قال الخطيب في تاريخه: وعلي الذي أسند هذا الحديث ليس بابن أبي طالب وإنما هو علي بن طلق الحنفي بيَّن نسبه الجماعة الذين سميناهم في روايتهم هذا الحديث عن عبد الملك وقد وهم غير واحد من أهل العلم فأخرج هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب(1). وقد نبَّه إلى هذا الوهم أيضاً ابن عساكر(2)، وابن كثير، والهيثمي(3)، وابن حجر(4).
قال ابن كثير: ومن الناس مَنْ يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل والصحيح أنه علي بن طلق(5).
وخالفهم الشيخ أحمد شاكر فذكر في تعليقه على المسند(6) إلى أنَّ قول الترمذي ومَن وافقه كابن كثير وابن حجر وغيرهم خطأ وأنَّ الصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد وأنَّ الحديث هو لعلي بن أبي طالب وليس لعلي بن طلق.
والصحيح هو ما ذهب إليه الترمذي والنسائي ومَن تابعهم وذلك لأن وكيعاً رواه عن عبد الملك بن مسلم ولم ينسب علياً، ورواه أحمد بن خالد فقال: علي بن طلق، فهو مفسر لما أبهمه وكيع.--------------------------------------------
(1) تاريخ بغداد (10/ 398).
(2) ذكره محققو المسند (2/ 82).
(3) في المجمع (1/ 248) (4/ 302).
(4) تلخيص الحبير (1/ 274).
(5) في تفسيره (1/ 385).
(6) المسند (1/ 655).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
الأمر الثاني: روى هذا الحديث شعبة(1)، والثوري(2)، وجرير(3)، ومعمر(4)، وأبو معاوية(5)، وغيرهم(6) عن عاصم بن سليمان الأحول عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، ومسلم بن سلام هو الذي روى عنه ابنه عبد الملك وعنه وكيع هذا الحديث.
قلت: وقد وهم في هذا الحديث أيضاً ثلاثة من أئمة الحديث فقال شعبة: (طلق بن يزيد أو علي بن طلق). وقلب إسناده معمر كما تقدم وأسقط وكيع من الإسناد عيسى بن حطان لأن هذا الحديث قد خالفه فيه ستة من الحفّاظ فقالوا: (عن عبد الملك بن مسلم، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي) فانظره في أبوابهم(7).
9 - اختلاف المتون والألفاظ:
قد يأتي في بعض المتون زيادات ليست في الحديث الآخر، فيدخل بعض الرواة في حديث شيخه ما ليس فيه، مثال ذلك: روى الزهري من حديث ابن عباس حديث الانتفاع بجلود الميتة ولم يذكر الدباغ.--------------------------------------------
(1) أحمد (24000/ 35) وابن قانع في «معجم الصحابة» (2/ 43) و (3/ 271) إلا أنه قال فيه: عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق.
(2) أحمد (24000/ 36) مجلد (39/ 470).
(3) أبو داود (205) (1005)، والنسائي (9026)، وابن حبان (2237).
(4) عبد الرزاق (2095) (529) وأحمد (24000/ 33) إلا أنه قلب إسناده فقال: مسلم بن سلام عن عيسى بن حطان عن علي بن طلق. وسيأتي في بابه.
(5) الترمذي (1164)، والنسائي (9025)، وابن حبان (4199).
(6) وسيأتي في باب أحمد بن حنبل ح (1377).
(7) حديث شعبة (56)، حديث معمر (224) حديث وكيع (336).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
ورواه عمرو بن دينار من حديث ابن عباس وذكر الدباغ.
وروى ابن عيينة حديث الزهري فذكر فيه الدباغ وخالف جماعة من أصحاب الزهري وخالف مذهب الزهري في كونه يرى الانتفاع بها بدون الدباغ(1).
مثال آخر: روى ابن عمر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في تحري ليلة القدر في السبع الأواخر، وروى معاوية ذلك ليلة سبع وعشرين، وعند شعبة الحديثان، فأدخل متن حديث معاوية في حديث ابن عمر(2).
10 - الجمع بين الشيوخ:
وهو أن يجمع الراوي بين حديث شيخين أو أكثر بإسناد واحد، وبين حديثهما اختلاف ولا يشير إليه، ويسوقه بلفظ أحدهما فيقع في الوهم إذ يحمل رواية أحدهما على الآخر.
والأصل تأدية كل حديث كما سمعه وإن أراد أن يجمع بينهما وجب عليه أن يميز بين لفظيهما إن كان هناك اختلاف.
وقال الخليلي: ذاكرت يوماً بعض الحفَّاظ فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة. قال: لأنه يجمع بين حديث أصحاب أنس فيقول: ثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب وربما يخالف في بعض ذلك، فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو--------------------------------------------
(1) انظره: في باب ابن عيينة ح (89).
(2) انظره: في باب شعبة ح (62).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
يجمع بين أسانيد فيقول: حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي رحمة الله تعالى عليهم في أحاديث ويجمع بين غيرهم، فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له(1).
ونقل الأثرم عن الإمام أحمد(2) قوله: (في حديث حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في آنية المشركين، قال أحمد: هذا من قبل حماد كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال ثم يجعله إسناداً واحداً).
ومن أمثلة ذلك ما وقع لعبد الرحمن بن مهدي، وهو إمام ثقة ثبت حافظ، فقد روى عن سفيان الثوري، عن منصور والأعمش وواصل عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذنب أعظم عند الله … الحديث(3). وهو وهم في ذلك فإنَّ سفيان يرويه عن واصل، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، لا يذكر عمرو بن شرحبيل، ويرويه عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود.
وقد نبَّهه على وهمه عمرو بن علي فقال: دعه دعه ذكره البخاري.--------------------------------------------
(1) الإرشاد (1/ 417 - 418).
(2) شرح علل الترمذي لابن رجب (2/ 670)، وانظره: في باب حماد بن سلمة ح رقم (243). انظر: منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث للدكتور بشير علي عمر (1/ 378).
(3) انظر ح (358).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وقد وقع لعبد الرزاق أوهام سببها جمعه حديث الثوري ومعمر وغيرهم أشرنا إليها في مواضع من كتاب الثوري وسيأتي مفصلاً في كتابه.
11 - الإدراج:
وهو أيضاً من أسباب وقوع الوهم في أحاديث الرواة الثقات. والإدراج مصدر أدرج وهو إدخال الشيء في الشيء وضمّه إياه، والحديث المدرج هو ما كان فيه زيادة ليست منه، وهو أن يدرج الراوي في حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم شيئاً من كلام غيره مع إيهامه كونه من كلامه.
ومن أمثلة ذلك ما وقع للإمام الأوزاعي(1) فإنه قد روى عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «بكِّروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنَّ مَنْ فاته صلاة العصر فقد حبط عمله».
خالفه هشام الدستوائي، وشيبان، ومعمر فرووه عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد فقالوا: كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم فقال: بكِّروا بصلاة العصر فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ ترك العصر فقد حبط عمله». وهم الأوزاعي فأدرج قول بريدة: بكِّروا الصلاة في يوم الغيم في حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه(2) من حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في قنوته صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) ح (233).
(2) صحيح البخاري (4560) ومسلم (675).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
يدعو على أحياء من العرب حتى أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} وقد استشكل ذلك، فإنَّ هذه الآية نزلت في غزوة أُحد ودعائه على أحياء من العرب وهم رعل وذكوان كما جاء في رواية أخرى بعد أُحد، لكن بيَّن يونس بن يزيد أنَّ قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} من كلام الزهري ذكره بلاغاً كما عند مسلم وغيره(1)؛ لذا كان موسى بن عقبة يقول للزهري: افصل كلامك عن كلام النبيِّ صلى الله عليه وسلم. لما كان يحدِّث به من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخلطه بكلامه(2).
وهناك أحاديث كثيرة في كتابي هذا علّتها الإدراج يمكن أن تكون بحثاً مستقلاً أسأل الله بفضله وكرمه أن ييسِّر تمامه.
12 - التقليد:
وهو أن يقلِّد أحد الثقات فيتابعه في روايته أو يدلسه عنه فيتابعه في الوهم.
قال أبو داود: قال أبو عوانة يوماً: حدثنا مالك بن عرفطة عن عبد خير، فقال له عمرو الأعصف: رحمك الله يا أبا عوانة، هذا خالد بن علقمة، ولكن شعبة مخطاء فيه. فقال أبو عوانة: هو في كتابي خالد بن علقمة، ولكن قال لي شعبة: هو مالك بن عرفطة(3).
وقال عبد الله بن المبارك في حديث وهم فيه سفيان بن عيينة وتابعه ابن جريج قال: أرى أنَّ ابن جريج أخذه عن ابن عيينة(4).--------------------------------------------
(1) انظر: فتح الباري (8/ 227)، والجمع بين الصحيحين للحميدي (3/ 35)، وانظره: في باب إبراهيم بن سعد، ح (743).
(2) الفصل للوصل (1/ 330).
(3) انظره: في باب شعبة ح رقم (49).
(4) سنن الترمذي عقب الحديث (1009).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
وأظن أنَّ حماد بن سلمة قد قلَّد الثوري فتابعه في الوهم إذ روى عنه متابعته ومخالفته(1).
13 - اختلاف الأمصار:
وسببه قصر الصحبة والملازمة لاختلاف البلاد؛ فلهذا السبب قُدّم أحاديث بعض الرواة في شيخ ما على مَنْ هو أحفظ منهم لاختصاصه بشيخه وطول ملازمته له.
ومن ذلك قُدَّم يونس بن يزيد الأيلي على سفيان بن عيينة في الزهري وذلك لقصر صحبة سفيان له(2).
كما قُدِّم حماد بن سلمة في ثابت على شعبة وحماد بن زيد وهما أحفظ منه.
وذكرنا في باب سفيان الثوري أنَّ هناك أربعة عشر حديثاً وهم فيها كان من علَّتها اختلاف الأمصار.
هذه هي أهم الأسباب وهناك أسباب أخرى ثانوية إلا أنها تدخل في عموم هذه الأسباب وأهمها عدم قيد الحديث حين سماعه والتحديث من غير كتاب، وقد ذكرت عقب بعض الأحاديث علة الوهم ممَّا ظهر لي، والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل. وهنا أحب أن أتمثل بقول الحافظ ابن حجر:--------------------------------------------
(1) انظر: ح رقم (7).
(2) انظره: في خاتمة أحاديث ابن عيينة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
وقائل هل عمل صالح … أعددته ينفع عند الكرب
فقلت حسبي خدمة المصطفى … وحبه فالمرء مع من أحب
وفي الختام أسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يتقبّل عملي هذا ويكتب القبول له وأن ينفعني به وينفع المسلمين به وما كان فيه من صواب فبفضل الله وتوفيقه وما كان فيه من خطأ وزلل فأستغفر الله منه وأطلب من إخواني المسلمين مَنْ وجد خطأً أن ينبهني إلى الصواب وصلَّى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين.
كتبه أبو حمزة الشنفري سعيد بن عبد القادر بن سالم باشنفر غفر الله له ولوالديه وذريته والمسلمين بمدينة جدة في 7 صفر 1433 هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
أوهام سفيان الثوري
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
الإمام سفيان الثوري
اسمه ونسبه (1):
سفيان بن سعيد بن مسروق من ذرية ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله الثوري الكوفي.
ولد سنة 97 في بيت علم، فأبوه سعيد بن مسروق الثوري كان من أهل الحديث من أصحاب الشعبي وخيثمة بن عبد الرحمن، وعداده في صغار التابعين، وحديثه في الصحيحين وغيرهما من رواية ابنه سفيان وعمر ومبارك وشعبة وزائدة وأبو عوانة وغيرهم، وجده مسروق شهد الجمل مع علي، وهذا مما مكنه من طلب العلم وهو حدث حتى قال شيخه أبو إسحاق السبيعي لما رأى سفيان مقبلاً: { .. وآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)}.--------------------------------------------
(1) طبقات ابن سعد (6/ 270 - 274)، الجرح والتعديل (1/ 55 - 126)، تاريخ بغداد (9/ 171 - 174)، حلية الأولياء (6/ 356 - 393)، (7/ 3 - 144)، تهذيب الكمال (3/ 217 - 221)، المعرفة والتاريخ (1/ 713 - 728)، سير أعلام النبلاء (7/ 229 - 279)، العلل ومعرفة الرجال رواية المروذي وغيره (3/ 364).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وقال الوليد بن مسلم: رأيت الثوري بمكة يُستفتى ولما يخط وجهه بعد.
قال أبو المثنى: سمعتهم بمرو يقولون: قد جاء الثوري، قد جاء الثوري، فخرجت أنظر إليه، فإذا هو غلام قد بقل وجهه.
قال الذهبي معلقاً: كان ينوه بذكره في صغره من أجل فرط ذكائه وحفظه، وحدث وهو شاب.
ويقال: إن عدد شيوخه ستمائة شيخ وكبارهم الذين حدثوه عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله وابن عباس وأمثالهم.
أما الرواة عنه فخلق كثير ذكر أبو الفرج ابن الجوزي أنهم أكثر من عشرين ألفاً، وهذا مبالغ فيه فأكثر مَنْ روي عنه من الحفاظ هو مالك وبلغوا نحو ألف وأربعمائة، قاله الذهبي.
سعة علمه وفقهه وفضله:
قال سفيان بن عيينة: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري.
وقال عبد الله بن المبارك: لا أعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان الثوري.
وقال أيضاً: ما رأيت مثل سفيان كأنه خلق لهذا الشأن.
وقال عبد الرحمن بن الحكم: ما سمعت بعد التابعين بمثل سفيان.
وقال أحمد بن حنبل: قال سفيان بن عيينة: لن ترى بعينك مثل سفيان الثوري حتى تموت، قال أحمد: هو كما قال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وقال معمر لما بلغه قدوم سفيان اليمن: يقدم عليكم محدث العرب.
وقال ابن أبي ذئب: ما رأيت رجلاً من أهل العراق مثل ثوريكم هذا.
وقال أيضاً: ما رأيت أشبه بالتابعين من الثوري.
وقال بشر الحافي: كان الثوري عندنا إمام الناس، وقال أيضاً: سفيان في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما.
وقال أيوب السختياني وهو من شيوخه: ما قدم علينا من الكوفة أحد أفضل من سفيان الثوري.
وقال ابن راهويه: سمعت عبد الرحمن بن مهدي ذكر سفيان وشعبة ومالكاً وعبد الله بن المبارك فقال: أعلمهم بالعلم سفيان.
وقال يونس بن عبيد: ما رأيت كوفياً أفضل من سفيان.
وقال يحيى القطان: سفيان الثوري أحب إليّ من مالك في كل شيء يعني: في الحديث وفي الفقه وفي الزهد.
وقال أيضاً: كان سفيان أعلم بحديث الأعمش من الأعمش.
وقال: ليس أحد أحب إليّ من شعبة ولا يعدله عندي أحد، فإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان.
وقال الدوري: رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان الثوري في زمانه أحداً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وقال الدارمي: عن يحيى بن معين ليس أحد يخالف سفيان الثوري إلا كان القول قول سفيان.
وقال الدارمي ليحيى بن معين: سفيان أحب إليك في الأعمش أو شعبة؟ فقال: سفيان أحب إليّ من الأعمش.
وقال: كان يحيى بن معين يقدم سفيان على شعبة في حديث الكوفيين إذا اختلفا، وأما في حديث البصريين فقال يحيى: ليس يقال يخالف شعبة سفيان في حديث البصريين.
وقال إسحاق بن إبراهيم عن أحمد: الثوري أعلم بحديث الكوفيين ومشايخهم من الأعمش.
وقال أبو حنيفة: لو حضر علقمة والأسود وهما من أصحاب ابن مسعود لاحتاجا إلى سفيان.
وقال شعبة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وكذا قال ابن عيينة ويحيى بن معين وغيرهم.
حفظه وإتقانه:
قال عبد الرزاق: كان سفيان يقول: ما استودعت قلبي شيئاً فخانني.
وقال وكيع: ذكر شعبة حديثاً عن أبي إسحاق، فقال رجل: إن سفيان خالفك فيه، فقال: دعوه سفيان أحفظ مني.
وقال أحمد بن حنبل: سفيان فقيه حافظ زاهد إمام أهل العراق،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وأتقن أصحاب أبي إسحاق، وهو أحفظ من شعبة، وإذا اختلف الثوري وشعبة فالثوري.
وقال أبو داود: ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا يظفر به سفيان خالفه في أكثر من خمسين حديثاً(1).
من أقواله:
قال سفيان: لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إليّ من أن أحتاج إلى الناس.
وقال: ما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً قط إلا عملت به ولو مرة، وقال: ليس الزهد بأكل الغليظ، ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل وارتقاب الموت.
وقال: المال داء هذه الأمة، والعالم طبيب هذه الأمة، فإذا جرّ العالم الداء إلى نفسه، فمتى يبراء الناس.
وقال: زيِّنوا العلم والحديث بأنفسكم، ولا تتزينوا به، وقال: إني لأرى الشيء يجب عليّ أن أتكلم فيه، فلا أفعل فأبول دماً.
وقال: كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن.
وقال: السلامة في أن لا تحب أن تعرف.
وقال ابن المبارك: قال لي سفيان: إياك والشهرة فما أتيت أحداً إلا وقد نهى عن الشهرة.--------------------------------------------
(1) ليس هذا على إطلاقه فقد خالفه شعبة في أحاديث كان القول فيها قول شعبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
وقال: مَنْ أصغى إلى صاحب بدعة وهو يعلم خرج من عصمة الله ووكل إلى نفسه، ومَن سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه لا يلقها في قلوبهم.
وقال: ليس بفقيه مَنْ لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة.
قال ابن حجر: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
الحديث الأول (1):
1 - قال الإمام البخاري (3060): حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة رضي الله عنه قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لي مَنْ تلفظ بالإسلام من الناس»، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟! فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف.
حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش: فوجدناهم خمسمائة، قال أبو معاوية: ما بين ستمائة إلى سبعمائة.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه أبو بكر الشافعي في الفوائد (الغيلانيات) (868)،--------------------------------------------
(1) رجال الإسناد:
محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي الفريابي نزيل قيسارية من ساحل الشام ثقة فاضل … ، من التاسعة مات سنة 212، روى له البخاري ومسلم.
سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ عارف بالقراءات ورع، لكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة 147 أو 148 روى له البخاري ومسلم.
شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي ثقة، من الثانية، مخضرم مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة، روى له البخاري ومسلم.
حذيفة بن اليمان صحابي جليل من السابقين، وأبوه صحابي أيضاً، استشهد بأحد، ومات حذيفة في أول خلافة علي رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
والبغوي في شرح السنّة (2744) من طريق أبي حذيفة، وابن منده في الإيمان (452) من طريق أحمد بن يوسف، والفريابي وموسى بن مسعود، والبيهقي (6/ 363) من طريق الفريابي ثلاثتهم الفريابي وأحمد بن يوسف وأبو حذيفة موسى بن مسعود عن سفيان الثوري به.
هكذا قال سفيان عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لي مَنْ تلفظ بالإسلام من الناس» فكتبنا له ألفاً وخمسمائة.
خالفه أبو معاوية محمد بن خازم(1)، وعبد الله بن نمير(2)، وسليمان بن قرم(3)، فرووه عن الأعمش فقالوا: ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة، ورواه أبو حمزة محمد بن ميمون(4)، ويحيى بن سعيد الأموي(5)، وأبو بكر بن عياش(6)، فقالوا: خمسمائة، ورووه بلفظ: «احصوا».
وقد رجح الحافظان ابن حجر والعيني رواية سفيان الثوري على رواية أبي معاوية، وكأني بهما لم يقفا على رواية ابن نمير وسليمان بن قرم الموافقة لرواية أبي معاوية.--------------------------------------------
(1) مسلم (149)، وابن ماجه (4029)، والنسائي في الكبرى (8875)، وأحمد (5/ 384)، وأبو نعيم في المستخرج على مسلم (375)، وأبو عوانة (299)، وابن منده (453).
(2) أبو نعيم (375).
(3) البزار (2665).
(4) البخاري (3060)، وأبو عوانة (300).
(5) الإسماعيلي كما في فتح الباري (6/ 178).
(6) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
ورجح الألباني رواية أبي معاوية، إلا أنه قصر فنسب رواية سفيان الثوري إلى أبي بكر الشافعي في الفوائد، وحمل الوهم على أبي حذيفة وفاته أن الحديث في البخاري، وقد توبع أبو حذيفة كما قدّمنا.
قال الحافظ ابن حجر: في رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلم: «احصوا» بدل «اكتبوا» وهي أعم من «اكتبوا»، وقد يفسر احصوا باكتبوا … ، قوله (حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش فوجدناهم خمسمائة).
يعني أن: أبا حمزة خالف الثوري عن الأعمش في هذا الحديث بهذا السند، فقال: خمسمائة … قال أبو معاوية: ما بين ستمائة إلى سبعمائة … وكأن رواية الثوري رجحت عند البخاري فلذلك اعتمدها لكونه أحفظهم مطلقاً وزاد عليهم، وزيادة الثقة الحافظ مقدمة، وأبو معاوية وإن كان أحفظ أصحاب الأعمش بخصوصه، ولذلك اقتصر مسلم على روايته، لكنه لم يجزم بالعدد، فقدم البخاري رواية الثوري لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين، ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية.
وأما ما ذكره الإسماعيلي أن يحيى بن سعيد الأموي وأبا بكر بن عياش وافقا أبا حمزة في قوله: خمسمائة، فتتعارض الأكثرية والأحفظية، فلا يخفى بعد ذلك الترجيح بالزيادة ولهذا يظهر رجحان نظر البخاري على غيره …(1).
وقال العيني نحو ذلك(2).--------------------------------------------
(1) فتح الباري (6/ 178).
(2) عمدة القاري (14/ 305).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
وقال الألباني عقب أن ذكر رواية أبي معاوية أخرجه مسلم … ، وتابعه سفيان فقال أبو بكر الشافعي في الفوائد: حدثني إسحاق نا أبو حذيفة نا سفيان عن الأعمش به، إلا أنه قال: «ونحن ألف وخمسمائة»، وهو وهم من أبي حذيفة، واسمه موسى بن مسعود النهدي، وهو صدوق سياء الحفظ، وسائر رواته ثقات(1).
قلت: وقد علمت ما في قوله هذا من الوهم.
الترجيح:
رواية أبي معاوية ترجح على رواية سفيان للتالي:
1 أبو معاوية تابعه عبد الله بن نمير، وسليمان بن قرم، فقالوا: ما بين الستمائة إلى السبعمائة، وكذلك تابعوه في لفظ: «احصوا»، وقريباً مما ذكراه قاله أبو حمزة السكري، ويحيى بن سعيد الأموي، وأبو بكر بن عياش، بينما تفرد سفيان بذكر ألف وخمسمائة.
2 قد جاء ذكر الألف وخمسمائة في حديث جابر رضي الله عنه في يوم الحديبية(2) وفي أصحاب الشجرة(3)، بينما لم يأتِ ذكر الستمائة إلى السبعمائة إلا في هذا الحديث، والعدد الذي جاء في حديث أقرب أن يوهم فيه من غيره، والله تعالى أعلم.
الخلاصة:
اختلف في هذا الحديث على الأعمش:--------------------------------------------
(1) السلسلة الصحيحة (246).
(2) البخاري (3383، 3384)، ومسلم (1856).
(3) مسلم (1856).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
فقال سفيان: «اكتبوا لي» وخالفه مَنْ ذكرنا من أصحاب الأعمش فرووه بلفظ: «احصوا لي» وهي أعم من اكتبوا لي.
وقال سفيان: إن عددهم ألف وخمسمائة.
وخالفه أبو معاوية وهو مع سفيان أحفظ أصحاب الأعمش، وتابعه ابن نمير وهو من الثقات، وكذلك تابعه سليمان بن قرم، فقال ثلاثتهم: ستمائة إلى سبعمائة، وذكر قريباً من روايتهم أبو حمزة السكري، ويحيى بن سعيد الأموي، وأبو بكر بن عياش، فقالوا: خمسمائة.
ولا شك أن رواية الجماعة أضبط من الواحد، خاصة إذا علم أن العدد الذي ذكره سفيان قد جاء في غير هذا الحديث.
أما ترجيح الحافظ لرواية سفيان لأنه زاد، وزيادة الثقة مقبولة، ففيه نظر، لأنه ليس في رواية الثوري زيادة على رواية الجماعة، بل هي مخالفة؛ إذ أن الزيادة هي أن يذكر ما ذكره غيره ويزيد لا أن يخالفه فيما ذكر.
أما ترجيحه إياها بشك أبي معاوية وعدم جزمه بالعدد، فلعله لم يطلع على مَنْ تابع أبا معاوية، فإن كان هناك شك فإنما هو من الأعمش، وتوافقهم بذكر هذا العدد بالشك يدل على ضبطهم.
أما تخريج الإمام البخاري لرواية سفيان فإنه أعقبها برواية أبي حمزة مقتصراً على موطن الخلاف، ثم علّق رواية أبي معاوية ليبين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)