يعتبره ابن حنبل حال المتابعة، وذلك باد من قوله: «سمعت يحيى بن سعيد وذكر عنده حديث الأعمش، عن مسلم، عن مشروق، عن المغيرة بن شعبة. فقال يحيى: مسروق، عن المغيرة بن شعبة؟! - مرتين أو ثلاثة - فأنكره يحيى أشد الإنكار. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من تابعه؟--------------------------------------------
(1) العلل: ر: 309.
(2) العلل: ر: 311.
(3) ضعاف العقيلي: 3/ 531؛ ر: 3521؛ الكامل: 8/ 375؛ ر: 13346.
(4) ن: الاكتفاء: 2/ 441.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
قال: غير واحد؛ أظن منهم عبد الواحد بن زياد…»(1).
والجمع بين هاته المواقف ممكن، لو عددنا بينها تراخيا في الزمن، فكل من أولئك، وصف حقيقة أمر الراوي في حينه، فيحمل كلام القطان عند مباحثته حديث الأعمش مع عبد الواحد، على أول العهد له بالرواية، ويحمل كلام أبي داود عن تدليسه حين صلح حاله فيها وترقى في المعرفة والوثاقة، ويحمل مؤقف ابن مهدي على حين استحق أن يكون «ممن يزداد خيرا»، فيحول من الضعفاء إلى الثقات، وفيه إبطال لموقف يحيى. وفي العبارة أعلاه، تنصيص واضح على علة الرجوع النقدي، فإنه عبر بصيغة المضارع المفيدة لاستزادته من الخير ودوامه عليه. ولا يقال: إن هاته العبارة ليست نصا في محل النزاع؛ لأنها حكم قيمي لا علاقة له بالرواية؛ لأنا نقول: إن فيها إشعارا للمتلقي الافتراضي بعلم المرسل بأحكام النقاد السابقين عليه، فلذلك لم يقل «إن فيه خيرا»، ولا «كان فيه خير»، لما فيها من العدول عن التصريح، المناسب لبقاء ما كان على ما كان ـ أي: في الضعف - فلا تفيد ترقيا في الحال، فاختياره إذا للعبارة مقصود كما تنتجه أساليب العربية.
وبقي أن عبارة ابن مهدي في ابن زياد قد تحمل - خلاف ما مر ـ على الصلاح والعبادة.
مصطلح «الثقة» عند ابن مهدي اعتباري لا يمكن طرده:
قال الفلاس: «… سمعت عبد الرحمن بن مهدي… يقول: حدثنا أبو
خلدة، عن أبي العالية…؛ فقال له رجل: أكان ثقة؟ قال: كان صدوقا،
وكان خيارا، وكان مأمونا، الثقة: شعبة وسفيان»(2).
ومن نقدات ابن عبد البر قوله عقيبه: «هذا لا معنى له في اختيار
الألفاظ، والتأويل فيها على الهوى»(3). وقال الباجي: «وإنما أراد--------------------------------------------
(1) العلل ومعرفة الرجال: 3/ 122؛ ر: 4520. قلت: وما أظن ظن الإمام أحمد إلا خارجا عن بابه.
(2) العلل: ر: 176.
(3) الاستغنا: 1/ 601؛ ر: 665.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله التناهي في الإمامة، ولو لم يوثق من أصحاب الحديث إلا من كان في درجة شعبة وسفيان الثوري، لقل الثقات ولبطل معظم الآثار»(1). وعليه يظهر أن إطلاق مثل هذه الفروق، اعتباري لا يخضع لمنطق منضبط، وهو يحتاج إلى السبر في خصوص كل ناقد على حدة؛ ففيما يعد ابن مهدي مصطلح «الثقة»، أعلى من مصطلح «الخيار»؛ نجد ذلك بالعكس عند أحمد؛ حسبما يشف عنه جوابه لأبي داود لما سأله عن سيار أبي الحكم: «هو من الثقات؟». قال: «نعم، وفوق الثقة، كان من الأخيار». لكن هذا التنبيه لا يتوجه إلا على معنى أن «خيارا» تحتمل الدخول في جمع «الأخيار».
يحيى: «قد رأيته»:
قال الفلاس: «ولم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عن إسماعيل بن رافع بشيء قط. قال يحيى: وقد رأيته»(2). وقال أيضا: «وكان عبد الرحمن يحدثنا عن عباد بن راشد؛ وكان يحيى يقول إذا ذكره: قد رأيته»(3).
ومعنى ذلك: أنه غير مرضي عنده؛ وفيه عدول عن التصريح بالتضعيف في الغالب، ومعنى زائد: أني تركت الرواية عنه عمدا، مع حصول الرؤية.
يدل له قول البخاري في «الضعفاء»(4)، و «التاريخ الكبير»(5): «روى عنه ابن مهدي، وتركه يحيى القطان».
من يبصر الحديث:
هذه من العبارات الدالة على من تحقق بوصف الدخول إلى رحبة الحديث، ومشامة قضاياه، والفهم في النقد.
قال أبو حفص: «وحدثت عبد الرحمن عن عبد الله بن داود، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن شريح، قال: «القارن يطوف طوافين،--------------------------------------------
(1) 1/ 258: التعديل والتجريح
(2) ر: 246: العلل
(3) ر: 268: العلل
(4) رواية مسبح: 6 - ظ
(5) 1608: ر: 6/ 36
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
ويسعى سعيين»؛ فقال: إنما هذا حديث زياد بن لبيد، عن شريح، قال: «إذا جمعت بين الحج والعمرة، فلا يحلن منك حرام إلى يوم النحر. وقال مثل من يبصر الحديث: سل يحيى بن سعيد؛ فسألته، فقال كما قال ابن مهدي»(1).
وقال أيضا: «إسماعيل بن مسلم المكي، كان يرى القدر، وهو ضعيف… وهو متروك الحديث، قد أجمع أهل العلم على ترك حديثه، وإنما يحدث عنه من لا يبصر الرجال»(2).
وضريبه عند ابن مهدي كذلك؛ فقد قال: «أهل الكوفة ليس يبصرون الحديث»(3).
يحيى: «اسكت ويلك»:
قال أبو حفص: «سمعت إبراهيم بن عرعرة قال ليحيى: حدثنا عفان، عن همام، عن قتادة، فقال: اسكت ويلك!»(4). والحكاية دليل على سوء رأي يحيى في همام وإنكار للرواية عنه.
ومنه أيضا قوله: «سمعت رجلا من أصحابنا يقول ليحيى: تحفظ عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، أن عبد الله اشترى أرضا من أرض السواد وأشهدني عليها؟ فقال يحيى: عن من»؟ فقال: حدثنا ابن داود.
قال: عن من؟ قال: عن إسحاق بن الصباح. فقال: اسكت ويلك!(5). قال ابن رجب في الاستخراج(6): يدل على أنه أنكره من أجل إسحاق بن الصباح؛ فإنه ليس بمشهور.
3 - مساجلات نقدية بين الشيخين:
حفظ الكتاب صورة مجالس ونقاشات نقدية بين القطان وابن مهدي؛--------------------------------------------
(1) العلل: ر: 315.
(2) من حاشية نسخة من كتاب الجرح والتعديل: 2/ 198. ون بيان الوهم والإيهام: 3/ 278؛ ر: 1024.
(3) سؤالات أبي داود: 201؛ ر: 142.
(4) العلل: ر: 117.
(5) العلل: ر: 113.
(6) 102.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
تفضي إلى انقطاع أحدهما ورجحان حجة الآخر؛ فمنه قول عمرو بن علي: «ورأيت عبد الرحمن جاء إلى حلقة يحيى ومعاذ، فجلس خارجا من الحلقة؛ فقال له يحيى: ادخل في الحلقة. فقال له: أنت حدثتنا عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل خروج الإمام».
قال يحيى: فأنا رأيت هشاما وحبيب بن الشهيد وسعيد بن أبي عروبة، يتحلقون يوم الجمعة قبل خروج الإمام. قال: فهولاء بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وفعلوه؟ فسكت يحيى»(1).
مثال ثان: قول الصيرفي: «سمعت رجلا يحدث عبد الرحمن بن مهدي عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر كان يرد كما سلم عليه؛ فأنكره عبد الرحمن وقال: إنما هذا حديث أبي جعفر القاري. فذكرته ليحيى فحدثني به. ثم رأيت يحيى، وورائي عبد الرحمن بن مهدي في مسجد الجامع يوم الجمعة فقال: أنكرت حديث نافع؟! أنت سألتني عنه منذ ثلاثين سنة. فسكت عبد الرحمن»(2).
ومنه أيضا: «وسألت يحيى عن حديث مجالد، عن الشعبي، أن عمر وعليا وشريحا ومسروقا قالوا: لا نكاح إلا بولي. فأبى أن يحدثنيه. وقال: نهاني عنه عبد الرحمن. فقلت له: «فإن عبد الرحمن حدثنا عن هشيم، عن مجالد، عن الشعبي»؛ فجعل يعجب!»(3)
قلت: إما أن ابن مهدي حدث الفلاس قبل النهي، أو رجع عن امتناعه في خصوص هذا الحديث، لوجود متابع لمجالد، فإنه ضعيف لا يحتج بما انفرد به، وقد كان يقبل التلقين بأخرة - كما دل عليه خبر للمؤلف - ناهيك عن أن عبد الرحمن كان لا يروي عنه عن الشعبي وقيس بن أبي حازم كما عند البخاري.--------------------------------------------
(1) العلل: ر: 135.
(2) العلل: ر: 118.
(3) العلل: ر: 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
4 - ظهور شأو يحيى بن معين في حياة شيوخه:
كان يحيى بن معين من طبقة الفلاس ومن تلاميذ الشيخين، لكن شفوفه على أقرانه ظهر بشكل مبكر، وكان لآرائه النقدية المخالفة لشيخيه صدى في الكتاب، فنقل الفلاس ملمحا من ذلك في كتابه على استحياء؛ وذلك قوله: «وسمعت رجلا من أهل بغداذ من أهل الحديث - وهو: يحيى بن معين - ذكر إبراهيم بن مهاجر والسدي، فقال: كانا ضعيفين مهينين. فقال عبد الرحمن: قال سفيان: كان السدي رجلا من العرب، وكان إبراهيم بن المهاجر لا بأس به»(1).
قلت: لعل انتصار ابن مهدي لهما - خلاف ابن معين، وبعد السبب النقدي الموجب - لمكان أصالة نسبهما في العرب وأدبهما معه ومع صاحبه القطان وإن كانا موليين - فقد قيل في الأول: إنه مؤلى الأزد، وفي الثاني: إنه مؤلى تميم - يدل لذلك تنصيص يحيى بن سعيد على هاته العلة في قوله(2):
«طلبت الحديث مع رجلين من العرب: خالد بن الحارث بن سلم الهجيمي، ومعاذ بن معاذ العنبري، وأنا مؤلى لقريش لتيم، فوالله ما سبقاني إلى محدث قط فكتبا شيئا حتى أحضر». وله شاهد من قول يعقوب بن سفيان(3)، عن ابن مهاجر: «له شرف ونبالة، وفي حديثه لين». ثم إن ابن مهدي حدث عن سفيان عن ابن مهاجر. ون أنموذجا عنه في تاريخ ابن أبي خيثمة(4). ولم أجد أحدا عرض لهذا الخبر بتعليل لأملأ منه اليد؛ فلعله يصح إن شاء الله.
وضريب ما مر قول المؤلف: «وذكر الرجل(5) أيضا يونس بن أبي إسحاق فقال فيه؛ فقال عبد الرحمن: لم يكن به بأس. قال: وحدثني يحيى وعبد الرحمن جميعا عنه. قال: يحيى سمع منه. وعبد الرحمن، عن سفيان عنه»(6)--------------------------------------------
(1) العلل: ر: 307.
(2) تاريخ بغداد: 15/ 168.
(3) إكمال تهذيب الكمال: 1/ 296؛ ر: 296.
(4) السفر الثالث: 1/ 196، ر: 499؛ 3/ 170؛ ر: 4318.
(5) هو: يحيى بن معين.
(6) العلل: ر: 307.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
رسوم الكتاب في تراث الخالفين
1 - كتب الفلاس موارد سائغة لأعمال البخاري:
كنا في غناء عن هاته اللمعة، لولا أن دعاوى كثير من المستشرقين عن تأخر كتابة الحديث ووقوع طفرة في التصنيف في القرن الثالث دون مقدمات وسوابق محتذاة، تجعل إغفال هذا الأمر دون الإشارة إلى خلافه، إملاء لهؤلاء، وسكوتا في معنى الإقرار، ولا يصح… وإلا فكيف سلك التأليف الحديثي سبلا متعرجة قبل أن يصل إلى هذه الدرجة من النضج الصارخ، مع طبقة البخاري ومن تلاه من تلاميذه، نضج يتبدى من خلال اختيار الموارد، وترتيب الرواة، واعتبار الروايات، والتمييز بين الأصول والمقاطيع وما يصلح للباب وما يليق بالتعليق، وما هو من قبيل المعارض، أو المعاضد، كالمتابع والشاهد… وهلم جرا.
ولا تحسبن البخاري سمح النفس بالتوقيف على سر صنعته والدلالة على موطن شفوفه فيها، فقد أحكم أغلاقا بين ذلك وطالبه، بالاختصار المتناهي، والإشارة المختلسة، والترجمة النافذة المضغوطة، والمقاصد المختلفة المضمرة في إهاب واحد… وقمن بمن رام إدراك ذلك ودلف إلى حياضه، أن يبذل مهره، وأن يظهر مهره، وأن ينوء بأثقال من النظر المتصل إن رفده تحصيل وتصميم، ولحقته بعد ذلك عناية وتوفيق، وأمامه بعد ذلك أشواط تترى يتلافي فيها الشوارد، ويقيد فيها الأوابد.
ولأجل ما مر استحق البخاري أن يكون بحق أنموذجا عن جماع نضوج العلم في طبقته وطبقة مشايخه ودليله، فلذلك طوى في كتبه العظام علم النقدة الكبار من مشيخته ومن قبلهم، سواء ذاك الذي تلقاه بالسماع والقراءة، أو ذاك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الذي حاز حق روايته من المجاميع والأجزاء والمصنفات والتواريخ وكتب الرجال، ولقن عن مشيخته فنون التصنيف، وبذلك استحقت مصنفات البخاري أن تمثل روح جميع تصانيف القرن الثاني والثالث، ولسنا في معرض الحديث عن موارده الظاهرة أو الخفية برمتها، فما يهمنا منها غير تواليف الفلاس، وقد أمكنتنا الفرصة لتبين ذلك بعد أن أمطنا اللثام بحمد الله عن كتاب التاريخ، وأردفناه في هذا العمل بجزء العلل، فاستقام لنا ما قصدناه دون غيرنا إذ لم يكن باليد قبل ما به تتبين وتتماز مآخذ البخاري عن الكتب من غيرها.
مواصفات نقول البخاري عن أبي حفص:
أول ما يجبه المتأمل في مجمل النقول عن الفلاس:
أ ـ كثرتها واتساع فنونها:
لم يخل البخاري أي كتبه من النقل عن الفلاس - حاشا جزء بر الوالدين(1) - فنقل عنه في الصحيح والتاريخين والضعفاء والأدب المفرد والقراءة خلف الإمام، فجمع بين المتون والأخبار والنقود، وفي فهارس هاته الكتب غنية عن التتبع.
ب - اعتزاز الجعفي بالأخذ عن شيخه:
وهو أمر لا تخطئه العين في تضاعيف الكتب كلها، لكن بعض المواطن تفصح عنه إفصاحا، كقول البخاري: «حدثنا أبو عاصم؛ وأفهمني بعضه عنه، أبو حفص بن علي…»(2). فقد أقر أنه سمع الحديث من أبي عاصم ولم يتبين بعضه إلا بمساعدة الفلاس، ولولا أنه يعتز بما يأخذه عنه لطوى هذا التفصيل وسكت عنه، ولكن أدب المحدثين في إناطة الفوائد بأصحابها دعاه إلى ما ترى؛ وهو باب من التعظيم عظيم؛ لأن فيه إلى شرف الاكتساب، شرف الانتساب.--------------------------------------------
(1) وهو بعد صغير الجرم، لا تصح مقارنته بكتبه الأخرى.
(2) الأدب المفرد: 371؛ ر: 1081.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
وتحديث أبي عبد الله عنه في عشرات المواضع وتعليق النقول عنه بين، وعبارات التلقي عنه بأخص من ذلك دليل لائح على مبلغ اعتزازه؛ فمنه للمثال: قوله في خصوص «التاريخ الكبير»(1): «قال لي عمرو بن علي»؛ «قاله لي عمرو بن علي»:
23/ 1؛ ر: 19 - 147/ 1؛ ر: 440 - 162/ 1؛ ر: 481 - 218/ 1؛ ر: 686 - 235/ 1؛ ر: 742 - 269/ 1؛ ر: 863 - 284/ 1؛ ر: 916 - 1/ 490؛ ر: 1307 - 1/ 415؛ ر: 1325 - 434/ 1؛ ر: 1396.
ج - أنه أمين على ألفاظ المؤلف:
أفضت معارضة نقول البخاري عن تاريخ الفلاس وعلله، إلى نتيجة مفادها أن أبا عبد الله كان أمينا على ألفاظ المؤلف، فيظهر أنه كان ينقل عن نسخة من الكتابين، وقد وقفت على أكثر من نقل صريح عن كتاب العلل في التاريخ الأوسط: 329/ 3؛ ر: 508 - 443/ 3 - 444؛ ر: 662 - 553/ 3؛ ر: 839 - 448/ 3 - 449؛ ر: 669 - 639/ 3؛ ر: 985 - 641/ 4؛ ر: 987.
وأحيانا تقع الإفادة من كتاب «العلل» دون النقل الصريح، مثل قوله في «التاريخ الكبير»(2): «قال الفلاس: وسمعت يزيد بن زريع يقول: عدلت عن أبي بكر الهذلي وأبي هلال عمدا». فأسقط البخاري واسطة الفلاس، وعزا الكلام له رأسا، وقصر الكلام على الهذلي دون قرينه. وكان الله أدق في كتاب «الضعفاء»(3)، فساق الكلام على التردد وقال: «قال عمرو بن علي أو غيره: عدلت عن أبي بكر الهذلي عمدا».
ويعمد البخاري في بعض الإفادات من الفلاس إلى الاختصار، مثلما فعل في رسم أبي الغصن من التاريخ الكبير إذ قال: «إسحاق، أبو الغصن:--------------------------------------------
(1) اقتصرنا على ما في المجلد الأول منه، لتقصيد وظيفة الإيراد.
(2) 4/ 198؛ رت: 2478.
(3) رواية مسبح: وه ظ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
«خاصمت إلى شريح…»؛ قوله. قاله لي عمرو؛ حدثنا يحيى بن سعيد سمع إسحاق، ثم تركه يحيى»(1). وأصل الخبر في العلل: «وحدثنا يحيى، بحديث إسحاق أبي الغصن، ثم تركه بعد؛ سمعته يقول: حدثنا إسحاق أبو الغصن، قال: بعت من رجل بغلا، فخرج على رجله جرد؛ فجاء يخاصمني، فارتفعنا إلى شريح، فقال للمشتري: بينتك أنه باعك وهذا به. فقال: استخلفه؛ فحلفني، فحلفت أني بعته وما هو به. فأجاز عليه البيع»(2).
2 - ضروب من إفادة المؤلفين في العلل من الكتاب:
قل كتاب من كتب الرجال المعتبرة إلا واستفاد أصحابها من كتب الفلاس بشكل مباشر أو بوسائط، وكان من هؤلاء: مسلم بن الحجاج، والعقيلي، وابن حبان، والرامهرمزي، وابن عدي، وأبو أحمد الحاكم، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر النمري… وبعض هؤلاء كالعقيلي وابن عدي لا يجدان أحيانا في الترجمة غير ما أورده الفلاس، فتكون عندهما مأخوذة برمتها عنه إذ هو المستبد بإيرادها؛ كما تلفيه في كتابيهما في رسوم إسحاق بن الصباح(3)، وعمر بن شوذب(4)، وإسحاق أبي الغصن(5)، ومحمد بن أبي عدي الكوفي(6)، وعبد الله بن عثمان بن خثيم…(7).
وقد اقتصرنا أن نمثل باثنين من الرواد هما ابن أبي حاتم والدارقطني؛ لاختصاصهما بالتأليف في العلل، ووضوح ملامح التأثر في كتابيهما:
أ - أبن أبي حاتم الرازي:
وأول ما يتعلق به ذلك التقدير الباذخ من والده أبي حاتم لشيخه--------------------------------------------
(1) 1/ 399، ر: 1270.
(2) علل الفلاس: رقم 66.
(3) الضعفاء: 1/ 308؛ ر: 122؛ الكامل: 2/ 179؛ ر: 167.
(4) الضعفاء: 4/ 163؛ ر: 1169.
(5) الضعفاء: 1/ 311؛ ر: 124؛ الكامل: 2/ 171؛ ر: 161.
(6) الضعفاء: 5/ 218؛ ر: 1596.
(7) الضعفاء: 3/ 284؛ ر: 851.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الفلاس، وهو يتبدى بأيسر ملابسة، فقد كان يمكنه من كتابه العللي ليضرب على من لا يرتضى من الرواة(1)، ثم هو يصدق نقدات أبي حفص العللية؛ كما فعل في هذا الموضع: «قال عبد الرحمن: قال أبو حفص عمرو بن علي: الحديث عن أبي أمامة، وقوله: «أخبرني العباس»، كلام ابن جريج. قال أبي: هو كما قال عمرو بن علي(2). وقد بلغ من معرفة أبي حاتم بالفلاس وأسلوب شيخه القطان أن يقول: هذا من كلامه وهذا ليس من كلامه؛ ولذلك خطأه في خبر ساقه في «علله»؛ قال ابنه(3): «سألت أبي عن حديث رواه أبو حفص الصيرفي فقال: أفدت عفان: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، في المهدي. فحدثه به يحيى بن سعيد، فقال: ليس كذا أريد، فلقنه فتلقنه. ثم قال: ما هكذا حدثنا سفيان، ولكن لا بأس به!». قال أبي: ما أخوفني أن يكون أبو حفص غلط؛ ليس هذا كلام يحيى، لم يكن يحيى من الرجال الذي يقول: لا بأس بمثل هذا، لا أدري من أين جاء به أبو حفص». اهـ. ولا شك أن هذا ينم عن إدراك وبصارة بالشيخ وكتبه وما يصدر عنه من نقد، ومعرفة أكيدة بمشيخته واصطلاحاتها. وقد كان أيضا ممن واكب الفلاس واختياراته، وعرف بعض مراجعاته؛ فمن ذلك قول عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: حدثنا عمرو بن علي الصيرفي؛ قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ينتعل الرجل قائما، أو يشتمل الصماء». فسمعت أبي يقول: ثم رجع أبو حفص عن قوله: «نهى أن ينتعل الرجل قائما، وكان قديما حدثنا به»(4).
وكان نقل ابن أبي حاتم عن علل الفلاس أكثر في «الجرح والتعديل» منه في «علل الحديث»، فجاءت نقوله غزيرة متعددة بلغت 77 نقلا؛ وهذا سياق أرقامها في كتابنا:--------------------------------------------
(1) علل الحديث: 5/ 124؛ ر: 1856؛ 8/ 386؛ ر: 1761.
(2) علل الحديث: 6/ 18؛ ر: 2276.
(3) 2/ 408؛ ر: 2731.
(4) علل ابن أبي حاتم: 6/ 20؛ ر: 2278.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
4: 5: 15: 17: 18: 20: 22: 30: 53: 74: 75: 76: 77: 88: 104: 108: 109: 110: 119: 143: 175: 176: 181: 182: 207: 211: 212: 213: 215: 216: 217: 218: 219: 222: 223: 225: 226: 227: 228: 229: 232: 234: 235: 237: 238: 239: 240: 244: 246: 252: 253: 255: 256: 257: 258: 259: 260: 262: 265: 267: 268: 272: 274: 281: 286: 287: 291: 292: 293: 298: 300: 301: 302: 305: 314: 307
وليست هاته المواطن كلها مما نقله ابن أبي حاتم، بل فيها ما نقل جميعه، وفيها ما نقل بعضه، وفيها ما اختصره وتصرف فيه.
وسلك ابن أبي حاتم سبيله إلى كتاب عمرو من طريق والده وطريق محمد بن إبراهيم بن شعيب، ونثر كثيرا من مادته في أضعاف كتبه، وتجدر الإشارة إلى أن كثيرا من النقول في الجرح عن الفلاس مما لا أثر له في كتابي «التاريخ» و «العلل»، يكاد يكون مسموعا لمحمد بن إبراهيم عن المؤلف في مجالس لا نقلا عن كتاب.
وعظمت إفادة ابن أبي حاتم في كتاب «الجرح» - وخاصة في مقدمته - من كتاب أبي حفص، وظهر ذلك جليا في مناحي ترجمة الحافظ يحيى بن سعيد القطان، وفي باب ما ذكر من كلام يحيى بن سعيد في «علل الحديث»(1) على الأخص. فلم يستفد ابن أبي حاتم من أخبار الفلاس وقضاياه فحسب، بل تابعه في نسق الأخبار، فنقلها عنه في بعض الأحيان بترتيبها في الأصل؛ كما يعلم بالنظر في تتاليها في المسرد الآتي.
على أن عبد الرحمن كان يغير عبارة الفلاس حين لا تخدم وضوح
المعنى الذي يقصد إليه؛ كما في تغييره لقول عمرو: «عن الرجل يكون واهي--------------------------------------------
(1) 1/ 232
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
الحديث»، بقوله هو: «عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث»، أو يتصرف فيها بالاختصار، مما لا يوقف على معناه إلا بالعراض على أصله؛ من قبيل اختصاره قصة أبي الغصن مع شريح، فقد أشار إليها في قرابة كلمتين: «ارتفعت إلى شريح»(1). ومنه: أن ابن أبي حاتم عمد إلى قول الصيرفي: «سألت أبا الوليد هشام بن عبد الملك، عن حرب بن سريج؛ فقال: كان جارنا، ولم يكن به بأس، ولم نسمع منه شيئا»(2)، فاقتطع منه العبارة الأخيرة(3): «ولم نسمع منه شيئا»؛ لكيلا تشغب على الحكم النقدي المقصود وهو وثاقة الراوي، فإن لعدم السماع منه إيحاء بالتوقف في هذا الحكم. لكنه غالبا ما يقصد إلى التدقيق، فلا يكاد يخالف ألفاظ المؤلف. وقد يجمع تفاريق كلام الفلاس عن رأي واحد في موضع واحد ثم يختصره بعد ذلك، مثلما فعل مع أخبار أبي بكر الهذلي(4) الموزعة في العلل(5) على ثلاثة مواضع.
ب - الدارقطني:
لم يتوان أعظم مؤلف في العلل عن حشد أصول كتب الفن وتضمينها في كتابه، فأفاد الدارقطني من جزء الفلاس هذا مصرحا باسمه حينا، وساكتا عنه أحيانا؛ ولنكتف بمثالين على الحالين معا؛ فمن الأول عند قول أبي حفص: «وسمعت محمد بن أبي عدي؛ قال: حدثنا حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن بريدة، أن سعد بن عبادة أتى النبي صلى الله عليه وسلم بدابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صاحب الدابة أحق بصدرها». فقلت أنا ورجل كان معي: إن معاذ بن معاذ حدثناه عن حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن بريدة: أن معاذ بن جبل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بدابة. فقال: معاذ خير مني وأحفظ(6).--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل: 2/ 240؛ ر: 853.
(2) العلل: ر: 175.
(3) ن: الجرح والتعديل: 3/ 250؛ ر: 1114.
(4) ن: الجرح والتعديل: 4/ 313؛ رت: 1365.
(5) ر: 77؛ 254؛ 255.
(6) العلل: ر: 209.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
قلت: وقد نثر الدارقطني في «علله»(1) كلام المؤلف وسماه عند سؤاله لابن أبي عدي؛ كأنه أفاد بعض الكلام منه، غير أن مادة تعليقه على الحديث برمتها مأخوذة بتصرف عن علل الفلاس؛ كما يظهر بالمقارنة.
ومن الثاني؛ مما أفاده علي بن عمر عن أبي حفص وطوى مأخذه فيه؛ عند قول صاحب الأصل: «وكان يحيى يتقي الحديث عن علي بن زيد؛ فسألته مرة عن حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عقبة بن صهبان، عن أبي بكرة، عن النبي في قوله: {ثلة من الأولين} [الواقعة: 13]، فقال: «حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عقبة بن صهبان، عن أبي بكرة، عن النبي»؛ ثم تركه»(2).
وينظر إليه قول الدارقطني(3): «يرويه خاقان بن عبد الله بن الأهتم، عن علي بن زيد، عن ابن صهبان، عن أبي بكرة مرفوعا، ورواه حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عمن سمع أبا بكرة موقوفا، ولم يثبت، وخاقان ليس بالقوي، وكان يحيى القطان حدث به، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عقبة بن صهبان، عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تركه».
قلت: فلولا أننا وقفنا على كلام الفلاس، لعمي علينا تبين أصل كلام أبي الحسن.--------------------------------------------
(1) 6/ 80؛ ر: 990.
(2) كتاب العلل: رقم 253.
(3) 7/ 164؛ ر: 1277.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)