Arabic source text

📘 আল-জামি ফিল ইলাল ওয়াল ফাওয়ায়িদ (মাহের আল-ফাহল)

📘 الجامع في العلل والفوائد (ماهر الفحل)

📘 আল-জামি ফিল ইলাল ওয়াল ফাওয়ায়িদ (মাহের আল-ফাহল)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أخرجا لمن تكلم فيهِ، فإنهم ينتقون من حديثه … »(1).
ومن الأضرار والمفاسد التي تنجم عن استخدام مصطلح: (على شرط الشيخين)، أو (على شرط أحدهما)، هوَ تصحيح جميع الأحاديث المروية عن الرجال الذينَ أخرجا لهم مجتمعينِ أو منفردينِ وهو أمر خطير، إذ ليس جميع الأحاديث التي رجالها رجال الشيخين ترتقي إلى هذه المرتبة، بل ربما كانَ منها ما هوَ مُعَلّ بعلل قادحة، سواء كانت ظاهرة أم خفية.
ومع كل ما ذكر: فإنَّ بعضهم يتساهل في مجرد كونهم من رواة الشيخين، ولا يبالي بكيفية تخريج الشيخين للرواة، أعني: برواية الواحد عن الآخر، كمن خلط في رواية هشيم، عن الزهري، وصحح على مقتضاها بأنَّها على شرط الشيخين، والصحيح أنَّ البخاري ومسلماً لم يخرجا عن الزهري من طريق هشيم، وكذلك سماك، عن عكرمة، وأمثال ذَلِكَ كثير مما حصل فيهِ خطأ وخلط للمتأخرين غير قليل، قال الحافظ ابن عبد الهادي: «واعلم أنَّ كثيراً ما يروي أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين لخصوصيته به ومعرفته بحديثه وضبطه له، ولا يخرجون حديثه عن غيره؛ لكونه غير مشهور بالرواية عنه، ولا معروف بضبط حديثه، أو لغير ذلك، فيجيء من لا تحقيق عنده فيرى ذلك الرجلَ المخرَّج له في الصحيح قد روى حديثاً عمن خُرِّج له في الصحيح من غير طريق ذلك الرجل فيقول: هذا على شرط الشيخين، أو: على شرط البخاري، أو: على شرط مسلم؛ لأنهما احتجا بذلك الرجل في الجملة، وهذا فيه نوعُ تساهلٍ؛ فإنَّ صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره، فلا يكون على شرطهما .. »(2).
ومن أعظم المفاسد لاستخدام مصطلح «على شرط الشيخين»، أننا سنقوم بإلغاء مبدأ الانتقاء، ثم نقوم بتصحيح أحاديث مَنْ في حفظهم شيءٌ من رجال الصحيحين؛ لذا ربما أتى المتأخر فصحح أحاديث هؤلاء وغيرهم بحجة--------------------------------------------
(1) " نصب الراية " 1/ 341.
(2) " الصارم المنكي ": 256.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

أنهم على شرط الشيخين، وهذا بلا شك مخالف لصنيع المتقدمين؛ بل هوَ نسف لقواعدهم.
7 - هناك أمور أخرى مما اختلف فيه المتأخرون عن المتقدمين مثل الانقطاع، فالمتأخرون يحكمون على كل حديث منقطع بالضعف، بخلاف المتقدمين فإنَّهم يولونه عناية كبيرة.
وكذا رواية المجهول، فالمتأخرون يردون مجهول العين ويقبلون مجهول الحال في الغالب ولهم في ذلك كلام، أما المتقدمون فلا يقبلونه مطلقاً ولا يردونه مطلقاً ولا يجعلون مجرد الجهالة علة للحديث. وهكذا رواية المبتدع، فالمتأخرون - ولاسيما المعاصرين(1) - لا يقبلون رواية المبتدع، بخلاف المتقدمين فهم يقبلون روايته مطلقاً(2).
هذا والنتائج المترتبة على الاختلاف بين منهجي المتقدمين والمتأخرين عظيمة، وهي خطر على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ هناك دعوة إلى نبذ قواعد المتأخرين في مصطلح الحديث والأخذ من كتب المتقدمين(3)؛ لأنَّ الإخلال بمنهج المتقدمين مرده إلى قصورٍ في الفهم أو تركه على سبيل القصد والتعمد، وهذا أيضاً غلوٌ وإسراف؛ إذ لا بد من الإفادة من جهود المتأخرين والمعاصرين، وإنَّ من لوازم الإبداع العلمي هو أن يبدأ الإنسان من حيث انتهى غيره، لا أن يبدأ من حيث بدؤوا مع ضرورة الموازنة والمقارنة بين كلام المتقدمين والمتأخرين.
إذن لزمنا أن نتبع المنهج العلمي الذي سار عليهِ جهابذة هذا الفن من أهل الحديث من العلماء الأوائل أصحاب القرون الأولى الذين حفظوا لنا--------------------------------------------
(1) في الاسم الواقع بعد (ولا سيما) أعاريب، فإن كان نكرة جاز فيه ثلاثة وجوه: (الرفع، والجر، والنصب)، أما إنْ كان ما بعدها معرفة جاز فيه وجهان: (الرفع، والجر) ويمتنع النصب؛ لأنَّ التمييز لا يكون معرفة. انظر: " معجم الشوارد النحوية ": 334.
(2) انظر: مقال الشيخ سليمان العلوان: 2 - 3.
(3) انظر: مقال الشيخ عبد الكريم الخضير: 2.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

تراث سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ إنَّهم حفظوا لنا السنة برمتها في صدورهم ودواوينهم.
ثم إنهم قد رسموا لمن جاء بعدهم طريقاً واضحاً بيناً سليماً، يمتاز بالدقة والنظر التام.
فعلى المتأخرين أنْ يلتزموا أقوال المتقدمين، وطريقة سردهم للأحكام، ونقدهم لطرق الحديث ومتونه، على أن لا يغفل عن جهود الآخرين من المتأخرين والمعاصرين، والله وليُّ التوفيق.
وإنَّ مما يؤكد لنا صحة منهج المتقدمين، أنهم جمعوا الأحاديث و سبروا الطرق، وحكموا على المتون والرجال بعد معاودة النظر والمذاكرة والبحث والموازنة والمقارنة والنظر الثاقب بعين الإنصاف. ثم بعد كل هذا الجهد، عرضوا هذه الأحكام وتلكم النتائج على ما حفظوه من ثروة هائلة من تراث هذه الأمة. وهذه الثروة تتمثل بحفظ الجم الغفير من المتون والأسانيد المتكررة التي بلغت مئات ألوف من الأسانيد وعشرات الألوف من المتون، حتى انتهوا إلى أحكامهم الصحيحة التي توصلوا إليها بعد إفراغ جهدهم، فكانت أحكامهم صادرة نتيجة دراسات وأبحاث قلَّ نظيرها مع دقة الميزان النقدي الذي تمتعوا به؛ لكثرة حفظهم للأحاديث، واعتيادهم عليها، واختلاطها بدمهم ولحمهم، بل إنَّ ما يحكمون عليهِ من الأحاديث لم يكونوا يعرضونه على ما حفظوه من أسانيد فحسب، بل يعرضونه كذلك على ما رزقهم الله به من معرفة واسعة في الفقه، قال علي بن المديني: «التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم»(1)، فهم لم يكونوا محدّثين فقط بل كانوا فقهاء محدّثين، والفقه عندهم ضروري؛ إذ كيف يحكمون على الحديث، وعدم المخالفة القادحة شرط، والمخالفة ليست قاصرة على مخالفة الحديث لحديث آخر، بل هي أوسع، فمن ذَلِكَ المخالفة لآية أو إجماعٍ أو قاعدةٍ متفق عليها، وما أشبه ذَلِكَ من المخالفات.--------------------------------------------
(1) أخرجه: الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (222)، ومن طريقه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" 11/ 47 - 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

وإنَّ من أوجب الواجب على المتأخرين أنْ يحاولوا فهم كلام المتقدمين في الإعلال، ومع هذا ليس كل أحد منا يستطيع أنْ يعلل أحكامهم، ويفهم سبب ما ذهبوا إليه، إلاَّ من رزقه الله فهماً واسعاً واطلاعاً كبيراً، واعتاد على معاودة النظر في كلام الأئمة المجتهدين من أهل الحديث، ثم أمعن النظر في كتب العلل والرجال والتخريج، مع ممارسته النقد والإعلال.
ولما كانَ الأمر كذلك، وجب تقديم منهج المتقدمين على المتأخرين. ولا سيما عندَ اجتماع كبرائهم على أمر في التصحيح والتضعيف والتجريح. وأقوال المتقدمين ثمينة غالية لا ينبغي التفريط بها وإهمالها بحجة الاكتفاء باتباع القواعد التي في كتب المصطلح.
ورُبّ سائلٍ يسأل: متى يسعنا مخالفة المتقدمين؟
وجوابه: أننا يحق لنا ويسعنا أنْ نخالف المتقدمين إذا اختلفوا، وتباينت وجهات نظرهم، فعندها ننظر إلى الأدلة والأسباب والقرائن والمرجحات، ونعمل الرأي والاجتهاد نحو طريقتهم بجنس مرجحاتهم وقرائنهم وقواعدهم التي ساروا عليها.
هذا مع إيماننا العميق بأنَّ التصحيح والتضعيف من الأمور الاجتهادية التي تباينت فيها القدرات العلمية، والمكانة التي يتمثل بها الناقد، مع المقدرات الذهنية وظهور المرجحات والقرائن لكل واحد.
أخيراً أقول: إنَّ المتقدمين هم الأصل وعليهم المعوّل، وإنَّ المتأخرين عالة عليهم في هذا العلم.

‌‌2 - المشارقة والمغاربة:
ذكرتُ في أئمة علم علل الحديث كثيراً ليسوا بمشارقة، بل هم من الأندلسيين والمغاربة، فقد أنجبت لنا الأندلس يوم كانت حاضرة الإسلام جهابذة من المحدّثين ممن صنّفوا في هذا الباب(1).--------------------------------------------
(1) انظر: " جهود المحدّثين ": 226.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

ولطالما حاول المغاربة تقعيد قواعد علومهم بمعزل عن المشارقة، إنْ لم يحاولوا نيل قصب السبق في مجال ما .. .
وقليل من كتب عن منهج الأندلسيين والمغاربة في تعليل الأحاديث، وهل هو مشابه لمنهج المشارقة أو يختلف عنه؟ وهل هو امتداد لمنهج المشارقة أو هو وليد حاجتهم؟
وقد وقع في يدي كتاب " الإسهام ببيان منهج ابن حزم في تعليل الأخبار من خلال كتابه الإحكام " لمؤلفه بدر العمراني الطنجي يقول مؤلفه: «فلما لم تنحصر علل الأحاديث في كتب مخصوصة فقط، بل تعدتها لتوجد مفرقة في كتب أخرى مثل " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم رحمه الله. قمت بجمع شتات تلك الأحاديث المعللة المتناثرة بين طيات بحوثه الفياضة، قصد تلمس منهجه في التعليل وفق منهج استقرائي .. »(1).
وقد عرض مؤلفه ما يقارب سبعين حديثاً علّق عليها ابن حزم معلِّلاً، والمتأمل في هذه الأحاديث قد لا يصعب عليه أنْ يستشف منهج ابن حزم في تعليل الأحاديث. وهو أقرب ما يكون إلى منهج الأندلسيين والمغاربة، وأهم سمات هذا المنهج:

‌‌1 - القوادح الخفية والجلية:
تعليل الأحاديث بالقوادح الخفية والجلية دون تمييز، وهذا ما رأينا شبيهه في مناهج بعض المتقدمين من المشارقة، ولهذا قال ابن الصلاح: «إنَّ
بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح»(2)، وأشار الصنعاني إلى هذا المعنى(3).

‌‌2 - التشدد في الرجال:
ضعّف ابن حزم بعض الثقات المجمع على توثيقهم والمختلف فيهم،--------------------------------------------
(1) " الإسهام ببيان منهج ابن حزم ": 7.
(2) " معرفة أنواع علم الحديث ": 191 بتحقيقي.
(3) انظر: " توضيح الأفكار " 2/ 27.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

تماشياً مع قاعدته: التجريح المفسر يغلب التعديل عند التعارض، وهذا مذهب جمهور المحدّثين من المشارقة.

‌‌3 - زيادة الثقة:
قبول زيادة الثقة فرض عند ابن حزم، وفي المشارقة من يذهب هذا المذهب.

‌‌4 - ينحو ابن حزم في حده للمرسل منحى أهل الفقه والأصول، وهو مذهب الخطيب البغدادي من أهل الحديث، فلا يحتج بالمرسل مطلقاً؛ لجهالة الساقط منه، فمراسيل سعيد والحسن وغيرهما عنده سواء، لا يأخذ بشيء منها.
‌‌5 - إبهام الجرح والعلة:
كثيراً ما يضعّف الرجل من غير بيان السبب، وكذا تعليل الحديث دون إفصاح عن العلة(1).

‌‌6 - رفض التوثيق على الإبهام:
مجهول الحال يتوقف عن قبول خبره وشهادته حتى تُعلم حاله، أما المتأخرون من المشارقة فيقبلون مجهول الحال ولهم في ذلك كلام، وأما المتقدمون فلا يقبلونه مطلقاً ولا يردونه مطلقاً، ولا يجعلون الجهالة علة للحديث.

‌‌7 - نقد المتن:
نقد المتن كما ينقد الإسناد، ومثله عند المشارقة، وليس كما شاع عند المستشرقين ومن تأثر بهم من أذنابهم من أبناء جلدتنا.

‌‌8 - جمع طرق الحديث:
اضطرب ابن حزم في جمع طرق الحديث، فمن أحاديث كتاب--------------------------------------------
(1) وقد يعتذر لابن حزم وغيره من أهل العلم في عدم إفصاحهم عن سبب العلة، بقول أبي داود: «ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما في هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأنَّ علم العامة يقصر عن مثل هذا».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

" الإحكام في أصول الأحكام " ما أعله دون استيعاب أو تقصّي، وصححه بعد جمع طرقه في " المحلّى " .. وكان إذا استوعب واستقصى حَكَمَ حُكماً صائباً.

‌‌9 - جهالة الصحابي أو روايته:
جهالة الصحابي أو رواية الصحابي الذي لم يسمّ تَضرّ عند ابن حزم، فلا يقبل حديثاً مجهول صحابيه.

‌‌10 - خالف ابن حزم قاعدة تقوية الأحاديث بكثرة الطرق، وهو في هذا مخالف للمشارقة، فلهم ضوابط في هذا الباب.
من هذا السرد نعلم أنَّ منهج الأندلسيين والمغاربة يشابه منهج المشارقة في كثير من جوانبه كما يختلف عنه في بعض جوانبه وجزئياته، وهو امتداد لمنهج المشارقة من المتقدمين والمتأخرين.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ هناك من يرد هذا الكلام لأسباب منها:
1 - أنَّ الإعلال بالظاهر مع الخفي ليس خاصاً بالمغاربة.
2 - إنَّ مدرسة المحدّثين واحدة، والمغاربة أخذوا علم الحديث عن المشارقة، فلا حاجة للتفريق، قال صاحب العلة وأجناسها: «أما أن يعد هذا مدرسة قائمة بذاتها لها مميزاتها وخصائصها، فهذا مما لا دليل عليه وتعوزه الحجج والبراهين»(1).--------------------------------------------
(1) " العلة وأجناسها ": 24 - 25.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

‌‌قرائن وقواعد يستعين بها المحدّثون في الترجيح والإعلال:
تُعرّف القرائن بأنها: «ما يدل على المراد دون تصريح به، وذلك مما يكون له تعلّق مباشر أو غير مباشر، من الألفاظ أو الإشارات التي تؤثر في توجيه دلالة اللفظ أو العبارة المستعملة في بيان درجة حديث الراوي، أو بيان حالة جرحاً أو تعديلاً»(1).
يقوم هذا المبحث على دراسة القرائن التي يتم بموجبها ترجيح الروايات، وقرائن الترجيح لا تنحصر في إطار معين، فرب رواية ضعيف ترجح على رواية ثقة، ورب رواية غريبة ترجح على رواية مشهورة، ومرجع هذا الترجيح هو القرائن، فالناقد يعمد إلى رواية ما فيرجحها بقرينة عنده، مُصرِّحاً بسبب الترجيح، فيقول مثلاً: فلان أحفظ أو فلان أوثق وغير ذلك، وفي بعض الأحيان تقصر عبارته عن بيان السبب فيعل بما ترجح عنده. ولكنَّ الأعم الأغلب تكون أحكامه نابعة من قرائن ترجيح أو إعلال، وقرائن الترجيح: هي الركائز التي يعتمد عليها الناقد في ترجيح رواية على أخرى حال اختلفت تلك الروايات.
أما قرائن الإعلال: فهي الأمور التي يعتمد عليها الناقد في إعلال الروايات الظاهرة صحتها، والفرق بين النوعين أنَّ الأول: يشترط فيه الاختلاف ليتسنى ترجيح أحدها، أما النوع الثاني: فلا يشترط فيه ذلك، بل إنَّ بعض النقاد يعلون أحاديث بتفرد فلان أو لغرابة في سند أو متن حديث، والنوع الثاني يستوجب أنْ تكون إحدى الروايات مُعِلَّة للأخرى، أما النوع الأول فلا يشترط فيه ذلك إذ قد ترجح رواية على أخرى مع تصحيح كلتا الروايتين، وسنبين هذه القرائن كلاً على حدة.--------------------------------------------
(1) " ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل ": 22

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

أما‌‌ قرائن الترجيح فمن خلال الاستقراء تبين أنها تنقسم إلى قسمين:
الأول: قرائن أساسية: وهذه القرائن تكون في غالب الأحوال مرجعاً للتحاكم، إذا اختلفت الرواة على الراوي، وهي:
أ - الحفظ والإتقان: خلق الله سبحانه وتعالى الناس، وجبل كلاً منهم على جبلة خاصة، فمنهم من كانت سجيته الحفظ، فلا يكاد يقرأ أو يسمع شيئاً إلا حفظه قلبه ووعاه، وفي ذلك يقول الإمام أحمد: «كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئاً إلا حفظه، وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها … »(1)، وهذه الطبقة تضم أيضاً إسحاق بن راهويه وأحمد والبخاري ومسلماً وأبا داود وخلقاً كثيراً، ثم بعدهم طبقة دونهم وهم غالب رجال الصحيحين، ثم طبقة دونهم، وهكذا الناس متفاوتون في الحفظ والإتقان، وبلا شك إذا اختلف راوٍ ما من الطبقة الأولى مع راوٍ من الطبقة الثانية، فإنَّ الراجح في هذا الاختلاف هو للطبقة الأولى، لظهوره على صاحبه في الحفظ، قال ابن رجب: «وأيوب يُقدَّم على يعلى بن حكيم في الحفظ والضبط»(2) وكتب العلل محشوّة بالترجيح بهذه القرينة، فنجد الناقد يقول: فلان أحفظ أو فلان أوثق، لذلك كانت هذه القرينة مصدراً أساسياً للترجيح بين الرواة.
ب - العدد: هذه القرينة لا تقل أهميتها عن سابقتها، فنجد الناقد يقول: خالف فلان الناس، أو يقول: الناس يروونه كذا، ولأنَّ الغالب في أحاديث الأحكام الشهرة - والحمد لله - فإنَّ مقتضى الشهرة تعدد الطرق، لذلك كان الصواب دائماً بما يوافق الجماعة، ومن شواهد ترجيح النقاد بهذه القرينة قول الشافعي: «والعدد أولى بالحفظ من الواحد»(3) ومثله قول البيهقي(4)، وساق الخطيب بسنده إلى ابن المبارك أنَّه قال: «إجماع الناس على شيء أوثق في نفسي من سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود»(5)، وقال الخطيب: «ويرجح بكثرة الرواة لأحد الخبرين؛ لأنَّ الغلط عنهم والسهو أبعد، وهو إلى الأقل أقرب .. »(6)، وقال الذهبي: «وإنْ كان الحديث رواه--------------------------------------------
(1) نقله المزي في " تهذيب الكمال " 6/ 103 (5437).
(2) " فتح الباري " 3/ 383.
(3) " اختلاف الحديث ": 127
(4) انظر: " شعب الإيمان " عقب (4207).
(5) " الكفاية ": 434.
(6) " الكفاية " 436.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

الثبت بإسناد أو وقفه أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات فالواحد قد يغلط .. »(1)، والنقولات عن أهل العلم في هذا الباب كثيرة، بل إنَّ الباحث يجد في الكتب المسندة العتيقة أن المُسنِدَ يسوق رواية ما، ثم يتبعها بقوله: تابعه فلان وفلان، وهذا العمل يدلك على أخذ النقاد بقرينة الترجيح بالعدد، وإن لم ينص ذلك المسنِد على ذلك، وهذا الذي قدمناه إنما يكون في حال تساوي الرواة، فإنْ روى ثقة وخالفه دونه، فالحكم للثقة متعين.
ج - الإجماع: المقصود به هنا إجماع المحدّثين على أمر ما، كأنْ يجمعوا على تضعيف راوٍ أو يجمعوا على تضعيف حديث، وإنْ كان ظاهره الصحة فالحكم لما أجمعوا عليه، قال أبو حاتم: «واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة»(2). والحجة في قبول إجماعهم والمشي وراء ما ذهبوا إليه، أنَّ هؤلاء النقاد اطلعوا على الأصول وعاينوا الفروع فتكونت عندهم ملكة حديثية هائلة يعرفون بها الصحيح من السقيم، قال السخاوي: «فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالاً نقاداً تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه، وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين، فتقليدهم والمشي وراءهم وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم، وجودة التصوّر ومداومة الاشتغال وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك إنْ شاء الله معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله(3)»(4).
فهذه القرائن الثلاثة هي قرائن أساسية يرجع إليها حال الاختلاف، أما القرائن الفرعية: فقد عقد الخطيب في " الكفاية " باباً عَنْوَنَه بـ: «القول في ترجيح الأخبار» ذكر فيه مرجحات للأخبار منها:
1 - أنْ يكون أحد الخبرين مروياً في تضاعيف قصة مشهورة عند أهل النقل؛ لأنَّ ما يرويه الواحد مع غيره، أقرب مما يرويه الواحد عارياً عن قصة مشهورة.
2 - أنْ يقول راويه سمعت فلاناً، ويقول الآخر: كتب إليَّ فلان.--------------------------------------------
(1) " الموقظة ": 52.
(2) " المراسيل " لابنه (703).
(3) في ط. العلمية: «إلا الله».
(4) " فتح المغيث " 1/ 256 ط. العلمية و 2/ 68 - 69 ط. الخضير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

3 - أنْ يكون أحدهما منسوباً إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والآخر مختلفاً فيه فيروى تارة مرفوعاً وأخرى موقوفاً.
4 - أنْ يكون أحدهما قد اختلف النقلة على راويه، فمنهم من يروي عنه الحديث في حكم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يرويه عنه في نفي ذلك الحكم، والآخر لم تختلف نقلته في أنَّه روى أحدهما.
5 - أنْ يكون راوي الخبر هو صاحب القصة، والآخر ليس كذلك.
6 - أنْ يوافق مسند المحدث مرسل غيره من الثقات.
7 - أنْ يطابق أحد المتعارضين عمل الأمة.
8 - أنْ يكون أحد الخبرين بياناً للحكم، والآخر ليس كذلك.
9 - أنْ يكون رواته فقهاء؛ لأنَّ عناية الفقيه بما يتعلق من الأحكام أشد من عناية غيره بذلك(1).
10 - اختلاف المجلس: المقصود بذلك أنْ يروي المحدث حديثاً ما، في مكان ما، ثم يرويه مرة أخرى مخالفاً روايته الأولى، إما بإرسال موصول أو رفع موقوف أو غير ذلك، ومن الشواهد عليه ما قاله الترمذي: «ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاحَ إلا بوليٍّ» عندي أصح؛ لأنَّ سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، فإنَّ رواية هؤلاء عندي أشبه؛ لأنَّ شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد»(2).
11 - غرابة السند: المقصود بهذه القرينة أنْ يعمد الراوي إلى إسناد مشهور، فتكون نهايته مخالفة لهذا الإسناد، كأنْ يعمد إلى إسناد مثل: الزهري، عن عروة، عن عائشة. أو مالك، عن نافع، عن ابن عمر. فيروي: الزهري، عن عروة، عن صالح بن حسّان. أو يقول: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وإنما كانت غرابة السند من قرائن الترجيح؛ لأنَّ ذلك--------------------------------------------
(1) انظر في ذلك كله: " الكفاية ": 433 - 437.
(2) " جامعه " قبيل (1102) (م).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

الإسناد لو كان على جادته لكان أسهل حفظاً على الراوي(1)،
ولكن هذه القرينة إنما تقبل من الراوي الموصوف بالحفظ، المشهور بالرواية، المقبول منه تعدد الأسانيد، ومن لوازم كثرة المرويات الإغراب، وتفرد الراوي بما ليس عند غيره، ووجه هذا القيد حتى لا يعمد راوٍ من الهلكى إلى إسناد ما، فيتلاعب به ثم يخرجه إسناداً غريباً، فيطمع به من ليس له باع في هذا الفن، فيرويه على ذلك الوجه وهو لا يعلم، ومن شواهد ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر إذ قال: «فممن كان يفعل ذلك عمداً لقصد الإغراب على سبيل الكذب: حماد بن عمرو النصيبي، وهو من المذكورين بالوضع، من ذلك روايته عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لقيتم المشركينَ في طريقٍ فلا تبدوؤهم بالسلامِ .. » الحديث، فإن هذا الحديث قال العقيلي: لا يعرف من حديث الأعمش، وإنما يعرف من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه»(2).
12 - رواية الراوي عن أهل بلده: كثير من الرواة يكونون ثقاتٍ قليلي--------------------------------------------
(1) وقد نص على هذه القرينة وأعملها مبيناً سبب الترجيح بها الحافظ أبو حاتم الرازي، فقد قال ابنه في " العلل " (488): «وسألت أبي عن حديث رواه النعمانُ بن المنذر، عن مكحول، عن عنبسة، عن أُم حبيبة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ حَافَظَ على ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً في يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ، بُنيَ لَهُ بَيْتٌ في الجنَّةِ»، فقال أبي: لهذا الحديث علةٌ، رواه ابنُ لهيعةَ، عن سُليمان بن موسى، عن مكحول، عن مولى لعنبسة بن أبي سفيان، عن عنبسة، عن أمِّ حبيبة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال أبي: هذا دليل أنَّ مكحول لم يلق عنبسة، وقد أفسده روايةُ ابن لهيعة، قلت لأبي: لِمَ حكمتَ برواية ابن لهيعة وقد عرفت ابن لهيعة وكثرة أوهامه؟ قال أبي: في رواية ابن لهيعة زيادةُ رجل، ولو كان نقصان رجلٍ كان أسهل على ابن لهيعة حفظه». وقد يقال: إنَّ ابن لهيعة ضعيف، وأنت ذكرت أنَّه إنَّما يحكم بهذه القرينة للثقات، قلتُ: هو كذلك، وأما حكم أبي حاتم لابن لهيعة فذاك لأنَّ أبا حاتم من كبار الحفاظ المتقدمين الذين عاينوا الأصول، وخبروا الرواة، وميزوا صحيح حديث الراوي الضعيف، وخطأ الراوي الثقة. والحاصل أنَّ كل ما كان في الرواية مما يحتاج إلى مزيد حفظ يُعد قرينة تنفع في الترجيح عند الاختلاف.

تنبيه: وقع في النقل السابق عن أبي حاتم: «أن مكحول»، وهي خلاف الجادة، فانظر لتوجيهها - نحوياً - تعليق ط. سعد الحميد من " العلل ".
(2) " نكت ابن حجر " 2/ 864 - 865 و:617 - 618 بتحقيقي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

الخطأ إذا رووا عن أهل بلدهم، ويكونون على النقيض من ذلك في حال الرواية عن غيرهم كإسماعيل بن عياش، قال عنه ابن رجب: «لا يضبط حديث الحجازيين، فحديثه عنهم فيه ضعف»(1)، وقد يعود السبب في ذلك إلى أنَّ الراوي إذا حدّث عن أهل بلده، فإنَّ كتبه تكون قريبة منه، والشيوخ الذين حدّث عنهم بين ظهرانيه، فإذا ما وقع لبس ما، فإنَّ الراوي يسرع إلى كتبه أو شيوخه لدفع ما وقع من التباس، وقد وُصف جمهرة من الرواة بأنهم ثقات إذا حدّثوا عن أهل بلدهم، ضعاف إذا حدثوا عن غيرهم، لذلك فإنَّ معرفة بلد الراوي من قرائن الترجيح بين الروايات المختلفة من جهة، ومعرفة قوة روايته وضعفها من جهة أخرى، وممن وصف بهذا الوصف إسماعيل بن عيّاش - كما سبق - وبقية بن الوليد وغيرهما.
وعلى العكس مما ذكر، يدخل في هذه القرينة رواية الراوي في غير بلده(2)، إذ إنَّ المعتاد لمّا يحدّث في بلده يكون بين شيوخه وكتبه؛ فيكون ذلك أقرب إلى الصواب، وقد يسافر الراوي فيكون بعيداً عن كتبه أو بعيداً عن تعاهد محفوظه ومذاكرته، فيحدّث من حفظه فيقع في الغلط كما حصل لمعمر بن راشد، قال ابن رجب: «معمر بن راشد حديثه بالبصرة فيه اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد. قال أحمد في رواية الأثرم: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إليَّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر - يعني: في اليمن - وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة. وقال يعقوب بن شيبة: سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب؛ لأنَّ كتبه لم تكن معه»(3).
13 - أنْ تكون رواية الراوي عاضدة لعمله: من ذلك ما نقله ابن أبي--------------------------------------------
(1) " فتح الباري " 5/ 306.
(2) نعم، إنَّ أهل البلد أعلم بحديث شيوخهم، كما أنَّهم أعلم بفتواهم، فإذا اختلف على مالك رجحتْ رواية المدنيين، وإذا اختلف على قتادة رجحت رواية البصريين منهم، وإذا اختلف على الأعمش أو أبي إسحاق السبيعي رجحت رواية الكوفيين منهم، وهذا في الأعم الأغلب، إذ قد تأتي قرينة أقوى من ذلك، انظر: " قواعد العلل وقرائن الترجيح ": 83 للدكتور عادل
عبد الشكور.
(3) " شرح علل الترمذي " 2/ 602 ط. عتر و 2/ 767 ط. همام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

حاتم أنَّه سأل أبا زرعة عن حديث المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين قائلاً: «فأيهما الصحيح عندك؟ قال: أنا إلى حديث الشعبي بلا عروة أميل، إذ كان للشعبي أصل في المسح»(1).
14 - الترجيح بقرينة الزيادة: قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: لِمَ حكمت برواية ابن لهيعة، وقد عرفت ابن لهيعة وكثرة أوهامه؟ قال أبي: في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان رجل كان أسهل على ابن لهيعة في حفظه»(2).
15 - الترجيح بقرينة العمل بالحديث: الترمذي رحمه الله كثير الاستعمال لهذه القرينة، بل في بعض الأحيان تجد الحديث ظاهر الضعف، ثم يقول الترمذي: «والعمل على هذا عند أهل العلم»، مثال ذلك ما أخرجه من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمُرةَ بن جندب، قال: أمرنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا كنَّا ثلاثةً أنْ يتقدَّمنا أحدُنا. قال عقبه: «وحديث سمرة حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم»(3) هكذا حسّنه
رحمه الله على الرغم من ضعف إسماعيل بن مسلم، والحسن لم يسمع من سمرة غير حديثين كما بيّنت في كتابي هذا.

أما‌‌ قرائن الإعلال فقد تقدم كثير منها في أسباب العلة وطرائق كشف العلة، وأزيد هنا:
أ - فقدان الحديث من كتب الراوي: وهذا مخصوص بالرواة المشهورين بالتصنيف، أو كتابة مسموعاتهم وتدوينها، ومن الشواهد على ذلك ما نقله الخلاّل في علله عن الإمام أحمد أنَّه قال: «ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أنْ يكون له أصل»(4)، وقال أبو حاتم: «لو كان صحيحاً لكان في مصنفات ابن أبي عروبة»(5) وقال أيضاً: «وكان الوليد صنّف كتاباً في الصلاة وليس فيه هذا الحديث»(6).--------------------------------------------
(1) " علل الحديث " (8).
(2) " علل الحديث " (488).
(3) " الجامع الكبير " (233).
(4) كما في " المنتخب " (8).
(5) " علل الحديث " لابنه (60).
(6) " علل الحديث " لابنه (487).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

ب - مخالفة الراوي لما يرويه: قال ابن رجب: «قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، قد ضعّف(1) الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا»(2) وقال المناوي: «وقيل: إنَّ مخالفة الراوي بمنع وجوب العمل؛ لأنَّه إنَّما خالفه لدليل .. »(3) يعني: لدليل عند الراوي منعه من العمل بموجب ما روى، وهذه القرينة استعملها النقاد للكشف عن بواطن علل راجت على غيرهم، وأما غير المحدّثين فلم يلتفتوا لمثل هذا الأمر، وقد بين المناوي سبيل قبول أحاديث كذا حالها فانظره تجد كبير فائدة.
وخلاصة الأمر: إنَّ موضوع كتابنا هذا هو العلل الخفية، وعلم العلل هو العلم الذي يبحث في أخطاء الثقات. ومعرفة الخطأ في أحاديث الثقات ليس بالأمر الهين، وقد ينقدح للناقد علة في الحديث، ويكون ظاهر الإسناد الصحة، ثم يعمِّق الناقد البحث ليبحث عما يقوي ظنَّه بوجود تلك العلة فيتطلع على ما يحف بالرواية، ومن ذلك أنْ ينظر الناقد إلى من دار عليهم الإسناد - أقصد المدار(4) ومن فوقه من الرواة - للبحث هل لهم أو لأحدهم رأي فقهي يخالف هذه الرواية، فإذا وجد ذلك دل على عدم صحة هذا الحديث من طريقهم؛ لأنَّ صحة الحديث عندهم موجب للعمل به مالم يكن منسوخاً أو مخصصاً أو مقيداً، وستأتي لذلك أمثلة عدة إن شاء الله(5).--------------------------------------------
(1) ط. همام: «ضعفه» والمثبت من ط. عتر.
(2) " شرح العلل " 2/ 796 ط. عتر و 2/ 888 ط. همام.
(3) " فيض القدير " 4/ 360.
(4) مدار إسناد الحديث: هو الراوي الذي تلتقي أسانيد ذلك الحديث عليه مهما تعددت عنه، فيتفرد بذلك الحديث مطلقاً، ثم يرويه عنه اثنان فأكثر.
(5) ومن ذلك نعلم جميعاً أنَّ نقد المحدّثين للحديث لم يكن قاصراً على الإسناد فحسب، ولا على المتن فقط، ولم يكن ذلك قاصراً على الإسناد والمتن فقط، بل إنَّ نقدهم نقد شامل ويدخل في ذلك نظرهم إلى فقه الراوي وميوله العقدية، وأنا إذ أذكر ذلك فهو ليس من التهويل، بل هو من التأصيل العلمي لأهل النقد من أئمة هذا الدين الذين كانت لهم الأيادي البيضاء في تنقية السنة مما شابها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

ج - أن تكون في الحديث مبالغة في الأجر، أو العذاب على بعض الأفعال اليسيرة: فتجد مثلاً أحاديث من قال كذا فله ألف ألف حسنة، ووضع عنه ألف ألف سيئة، وكذا وكذا، فنحن في الوقت الذي نظن بالله عز وجل أنَّه أكرم من ذلك، وكرمه تعالى لا يتصوره عقل إلا أنَّ مثل هذه المبالغات في الأجر على الفعل اليسير، تجعلنا نجزم بعدم ثبوت مثل هذه الأقوال عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر: «ومن جملة القرائن الدالة على الوضع: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير، أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير موجود في حديث القصاص والطرقية، والله أعلم»(1).
د - أن يكون المتن مما يرده العقل، ولا تستسيغه الفطرة السليمة: ولسنا بذا نقول ما يقوله بعضهم في رد الأحاديث الصحيحة بالحجج العقلية، ولكن نقول: هناك بعض الأحاديث التي لا يشك منصف في بطلانها؛ لمخالفتها العقل الصحيح السليم المعتد به في الدين، قال السخاوي - في أثناء ذكره قرائن الحكم بالوضع -: «والركة في المعنى: كأن يكون مخالفاً للعقل ضرورة أو استدلالاً، ولا يقبل تأويلاً بحال … ؛ لأنه لا يجوز أن يرِد الشرعُ بما ينافي مقتضى العقل»(2)، أما رد الأحاديث بمجرد مخالفتها عقول المتكلمين وأهواءهم وأذواقهم فلا، قال العلامة المعلمي: «هذا وقد عرف الأئمة الذين صححوا الأحاديث أنَّ منها أحاديث تثقل على بعض المتكلمين ونحوهم، ولكنهم وجدوها موافقة للعقل المعتد به في الدين، مستكملة شرائط الصحة الأخرى، وفوق ذلك وجدوا في القرآن آيات كثيرة توافقها أو تلاقيها أو هي من قبيلها قد ثقلت هي أيضاً على المتكلمين، وقد علموا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يدين بالقرآن ويقتدي به فمن المعقول جداً أن يجيء في كلامه نحو ما في القرآن من الآيات»(3)، من ذلك - أعني الأحاديث التي تخالف العقل الصريح ---------------------------------------------
(1) " النكت " 2/ 843 - 844 و: 596 بتحقيقي.
(2) " فتح المغيث " 1/ 294 ط. العلمية و 2/ 128 ط. الخضير.
(3) " الأنوار الكاشفة ": 7.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

ما رواه الطبراني(1) من طريق حسّان بن إبراهيم الكرماني، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت: يا رسول الله، الوضوء من جر جديد مخمر أحب إليك أم من المطاهر؟ فقال: «لا، بل منَ المطاهر، إنَّ دينَ اللهِ الحنيفية السمحة» قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى المطاهر، فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين.
فهذا الحديث العقل يرده قبل النقل فكيف يتبرك الرسول صلى الله عليه وسلم بمن دونه، أليس هو خاتم النبيين؟! أليس هو إمام المتقين؟! فكيف إذن يتبرك بمن هو دونه؟! وقد أبان شيخنا العلاّمة المحدّث عبد الله بن عبد الرحمان السعد عن علل هذا الحديث(2) فشفى وكفى، والحمد لله رب العالمين.
هـ - إعراض المتقدمين عن تخريج الحديث في كتبهم ولاسيما الكتب الجامعة منها "كمسند أحمد" و"مصنف ابن أبي شيبة"، و"صحيح ابن حبان"، فضلاً عن الكتب الستة، فإذا وجدت حديثاً فيه حكم من الأحكام، وليس في الكتب المتقدمة، فاعلم أنَّ ذلك من قرائن تضعيف هذا الحديث، قال أبو داود واصفاً كتابه السنن: «وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بإسناد صالح إلا وهي فيه .. »(3)، فهذا يعني أنَّ المتقدمين ما أعرضوا عن تخريج هذا الحديث أو ذاك إلا لعلة اطلعوا عليها دون غيرهم، فلذلك كانت كتب المتقدمين حجة، وإعراضهم حجة، بل وسكوتهم حجة، قال الحافظ ابن عبد الهادي مضعفاً حديثاً: «حديث ضعيف الإسناد منكر المتن لا يصلح الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتماد على مثله، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه الإمام أحمد في " مسنده " .. »(4).
و - التفرد: وهو ليس علة بحد ذاته، فقد يغرب الحافظ بأحاديث لا يشاركه فيها غيره، قال الإمام مسلم: «وللزهري نحو من تسعين حديثاً، يرويه--------------------------------------------
(1) في " الأوسط " (798) ط. الحديث و (794) ط. العلمية.
(2) شرح الموقظة - تسجيل صوتي -، وانظر: " الفوائد المجموعة ": 18.
(3) " رسالة أبي داود إلى أهل مكة ": 45.
(4) " الصارم المنكي ": 68.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد»(1). فإذن التفرد ليس بعلة في حق من اشتهرت عدالته وحفظه، ولكنَّه يكون طريقاً لتسليط الضوء على العلة في الأحاديث التي ينفرد بها رواة لم يبلغوا معشار ما وصله الزهري وطبقته، وسيأتي مزيد بيان في موضعه.
ز - تنصيص أهل العلم: إذا وجدت حديثاً قد نص النقاد على علته أو صحته فعض عليه بالنواجذ فهم أدرى بما يقولون، وما أطلق ذاك الحكم لاهٍ ولا عابث، بل حكم به من هو أعلم منك وأعرف، فلم يساور أحكامهم المنطق أو المجاملة أو المحاباة، قال أبو حاتم: «واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة»(2).
ح - معرفة الأسانيد التي لا يصح منها شيء: وهذه القرينة أعدّ لها ابن رجب باباً سماه ذكر الأسانيد التي لا يثبت منها شيء(3) أذكر بعضاً منها على سبيل الاختصار:
- قتادة، عن الحسن، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس.
- حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر …
ط - مخالفة الحديث لأهل المدينة: كما هو معروف أنَّ أرض المدينة كانت معمورة بتواجد غالب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيها؛ لذا فمن البديهي أنْ تكون هذه الأرض محط ركاب المحدّثين والباحثين عن أقوال نبيهم صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ولما تقدم أنَّ أهل البلد أعرف بحديثهم، ولما كانت المدينة المنورة قبلة المحدّثين كان أهل المدينة أعرف بالحديث من غيرهم، لذلك--------------------------------------------
(1) " صحيح مسلم " 5/ 82 (1647).
(2) " المراسيل " لابنه (703).
(3) " شرح العلل " 2/ 732 ط. عتر و 2/ 845 - 846 ط. همام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

كانت هذه القرينة من قرائن إعلال الروايات المخالفة لأهل المدينة(1).
وأُجمل هنا بعض القواعد مما يستعين بها الناقد في الترجيح والإعلال منها:
1 - يغلب الوهم والغلط على حديث أغلب الصالحين غير العلماء؛ لأنَّهم قليلو الحفظ والضبط، فحديثهم متوقف فيه.
2 - المشتغلون بالرأي لا يكادون يحفظون الحديث أسانيده ومتونه، مخالفين بذلك الحفاظ.
3 - إذا حدّث الثقةُ الحافظ من حفظه، وليس بفقيه، قال عنه ابن حبان: «لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره»(2).
4 - إذا تفرد الثقة الحافظ بإسناد، فحكمه قريب من زيادة الثقة، أما إنْ كان حفظه سيئاً، فلا يُعبأ بانفراده، ويحكم عليه بالوهم.
5 - المدلس إذا عُرف له شيوخ لم يدلس عنهم، فحديثه عنهم متصل.
6 - قال العجلي: «إذا قال سفيان بن عيينة: عن عمرو: سمع جابراً فصحيح، وإذا قال سفيان: سمع عمرو جابراً: فليس بشيء»(3). فقوله بالعبارة الأولى يعني: أنَّ السماع حاصل بها، أما العبارة الثانية فلم يحصل السماع.
7 - جهابذة النقاد لكثرة ممارستهم الحديث واختلاطه بلحمهم ودمهم، لهم فهم خاص خُصّوا به عن سائر أهل العلم، أنَّ هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، وهذا ليس على إطلاقه.
8 - يضعف حديث الصحابي، إذا صَحّ عنه رواية ما يخالفه، أو يخالف رأيه.
9 - «إذا اختُلِفَ في وصل رواية وإرسالها، وترجَّح لدينا أنَّ من وصلها أخطأ، وأنَّ الصواب أنها مرسلة، فالرواية الموصولة غير صالحة للاعتبار بها؛--------------------------------------------
(1) هذه القرينة أغلبية سيأتي ما يناقضها.
(2) " المجروحين " 1/ 93.
(3) نقله ابن رجب في " شرح العلل " 2/ 752 ط. عتر و 2/ 857 ط. همام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

لأنها خطأ متحقق، فوجودها وعدمها سواء، وإنما يعتبر بالرواية المرسلة فحسب»(1).
10 - إذا أخطأ الثقة في روايته، فهي شاذة ساقطة، لا تنفعها ثقته(2).
11 - إذا روى الحافظ المكثر الثبت حديثاً بأكثر من إسناد، حُمل على سعة روايته، أما إذا كان غير ذلك فيُحمل على اضطرابه وعدم حفظه.
12 - «وصحة الإسناد يتوقف على ثقة الرجال، ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه صحة الحديث، حتى ينتفي منه الشذوذ والعلة»(3).
13 - المحدّث إذا خالفته جماعة في نقله، فالقول قول الجماعة، والقلب إلى روايتهم أشدّ سكوناً من رواية الواحد(4).
14 - تفرد الثقة متوقف فيه، حتى يُتابع عليه، ولا سيما إذا كان غير مشهور بالحفظ والإتقان(5).

‌‌ما تزول به العلة:
أشرت فيما سبق إلى أنَّ العلة ظاهرة وخفية:
فالعلة الظاهرة قد تزول بالمتابعات(6) والشواهد(7)، ويكون ذلك--------------------------------------------
(1) " الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ": 47.
(2) انظر: " الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ": 122.
(3) " نصب الراية " 1/ 347.
(4) انظر: " التمهيد " 1/ 245.
(5) انظر: " فتح الباري " لابن رجب 4/ 174.
(6) المتابع: هو الحديث المشارك لحديث آخر في اللفظ أو المعنى مع الاتحاد في الصحابي، فإنْ كانت المشاركة من أول السند سميت متابعة تامة، وإنْ لم تكن من أول السند تسمى متابعة قاصرة. انظر: " ضوء القمر ": 39، وقارن " باختصار علوم الحديث ": 142 بتحقيقي، و"الخلاصة": 57 - 58، و " النكت " 2/ 682 و: 458 بتحقيقي، و " لسان المحدّثين " (متابعة).
(7) الشاهد: هو الحديث المشارك لحديث آخر في اللفظ أو المعنى مع عدم الاتحاد في الصحابي.
انظر: " ضوء القمر ": 39، وقارن " باختصار علوم الحديث ": 143 بتحقيقي و "الخلاصة": 57 - 58، و" النكت " 2/ 682 و: 458 بتحقيقي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)