أما من قال لا يجب رعاية المصلحة فقد جوَّز ذلك(1).
ونوقش: بأن الأمر يدل على الصلاح ما دام الأمر قائمًا، فإذا نهى عنه علم أن الصلاح كان إلى غاية.
ثم إن هذا يعود على النسخ بالإبطال؛ لأن الأمر بالشيء يدل على صلاحه، وما كان صالحًا للعبد لم يجز للحكيم أن ينهى عنه أو يرفعه(2).
ولهم أن يجيبوا: بأن النسخ هو رفع مثل الحكم لا نفسه، فيكون المرفوع غير الحكم السابق، فلم ينه عن شيء قد أمر به، أما هنا فالفعل واحد، فأمر به، ثم نهى عنه قبل فعله.
الرابعة: قبول جميع الأحكام للنسخ؛ عند القائل بوجوب الأصلح على الله تعالى(3)؛ لأنه يجب على الله - تعالى الله عن قولهم - إذا علم المصلحة في رفع التكليف أن يرفعه عنهم، وإذا علم أن المصلحة في عدم رفعه ألاَّ يرفعه عنهم، وإن لم يقع ذلك كان خارجًا عن نمط الحكمة وسبيل العدل إلى الجور والسفه تعالى الله عن ذلك(4).
ومن لم يقل بذلك قال له سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ومن هؤلاء من ينكر التعليل، فعنده أن الله تعالى يفعل بمحض المشيئة، ومنهم من قال هو سبحانه وتعالى يأمر بما فيه صلاح العباد، وينهى عما فيه فسادهم.--------------------------------------------
(1) انظر: التبصرة (262).
(2) انظر: التبصرة (262).
(3) انظر: المستصفى (1/ 122) الإحكام (3/ 180)، المعتمد (1/ 400)، الواضح (1/ 236).
(4) انظر: الواضح (1/ 236).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
الخامسة: عدم جواز نسخ الحكم إلى غير بدل عند القائلين بوجوب رعاية الأصلح؛ لعدم مصلحة العباد - في عقولهم -أن يرفع عنهم الحكم دون أن يُثبت بدلا عنه، إذ ليس من الصلاح أن يترك عباده هملًا من التكليف(1).
وقد نوقش هذا من وجهين:
الأول: لا نسلِّم بالمصلحة أصلًا، فإن الشرع لا ينبني عليها(2).
وهذا الجواب مبني على المناقضة في الأصل، وهو جار على أصول الأشاعرة ونحوهم ممن ينكر التعليل.
الثاني: أننا لا نسلِّم أن المصلحة في إثبات البدل، بل قد تكون المصلحة في رفعه دون بدل، ومن ذلك السلامة من عدم الإخلال به(3).
السادسة: من نسخ الكتاب بالسنة المتواترة عند القائلين بوجوب رعاية الأصلح؛ لأن الأمر من الله تعالى يدل على أن الشيء صلاح للمكلف، وما كان صلاحًا لا يجوز للحكيم أن ينهى عنه(4).
وهذا الوجه لا يظهر تعلقه بهذه المسألة، ولهذا اعترض عليه بأنه يعود على أصل النسخ بالإبطال.
ونوقش أيضًا: بأن الصلاح وعدمه تابعان للأمر والنهي الشرعيين، فإذا ورد الأمر علم أن فيه صلاحًا، وإذا زال علم أنه لا صلاح فيه(5).--------------------------------------------
(1) انظر: المستصفى (1/ 119)، ميزان الأصول (2/ 1000) الوصول (2/ 21)، شرح المحلي مع حاشية البناني (2/ 133)، الآيات البينات (3/ 206).
(2) انظر: المستصفى (1/ 119)، الإحكام (3/ 135)، حاشية البناني (2/ 133).
(3) انظر: المستصفى (1/ 119)، الإحكام (3/ 135)، حاشية البناني (2/ 133).
(4) انظر: التلخيص (2/ 518 - 519)، الواضح (4/ 266)، أصول ابن مفلح (3/ 1154).
(5) انظر: التلخيص (2/ 519)، الواضح (4/ 266).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
السابعة: منع المعصية قبل ورود البعثة على النبي صلى الله عليه وسلم عقلًا عند القائل بوجوب رعاية الأصلح؛ لأن من قال بوجوب رعاية المصلحة منع المعصية على النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته عقلًا؛ لأن المعصية توجب احتقارًا لصاحبها فتنفر الطبائع عن اتباعهم، وذلك خلاف المصلحة، ولذا يمتنع أن يقع ما هو خلاف المصلحة.
ومن لم يقل بوجوب رعاية المصلحة قال لا يمتنع عليه تعالى فعل شيء، فله أن يفعل ما يريد، ويحكم بما يشاء، ومن ذلك المعصية من النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة(1).
الثامنة: منع العمل بالقياس عقلًا عند القائل بوجوب رعاية الأصلح (2)؛ لأن القياس رجم بالظن، والرجم بالظن جهل، ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل حتى يتخبطوا به، ويحكموا بما يجوز أن يكون مخالفًا لحكم الله تعالى(3).
أما من قال بالوجوب من القائلين بوجوب رعاية المصلحة فقال: إن النصوص لا تحيط بالحوادث، ولذا كان من الواجب أن يكون للناس طريق صالح لإثبات الحكم فيما لا نهاية له، ولا طريق لذلك إلا بالقياس، فكان في القياس مصلحة للخلق، والله تعالى يجب عليه رعاية مصالح الخلق، ولذا وجب العمل بالقياس لتحقيق تلك المصالح(4).
ومن لم يقل بوجوب رعاية المصلحة فلا يلزمه ذلك.--------------------------------------------
(1) انظر: شرح الأصول الخمسة (574)، البحر المحيط (4/ 169)، شرح العضد (2/ 22)، نهاية الوصول لابن الساعاتي (1/ 254)، أصول ابن مفلح (1/ 322)، التحبير (3/ 1440).
(2) انظر: البرهان (2/ 494)، وانظر: التلخيص (3/ 156، 157، 160) الإحكام (4/ 18)، العدة (4/ 1287)، إحكام الفصول (2/ 538)، المستصفى (2/ 235).
(3) انظر: البرهان (2/ 492)، الإحكام (4/ 11).
(4) انظر: المعتمد (2/ 725)، الإحكام (4/ 13)، نهاية الوصول (7/ 3077، 3075).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
التاسعة: أفعال الله وأحكامه معللة بالمصلحة؛ وذلك رعاية للمصلحة(1)، وعليه فإنه «لا يصح أن يفعل فعلًا إلا لمصلحة العباد»(2).
ومن لم يقل بذلك لم يلزمه ذلك.
العاشرة: شرع من قبلنا حجة عند من قال بوجوب رعاية الأصلح على الله؛ معللين ذلك بقولهم: بأن مجيء النبي بشريعة آخر عبث لا فائدة فيه، «والحكيم لا يفعل فعلًا إلا لحكمة وغرض، والفعل من غير غرض سفه وعبث»(3).
الحادية عشرة: منع اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم عند القائل بوجوب رعاية المصلحة على الله بحسب زعمهم، «إن وافق الصلاح، فيمتنع أن يوافق في الجميع»(4).
بإدارك المصالح في مختلف الأحكام والأوقات، بل إن اختياره واجتهاده متردد «بين أن يكون مصلحة، وبين أن يكون مفسدة، فلا يؤمن من اختياره المفسدة، وذلك خلاف ما وضعت له الشريعة، وهي المصالح»(5).
الثانية عشرة: منع التقليد في الفروع عند القائل بوجوب مراعاة المصلحة على الله؛ لأنّ العامي لا يأمن زلل ذلك المجتهد ووقوعه في الخطأ(6).--------------------------------------------
(1) العدة (2/ 421)، وانظر: التوضيح (2/ 134)، تعليل الإحكام لشلبي (98).
(2) شرح المعالم (2/ 298).
(3) نهاية الإقدام للآمدي (397)
(4) روضة الناظر (3/ 970).
(5) شرح المختصر للشيرازي (5/ 190). وانظر المستصفى (2/ 396)، والإحكام للأمدي (4/ 206)، وآراء المعتزلة الأصولية (ص 577)، وبناء الأصول على الأصول للمشعل (ص 177).
(6) انظر: بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص 330)، وآراء المعتزلة الأصولية (ص 619)، وأسباب الخلاف للغامدي (ص 419).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
الثالثة عشرة: منع المقلد والمستفتي من التخيير بين الأحكام والفتاوى عند تعددها، بل يجب عليه الأخذ بأشدِّها وأحوطها؛ رعاية للمصلحة فيه من تحصيل الأجر، والابتعاد عن الاثم(1).--------------------------------------------
(1) انظر: المعتمد (2/ 364)، التلخيص (3/ 468)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص 387 - 388)، وآراء المعتزلة الأصولية (ص 628)، أسباب الخلاف للغامدي (ص 382).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
المبحث السادس تكليف ما لا يطاق
انعقد الإجماع على أن التكليف بالمستحيل لذاته أو عادة غير واقع في الشريعة، كالجمع بين الضدين، والطيران والمشي على الوجه، ونحو ذلك، وعندئذ أمكن القول بأن تكليف ما لا يطاق على ضربين(1):
أحدهما: ما لا يطاق لوجود ضده من العجز، مثل تكليف المقعد القيام، والأعمى الخط ونقط الكتاب، فهذا قد انعقد الإجماع على عدم وقوعه في الشريعة، لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل(2).
والثاني: تكليف من علم الله كفره بالإيمان، علما بأن الإيمان في نفسه ممكن مقدور، فهذا التكليف به واقع قطعًا لكن بالغ الرازي ومن تبعه فسموه تكليفًا بما لا يطاق، وهذا خلاف الشرع، وأدخلوا هذا ضمن حججهم في جواز تكليف ما لا يطاق!.
وللناس كلام طويل في تحقيق مذهب أبي الحسن الأشعري، هل هو من القائلين بتكليف ما لا يطاق بناء على رأيه في قدرة المكلف أنها لا تكون قبل الفعل، وهي لا تبقى زمانين، فيلزم أن يكون العبد مكلفا بما لا يطيقه لعدم قدرته!، فهذا--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 298 - 302).
(2) والقول بأن التكليف بالمستحيل لذاته أو المستحيل عادة جائز عقلا، مما لا فائدة من بحثه أصلًا! انظر: إرشاد الفحول (1/ 69 - 70).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
لازم مذهبه، وهو غير لازم له(1).
والنزاع في مثل هذا أكثره لفظي، ولكن منه ما هو اعتباري، فالقول بأن التكليف بما علم الله أنه لا يقع يسمى تكليفًا بما لا يطاق ليس صحيحًا، لكن مع ذلك قال أصحابه: إنه واقع في الشريعة، لكن القول بأن العبد ليست له قدرة بإطلاق، أو له قدرة ولا يوجد توفيق خاص لأهل الإيمان، فالنزاع فيه حقيقي(2).
والرازي يميل أحيانًا إلى الجبر المحض كما صنع في كتابه المحصول(3).
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: عدم التكليف بالمعدوم(4)، لعدم تعلق القدرة به، والإمكان شرط في التكليف، ومن لم يجعل الإمكان شرطًا في التكليف؛ فإنّه يجوِّز تكليف ما لا يطاق، فلا يمتنع عنده، أن يكون المطلوب عدمًا أو غيره؛ لأنّ غايته أنه تكليف بمحال، وهو على هذا القول جائز(5).
والقول بأن تعلق التكليف بالعدم، تكليف بما لا يطاق غير مسلم عند من يثبت--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان للجويني (1/ 89)، والإحكام للآمدي (1/ 133 - 134)، ونهاية الوصول للهندي (3/ 28)، (1/ 103)، ونهاية السول (1/ 148)، والإبهاج (1/ 171)، والبحر المحيط (2/ 111 - 114)، 156).
(2) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 300 - 302).
(3) ووافقه على هذا ابن السبكي في جمع الجوامع انظره مع الآيات البينات (1/ 358).
(4) المقصود بالعدم هنا: العدم الأصلي؛ «لأنّ العدم الذي يقدر عليه، إنّما هو العدم المطلق، لا لعدم المضاف» نهاية السول (2/ 307).
«إذ يمكنه أن لا يفعل فيستمر، وأن يفعل فلا يستمر» شرح العضد (2/ 14).
(5) انظر: تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 130) والإبهاج (2/ 73) ومختصر المنتهى مع رفع الحاجب (2/ 55) وشرح التنقيح (ص 171) البحر المحيط (2/ 435) تشنيف المسامع (1/ 134).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
القدرة السابقة على الفعل التي هي توفر الأسباب وسلامة الأعضاء(1).
تنبيه: ذكر بعض الأصوليين تناقض من قال: بجواز التكليف بالمحال مع قوله: إنّه لا تكليف إلا بفعل(2).
الثانية: القول ببقاء التكاليف بعد فتور الشريعة ممن لا يرى حكمًا لغير الشّرع قول بتكليف ما لا يطاق؛ لتعذر الوصول إليه، والعلم به(3).
الثالثة: عدم جواز تكليف الغافل «كالنائم والناسي؛ لمضادة هذه الأمور الفهم، فينتفي شرط صحة التكليف، وهذا بناء على امتناع التكليف بالمحال»(4).
وكذا المجنون «ليس بمكلف إجماعا، ويستحيل تكليفه؛ لأنّه لا يعقل الأمر والنهي، ولا يبعد من القائلين تكليف ما لا يطاق جواز تكليفه كالغافل»(5).
ومثلهم: الصبي، والمغمى عليه، والسكران، والمخطئ فيما هو مخطئ فيه، إلا على القول بتكليف ما لا يطاق(6).
الرابعة: منع تكليف المكرَه ممن يمنع تكليف ما لا يطاق؛ لأنّه لا يجوز تكليف غير القادر، والمكره كذلك(7).--------------------------------------------
(1) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 132 - 133).
(2) انظر: حاشية العطار (2/ 172) تخريج الأصول على الأصول (ص 132).
(3) انظر: البرهان (2/ 881) المنخول (ص 485) البحر المحيط (1/ 164) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 235).
(4) البحر المحيط (1/ 351).
(5) البحر المحيط (1/ 350). وانظر سلاسل الذهب (ص 140).
(6) انظر: المستصفى (1/ 281)، أصول الفقه لابن مفلح (1/ 277)، الإبهاج (1/ 156)، تخريج الأصول على الأصول للعمري (243 - 244).
(7) انظر: الإحكام (1/ 205)، الإبهاج (1/ 162)، القواعد والفوائد (ص 73) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 270).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الخامسة: التكليف بخلاف ما علمه الله، كتكليف الكافر الذي علم الله أنه يموت على الكفر بالإيمان، ممكن في نفسه، وليس محالًا بل هو واقع، ومن قال: إنّه مستحيل قال: إنّ التكليف به تكليف بما لا يطاق على الخلاف في جوازه وعدمه(1).
السادسة: التمكن ليس شرطًا للتكليف عند القائل بجواز تكليف ما لا يطاق، فيجوز تكليف من علم الله أنّه لا يتمكن من الفعل في الوقت(2).
وأما القائل بامتناع تكليف ما لا يطاق، فتبنى المسألة عندهم على مسألتي تلازم الأمر والإرادة، والحكمة من التكليف.
فمن حصر فائدة التكليف بالامتثال، وكان الامتثال ممتنعًا لعدم القدرة عليه، امتنع كتكليف لامتناع فائدته.
ومن لم يشترط الإرادة للأمر، وجعل حكمة التكليف إمّا الامتثال، وإمّا الإرادة -وهم أهل السنة- فلم يمنعوا من التكليف بما علم الله عدم تمكن المكلف منه في الوقت؛ لأنّه وإن لم يحصل الامتثال، إلا أن للتكليف به فائدة أخرى: هي ابتلاء عزم المكلف على الفعل(3).
السابعة:، منع التكليف بما كان مشروطًا بشرط مستحيل عند من يمنع تكليف ما لا يطاق؛ لأنّ المشروط لا يوجد بدون شرطه.
وأمّا من جوَّز تكليف ما لا يطاق، فإن كان لا ينظر في أفعال الله تعالى وأوامره إلى الحكمة والتعليل، فإنّه يجوِّز التكليف بالمشروط بشرط مستحيل، وحجته أنّ--------------------------------------------
(1) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 365) البرهان (1/ 90) البحر المحيط (1/ 375).
(2) انظر: العدة (2/ 392) المسودة (ص 52) البحر المحيط (1/ 267) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 373).
(3) تخريج الأصول على الأصول (ص 373 - 374) تشنيف المسامع (1/ 138) نثر الورود (1/ 62 - 63).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
لله أن يتصرف في ملكه بما شاء من أفعال وأوامر، ومن جملة ذلك هذا التكليف.
وإن كان يقول: إن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة، ولا تخلو من فوائد وحِكم؛ فإنّه يمنع هذا التكليف؛ لأنّه إنما أجاز تكليف ما لا يطاق عنده لما فيه من حكمة الابتلاء للمكلف، أو الإعلام بنزول العذاب به، وهذه الحكمة لا تتأتى هنا، فامتنع التكليف بالممكن المشروط بالمستحيل على القول بتجويز المحال(1).
الثامنة: يتوجه التكليف على المكلَّف في كل وقت، سواء كان المكلف وقت التوجه قادرًا أو غير قادر عند القائل بجواز تكليف ما لا يطاق.
ومن منع تكليف ما لا يطاق، فقياس مذهبه في هذه المسألة -وقت توجيه التكليف- أن يجعل التكليف مقارنًا للقدرة، حتى لا يكون تكليف ولا قدرة(2).
التاسعة: اتفق العلماء على أن التكليف بالفعل المجهول -أي: الذي ليس معلوم الحقيقة للمكلف- لم يقع في الشريعة(3)؛ لذا نقلوا الإجماع على أنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
واختلفوا في جوازه عقلًا، فمن منع تكليف ما لا يطاق عقلًا، منع من التكليف بالمجهول، واشترط في التكليف العلم بالتكليف، والعلم بالمكلَّف به.
ومن جوَّز تكليف ما لا يطاق، فبعضهم طرد أصله هنا فجوَّز التكليف بالمجهول، ولم يشترط العلم، وبعضهم منع التكليف بالمجهول لأسباب،--------------------------------------------
(1) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 397 - 398)، وانظر: نهاية الوصول للهندي (3/ 1086) البحر المحيط (1/ 371 - 393) منتهى السول للأمدي (ص 44) والإحكام (1/ 207 - 209).
(2) تخريج الأصول على الأصول (ص 402). وعليه تبنى مسألة وقت توجيه التكليف على مسألة وقت القدرة.
(3) انظر: الإحكام (1/ 252)، البحر المحيط (3/ 493) تخريج الأصول على الأصول ح (1) (ص 423).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وفي الجملة ما تقدّم من تفريع مسألة تكليف الغافل على مسألة تكليف ما لا يطاق يأتي هنا(1).
العاشرة: التكليف بفعل العبادة في وقتٍ لا يتسع لها، لم يقع في الشريعة، أما عقلا فعلى القول بتكليف ما لا يطاق(2).
الحادية عشرة: من قسَّم ما لا يتم الواجب إلا به إلى قسمين: أحدهما: ما لا يقع تحت قدرة المكلف، جعل إيجاب هذا القسم ممتنعًا إلا على القول بتكليف ما لا يطاق(3).
وجعل كثير من الأصوليين إيجاب الواجب من غير إيجاب لما لا يتم إلا به تكليفًا بالمحال(4).
الثانية عشرة: يستحيل عقلًا أن يكون الشيء الواحد بالشخص حرامًا واجبًا من جهة واحدة؛ لتضمنه الحكم بجواز الترك وعدمه؛ وذلك جمع بين النقيضين، فكان من قبيل المحال لذاته، وعليه فجواز ورود الشرع بذلك محال، فيتخرج--------------------------------------------
(1) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 424) شرح مختصر الروضة (1/ 221) الإحكام (2/ 256).
(2) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص 430) التلخيص (1/ 101) المحصول (2/ 173) شرح مختصر الروضة (1/ 312) شرح الكوكب المنير (1/ 368) الإبهاج (1/ 94).
(3) تخريج الأصول على الأصول (ص 506)، التلخيص (1/ 291) المستصفى (1/ 231)، المحصول (2/ 190)، الإحكام (2/ 150) شرح تنقيح الفصول (ص 160) شرح مختصر الروضة (1/ 336) الإبهاج (1/ 103) البحر المحيط (1/ 224).
(4) ذكروا ثلاثة أوجه: «ترجع كلها إلى أن التكليف بالفعل بدون التكليف بمقدمته التي يتوقف عليها وجوده، يؤدي إلى التكليف باجتماع النقيضين، وهو تكلف بالمحال» قاله المطيعي في حاشيته سلم الوصول (1/ 206)، وانظر: تخريج الأصول على الأصول (ص 507 - 508) والمحصول (2/ 190)، نهاية الوصول (2/ 577) الإبهاج (1/ 110)، نهاية السول (1/ 206 - 207) شرح مختصر الروضة (1/ 338).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
التكليف به على الخلاف في تكليف المحال، فمن جوزه جوزه؛ لأنّه فرد من أفراده، ومن منعه منعه(1).
وإذا كان الواحد بالشخص له جهتان متلازمتان، لا يتصور انفكاكهما؛ فإنهما في حكم الجهة الواحدة؛ ولذا فإنَّ اجتماع الأمر به والنهي عنه باعتبار جهتيه محالًا، كالأمر بالواحد بالشخص، والنهي عنه من جهة واحدة؛ وذلك لتلازمهما، والإتيان باللازم دون الملزوم محال(2).
الثالثة عشرة: لا يجوز أن يرد في الكتاب ما لا يفهم معناه مما له تعلق بالتكليف (3)؛ لأن الشارع إن خاطب العبد وكلَّفه بما لا يفهم كان في ذلك تكليفًا له بما لا يطيقه(4).
الرابعة عشرة: منع القول بقبول جميع الأحكام للنسخ، إلا على القول بتكليف ما لا يطاق؛ لأنه يلزم منه جواز نسخ ما لا يقبل إلا وجهًا واحدًا،
أنه إذا جاز تكليف ما لا يطاق جاز أنه يكلف باعتقاد تحريم ما لا يقبل إلا وجهًا واحدًا، وإذا جاز ذلك جاز النسخ له؛ لأنه إذا تصور التكليف بتحريم الاعتقاد تصور بقية الأحكام الخمسة، فأمكن التنقل بينها بالنسخ(5).--------------------------------------------
(1) تخريج الأصول على الأصول (ص 619)، وانظر: الإحكام (1/ 155 - 206)، منتهى السول له (ص 33)، مجموع الفتاوى (19/ 299) المحصول (2/ 285 - 287).
(2) تخريج الأصول على الأصول (ص 620) المحصول (2/ 288) البحر المحيط (1/ 267).
(3) ترجم كثير من الأصوليين لهذه المسألة بقريب من هذه العبارة: انظر: الوصول (1/ 113)، الإحكام (1/ 167)، أصول ابن مفلح (1/ 316)، التحبير (3/ 1406)، فواتح الرحموت (2/ 17).
(4) انظر: البرهان (1/ 285) الإحكام (1/ 168)، نهاية الوصول (1/ 253)، أصول ابن مفلح (1/ 317)، التحبير (3/ 1407)، شرح الكوكب (2/ 149).
(5) انظر: نفائس الأصول (6/ 2541).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
الخامسة عشرة: منع نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل؛ لأنه لو أمره بالفعل وأراده منه، ثم منعه كان قد كلَّفه ما لا يطيقه، وهذا ما يكون في النسخ قبل التمكن؛ لأن الله تعالى إذا أمر المكلف بأمر فهو يريده منه، فلا يتصور أن يأمره ويريده منه، ثم ينسخه قبل امتثال العبد له(1).
وأمَّا على القول بجواز التكليف بما لا يطاق فإن ذلك متصور، فيجوز أن يكلِّفه بالأمر، وهو يريد إيقاعه منه ثم ينسخه.
السادسة عشرة: عدم ثبوت النسخ في حق من لم يبلغه؛ لأن التكليف مشروط بالعلم بالمكلف به والقدرة عليه، وإذا لم يكن الأمر المكلف به كذلك كان غير مقدور عليه، وكان التكليف به تكليفًا بما لا يطاق، وتكليف من لم يبلغه النسخ بحكم الناسخ هو تكليف له بما لم يعلمه ولم يمكنه؛ لأن الإمكان مترتب على العلم، ولذا كان جزءًا من مسألة التكليف بما لا يطاق(2).
وهذا البناء قصره بعضهم على طلب الامتثال، أما الاستقرار في الذمة فليس من تكليف ما لا يطاق، فهو كالنائم ونحوه، أو هو من خطاب الوضع، فلا يشترط فيه العلم(3)، ومنهم من عمَّمه على القسمين؛ لأن الثبوت في الذمة حكم، وهو لا يثبت إلا بعد العلم، فلا يقضي ما لم يعلم بوجوبه(4).
وكلام الأصوليين في نسبة هذه المسألة إلى أصل التكليف بما لا يطاق لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون الكلام مرتبطًا بطلب الامتثال وثبوت الإثم مع عدم--------------------------------------------
(1) انظر: المعتمد (1/ 407، 413)، التلخيص (1/ 146 - 147)، (2/ 490) سلاسل الذهب (296).
(2) انظر: التلخيص (2/ 540)، قواطع الأدلة (1/ 459)، المنخول (397).
(3) انظر: البحر المحيط (4/ 83 - 84).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (19/ 226 - 227).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
الفعل، وأن هذا هو الذي يكون من تكليف ما لا يطاق دون الاستقرار في الذمة فإنه مما تجوِّزه العقول.
وعلى هذا جرى الجويني، والغزالي، وغيرهما(1).
الحال الثانية: أن يكون الكلام مرتبطًا بالقسمين، وهذا هو المفهوم من كلام ابن تيمية(2).
السابعة عشرة: حجية العرف؛ لأن عدم اعتبار عوائد الناس والمكلفين مما يسبب الحرج والمشقة مما لا يطيقونه، لأنه يؤدي إلى توجيه التكليف إلى غير العالم(3).
الثامنة عشرة: عدم جواز الاستدلال على الحكم بعدم الدليل؛ «لأنه لو ثبت حكم شرعي ولا دليل للزم منه تكليف المحال»(4).
التاسعة عشرة: الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، بل هو مستلزم للنهي عن ضده عند من يقول بعدم جواز تكليف ما لا يطاق.
وأما على القول بجوازه، «فالأمر بالفعل لا يكون بعينه نهيًا عن أضداده، ولا مستلزما للنهي عنها، بل جائز أن نؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة، فضلًا عن كونه لا يكون منهيا عنه»(5).--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان (2/ 855)، المنخول (397).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (19/ 226 - 227).
(3) البحر المحيط (8/ 6)، وانظر بناء الأصول لأسمهان العمري (153).
(4) البحر المحيط (8/ 6)، وانظر بناء الأصول للعمري (345 - 246).
(5) الإحكام للأمدي (2/ 212)، وانظر: الإبهاج (2/ 337)، وأسباب الخلاف للسهلي (ص 476 - 477).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
ومثل هذا الخلاف يجري في مسألة النهي عن الشيء هل هو أمر بضده(1).
العشرون: لا يلزم المجتهد إصابة الحق، بل عليه بذل الجهد واستفراغ الوُسع في إصابة الحق على القول بعدم التكليف بما لا يطاق؛ لأنّ الله أخفاه فوجب الاجتهاد في طلبه، و «ما أخفاه الله، لا طريق لنا إلى إظهاره، وفي إلزامه تكليف ما لا يطاق»(2).
الحادية والعشرون: وجوب تقليد العامي للمجتهد؛ لأنّ في تكليفه الاجتهاد في كل مسألة تكليف بما لا يطاق، وكذا القول بأنّه: «لا يجوز للعامي العمل بقول العالم، حتى يعرف علة الحكم … تكليف ما لا يطيقه»(3)؛ لأنّ القدرة على معرفة الأحكام «من الأدلة المنفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة»(4).
الثانية والعشرون: جواز تقليد أي واحد من المجتهدين عند تعددهم دون اشتراط الاجتهاد في أعيانهم؛ لأننا «لو كلفنا العامي بمعرفة الفاضل من المفضول لكان تكليفًا بالمحال»(5).--------------------------------------------
(1) انظر: أسباب الخلاف للسهلي (ص 555 - 556).
(2) البحر المحيط (6/ 235)، وانظر: بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص 226) أسباب الخلاف للغامدي (ص 234).
(3) الفقيه والمتفقه (2/ 134 - 135)، وانظر: أسباب الخلاف للغامدي (ص 259)
(4) مجموع الفتاوى (20/ 303).
(5) نشر البنود (2/ 325)، وانظر: العضد (2/ 309) بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص 382)، أسباب الخلاف للغامدي (ص 423).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
المبحث السابع التصويب والتخطئة
حكى الأصوليون الإجماع القديم على أن الحق واحد لا يتعدد، ثم أشاروا إلى خلاف حادث نسبوه إلى الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري. وهو أنهما قالا: إن كل مجتهد في الأصول مصيب!، وقد اختلفوا في تصوير ما نقل عنه(1).
ولا عبرة بخلافهما؛ لأنه خلاف حادث لا يلتفت إليه(2).
وقد دلَّت نصوص كثيرة على أنه لا يكون القولان المتقابلان صوابًا مثل قول الله تعالى: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 91] وقال {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77]--------------------------------------------
(1) فقيل في ذلك ثلاثة أقوال:
1. إن كل مجتهد في الأصول مصيب، وهذا يعني تصويب من اجتهد من النصارى واليهود والوثنيين الذين لم يهتدوا إلى الإسلام! وهذا أشنع ما نقل عنه.
2. إن المجتهدين من أهل القبلة هم المصيبون دون من سواهم، وهذا أقل شناعة من الذي قبله.
3. إن المخطيء في الأصول من أهل القبلة معذور، وهذا النقل يفيد أن الحق لا يتعدد في الأصول، لكن المخطيء المجتهد الذي بذل وسعه لا يأثم ويعذر في خطئه.
انظر: المستصفى (2/ 359)، والوصول إلى الأصول (2/ 337)، وميزان الأصول للسمرقندي (755)، وروضة الناظر (2/ 418)، والإبهاج (3/ 257)، و البحر المحيط للزركشي (8/ 276 - 277)، وشرح العضد (2/ 293).
(2) انظر: الإحكام للآمدي (4/ 179 - 180)، ونهاية السول (4/ 558).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
وقال: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} [الأنعام: 93] فهذه الأدلة صريحة في أن الحق في واحد من القولين أو الأقوال المتقابلة.
وقد أجمع العلماء على بطلان مذاهب البراهمة واليهود والنصارى، فلو تعدد الحق لكانت تلك المذاهب صحيحة وحقًا، وحتى فيما دون ذلك مما اختلف فيه أهل القبلة؛ فإن الصحابة قد ثبت عنهم بلا نزاع تخطئة من خالف في الأصول،، فقاتلوا مانعي الزكاة والخوارج، ومن أدرك منهم القدرية فقد خطأهم، وهذا صنيع التابعين من بعدهم، فكان إجماعًا(1).
أما حكم المخطئ في الاجتهاد في أصول الدين هل يعد آثمًا؟ وهل يكفر به؟.
فجمهور المصنفين في الأصول يطلقون القول بتأثيمه، ثم يتنازعون في تكفيره، وينقلون رأيًا يعدونه شاذًا وينسبونه إلى العنبري والجاحظ، وهو أن المجتهد المخطيء غير آثم ومعذور عند الله.
وهذا القول الذي عدوه شاذًا، إذا حرر بذكر الشروط والموانع، كان هو قول السلف بلا شك.
والحجة التي يعتمد عليها من يقول بتأثيمه: أنه قد ثبت قتال الصحابة للمبتدعة، وتخطأتهم، كالخوارج، وثبت ذمهم للقدرية، وكذلك قد ثبت عن الأئمة الأعلام ردّ شهادة بعض أهل الأهواء، ونقل عنهم تكفير من قال بخلق القرآن، ونحو ذلك، ثم يخلصون إلى أن ذلك كان إجماعًا منهم(2).--------------------------------------------
(1) انظر: المعتمد (2/ 400)، والبرهان (2/ 860 - 861)، وشرح اللمع (2/ 1044)، والتمهيد للكلوذاني (4/ 309)، والوصول إلى الأصول (2/ 338)، وميزان الأصول (755).
(2) انظر: المستصفى (2/ 362)، والوصول إلى الأصول (2/ 340)، والتحصيل (2/ 290)، وشرح مختصر الروضة (3/ 611)، والتقرير والتحبير (3/ 305).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
ومن قال بعدم تأثيمهم استدل بذلك على رفع الإثم عمن أخطأ خطًا يعذر به؛ فمن ذلك:
الدليل الأول: قال الله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح قال: (قال الله: قد فعلت)(1) وهذا فيمن أخطأ من المسلمين مريدًا للحق، ولكن أخطأه إما بتأويل محتمل للنص إن بلغه، أو لعدم بلوغه له، ولا فرق بين الأصول والفروع في ذلك، فمن فرق فعليه الدليل(2).
الدليل الثاني: قال الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] ووجه الاستدلال: أن الله رفع الجناح والإثم عمن خاطبهم من المسلمين الذين أخطأوا فيما أخطأوا فيه، وتحمل الآية على العموم في الأصول والفروع لعدم الفرق(3).
والضابط المقرب لما سبق في حكم المخطيء من المسلمين:
(أ) أن ينظر أولًا في المسألة التي وقع فيها الخطأ، فيشترط أن تكون شرعية لا عقلية كلامية، لأن الحكم للشرع، ثم ينظر هل هي من الأمور الدقيقة الخفية -ولو بحثت في ضمن أصول الدين-، أو هي ظاهرة جلية معلومة علمًا ضروريًا -وإن بحثت في ضمن الفروع-؟ فإن كانت من الأول فالخطأ فيها محتمل قريب، وإن كانت من الثاني فينظر فيما يلي:--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب بيان أن الله لم يكلف إلا ما يطاق رقم (126).
(2) انظر: منهاج السنة (5/ 91)، ومجموع الفتاوى (19/ 210)، 216)، (12/ 489)، (20/ 263 - 268)، وفتح الباري (12/ 304).
(3) انظر: الفصل لابن حزم (3/ 301)، ومجموع الفتاوى (12/ 489)، (20/ 33 - 36)، وإيثار الحق على الخلق (435 - 436).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
ينظر في اختلاف أحوال الناس، وذلك من جهات:
(1) عدم بلوغ العلم له أصلًا خاصة إذا كانت المسألة ليست معلومة عند الخاصة والعامة، إذ بعض المسائل المجمع عليها، قد ينفرد بالعلم بها العلماء لا عوام الناس(1).
(2) أن يكون من جهل ذلك حديث عهد بالإسلام(2).
(3) قد يكون في زمن كثر فيه الجهل ولم تتميز السنة من البدعة عنده، أو قد تندرس بعض معالم الرسالة، خاصة قرب آخر الزمان(3).
(4) ينظر في المكان الذي هو فيه، فقد يكون في مكان ينتشر فيه الجهل والخطأ، ولم يبلغه العلم الصحيح في كل المسائل(4).
(ب) ينظر في انتفاء الموانع: وأكثرها يرجع إلى:
(1) الجهل: وشرطه ألا يكون مقصرًا في طلب الحق، أو مقلدًا معرضًا عن طلبه(5).
(2) التأويل: وشرطه أن تحتمله الأدلة من الكتاب والسنة، وتحتمله اللغة احتمالًا ظاهرًا(6).--------------------------------------------
(1) انظر: الرسالة للإمام الشافعي (359 - 360)، وجامع العلوم والحكم (67). وانظر ما سيأتي ذكره عن عارض الجهل في فقرة (ب).
(2) انظر: كشف الأسرار (4/ 560 - 563).
(3) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (11/ 408).
(4) انظر المصدر نفسه.
(5) انظر: ميزان الأصول للسمرقندي (1/ 285)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (23/ 346)، والرد على البكري له (ص 259)، وشرح التلويح على التوضيح (2/ 377 - 389)، وكشف الأسرار (4/ 534 - 536)، 545 - 548)، وفواتح الرحموت (2/ 387 - 392).
(6) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (3/ 283 - 284)، (20/ 263 - 268)، والاستقامة له (2/ 188 - 189)، وفتح الباري لابن حجر (12/ 304).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:
المسألة الأولى: من اشتبه عليه الحرام بالحلال، وهو قائل بأن للواقعة حكمًا في نفس الأمر، والمجتهد بين مصيب ومخطئ، فإن عليه أن يرجع إلى أصله، فإن كان أصله التحريم، فإنه يحكم به بعد الاشتباه.
ومن قال: إن كل مجتهد مصيب، وليس لله في الواقعة حكم واحد، فحكم كل واقعة بالنسبة للمجتهد ما أداه إليه اجتهاده(1).
ولا يوصف ما وقعت الشبهة في تحريمه بالكراهة عند القائل بأن كل مجتهد مصيب(2).
الثانية: حجية الإجماع السكوتي، قال الزركشي فيها: " خلاف مشهور ينبني التفاته على الخلاف في أن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ وذلك لاحتمال أن الساكت إنما ترك الإنكار لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب".
الثالثة: منع تفويض الحكم للمجتهد بأن يحكم بما شاء من غير اجتهاد، ويكون حكمه صوابًا، ومدركًا شرعيًا؛ «لأنّ الحق عند الله واحد»(3)، والاجتهاد قد يتعدد(4).
الرابعة: جواز صدور قولين عن المجتهد، «على القول: إن كل مجتهد مصيب، وأمّا على قوله عن المصيب واحد فلا»(5).
الخامسة: ينتقض حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية، إذا طرأ له ما يغير--------------------------------------------
(1) انظر: تخريج الأصول على الأصول (ص 606)، المستصفى (1/ 234 - 235).
(2) تخريج الأصول على الأصول (ص 654)، المستصفى (1/ 216 - 217)، البحر المحيط (1/ 297).
(3) التمهيد لأبي الخطاب (4/ 374).
(4) البحر المحيط (6/ 49)، أصول الفقه لابن مفلح (4/ 1521)، التحبير (8/ 3997)، شرح الكوكب المنير (4/ 521)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص 204).
(5) البحر المحيط (6/ 119)، وانظر: التلخيص (3/ 418)، بناء الأصول للمشعل (ص 233)، أسباب الخلاف للغامدي (ص 343).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)