وذكر الزركشي أصل الخلاف في الكلام هل هو حقيقة في اللفظ أو في المعنى القائم بالنفس أو مشترك؟ وبيَّن عوده إلى أن الكلام صفة ذاتية أو فعلية، ثم قال: «ولعله أيضًا منشأ الخلاف في تفضيل بعض القرآن على بعض»(1).
وعليه فإن قيل إن كلام الله صفة ذاتية فيكون الكلام واحدًا، فلا يعقل فيه تبعض، فضلًا عن أن يعقل فيه فاضل ومفضول، وإذا كان الكلام كذلك، فالقرآن كذلك؛ لأنه كلام الله(2).
وإن قيل إن الكلام صفة فعلية، فمعنى ذلك جواز تبعضه، وإذا جاز تبعضه، جاز كون بعضه أفضل من بعض، وإذا جاز فيه ذلك، جاز في القرآن؛ لأنه كلام الله.
وهذه المسألة من المسائل التي ذكرها بعض الأصوليين(3) وليست هي من صميم أصول الفقه، ولهذا لم يعقد لها كثير من الأصوليين بحثًا مستقلًا، وإنما أشار إليها بعضهم عند حديثهم عن مسائل أخرى، خاصة في باب النسخ.
الرابعة: ترجمة القرآن ليست قرآنًا؛ لأن القرآن هو هذا النظم المعجز، وبالترجمة يزول الإعجاز فلم يجز(4)، إذ القرآن هو اللفظ والمعنى(5) «فإذا غُيِّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآنًا ولا مثله، وإنما يكون تفسيرًا له»(6).--------------------------------------------
(1) سلاسل الذهب (159 - 160)، وانظر: البرهان في علوم القرآن (1/ 522).
(2) انظر: إكمال المعلم (3/ 178)، الجامع لأحكام القرآن (1/ 109)، مجموع الفتاوى (17/ 52 - 53).
(3) انظر: شرح الكوكب (2/ 118).
(4) المجموع (3/ 341).
(5) وردت هذه المسألة عند الأصوليين استطرادًا وجوابًا على ما نقل عن أبي حنيفة في التعليل بجواز الصلاة بالقراءة بغير العربية.
انظر: كشف الأسرار (1/ 74)، التقرير والتحبير (2/ 213 - 214)، شرح منار الأنوار لابن ملك (9)، فواتح الرحموت (2/ 8).
(6) المغني (2/ 158).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
وعليه من قال: إن القرآن يطلق على اللفظ، أو اللفظ والمعنى، فإن اللفظ حينئذ يكون مقصودًا لكونه معجزًا، أو لكونه من حقيقة الكلام، فعلى هذا لا تجوز الترجمة؛ لأنها نقل للفظ، وتغيير له.
ومن قال: إن القرآن يطلق على المعنى فقط - وهو الصفة القائمة بالله تعالى- فإنه بأي لفظ تأدى به ذلك المعنى صح ذلك، فالعربية إنما أصبحت قرآنًا لكونها ألفاظًا أدت معنى الكلام النفسي، فكذلك كل لغة أدت المراد تكون قرآنًا(1).
الخامسة: تعريف النسخ بأنه بيان وليس رفعًا لكون خطاب الله قديمًا(2)، والقديم لا يصح رفعه(3).
ونوقش: بأن القائلين بالرفع لا يرون أن الحكم وهو الخطاب نفسه هو المرفوع، وإنما المرفوع هو مقتضى الخطاب، أو تعلق الخطاب بالمكلف لا الخطاب نفسه، والحكم يزول تعلقه بالخطاب لطريان العجز والجنون، ويعود بعود القدرة والعقل، والخطاب في نفسه لا يتغير(4).--------------------------------------------
(1) انظر: بدائع الصنائع (1/ 113).
(2) ومرادهم بكونه قديمًا أنه قديم بعينه، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يريدون بالقديم أنه متقدم على غيره، فإن هذا لا ينازعهم فيه المعتزلة، ولا غيرهم ممن يقول بأن كلام الله يحدثه في غيره.
انظر: مقالات الإسلاميين (2/ 201)، مجموع الفتاوى (12/ 371)، المواقف (294).
(3) انظر: المحصول (3/ 290)، البحر المحيط (4/ 65)، وانظر: تشنيف المسامع (2/ 859) روضة الناظر (1/ 286)، شرح مختصر الروضة (20/ 261 - 262)، شرح العضد (2/ 187)، التحبير (6/ 2879) حاشية البناني (2/ 113 - 114).
(4) انظر: المستصفى (1/ 109)، روضة الناظر (2/ 288)، شرح مختصر الروضة (2/ 263)، شرح العضد (2/ 187)، رفع الحاجب (4/ 33)، التحبير (6/ 2979).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
السادسة: عدم نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل؛ لأن كلام الله قديم، والقديم لا يتجزأ ولا يتبعَّض.
وبيانه: أن حقيقة النسخ قبل التمكن أمر ونهي في وقت واحد، وإذا كان الكلام لا يتجزأ فكيف يكون أمرًا ونهيًا لشيء واحد معًا(1).
ونوقش: بأن كلام الله واحد قديم، وهو متعدد باعتبار الإضافات، ولذا يتصور الامتحان به إذا سمعه المكلف في وقتين، وقد اشترطنا التراخي في النسخ، ولم يجز سمعهما في وقت واحد، فأما جبريل فيجوز أن يسمعهما في وقت واحد، ويؤمر بتبليغ الأمة في وقتين لكونه غير داخل تحت التكليف(2).
السابعة: من قال: إن كلام الله حقيقة في اللفظ والمعنى، ذهب إلى أن للأمر صيغة تدلّ عليه بمجردها.
ومن قال: إنّ كلام الله حقيقة في المعنى، قال: بأنّه ليس للأمر صيغة تدل عليه بمجردها، وأن المراد لا يتبين إلا بالقرائن الدالة على المقصود منه.
وما قيل: في الأمر يقال في صيغة النهي والعموم(3).
قال الجويني في البرهان: «اختلف الأصوليون في صيغة العموم، اختلافهم في صيغة الأمر والنّهي»(4).--------------------------------------------
(1) انظر: المستصفى (1/ 114)، الإحكام (3/ 132)، التنقيحات (170)، روضة الناظر (1/ 304).
(2) انظر: التلخيص (2/ 488 - 489).
(3) انظر: روضة الناظر (2/ 595)،، سلاسل الذهب (201)، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي (ص 338)، المسائل المشتركة (ص 113)، أسباب الخلاف للسهلي (ص 379 - 380) و (ص 490 - 491).
(4) البرهان (1/ 221).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
الثامنة: مقتضى صيغة الأمر المطلق عن القرائن الوجوب أو الندب، عند من قال: إن الأمر حقيقة في اللفظ والمعنى(1).
ومن ذهب إلى أنّه حقيقة في المعنى فقط، قال: بالتوقف حتى يرد ما يدل على المراد. ومثله: اقتضاء النهي المجرد عن القرائن التحريم(2).
التاسعة: الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، لكن يستلزمه عند من يقول بأن الكلام صفة ذاتية فعلية، يتكلم متى شاء بصوت وحرف، يسمع قديم النوع، متجدد الأحاد.
وأمّا القائل بأن كلام نفسي، لا يتعدد، ولا يتجدد، وليس بحرف ولا صوت، وغير مسموع، وهو من صفاته الذاتية، فعنده الأمر بالشيء، هو عين النهي عن ضده.
ومن اعتقد أنّ كلامه سبحانه ليس من صفاته، بل هو من مخلوقاته، مسموع بصوت، فقد ذهب إلى أنّ الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، لا من حيث الصفة أو المعنى(3).
ومثله النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أو لا؟(4).
العاشرة: حمل المطلق على المقيد على الخلاف في أن كلام الله تعالى المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم متحد أو غير متحد؟--------------------------------------------
(1) انظر: إيضاح المحصول (200)، أسباب الخلاف للسهلي (ص 389).
(2) انظر: أسباب الخلاف للسهلي (ص 511).
(3) المستصفى (1/ 270)، شرح تنقيح الفصول (ص 128) البحر المحيط (2/ 416) أسباب الخلاف للسهلي (ص 473 - 474).
(4) أسباب الخلاف للسهلي (ص 554).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وبيانه كما يقول الزركشي في سلاسل الذهب(1): «والخلاف يلتفت على أن كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم أي: اللفظي عندنا ليس بمتحد، وهو عندهم متحد، وأنّ القرآن كالكلمة المتحدة، فالمذكور بقيدٍ في موضع، مقيد بذلك القيد فيما لا ذكر لذلك القيد منه»(2).--------------------------------------------
(1) سلاسل الذهب (ص 281).
(2) أسباب الخلاف للسهلي (ص 1005) والوصول لابن برهان (1/ 288).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
المبحث الرابع صفة الإرادة
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الإرادة نوعان: إحداهما الإرادة الدينية الشرعية، والأخرى الإرادة الكونية القدرية.
أما الإرادة الكونية القدرية فهي بمعنى المشيئة التي تستلزم وقوع المراد، فهي إرادة الخلق، أي أن يريد ما يفعله هو سبحانه وتعالى، ولذلك كان المراد متحتم الوقوع، كما قال الله عز وجل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، وهي متضمنة لما وقع دون ما لم يقع(1).
وأما الإرادة الشرعية الدينية، فهي متعلقة بالأمر، بمعنى: أن يريد الله من العبد فعل ما أمره به، وعليه فإن المأمور به يكون مرادًا لله إرادة شرعية دينية، وبه يتبين أن الإرادة الشرعية متضمنة لمحبة الله لما أمر به ورضاه، وهي لا تستلزم وقوع المراد، فقد يقع وقد لا يقع(2)، كوقوع الكفر والمعاصي من العباد، والله لا يريدها شرعًا(3).--------------------------------------------
(1) انظر: منهاج السنة النبوية (3/ 156)، (5/ 412)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 188)، والموافقات للشاطبي (3/ 370)، وشفاء العليل (88 - 89، 465)، والبحر المحيط للزركشي (3/ 268)، وشرح الكوكب المنير (1/ 321).
(2) سيأتي إن شاء الله بيان الأقسام الأربعة في المرادات (ص 526).
(3) انظر: منهاج السنة النبوية (5/ 412)، (3/ 156)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 188)، وشفاء العليل (88 - 89، 465)، والموافقات للشاطبي (3/ 370 - 371)، والبحر المحيط للزركشي (3/ 268)، وشرح الكوكب المنير (1/ 321).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
ومن الأدلة الدالة على الإرادة الخلقية الكونية القدرية(1)، كقول الله تعالى عن نوح عليه السلام: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 34]، فإرادة الله أن يغويهم هي إرادة كونية قدرية يتحتم وقوع المراد بها، ولذا لم ينفعهم نصح نوح عليه السلام. والأدلة في هذا النوع كثيرة جدًا.
ومن الأدلة الدالة على الإرادة الدينية الشرعية(2) قول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. فلو كانت هذه الإرادة كونية قدرية لما حصل العسر لأحد من الناس.
وذهبت المعتزلة إلى: إنه يشترط للأمر إرادة الآمر من المأمور امتثال المأمور به، وربما قال بعضهم إن الأمر هو إرادة المأمور به.
وقالت الأشاعرة: إن الأمر لا يستلزم إرادة المأمور به، وبنوا على هذا أن الطاعة موافقة الأمر لا الإرادة.
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: نفت الأشاعرة الحسن والقبح العقليين، وجعلوا الحسن يتبع الأمر، كما أن القبح يتبع النهي.
فالكفر والمعاصي ليست قبيحة في نفسها -بل هي محبوبة لله مرضية له؛ لكونها مما أراده الله كونًا وقدرًا، وإرادته ومحبته ورضاه بمعنى واحد-، وعليه؛ فقبح الكفر والمعاصي؛ لأجل نهيه تعالى عنه.--------------------------------------------
(1) انظر: منهاج السنة النبوية (3/ 157، 5/ 413)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 188، 440 - 441)، والموافقات للشاطبي (3/ 372)، وشفاء العليل (465)، وشرح الكوكب المنير (1/ 321).
(2) انظر: المصادر السابقة نفسها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وأثبت أهل السنة والجماعة الحسن والقبح العقلي، ولم يجعلوا الإرادة الكونية مستلزمة للمحبة والرضا، فليست كلها مرضية، ومحبوبة له، فقد يخلق القبح لحكمةٍ، والعقل يدرك قبحها، لكن العقل لا يوجب أو يحرم شيئا من ذلك، بل ذلك للشرع(1).
الثانية: ذهب أكثر الأشعرية إلى أن التكاليف مدارها على محض المشيئة من غير حكمة ولا تعليل، ومن ثمّ جوَّزوا أن يكلف الله عباده بما يشاء من محال وغيره.
ومنعت المعتزلة التكليف بالمحال، والمعجوز عنه بكل صوره؛ لأنّ المحال لا يمكن امتثاله؛ وإذا لم يمكن امتثاله فلا توجد إرادته؛ إذ لا بدّ في الآمر من إرادة الأمر من المأمور امتثال ما أمر به، فلو وردت صيغة الأمر من غير إرادة الامتثال لم تكن أمرًا، وعليه فلا يمكن التكليف بما لا يطاق(2).
الثالثة: التكليف بما علم الله انتفاء شرط وقوعه في وقته يدخل في الخلاف السابق؛ لأنّ القائل بامتناع تكليف ما لا يطاق، إمّا أن يقول بتلازم الأمر والإرادة -وهم المعتزلة-، وهؤلاء منعوا التكليف بما علم الله انتفاء شرط وقوعه في وقته؛ لأنّه إذا كانت فائدة التكليف الامتثال، وكان الامتثال ممتنعًا؛ لعدم القدرة عليه، امتنع التكليف لامتناع فائدته؛ لأن التكليف بلا فائدة عبث، وهو محال.
ومن لم يشترط الإرادة للأمر، وجعل حكمة التكليف، إمّا الامتثال، وإمّا الابتلاء -وهم أهل السنة- فلم يمنعوا من التكليف بما علم الله عدم تمكن المكلف--------------------------------------------
(1) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 162 - 163)، مجموع الفتاوى (11/ 355)، منهاج السنة (3/ 98).
(2) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 345 - 346)، انظر: سلاسل الذهب (ص 137)، البحر المحيط (1/ 388)، رفع الحاجب (2/ 34)، شرح مختصر الروضة (1/ 239).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
منه في الوقت، وإن لم يحصل الامتثال؛ إلا أنّ للتكليف به فائدة أخرى، هي ابتلاء عزم المكلف على الفعل(1).
الرابعة: متعلق الإرادة من الخصال في الواجب المخير عند المعتزلة، هو متعلق الأمر؛ لأنّهم جعلوا الإرادة ملازمة للأمر، فكل ما أمر الله تعالى به شرعًا، فقد أراد وقوعه كونًا وقدرًا، سواء وقع أو لم يقع، وعليه فإن كانت الخصال جميعًا مأمورًا بها، بحيث يجوز الجمع بينها شرعًا، فجميعها مرادة لله تعالى، وإن كان الأمر لم يتعلق بها جميعًا، بل بإحدها بأن يكون الجمع بينها غير جائز شرعًا، فمتعلق الإرادة إحدى الخصال فقط.
أمّا الأشعرية فلم يجعلوا للأمر علاقة بالإرادة، بل جعلوا الإرادة ملازمة للوقوع، فكلُّ ما وقع كونًا وقدرًا، فقد أراده الله تعالى، سواء وافق أمره الشرعي أو خالفه؛ وبناء عليه، فإذا فعل المكلف إحدى الخصال فهي المرادة، وإذا فعلها جميعًا فكذلك.
وأمّا أهل السنة، فإنّهم قسموا الإرادة إلى: شرعية وكونية، وفرقوا بينهما، ومن ثمَّ فالخصال المأمور بها مرادة لله، إرادة شرعية، وأمّا المراد قدرًا من تلك الخصال فهو ما وقع، وفعله المكلف(2).
الخامسة: ذهبت المعتزلة إلى أنَّ المكروه غير مراد لله مطلقًا؛ لأنّ المكروه مضاد للأمر، فهو مضاد للإرادة مطلقًا، أي: إرادة المشيئة، وإرادة المحبة.
وذهب الأشعرية إلى أنّه مراد لله؛ لتلازم الإرادة والوقوع عندهم، وإخبار--------------------------------------------
(1) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 374)، وانظر: البحر (ا/ 371 - 372)، المسودة (ص 53).
(2) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 493 - 494)، انظر: التلخيص للجويني (1/ 372 - 373)، البحر المحيط (1/ 200)، قواطع الأدلة (1/ 175).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
المولى أنه لا يحب المكروه، فمعناه: أنّه لا يريد وقوعه ممن لم يقع منه، أمّا من وقع منه فلا يوصف بعد وقوعه بالكراهة(1).
وأما أهل السنة فقالوا: المكروه مخالف لمقتضى الأمر، فهو مكروه لله كراهية دينية شرعية؛ لأنّها هي الملازمة للأمر، لكن إذا فعله المكلف فقد تعلقت به الإرادة الكونية القدرية، وإذا لم يفعله فلم تتعلق به، لملازمة الإرادة الكونية للوقوع(2).
السادسة: ذهبت المعتزلة إلى أن المباح غير مراد، كما أنّه غير مكروه؛ لأنّه ليس مأمورًا به، والإرادة تابعة للأمر وملازمة له.
وذهبت الأشعرية إلى أن المباح إذا فعله المكلف فهو مراد لله؛ لأنّ الإرادة عندهم ملازمة للوقوع، وإذا لم يقع المباح فهو غير مراد لله.
وأهل السنة والجماعة، الذين جعلوا الوقوع تابعًا للمشيئة، والرضا تابعًا للأمر، قالوا: المباح غير مراد، ولا مكروه شرعًا؛ لعدم الأمر به أو النهي عنه، وأمّا قدرًا وكونًا؛ فإنّه تابع لوقوعه(3).
السابعة: مما سبق يعلم مسألة اشتراط الإرادة في الأمر، فمن ذهب إلى أن بين الأمر والإرادة الكونية ملازمة، أو هما شيء واحد، ذهب إلى اشتراط الإرادة في الأمر.--------------------------------------------
(1) قال إمام الحرمين: في التلخيص (1/ 171): «فإن قيل: إذا تحقق وقوع الفعل، فهل تقولون إنّه مكروه؟ قلنا: هذا مما نتحاشى منه، فإنَّ الرب عزَّ اسمُه، موجد الأفعال ومخترعها، فلا يوجد إلا ما يريد، فإطلاق القول بأن الفعل الواقع مكروه له زلل … ».
(2) تخريج الأصول على الأصول للعمري (632)، وانظر: التقريب والإرشاد (1/ 302) ميزان الأصول للسمرقندي (ص 144).
(3) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 691)، انظر: التلخيص (1/ 1255)، البحر المحيط (1/ 276).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
ومن اعتقد عدم الملازمة بين الأمر والإرادة، وأن الكونية منفصلة عن الشرعية، ذهب إلى عدم اشتراط الإرادة في الأمر(1).
والتحقيق في العلاقة بين الإرادتين هي: أن (الأقسام أربعة:
(أحدها): ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان.
(والثاني): ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولولم تقع.
و (الثالث): ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره وشاءه من الحوداث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها، لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
و (الرابع): ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا مالم يكن من أنوع المباحات والمعاصي)(2).
الثامنة: تعليل الأحكام بنيت على القول باشتراط الإرادة لصحة الأمر، وذلك أن من قال إنه يأمر بما لا يريد فعنده أن ما لا يريده لا مصلحة فيه، ولذا يلزم على قوله أن الأحكام لا يشترط أن تكون معللة.--------------------------------------------
(1) انظر: أسباب الخلاف للسهلي (ص 370)، قواطع الأدلة (1/ 91 - 92)، الوصول لابن برهان (1/ 132) المسائل المشتركة للعروس (ص 123).
(2) منهاج السنة (1/ 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
ومن قال إنه يأمر بما يريد فعنده أن ما يريده فيه مصلحة، ولذا يلزم أن تكون أحكامه معللة بالمصلحة(1).
يقول شيخ الإسلام: «فجمهور أهل السنة يقولون: إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يرضاه، وإن كان داخلًا في مراده، كما دخلت سائر المخلوقات لما في ذلك من الحكمة، وهو وإن كان شرًا بالنسبة إلى الفاعل، فليس كل ما كان شرًا بالنسبة إلى شخص يكون عديم الحكمة، بل لله في المخلوقات حِكَم قد يعلمها بعض الناس، وقد لا يعلمها»(2).--------------------------------------------
(1) انظر: العدة (2/ 422).
(2) قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه (8/ 188 - 189)، وانظر شفاء العليل (88).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
المبحث الخامس الحكمة في أفعال الله وشرعه
وهذه المسألة من المسائل الكبيرة حتى قال عنها ابن القيم: «هل أفعال الرب تعالى معللة بالحكم والغايات؟ وهذه من أجل مسائل التوحيد المتعلقة بالخلق والأمر بالشرع والقدر»(1).
والمراد بالحكمة: الغايات المحمودة المقصودة بفعل الله وشرعه(2).
والحكمة تتضمن شيئين(3):
أحدهما: حكمة تعود إلى الله تعالى يحبها ويرضاها فهي صفة له، تقوم به، لأن الله لا يوصف إلا بما قام به، وهي ليست مطلق الإرادة، وإلا لكان كل مريد حكيمًا، ولا قائل به.
وثانيهما: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات.
والحكمة لا يحيط بها علمًا إلا الله تعالى، وبعضها معلوم للخلق، وبعضها مما يخفى عليهم.--------------------------------------------
(1) مفتاح دار السعادة (2/ 409).
(2) انظر: منهاج السنة (1/ 141)، و مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 34، 187)، والنبوات (ص 136)، وأعلام الموقعين (1/ 197 - 201)، (2/ 279)، (4/ 110)، والعواصم والقواصم (7/ 309)، وإيثار الحق على الخلق (190).
(3) انظر: منهاج السنة (1/ 141)، و مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 34).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
والحكمة في أفعال الله تعالى نوعان(1):
(1) حكمة مطلوبة لذاتها، كما في قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وقال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] فبين الله أن الحكمة من خلقه الجن والإنس ليعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا، وهذه العبادة أمر محبوب لله تعالى ومطلوب له.
(2) حكمة مطلوبة لغيرها وتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، كالحكمة التي يراد بها الامتحان، وبعض هذه الحِكم هي وسيلة إلى مطلوب لنفسه، فامتحان الله لهؤلاء يترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء، وذلك يوجب آثارًا مطلوبة للفاعل من إظهار عدله وحكمته وعزته، وقهره، وسلطانه، وعطائه من يستحق عطاءه، ويحسن وضعه عنده، ومنعه من يستحق المنع، ولا يليق به غيره، ولهذا قال الله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام:: 53].
وأما الحكمة الحاصلة من الشرائع أربعة أنواع(2):
النوع الأول: حكمة حاصلة من الأمر بفعل مشتمل على مصلحة معلومة بأصل الفطرة والعقل، كالعدل، والإحسان، والصدق، أو حاصلة من النهي عن فعل مشتمل على مفسدة معلومة بأصل الفطرة والعقل، كالظلم والكذب.
النوع الثاني: حكمة حاصلة من الأمر بفعل، أو النهي عن فعل، بحسب اشتماله على المصلحة والمفسدة التي لا تعرف إلا بخطاب الشرع، فيكون الفعل قد اكتسب صفة الحسن والقبح بخطاب الشرع، كالتجرد في الإحرام، والتطهر--------------------------------------------
(1) انظر: شفاء العليل (322).
(2) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 435 - 436)، ومفتاح دار السعادة (2/ 445).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
بالتراب، والسعي بن الصفا والمروة، ورمي الجمار، ونحو ذلك. ومثل قبح الزيادة على أربع في النكاح.
النوع الثالث: حكمة يكون منشؤها من الأمر لا من المأمور به، فيكون المراد من الأمر الابتلاء والامتحان ولا يكون المراد فعل المأمور به، كأمر الله إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام.
النوع الرابع: حكمة منشؤها الفعل المأمور به والأمر معًا ومثاله: «الصوم والصلاة والحج وإقامة الحدود، وأكثر الأحكام الشرعية، فإن مصلحتها ناشئة من الفعل والأمر معًا، فالفعل يتضمن مصلحة، والأمر به يتضمن مصلحة أخرى، فالمصحلة فيها من وجهين»(1).
والأدلة الدالة على الحكمة كثيرة جدًا ذكرها المصنفون في أصول الفقه عند بحثهم عن مسالك العلة(2).
وقد حاول ابن القيم حصرها بأنواعها -بعد أن ذكر أن آحاد الأدلة كثيرة يصعب سردها كلها - وقد أوصلها إلى اثنين وعشرين نوعًا(3).
كالتصريح بلفظ الحكمة(4)، أو ذكر ما هو من صرائح التعليل(5)، وهو من--------------------------------------------
(1) مفتاح دار السعادة (2/ 445).
(2) انظر: الفقيه والمتفقه (2/ 210)، والمعتمد (2/ 250 - 254)، والبرهان (2/ 529 - 531)، والمستصفى (2/ 288 - 292)، والمحصول (5/ 139 - 155)، إحكام الآمدي (3/ 252 - 260)، والمسودة (438)، وشرح تنقيح الفصول (390)، وشرح العضد (2/ 234) و فواتح الرحموت (2/ 295)، وغيرها.
(3) انظر: شفاء العليل (ص 319 - 343).
(4) انظر: شفاء العليل (319)، والبحر المحيط (7/ 238).
(5) انظر: شفاء العليل (328)، والبحر المحيط (7/ 239).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
أجل أو لأجل، أو الإتيان بكي الصريحة في التعليل(1)، أو ذكر المفعول له(2) - المفعول لأجله - وهو علة للفعل المعلل به، أو التعليل ب (لعلّ)(3)، إلى غير ذلك.
والأنواع كثيرة، والأصل أن يأتي التعليل بالحروف، وقد تدل عليه الأسماء والأفعال، وقد يجعل بعض الأصوليين ما هو من صرائح التعليل في ظاهره، وذلك لاحتمال غيره، والحق أن السياق له أثر في الدلالة على العلية إن لم تكن الأداة نصًا في العلية، فينظر فيما يحتمل التعليل وعدمه بحسب السياق(4).
خالف في إثبات أصل الحكمة المقصودة: الجهمية والأشعرية ومن وافقهم(5).
أما المعتزلة فيثبتون الحكمة لله تعالى في أقواله وأفعاله، لكن إثباتهم يختلف عن إثبات جمهور أهل العلم المثبتين للحكمة.
فالمعتزلة يثبتون حكمة تعود إلى المخلوق فقط، ولا يثبتون حكمة تعود إلى الله(6)، وكذلك فإن مقتضى مذهبهم: الإحاطة بوجوه الحكمة في كل أفعال الله، فتراهم ينفون أمورًا كثيرة بدعوى أن إثباتها ينافي حكمة الله، كنفيهم مزيد توفيق من الله لبعض الناس، وكنفيهم خلق أعمال العباد، بدعوى أنه لا يليق في حكمة الله تمييز بعض الناس عن بعض في الهداية، وزعموا كذلك أنه يلزم من القول بخلق--------------------------------------------
(1) انظر: شفاء العليل (325)، والبحر المحيط (7/ 240)، والعواصم والقواصم (7/ 308).
(2) انظر: شفاء العليل (326)، والبحر المحيط (7/ 241)، والعواصم والقواصم (7/ 305).
(3) انظر: شفاء العليل (328)، والبحر المحيط (7/ 249).
(4) انظر: البحر المحيط للزركشي (7/ 237).
(5) انظر: غاية المرام للآمدي (224)، ومفتاح دار السعادة (2/ 410) وتحفة المريد (96).
(6) انظر: المغني في أبواب العدل والتوحيد (6/ 48)، (11/ 92 - 93).
ويرد عليهم أن من أسماء الله تعالى الحكيم أي أنه ذو الحكمة، ولا يسمى الله عز وجل إلا بما يتضمن وصفًا قائمًا به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
أفعال العباد، أن يكونوا مجبورين عليها، فكيف يعذبون بما ليس فعلا لهم، فهذا -في زعمهم- لا يليق بالحكمة(1).
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: جوّز أكثر الأشعرية أن يكلف الله عباده بما يشاء من محال وغيره؛ لأن مدار التكليف على محض المشيئة من غير حكمة ولا تعليل.
وذهبت المعتزلة إلى أن فائدة التكليف والحكمة منه، امتثال الأمر وتحصيل المأمور به، ومن ثم منعوا التكليف بالمحال والمعجوز عنه بكل صوره.
وذهب أهل السنة والجماعة إلى أن فائدة التكليف، إما امتثال الفعل، وإما ابتلاء عزم المكلف على الفعل، ومن ثم منعوا التكليف بالمحال لذاته، والمحال العادي، وجوَّزوا التكليف بما علم الله، أن المكلف لا يتمكن منه في الوقت؛ لأنه وإن لم يحصل الفعل، فالابتلاء به ممكن، والفائدة الأخيرة منعتها المعتزلة لما سبق، وبه يظهر مأخذ الطوائف في مسألة تكليف ما لا يطاق(2).
الثانية: مسألة حكم قبول جميع التكاليف للنسخ، والصواب عدم تصور قبول النسخ للأحكام التي هي حسنة بذاتها كالتوحيد والعدل والإحسان، أو التي هي قبيحة بذاتها، كنسخ تحريم الكفر أو الظلم، وذلك لأنّه ليس من الحكمة النهي عن التوحيد، أو الأمر بالكفر والظلم، تعالى الله عن ذلك، وليس ذلك بواجب على الله،--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 91)، وإيثار الحق على الخلق (201).
وهو مبني على قياسهم أفعال الله بأفعال خلقه المستلزم ادعاء الإحاطة بوجوه حكمته، فمن الباطل، لأنه لا يجوز قياس أفعال الله بأفعال خلقه لعدم المساواة، وكذلك فإن بعض الأمور مما يخفى علينا فيه وجه الحكمة.
(2) انظر: تخريج الأصول على الأصول (ص 345 - 346)، الإبهاج (1/ 172)، سلاسل الذهب (ص 137)، المسودة (ص 53) تنشيف المسامع (1/ 138)، نثر الورود (1/ 62 - 63).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
بل ذلك هو مقتضى حكمته، خلافًا لنفاة التعليل الذين بالغوا حتى قالوا إنّه يجوز أن يأمر بالشرك، وينهى عن عبادته وحده(1).
قال ابن تيمية رحمه الله: عمن أجاز ذلك، ونفى كون أفعاله تعلل: «فهذا القول ولوزامه هو أيضًا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف، مع مخالفته للمعقول الصريح، فإنّ الله تنزه عن الفحشاء، فقال: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28]، كما نزّه نفسه عن التسوية بين الخير والشر، فقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]»(2).
الثالثة: جواز نسخ الحكم قبل التمكن منه، وذلك لأن «منشأ الخلاف في هذه المسألة هو: هل حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء - وهو الحق - أو هي الامتثال فقط، وهو قول القدرية؟ فعلى أن الحكمة مترددة بينهما فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ، والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمته الابتلاء، وقد حصل قبل النسخ»(3).
قال ابن تيمية رحمه الله: « … وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة، فقد يأمر بما ليس بحسن في نفسه، وينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور وعزمه وانقياده وهذا موجود في أمر الله وأمر الناس بعضهم بعضا»(4).
الرابعة: قد يمنع القائل بالتعليل نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ظنًا منه أن بقاء--------------------------------------------
(1) ينظر: مجموع الفتاوى (8/ 413).
(2) مجموع الفتاوى (8/ 433).
(3) مذكرة في أصول الفقه للأمين الشنقيطي (87 - 88).
(4) مجموع الفتاوى (14/ 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
الآية مع نسخ حكمها يوهم المكلَّف بقاء الحكم، ويعرضه لاعتقاد الجهل، وهذا قبيح ينزه الله عنه، أو أن بقاء التلاوة دون الحكم عبث ينزَّه الحكيم عنه(1).
والصواب: أنه لا مانع من ذلك، ودليله الوقوع، فآية الاعتداد بحول - مثلًا - نسخت ما دلَّت عليه من إيجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيت أحكام أُخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، ومن المصحف، والتعبد بها. وعليه فلا مانع من ذلك(2).
قال الزركشي: «وهنا سؤال، وهو أن يسأل: ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟.
والجواب من جهتين: أحدهما: أن القرآن كما يُتلى لُيعرف الحكم منه، والعمل به، فيتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة. وثانيهما: أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة، ورفعَ المشقة»(3).
الخامسة: تعليل الأحكام، ولك أن تقول هي هي مسألة تعليل أفعال الله، وهي مسألة الأصل؛ لأن القول بتعليل فعله يلزم منه القول بتعليل أمره وحكمه، إذ حكمه وأمره من فعله(4).
ونبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى تناقض من يمنع تعليل أفعال الله، فقال: «والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل، وأما في الأصول: فمنهم من--------------------------------------------
(1) انظر: الإحكام للآمدي (3/ 142 - 143).
(2) مذكرة في أصول الفقه للأمين الشنقيطي (129).
(3) البرهان في علوم القرآن (2/ 39).
(4) انظر: أصول ابن مفلح (1/ 151)، والتحبير (2/ 749).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه»(1).
السادسة: الخلاف في تعريف العلة بكونها أمارة أو باعثة ومؤثرة في الحكم، فمن قال بأن الأحكام الشرعية لا تعلل بالأغراض قالوا بأن العلة مجرد علامة وأمارة على الحكم(2)، غير مؤثرة فيه؛ إذ لا حكمة باعثة للمكلف على العمل تُدرك من خلال هذه العلة، ولذا نفوا كونها باعثة للحكم؛ لأن تعريفها بالباعث وهو المشتمل على حكمة مقصودة للشارع، وهذا يقتضي أن الفعل كان من أجل غاية معينة - وهو تلك الحكمة المقصودة - ومن فعل فعلًا لغرض فإنه مستكمل بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، والله تعالى منزه عن ذلك؛ لأنه غني بذاته الغنى المطلق(3).
لذا أنكر الأشعرية تأثير الأسباب الشرعية والعلل في الأحكام، وجعلوها من قبيل الأمارات والعلامات لا غير، خشية أن تعلل أفعال الله بالأغراض(4).
أمّا القائل بتعليل أفعال الله فأثبتت تأثير الأسباب والعلل في الأحكام، وأهل السنة جعلوا العلل باعثة على الأحكام، ومناسبة لها من غير أن يقولوا: إنّها موجبة(5).--------------------------------------------
(1) منهاج السنة (1/ 455).
(2) انظر: مذكرة في أصول الفقه للأمين الشنقيطي (328).
(3) انظر: المحصول (5/ 132)، ونهاية الوصول (8/ 3257)، ومذكرة في أصول الفقه للأمين الشنقيطي (328).
(4) انظر: رفع الحاجب (4/ 176)، البحر المحيط (5/ 113)، تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 710).
(5) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 709).
والمسألة: مبنية على نفي أو إثبات الصفات الذاتية في الأفعال، وهل يكون منها حسنا وقبيحًا، ومعلوم أن الخلاف في تعليل أحكام الله تعالى، مبني على الخلاف في إثبات الحسن والقبح أو نفيهما. تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)