وهب بأحاديث مناكير، ولعل شبيباً بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم»(1)، وقد وجدنا حين استقرأنا حال كثير من الرواة الذين ولوا القضاء أنهم قد خف ضبطهم؛ لانشغالهم بهذا المنصب الوظيفي، وممن شغل بالقضاء شريك بن عبد الله النخعي حين ولي قضاء الكوفة بعد عام خمسين ومئة، قال الحافظ ابن حجر: «تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة»(2).
وكذلك محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال أبو حاتم الرازي: «شغل بالقضاء فساء حفظه»(3) هذا خط عام لكن هناك من اشتغل بالتجارة فلم تلهه عن ضبط أحاديثه مثل ابن المبارك والليث بن سعد وغيرهما، وهناك من ولي القضاء ولم يشغله عن الضبط والإتقان لأحاديثه مثل معاذ بن معاذ العنبري ..(4).
وهناك جماعة من القراء شُغلوا بقراءة القرآن الكريم وإقرائه فهم أثبات في القراءة دون الحديث كنافع والكسائي وحفص، فإنهم نهضوا بأعباء الحروف وحرروها ولم يصنعوا ذلك في الحديث. كما أنَّ طائفة من الحفاظ أتقنوا الحديث ولم يحكموا القراءة، وكذا شأن كل من برز في فن ولم يعتنِ بما عداه، والله أعلم(5).
وغير ما ذكرنا من الأمور قد تطرأ مثل رواية المبتدع الداعية، ومن يحفظ المتون من دون الأسانيد كالفقهاء مثلاً أو العكس كالمحدّثين، وعدم ممارسة المحدّث لحديثه، كل هذه الأسباب تؤدي إلى خفة الضبط.
3 - الاختلاط:
وهو آفة عقلية تورث فساداً في الإدراك، وتصيب الإنسان في آخر عمره، أو تعرض له بسبب حادث لفقد عزيز أو ضياع مال، ومن تصبه هذه الآفة لكبر--------------------------------------------
(1) " الكامل " 5/ 49.
(2) " التقريب " (2787).
(3) " الجرح والتعديل " 7/ 431 (1739).
(4) انظر: " العلة وأجناسها ": 160.
(5) انظر: " سير أعلام النبلاء " 11/ 543.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
سنه يقال فيه: اختلط بأخرة(1).
وهو غير التخليط، فالأخير خلل يعرض في ضبط الراوي في حال الصحة وليس لطارئ معين، من ذلك ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه في أحمد بن عبد الرحمان قال: «كتبنا عنه، وأمره مستقيم، ثم خلط بعد، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط، قال: وسئل أبي عنه بعد ذلك، فقال: كان صدوقاً»(2)
ويجدر بالذكر أنَّ الاختلاط قد يكون علة ظاهرة، لكن وقت سماع الراوي ممن اختلط ربما كان خفياً، وهو العلة الخفية.
واستطاع جهابذة المحدّثين تحديد الفترة الزمنية الَّتِيْ دخل فِيْهَا الاختلاط عَلَى هَذَا الرَّاوِي، كَمَا حددوا اختلاط إسحاق بن راهويه(3) بخمسة أشهر، فَقَالَ أبو داود(4): «تغيّر قَبْلَ أن يموت بخمسة أشهر، وسمعتُ مِنْهُ في تِلْكَ الأيام--------------------------------------------
(1) يقال: (تغيّر بآخِرِهِ) بمد الهمزة وكسر الخاء والراء بعدها هاء. و: (تغيّر بآخِرَة) بمد الهمزة أيضاً وكسر الخاء وفتح الراء، بعدها تاء مربوطة، و: (تغيّر بأَخَرَة) بفتح الهمزة والخاء والراء، وبعدها تاء مربوطة.
وكلها معناها: اختلّ ضبطه وحفظه في آخر عمره.
انظر: " قواعد في علوم الحديث ": 249.
(2) " الجرح والتعديل " 2/ 18 - 19 (91).
(3) إسحاق بن إبراهيم بن مُحَمَّد الحنظلي، المروزي، أَبُو يعقوب المعروف بابن راهويه، الإِمَام الحَافِظ الكبير، محدث خراسان سكن نيسابور، قرين أحمد بن حنبل، ولد سنة (161 هـ)، وَقِيْلَ: (166 هـ)، ومات سنة (238 هـ)، لَهُ " المسند ".
انظر: " حلية الأولياء " 9/ 234، و" سير أعلام النبلاء " 11/ 358، و" طبقات الفقهاء ": 108. قال الفيروزأبادي في " تحفة الأبيه فيمن نسب إلى غير أبيه " المطبوع ضمن " نوادر المخطوطات ": 113: «إسحاق بن راهويه بفتح الهاء والواو ثم ياء مثناة تحتية، ويقال: بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء، وهذه قليلة، وهما لغتان في كل اسم خُتم بـ (وَيْه) كسيبويه وعمرويه وبحرويه وغيرها، ويجوز فيه البناء والإعراب: هذا راهويهِ، ورأيت راهويهِ، ومررت براهويهِ. وهذا راهويهٌ، ورأيت راهويهاً، ومررت براهويهٍ. ولك أنْ تعربه غير منصرف فتقول: هذا راهويهُ، ورأيت راهويهَ، ومررت براهويهَ».
(4) هُوَ سليمان بن الأشعث بن شداد الأزدي السجستاني صاحب السنن، قَالَ إبراهيم الحربي: أُلين لأبي داود الْحَدِيْث كَمَا ألين لداود الحديد، ولد سنة (202 هـ)، وتوفي سنة (275 هـ).
انظر: "وفيات الأعيان " 2/ 404، و" سير أعلام النبلاء " 13/ 203، و" العبر " 2/ 60.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
ورميت به»(1). وكذلك حددوا وقت اختلاط جرير بن حازم(2)، قَالَ أبو حاتم(3): «تغيّر قَبْلَ موته بسنة»(4). وحددوا وقت اختلاط سعيد بن أبي سعيد المقبري(5)،
قَالَ ابن سعد(6): «ثقة، إلا أنَّه اختلط قَبْلَ موته بأربع سنين»(7).--------------------------------------------
(1) " تاريخ بغداد " 6/ 355 وفي ط. الغرب 7/ 374. وانظر: "تهذيب الكمال" 1/ 178 (326)، و" ميزان الاعتدال " 1/ 183 (733)، و" المختلطين ": 9 (6)، و" الاغتباط ": 3 (8)، و" الكواكب النيرات ": 89 (4).
(2) هُوَ جرير بن حازم بن زيد الأزدي، أبو النضر البصري: ثقة لَكِنْ في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إِذَا حدّث من حفظه.
انظر: " الجرح والتعديل " 2/ 436 (2079)، و" سير أعلام النبلاء " 7/ 98، و" التقريب " (911).
(3) هُوَ الإمام البارع مُحَمَّد بن إدريس، أبو حاتم الرازي الحنظلي ولد سنة (195 هـ)، وتوفي سنة (277 هـ). انظر: " تاريخ بغداد " 2/ 73 وفي ط. الغرب 2/ 414، و" سير أعلام النبلاء " 13/ 247، و" العبر " 2/ 64.
(4) " الجرح والتعديل 2/ 505 (2079)، وانظر: " المختلطين " 16 (8)، و" الاغتباط ": 46 (17)، و" الكواكب النيرات ": 111 (11).
(5) الإِمَام المحدّث الثقة: أبو سعد سعيد بن أبي سعيد كيسان الليثي، مولاهم، المدني المقبري، كَانَ يسكن بمقبرة البقيع ونسب إِلَيْهَا. توفي سنة (125 هـ) وَقِيْلَ: سنة (123 هـ) وَقِيْلَ غَيْر ذَلِكَ وَكَانَ من أبناء التسعين.
انظر: " تهذيب الكمال " 3/ 166 (2268)، و" سير أعلام النبلاء " 5/ 216، و" ميزان الاعتدال " 2/ 139 (3187).
(6) مُحَمَّد بن سعد بن منيع، الحَافِظ، أبو عَبْد الله وَقِيْلَ: أبو سعد، البصري، كاتب الواقدي، سكن بغداد وظهرت فضائله، وَكَانَ كَثِيْر الْحَدِيْث والرواية كَثِيْر الكتب صنف كتاباً كبيراً في طبقات الصَّحَابَة والتابعين والخالفين إِلَى وقته، توفي سنة (230 هـ).
انظر: " تاريخ بغداد " 5/ 321 وفي ط. الغرب 3/ 266، و" تهذيب الكمال " 6/ 320 (5828)، و" تاريخ الإسلام ": 355 وفيات (230 هـ).
(7) " الطبقات الكبرى " (القسم المتمم): 147. وانظر: " سير أعلام النبلاء " 5/ 217، و" المختلطين ": 39 (17)، و" الاغتباط ": 61 (44). وذكر الحافظ في "هدي الساري": 575: أنَّ الواقدي زعم أنَّ المقبري اختلط قبل موته بأربع سنين، وقال: «وتبعه ابن سعد ويعقوب بن شيبة وابن حبان وأنكر ذلك غيرُهم .. ».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
فالاختلاط قد يطرأ على كثير من رواة الحديث النبوي، مما يؤثر على روايته فتصبح فيها علة، ومعرفة المختلطين من غيرهم أمر شاق على علماء العلل، فكان المحدّثون يسمعون الحديث من الراوي مراراً حتى يعرفوا هل خلط فيه أو لا، قال حماد بن زيد: «ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة؛ لأنَّ شعبة كان لا يرضى أنْ يسمع الحديث مرة»(1) أي: يعاود صاحبه مراراً. ومما يذكر في معاودة الراوي والسماع منه، ما حصل لمروان بن الحكم: أنَّه استدعى أبا هريرة رضي الله عنه وأجلس كاتبه أبا الزعيزعة خلف السرير دون أنْ يعلم أبو هريرة، و جعل يسأله وأبو الزعيزعة يكتب، فلما حال الحول، دعا مروان أبا هريرة وأجلس أبا الزعيزعة من وراء حجاب، وجعل يسأله عما سأله عنه سابقاً من ذلك الكتاب، فأجاب دون تقديم و لا تأخير(2).
وأحياناً كان الناقد يدخل على الراوي ليختبره فيقلب عليه الأسانيد والمتون، ويلقنه ما ليس من روايته، فإنْ لم ينتبه الشيخ لما يراد به، فإنَّه يعد مختلطاً و يعزف الناس عن الرواية عنه(3). قال الدكتور همام عبد الرحيم
: «ولكن بصيرة الناقد و يقظة المجتمع ليس لهما تلك القدرة التي تحدد ساعات بدء الاختلاط، إذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج، وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد روى أحاديث تناقلها الثقات عن
الثقات، وما دروا أنهم أخذوها عن الثقة و لكن في اختلاطه»(4).
وَقَدْ قسّم الْمُحَدِّثُوْنَ المختلطين من حَيْثُ تأثير الاختلاط في قبول--------------------------------------------
(1) " الجرح و التعديل " 1/ 156 المقدمة.
(2) انظر: " المستدرك " 3/ 510، و " تاريخ دمشق " 71/ 253، و " سير أعلام النبلاء " 2/ 598، و " الإصابة " 6/ 277 (10667) وانظر ترجمة أبي الزعيزعة في " تاريخ دمشق " 22/ 62.
(3) انظر المثال على ذلك: " المحدّث الفاصل " (408).
(4) مقدمة " شرح علل الترمذي " 1/ 105 ط. همام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
مروياتهم عَلَى ثلاثة أقسام، قَالَ العلائي(1): «أما الرُّوَاة الَّذِيْنَ حصل لَهُم الاختلاط في آخر عمرهم فهم عَلَى ثلاثة أقسام:
أحدها: من لَمْ يوجب ذَلِكَ لَهُ ضعفاً أصلاً، وَلَمْ يحط من مرتبته؛ إما لقصر مدة الاختلاط وقلَّتِهِ كسفيان بن عيينة(2)، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وهما من أئمة الإسلام المتفق عليهم؛ وإما لأنَّه لَمْ يروِ شيئاً حال اختلاطه، فسلم حديثه من الوهم كجرير بن حازم(3)، وعفّان بن مُسْلِم(4)، ونحوهما.
ثانيها: من كَانَ مُتَكلَّماً فِيْهِ قَبْلَ الاختلاط، فَلَمْ يحصل من الاختلاط إلا زيادة في ضعفه؛ كابن لهيعة(5)، ومحمد بن جابر السُّحيمي(6)، ونحوهما.
ثالثها: من كَانَ محتجاً بِهِ، ثُمَّ اختلط، أو عُمِّر في آخر عمره، فحصل الاضطراب فِيْمَا رَوَى بَعْدَ ذَلِكَ، فيتوقف الاحتجاج بِهِ عَلَى التمييز بَيْنَ ما حدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط عما رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ»(7).--------------------------------------------
(1) هُوَ خليل بن كيكلدي بن عَبْد الله العلائي الدمشقي، محدث فاضل، ولد في دمشق سنة
(694 هـ)، وتوفي في القدس سنة (761 هـ)، من مصنفاته " جامع التحصيل " و " نظم الفرائد " وغيرهما. انظر: " شذرات الذهب" 6/ 190، و" الأعلام " 2/ 321 - 322.
(2) ينظر في هَذَا " مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث ": 497 بتحقيقي، مع التعليق عَلَيْهِ.
(3) انظر: " الجرح والتعديل " 2/ 437 (2079).
(4) هُوَ أبو عثمان، عفان بن مُسْلِم بن عَبْد الله الصفار البصري سكن بغداد: ثقة، توفي سنة (219 هـ)، وَقِيْلَ: (220 هـ). انظر: " الثقات " 8/ 522، و" تهذيب الكمال " 5/ 187 (4553)، و" تهذيب التهذيب " 7/ 230.
(5) هُوَ أَبُو عَبْد الرحمان المصري، عَبْد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي الفقيه، قاضي مصر: صدوق، احترقت كتبه فحدّث من حفظه فأخطأ، توفي سنة (174 هـ). انظر: " تهذيب الكمال " 4/ 252 (3501)، و" العبر " 1/ 264، و" التقريب " (3563).
(6) هُوَ مُحَمَّد بن جابر بن سيار السحيمي الحنفي، أَبُو عَبْد الله اليمامي، أصله كوفيٌّ، وَكَانَ أعمى، قَالَ عَنْهُ البخاري: ليس بالقوي، يتكلمون فِيْهِ، رَوَى مناكير، توفي سنة بضع وسبعين ومئة.
انظر: " تهذيب الكمال " 6/ 259 - 260 (5699)، و" سير أعلام النبلاء " 8/ 238،
و" التقريب " (5777).
(7) كتاب " المختلطين ": 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وهكذا تدخل العلة في الحديث النبوي بسبب اختلاط بعض الرواة، لكن العلماء عالجوا هذه القضية بوساطة الرواة عن المختلطين، و قسموهم إلى أربعة أقسام:
1 - الذين رووا عن المختلط قبل اختلاطه.
2 - الذين رووا عنه بعد اختلاطه.
3 - الذين رووا عنه قبل الاختلاط و بعده ولم يميزوا هذا من هذا.
4 - الذين رووا عنه قبل اختلاطه وبعده وميزوا هذا من هذا.
فمن روى عن المختلط قبل الاختلاط، قبلت روايته عنه، ومن روى عنه قبل الاختلاط وبعده وميز ما سمع قبل الاختلاط قُبِلَ، ولم يقبل ما سمع بعد الاختلاط، ومن لم يميز حديثه أو سمع بعد الاختلاط لم تقبل روايته(1).
ولعل الحافظ العراقي كَانَ أشمل في بيان الحكم من غيره، إِذْ قَالَ: «ثُمَّ الحكم فيمن اختلط أنَّه لا يقبل من حديثه ما حدّث بِهِ في حال الاختلاط، وكذا ما أبهم أمره وأشكل، فَلَمْ ندرِ أحدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط أو بعده؟ وما حدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط قُبِلَ، وإنما يتميز ذَلِكَ باعتبار الرُّوَاة عَنْهُمْ، فمنهم من سَمِعَ مِنْهُمْ قَبْلَ الاختلاط فَقَطْ، ومنهم من سَمِعَ بعده فَقَطْ، ومنهم من سَمِعَ في الحالين، وَلَمْ يتميز»(2).
ونقد الذهبي على ابن القطان قوله في هشام بن عروة وانتقده عليه حين رماه بالاختلاط قال: «هشام بن عروة، أحد الأعلام، حجة إمام، لكنْ في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبداً، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنَّه وسُهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيّرا. نعم، الرجل تغير قليلاً، ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان! ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجوّدها، ومثل هذا يقع لمالك--------------------------------------------
(1) انظر: " العواصم والقواصم " لابن الوزير 3/ 101 - 102.
(2) " شرح التبصرة والتذكرة " 2/ 329 بتحقيقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط، وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين، فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك ياابن القطان»(1).
فقد فرّق الذهبي بين الخطأ والاختلاط، وأنَّ هذا الذي يحصل ليس اختلاطاً وإنَّما هو نسيان أو خطأ لم يسلم منه كبار الحفاظ الثقات كشعبة ومعمر ومالك … .
4 - التصحيف والتحريف:
من الأسباب القادحة في حديث الثقة التصحيف والتحريف، وهو: «أن يُقرأ الشيءُ على خلاف ما أراد كاتبه، أو على غير ما اصطلحوا عليه، ويكون بمخالفة الراوي للثقات في النقط»(2).
والفارق بين التصحيف والتحريف، أنَّ التصحيف يكون في إهمال الحروف أو إعجامها: أي نقطها، كجعل السين المهملة شيناً معجمة، والذال المعجمة دالاً مهملة، أما التحريف فيكون بتغيير شَكْل - أي حركات وسكنات - الحروف، دون تغيير الحروف(3).
«وليعلم أنَّ التصحيف والتحريف قد يطلق كل منهما على ما يشمل هذين النوعين، بل قد يطلق كل منهما على كل تغيير يقع في الكلمة ولو مع عدم بقاء صورة الخط فيها»(4)
يقول الخطّابي: «فَحَقَّ على طالب الحديث أنْ يَرفق في تأمُّل مواضع الكلام، ويُحسِن التأني لمحنة اللفظ، ومعرفة ما يليق به من المعنى؛ ليستوضح به قصده، ويصيبَ جهته، فإنَّ قوماً أغفلوا تَفقُّد هذا الباب فلحقتهم سمةُ--------------------------------------------
(1) " ميزان الاعتدال " 4/ 301 - 302 (9233).
(2) " التنبيه على حدوث التصحيف ": 3.
(3) انظر: " نزهة النظر ": 77، و "شرح شرح نخبة الفكر ": 489 - 490، و "تدريب الراوي" 2/ 195، و " توجيه النظر " 2/ 592.
(4) " توجيه النظر " 2/ 592.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
التحريف، ولزمتهم هُجنةُ التقصير، وصاروا سُبة على أهل الحديث، تُنثى(1) زلاتهم، وتذكر عثراتهم»(2).
فسبب وهم الراوي هو تشابه الرواة في الأسامي والكنى والألقاب والأنساب وغيرها ..
وأكثر الأسماء اشتباهاً ما تقاربت عصور أهله، واتفقت صورها، واختلفت حروفها. فيقلب اسماً إلى اسم آخر أو يصحفه، وأشده إذا اشتبه عليه ضعيف بثقة: «وهذا في الغالب يحصل بسبب اتفاق راويين في الاسم واسم الأب، أو كون اسميهما على وزن صرفي واحد، مع اتفاق اسمي أبويهما كما في عبد الرحمان بن يزيد بن تميم، وعبد الرحمان بن يزيد بن جابر، فالأول ضعيف، والثاني ثقة، وكذا واصل بن حيان، وصالح بن حيان، فالأول ثقة والثاني ضعيف»(3)، وهذا تحقيق مقولة الحاكم رحمه الله: «ومن تهاون في معرفة الأسامي أورثه مثل هذا الوهم»(4).
ومن بُعد نظر بعض المحدّثين امتناعهم عن تحديث من لا يفرّق بين المشتبه من الأسماء، ولا يميز بين المتشابه من الكنى، كما حصل مع سعيد بن أبي مريم فيما نقله الرامهرمزي بسنده إلى عثمان بن سعيد الدارمي، قال: «كنا عند سعيد بن أبي مريم بمصر، فأتاه رجل فسأله كتاباً ينظر فيه، أو سأله أن يحدثه بأحاديث فامتنع عليه، وسأله رجل آخر في ذلك فأجابه، فقال له الأول: سألتك فلم تجبني، وسألك هذا فأجبته، وليس هذا حق العلم! أو نحوه من الكلام، قال: فقال سعيد بن أبي مريم: إن كنت تعرف الشيباني من السيباني، وأبا جمرة من أبي حمزة، وكلاهما عن ابن عباس حدثناك--------------------------------------------
(1) أي: تنشر كما في " اللسان " مادة (نثث) وهذا من بديع كلام الخطابي؛ إذ هو معنى ما بعده أتى به مع عدم التكرار.
(2) " غريب الحديث " 1/ 57.
(3) " علل ابن أبي حاتم " 1/ 151 ط. الحميّد (المقدمة).
(4) " معرفة علوم الحديث ": 178 ط. العلمية و عقب (442) ط. ابن حزم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وخصصناك كما خصصنا هذا»(1).
لهذا ولغيره فقد شمر العلماء عن ساعد الجد فصنفوا كثيراً من الكتب في هذا الجانب عُرفت بكتب المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف.
5 - انتقال البصر:
وهو أنْ يوجد في الصفحة الواحدة وفي الأسطر المتقاربة كلمتان متماثلتان في الرسم، فمن المحتمل أنْ ينتقل بصر الراوي في أثناء تحديثه من الكلمة الأولى إلى الكلمة الثانية المماثلة لها في الرسم، فيسقط من السند أو المتن مقدار ما بين الكلمتين من كتابة.
ومثاله ما وقع لعبد الحق الإشبيلي إذ قال: «الترمذي عن حكيم بن حكيم قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهُ ورسولُهُ مولى مَنْ لا مَولى لهُ، والخالُ وارثُ مَنْ لا وارثَ لَهُ»»(2)، فتعقبه ابن القطّان فقال: «كذا وقع الحديث في النسخ، وهو خطأ ينقص منه واحد، فإنما يرويه حكيم بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: كتب عمر بن الخطاب. وأخاف أنْ يكون إنما سقط لأبي محمد نفسه بقرينة أذكرها، وذلك أنَّ الحديث هو في الترمذي(3) هكذا عن عبد الرحمان بن الحارث، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: كتب عمر بن الخطاب. هذا نصه، فأظن أنَّ أبا محمد ألقى بصره على حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف فكتبه مقتصراً من نسبه على
أبيه، ثم أعاد بصره فوقع على حنيف جد أبي أمامة المتصل به، قال: كتب عمر بن الخطاب، فظنه حنيفاً جد حكيم الذي قد عوّل على اختصاره، فكتب ما بعده، وذلك قوله: قال: كتب عمر بن الخطاب، ولو كان الثابت في الأحكام: عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، قال: كتب عمر بن الخطاب، كنت أقول: على الناسخ سقط ما بين حنيف وحنيف، فلما لم يثبت--------------------------------------------
(1) " المحدّث الفاصل " (186).
(2) " الأحكام الوسطى " 3/ 330.
(3) " الجامع الكبير " (2103).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
كذلك دل على أنَّه من عمله، ولكن بقي الآخر ممكناً، وباعتبار إمكانه لم أكتب هذا في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي
منقطعة»(1).
6 - سلوك الجادة:
السلسلة المعروفة تسبق إليها الألسن بخلاف السلسلة الغريبة لا يقولها إلا حافظ متقن، وقد اختلفت عبارات المحدّثين في التعبير عن هذا المعنى، فقال ابن المديني: «سلك الحجة(2)»(3)، وقال أبو حاتم: «لزم الطريق»(4)، وقال الحاكم: «أخذ طريق المجرّة»(5)، وقال الحافظ ابن حجر: «تبع العادة وسلك الجادة»(6)، ولكن هذا الاختلاف لا يؤثر في أصل المسألة، فما أنْ تذكر إحدى هذه العبارات حتى يفهم أنَّ الراوي سبق لسانه إلى أحد الأسانيد المشهورة، وكثرة تداول إسناد بصورة واحدة، تجعله إسناداً مشهوراً تسبق إليه الألسنة، وهو المراد به المحجة والطريق والمجرة والجادة، ويسهل حفظه لكثرة تكراره، وربما اشترك هذا الإسناد المشهور مع إسناد آخر في بعض رجاله واختلف في بعضهم ويراد رواية الإسناد غير المشهور، فيهم الراوي فيذكر الإسناد المشهور؛ لكثرة تكراره على الألسنة، قال ابن رجب: «فإنَّ عروة عن عائشة، سلسلة معروفة يسبق إليها لسان من لا يضبط وَوَهمُهُ(7) بخلاف عروة عن ابن عمر، فإنَّه غريب لا يقوله إلا حافظ متقن»(8)،
لهذا يُرجح العلماء ما خرج عن الجادة؛ لأنهُ قرينة على حفظ الراوي، قال ابن رجب: «فإن كان المنفرد عن الحفاظ مع سوء حفظه قد سلك الطريق--------------------------------------------
(1) " بيان الوهم والإيهام " 2/ 63.
(2) هكذا في المطبوع وقد يكون الصواب: «المحجة»؛ لأنها بمعنى الطريق، أما المثبت فلم يأتِ بهذا المعنى.
(3) " نتائج الأفكار " 2/ 194.
(4) " العلل " لابنه (288).
(5) " معرفة علوم الحديث ": 118 ط. العلمية وقبيل (287) ط. ابن حزم.
(6) " النكت " 2/ 610 و: 381 بتحقيقي.
(7) «يقال: وَهَمَ الرجل، إذا ذهب وَهْمُه - أي ظنه - إلى الشيء. ووَهِمَ فيه مكسورة الهاء، إذا غلط. وأوهم: إذا سقط». " إصلاح غلط المحدّثين ": 70.
(8) " فتح الباري " 5/ 35 ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
المشهور، والحفاظ يخالفونه فإنه لا يكاد يرتاب في وهمه وخطئه؛ لأن الطريق المشهور تسبق إليه الألسنة والأوهام كثيراً فيسلكه من لا يحفظ»(1)، وقال السخاوي: «فسلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ، كما أشار إليه النسائي»(2)، وسيأتي لذلك مزيد بيان إنْ شاء الله تعالى.
7 - الإدخال على الشيوخ:
لا يُبحثُ في عين الراوي من حيث ضبطه وعدالته فقط، وإنما يُبحث فيما يتركه الراوي من مصنفات وما دُسّ في تلك المصنفات من غير حديثه، ومعرفة الأصيل من الدخيل، فكان ذلك بحق مما يجدر الافتخار به لهذه الأمة؛ لهذا كانت المصنفات محط أنظار النقاد وفي حيز اهتمامهم، مثلما كان دأب سلف الأمة بيان صحيح الأحاديث من سقيمها، فكانوا يقابلون أصولهم ويقارنونها؛ لأنَّ بعض من لا يؤمَن مكره، أباح لنفسه التلاعب بكتب الناس، وإدخال ما ليس منها فيها.
وقد ابتُلي كثير من الرواة بأربّائهم وورّاقيهم، مثل حماد بن سلمة كان لا يحفظ، ويقال: إنَّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه وكان يدس في كتبه(3)، وقصة سفيان بن وكيع مع ورّاقه مشهورة(4).
وممن اشتهر بهذا الفعل الشائن خالد بن نجيح، فإنَّه كان يدخل على الثقات ما ليس من حديثهم، وكم من حديث أدخله على عبد الله بن صالح كاتب الليث وقتيبة بن سعيد وابن أبي مريم وغيرهم(5).
وجدير بالذكر أنَّ الإدخال على الشيوخ يكون في الغالب بغير علم الراوي الذي أُدخل عليه الحديث في كتابه، ويختلف موقف الراوي الذي--------------------------------------------
(1) " شرح علل الترمذي " 2/ 725 ط. عتر و 2/ 841 ط. همام.
(2) " فتح المغيث " 1/ 190 ط. العلمية و 1/ 304 ط. الخضير.
(3) انظر: " تهذيب التهذيب " 3/ 13.
(4) انظر: " تهذيب التهذيب " 4/ 111 - 112.
(5) انظر: " الجرح والتعديل " 3/ 350 (1605)، وما سيأتي نقله عن البخاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
أُدخل عليه من الأحاديث المدخلة «فبعضهم يرجع عن تلك الأحاديث ويتركها، ويغضب على من فعل ذلك، فهؤلاء لا يؤثر فيهم ذلك الفعل، ويضعف بعضهم عن ذلك فيسقط حديثهم»(1).
ونقل الحاكم عن البخاري أنَّه قال: «قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبتَ عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدايني. قال البخاري: وكان خالد المدايني يدخل الأحاديث على الشيوخ»(2).
8 - التلقين:
لغة: التفهيم، واصطلاحاً: «أن يروي المحدّث شيئاً لشيخ يوهمه أنَّه من روايته، وليس كذلك»(3) أو «أن يقول له القائل: حدثك فلان بكذا، ويُسمّي له من شاء من غير أنْ يسمعه منه، فيقول: نعم، فهذا لا يخلو من أحد وجهين، ولا بد من أحدهما ضرورة: إما أنْ يكون فاسقاً يُحدِّث بما لم يسمع، أو يكون من الغفلة بحيث يكون ذاهل العقل مدخول الذهن ومثل هذا لا يُلتفت إليه؛ لأنَّه ليس من ذوي الألباب .. »(4) أو بمعنى آخر أنْ يعسر عليه اسم فيقول له أحد: هو فلان، فيقول: نعم، ويحدّثه به، وهذا الذهول من دواعي خفة الضبط، وهو من نقائض صحة الحديث، بل ربما يلقن الشيخ بعض المناكير والأحاديث الباطلة من حيث لا يعلم، فَيقِرّ بها فيكون ذلك سبباً لرد روايته، أو يكون الراوي عرضة للتشويه من حيث العدالة.
ومن عُرف به، لم يصلح حديثه للاعتضاد، وإن كان غير متهم؛ لأنَّ هذا الخلل يفضي إلى طرح حديثه وعدم اعتباره؛ ولأنَّه مظنة رواية الموضوع …(5).--------------------------------------------
(1) " علل الحديث " 1/ 129 ط. الحميّد (المقدمة).
(2) " معرفة علوم الحديث ": 120 ط. العلمية و (295) ط. ابن حزم.
(3) " العلة وأجناسها ": 174.
(4) " توجيه النظر إلى أصول الأثر " 2/ 573.
(5) " الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ": 443.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وقد عرّف أحد الباحثين (التلقين) بأنَّه: «إدخال شيء في حديث الراوي ليس من مروياته سواء في حفظه أو كتابه دون علمه فيحدث به»، وانتقد عليه قوله صاحب " العلة وأجناسها " فقال: «وعلى تعريفه ملاحظات» ذكرها ثم قال: «وكأنَّه عرّف التلقين القادح فقط»، وصوّب تعريفه وذكر مثالاً له(1).
والفارق بين التلقين والإدخال على الشيوخ، أنَّ الأول يكون مشافهة وبعلم المُلقَّن، أما الثاني فيكون في الكتاب وبغير علم الراوي المدخَل عليه.
ومن أسباب قبول التلقين: ضعف الراوي، وعلو منزلة المُلقِّن واشتهاره بالحفظ، والاعتماد على الكتاب ثم التحديث من الحفظ …(2).
ويجدر بالذكر أنَّ التلقين وسيلة مهمة في امتحان الرواة، والحكم عليهم بها شائع، جوّزه جماعة من العلماء فاستفادوا منه في معرفة عدالة الراوي وضبطه. كما سقط في الامتحان جماعة من الرواة فتكلم فيهم النقاد(3). وخير ما يتمثل به قصة رفسة أبي نعيم ليحيى بن معين فيما نقله الخطيب بسنده، عن أحمد بن محمد بن الجراح أبي عبد الله، قال: «سمعت أحمد بن منصور الرمادي يقول: خرجت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق، خادماً لهما، فلما عُدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: أريد أختبر أبا نعيم. فقال له أحمد بن حنبل: لا تريد، الرجل ثقة. فقال يحيى بن معين: لا بد لي. فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثاً من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثاً ليس من حديثه، ثم جاؤوا إلى أبي نعيم فدقوا عليه الباب فخرج، فجلس على دكان طين حذاء بابه، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلست أسفل الدكان، فأخرج يحيى بن معين الطبق فقرأ عليه عشرة أحاديث، وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال أبو--------------------------------------------
(1) انظر: " العلة وأجناسها ": 173 - 174.
(2) انظر: " علل الحديث 1/ 123 ط. الحميّد (المقدمة).
(3) انظر: " الجرح والتعديل " لإبراهيم اللاحم: 53 - 62.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
نعيم: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث الثالث، فتغيّر أبو نعيم وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بن معين، فقال له: أما هذا - وذراع
أحمد بن حنبل في يديه - فأورع من أنْ يعمل مثل هذا، وأما هذا، يريدني، فأقلّ من أنْ يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين، فرمى به من الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل، وأقل لك إنَّه ثبت، قال: والله لرفسته لي أحب إليَّ من سفري!»(1).
قال أبو حاتم جواباً عن سؤال ابنه عن حديث رواه هشام بن عمّار: «رأيت هذا الحديث قديماً في أصل هشام بن عمّار عن حاتم هكذا مرسل، ثم لقنوه بأخذه عن جابر فتلقن، وكان مغفلاً»(2)، وقال الإمام أحمد عن
عبد الرزاق: «كان يلقن فلقنه وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه ما ليس في كتبه»(3)، ونقل الخطيب عن الحميدي بسنده قال: «ومن قَبِلَ التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه وأخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا علم ذلك التلقين حادثاً في حفظه لا يعرف به قديماً، وأما من عرف به قديماً في جميع حديثه، فلا يقبل حديثه ولا يؤمَن أن يكون ما حفظه مما لقن»(4).
9 - شدة وثوق الراوي بحفظه والاعتماد عليه:
إنَّ الكتاب المتقن الموثَّق لحجة عند العلماء، بل هو ميزان، ودليل على صحة حفظ الراوي(5)، واعتماد الراوي على حفظه والوثوق به بما يبعده عن كتبه، فيحدث من حفظه، والحفظ خوّان، هذا الأمر يدخل فيه تام الضبط وخفيفه، إذ لا يسلم من الخطأ أحد.--------------------------------------------
(1) " تاريخ بغداد " 14/ 315 - 316 ط. الغرب.
(2) " علل الحديث " (1743).
(3) " بحر الدم " (619).
(4) " الكفاية ": 149.
(5) انظر: " تحرير علوم الحديث " 1/ 256.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
نقل السمعاني عن جعفر بن درستويه، قال: «أُقعد علي بن المديني بسامراء على منبر، فقال: يقبح بمن جلس هذا المجلس أنْ يحدّث من كتاب، فأول حديث حدّث من حفظه غلط فيه، ثم حدّث سبع سنين من حفظه لم يخطئ في حديث واحد»(1)، وعن يحيى بن معين، قال: «دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فقلت له: أوصني. فقال: لا تحدّث المسند إلا من كتاب»(2).
وذكر ابن حبان أجناساً من أحاديث الثقات لا يجوز الاحتجاج بها، منها: الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه؛ لأنَّهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون، والفقيه إذا حدث من حفظه، وهو ثقة في
روايته؛ لأنَّ الغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد، فلا يجوز الاحتجاج بخبريهما إلا أنْ يحدثا من كتاب، أو يوافقا الثقات فيما يرويانه(3).
وقد استحسن المحدّثون ألا يروي المحدّث إلا من كتابه؛ لأنَّه أبعد عن الوهم والغلط(4) ولم يفتْ علماءَ الحديث تنبيهُ الرواة على الابتعاد عن التحديث من غير كتاب، قال الباجي: «قد عُدم من يحفظ، ولو لم يُؤخذ إلا عن من يحفظ لعدم من يؤخذ عنه، فقد قلّ الحفاظ واحتيج إلى الأخذ عمن لهُ كتاب صحيح»(5)، وقال الإمام أحمد عن عبد الأعلى السامي: «ما كان من حفظه ففيه تخليط، وما كان من كتاب فلا بأس به»(6)، وقال ابن حبان عن عبد الله ابن نافع بن أبي نافع: «كان صحيح الكتاب، وإذا حدّث من حفظه ربما أخطأ»(7)، وقال الرامهرمزي: «وإنما كره الكتاب من كره من الصدر الأول؛ لقرب العهد وتقارب الإسناد، ولئلا يعتمده الكاتب فيهمله أو يرغب عن تحفظه والعمل به، فأما والوقت متباعد، والإسناد غير متقارب، والطرق--------------------------------------------
(1) " أدب الإملاء ": 57.
(2) " أدب الإملاء ": 58.
(3) انظر: " المجروحين " 1/ 93.
(4) انظر: " العلة وأجناسها ": 179.
(5) " التعديل والتجريح " للباجي 1/ 289.
(6) " سؤالات أبي داود لأحمد " (530).
(7) " تهذيب التهذيب " 6/ 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
مختلفة، والنقلة متشابهون، وآفة النسيان معترضة، والوهم غير مأمون، فإنَّ تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى، والدليل على وجوبه أقوى .. »(1).
10 - التوقّي والتورّع:
كان دأب بعض أهل العلم حين يشك في حديث ما، أنْ يرويه على الاقتصار، فإن شك في رفع الحديث رواه موقوفاً، وإن شك في إسناده أرسله، وإن شك في عبارة من المتن حذفها قال ابن معين: «إذا خفت أن تخطئ في الحديث فانقص منه ولا تزد»(2)، وهذا ديدن محمد بن سيرين، قال الدارقطني: «وقد تقدم قولنا في أنَّ ابن سيرين من توقّيه وتورّعه تارة يصرح بالرفع وتارة يومئ، وتارة يتوقف، على حسب نشاطه في الحال»(3)، وقال يعقوب بن شيبة: «حماد بن زيد أثبتُ من ابن سلمة، وكلٌ ثقة، غير أنَّ ابن زيد معروف بأنَّه يقصر في الأسانيد، ويوقف المرفوع، وكثير الشك بتوقيه، وكان جليلاً لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحياناً يذكر فيرفع الحديث، وأحياناً يهاب الحديث ولا يرفعه»(4).
11 - اختصار الحديث أو روايته بالمعنى:
يُعد سبباً من الأسباب المؤدية إلى وقوع الغلط في حديث الثقات، وذلك إذا كان الراوي قليل المطالعة لكتبه، ويحدّث بما رسخ في ذهنه، وبخاصة إذا لم يكن ضليعاً باللغة، عالماً بالألفاظ وما يحيل معناها، وكلما كثرت طرق الحديث كثرت ألفاظه واختلفت، يقول الحافظ ابن حجر: «وإنما يسلم ذلك فيما لم تتصرف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أنْ تقل مخارج الحديث وتتفق ألفاظه، وإلا فإنَّ مخارج الحديث إذا كثرت قلّ أنْ تتفق ألفاظه؛ لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى، بحسب ما يظهر لأحدهم أنَّه وافٍ به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنَّهم كانوا لا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلق المعنى بالذهن فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ،--------------------------------------------
(1) " المحدّث الفاصل " قبل (382).
(2) " الكفاية ": 189.
(3) " العلل " 10/ 25 (1827).
(4) " تهذيب التهذيب " 3/ 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
فيحدّث بالمعنى لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه أنَّه لم يوفِ المعنى»(1).
ويجوز اختصار الحديث لمن كان عالماً بمعناه، ولا يختل معه البيان، ولا تختلف دلالته، قال الخطيب: «والذي نختاره في ذلك أنَّه إذا كان فيما حذف من الخبر معرفة حكم وشرط وأمر لا يتم التعبد والمراد بالخبر إلا بروايته على وجهه، فإنَّه يجب نقله على تمامه ويحرم حذفه؛ لأنَّ القصد بالخبر لا يتم إلا به، فلا فرق بين أنْ يكون ذلك تركاً لنقل العبادة، كنقل بعض أفعال الصلاة، أو تركاً لنقل فرض آخر هو الشرط في صحة العبادة كترك نقل وجوب الطهارة ونحوها، وعلى هذا الوجه يحمل قول من قال لا يحل اختصار الحديث»(2).
ونقل ابن رجب عن أبي بكر الخلال، قال: «إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يُخلّ بالمعنى، لا أصل اختصار الحديث. قال: وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المُخلّ بالمعنى»(3).
ونقل الخطيب عن الخليل بن أحمد، قال: «لا يحل اختصار حديث النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: «رحمَ اللهُ امرءاً سمَع مِنَّا حَديثاً فبلّغهُ كما سمعهُ»(4)»، وعن يعقوب بن شيبة، قال: «كان مالك لا يرى أن يختصر الحديث إذا كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وعن عباس الدوري، قال: «سُئل أبو عاصم النبيل يكره الاختصار في الحديث؟ قال: نعم؛ لأنهم يخطئون المعنى»، وعن عنبسة، قال: «قلت لابن المبارك: علمتَ أنَّ حماد بن سلمة كان يريد أنْ يختصر الحديث فيقلب معناه؟ فقال لي: أَوَ فطنتَ له؟»(5).--------------------------------------------
(1) " فتح الباري " 13/ 305 عقب (7274).
(2) " الكفاية ": 190 - 191.
(3) " فتح الباري " 2/ 105.
(4) أخرجه بهذا اللفظ: ابن حبان (68)، والطبراني في " الأوسط " (1609) ط. العلمية
و (1632) ط. الحديث من حديث عبد الله بن مسعود، وبنحوه أخرجه: الشافعي في " مسنده " (1806) بتحقيقي، وانظر تمام تخريجه هناك.
(5) " الكفاية ": 191 - 192.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
بخلاف ذلك هناك علماء بارعون في اختصار الحديث وروايته بالمعنى مثل سفيان الثوري، قال ابن المبارك: «علَّمنا سفيان اختصار الحديث»(1).
وقد اختلف العلماء سلفاً وخلفاً في حكم اختصار الحديث أو روايته بالمعنى: فذهبت طائفة إلى منع ذلك لأنَّ بعض الثقات قد يروي حديثاً بالمعنى فيخطئ، فيقبل حديثه لثقته، ولا يفطن لخطئه إلا أهل الخبرة، وذهبت أخرى إلى جواز ذلك في غير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب الجمهور إلى تجويزها بالمعنى في جميع ما روي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وما روي عن غيره، إذا قطع بالمعنى، وكان عارفاً بالمعاني ودقائق الألفاظ(2).
12 - التدليس:
وقوع التدليس في حديث الثقة يُعلّ حديثه؛ لأنَّ التدليس إخفاء عيب في الإسناد، وإيهام الناظر فيه بخلو ذلك الإسناد من العيب(3).
والتدليس أنواع كثيرة، أشهرها تدليسا الإسناد والشيوخ، ويُعرّف الأول: بأنْ يروي عمن لقيه، ما لم يسمعه منه، والثاني: أن يسمِّي شيخه أو
يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به(4).
فالرواة الثقات يقع منهم التدليس، فيحتاج إلى جهبذ ناقد يكشف عنه بمعرفته الثاقبة وبطرائقه، فإنْ كان الراوي الذي دَلّس متكلماً فيه، أو روايته ضعيفة لأمر آخر، فالأمر هين، وإنْ كان الراوي ثقة استوجب مزيد بحث، حتى لا يغتر الناظر في الإسناد بظاهره فيحكم بصحته، وليس كل عنعنة من راوٍ مدلس مردودة؛ لأنَّه يترتب على ذلك رد كثير من السنن الصحيحة(5).--------------------------------------------
(1) " المحدّث لفاصل " (716).
(2) انظر: " المحدّث الفاصل " (685) - (700)، و " الكفاية ": 198، "وشرح علل الترمذي" 1/ 147 ط. عتر و 1/ 427 ط. همام.
(3) انظر: " الكفاية ": 357.
(4) انظر " معرفة أنواع علم الحديث ": 157 بتحقيقي.
(5) انظر: " علل ابن أبي حاتم " 1/ 114 ط. الحميّد (المقدمة).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
13 - التفرد:
التفرد بحد ذاته ليس علة في الخبر، وإنما يكون أحياناً سبباً من أسباب العلة، إذا لم يكن الراوي مبرزاً في الحفظ، فالتفرد قد يلقي الضوء على وجود العلة، وهو من أدق أنواع علوم الحديث، وأصعب أسباب العلة كشفاً، وقد يكون التفرد قرينة على وجود العلة، قال ابن الصلاح: «ويستعان على إدراكها - يعني: العلة - بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك»(1).
والإعلال بالتفرد كثير عند أهل العلم بالحديث، لذا نجد البخاري والعقيلي وابن عدي كثيراً ما يعلون الحديث بقولهم: «لا يتابع عليه»(2)، وسيأتي مزيد بيان إنْ شاء الله.
14 - الجمع بين الشيوخ:
وهو أنْ يجمع الراوي بين شيخين أو أكثر، فيروي عنهم حديثاً واحداً، ويكون بين حديثهم اختلاف، فهذا الجمع لا يقبل إلا من حافظ متقن لحديثه، عارف اتفاق شيوخه واختلافهم مثل الزهري، وقد ينكر الجمع بين الشيوخ في حال عدم معرفة الجامع بينهم وضبطه لاتفاقهم واختلافهم، قال الإمام أحمد عن محمد بن إسحاق بن يسار: «هو حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجلين … يحدث عن الزهري ورجل آخر، فَيُحمل حديث هذا على هذا»(3).
والأصل تأدية كل حديث كما سمعه، قال ابن الصلاح: «إذا
كان الحديث عند الراوي عن اثنين أو أكثر، وبين روايتهما تفاوت في
اللفظ، والمعنى واحد، كان له أن يجمع بينهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما خاصة، ويقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو وهذا لفظ فلان، قال - أو قالا - أخبرنا فلان أو ما أشبه ذلك من العبارات»(4).--------------------------------------------
(1) " معرفة أنواع علم الحديث ": 187 بتحقيقي.
(2) والأمثلة على ذلك كثيرة وهي مبثوثة في كتب العلل فراجعها تجد فائدة.
(3) علل أحمد برواية المروذي وغيره (55).
(4) " معرفة أنواع علم الحديث ": 332 بتحقيقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وقد يضعف حديث الراوي إذا جمع بين الشيوخ خاصة، بخلاف ما إذا أفردهم، من ذلك قول شعبة لابن علية: «ما حدثك عطاء عن رجاله:
زاذان وميسرة وأبي البختري، فلا تكتبه، وما حدثك عن رجل بعينه فاكتبه»(1).
ويقبح الجمع بين الشيوخ؛ لأنَّه يوقع في الزلل والغلط، لا سيما إذا كان الحديث يرويه ثقة وضعيف، فيرويه الراوي ويُحمل أحدهما على الآخر، ثم يرويه بإسقاط الضعيف وهذا مما لا يجوز فعله.
وبالإمكان أنْ نسمي هذا النوع (الجمع بين الشيوخ) بتدليس المتابعة إذا كان في اللفظ اختلاف لم ينبه عليه الذي يجمع بين الشيوخ.
15 - كيفية تحمل الحديث (المذاكرة):
إنَّ من أنواع التحمل ما يكون سبباً في وقوع العلة، والمذاكرة هي نوع من أنواع تحمّل الحديث، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: «تذاكروا الحديث؛ فإنَّ الحديث يهيج الحديث»(2)، وعن علي رضي الله عنه، قال: «تزاوروا وأكثروا ذكر الحديث؛ فإنَّكم إنْ لم تفعلوا يندرس الحديث»(3)، وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: «تذاكروا الحديث؛ فإنَّ حياته المذاكرة»(4).
وللمذاكرة فوائد عظيمة، فبها ينشرح صدر المحدّث للتحديث، وتذكر فيها غالب طرق الحديث الواحد وغير ذلك.
ولكن يحصل فيها نوع من التساهل قال ابن رجب: «والمذاكرة يحصل فيها تسامح، بخلاف حال السماع أو الإملاء»(5)، وقال الذهبي: «إذا قال: حدثنا فلان مذاكرة، دلّ على وهن ما؛ إذ المذاكرة يتسمح فيها»(6) فيجب الحذر عند تحمل الحديث في المذاكرة، لذلك كان الجهابذة يمنعون الناس--------------------------------------------
(1) " الكواكب النيرات " (39).
(2) " معرفة علوم الحديث ": 140 ط. العلمية و (360) ط. ابن حزم.
(3) " معرفة علوم الحديث ": 141 ط. العلمية و (361) ط. ابن حزم.
(4) " معرفة علوم الحديث ": 141 ط. العلمية و (362) ط. ابن حزم.
(5) " شرح علل الترمذي " 1/ 442 ط. عتر و 2/ 646 ط. همام.
(6) " الموقظة ": 64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)