42 - شرح علل الحديث مع أسئلة وأجوبة في مصطلح الحديث: مصطفى العدوي.
43 - منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها من خلال الجامع الصحيح: أبو بكر الكافي.
44 - ما اختلف في رفعه ووقفه من الأحاديث الواردة في كتاب الزكاة والصيام والحج والبيوع من كتب العلل والتخريج (جمعاً ودراسة): عمر رفود رفيد السفياني.
45 - الاختلاف على الأعمش في كتاب العلل للدارقطني (تخريج ودراسة): خالد عبد الله السبيت.
46 - الخبر الثابت قواعد ثبوته مع أصول في علم الجرح والتعديل وعلل الأحاديث: يوسف بن هاشم بن عابد اللحياني.
47 - أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ماهر ياسين الفحل.
48 - لمحات موجزة في أصول علل الحديث: نور الدين عتر.
49 - الإسهام ببيان منهج ابن حزم في تعليل الأخبار من خلال كتابه الأحكام: أبو الفضل بدر العمراني.
50 - تعليل العلل لذوي المقل: عبد السلام علوش.
51 - التعريف بعلم علل الحديث: هشام بن عبد العزيز الحلاف.
52 - الأحاديث التي أعلها إمام الأئمة ابن خزيمة في صحيحه في كتاب الوضوء: عبد العزيز الهليل.
53 - قواعد في العلل وقرائن الترجيح: عادل عبد الشكور الزرقي.
54 - علم علل الحديث ودوره في حفظ السنة النبوية: وصي الله بن محمد عباس.
55 - جهود المحدّثين في بيان علل الأحاديث: علي بن عبد الله الصياح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
56 - المنهج العلمي في دراسة الحديث المعل (دراسة تأصيلية): علي ابن عبد الله الصياح.
57 - دراسة أحاديث معلولة: علي بن عبد الله الصياح.
58 - معرفة أصحاب شعبة: محمد التركي.
59 - مفهوم العلة عند المحدّثين: محمد عبد الرحمان طوالبة.
60 - العلة وأجناسها عند المحدّثين: أبو سفيان مصطفى باحو.
61 - أحاديث ومرويات في الميزان (1، 2): محمد عمرو بن عبد اللطيف.
62 - الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد (جمعاً ودراسة ومقارنة): عيسى محمد المسملي.
63 - الأحاديث المرفوعة المعلة في كتاب حلية الأولياء: مجموعة من الباحثين.
64 - الإمام يحيى بن أبي كثير علله وحديثه في الكتب الستة: بكر طعمة.
65 - نقد المتون في كتب العلل: سلطان الطبيشي.
66 - أحاديث الصحيحين التي أعلها الدارقطني في كتابه العلل مما ليس في التتبع: عبد الله القحطاني.
67 - النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد ذهبي العصر العلامة عبد الرحمان بن يحيى المعلّمي اليماني: إبراهيم الصبيحي.
68 - منهج المتقدمين في التدليس: ناصر الفهد.
69 - المسائل المتعلقة بالعلة: مقبل الوادعي.
70 - غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل: مقبل الوادعي.
71 - العلل الواقعة في أسانيد كتاب مسلم ضمن كتاب تقييد المهمل للجياني: إبراهيم الناصر.
72 - نظرية العلة عند المحدّثين: رضا أحمد صمدي.
73 - الأحاديث التي ذكر الإمام الترمذي فيها اختلافاً وليست في العلل الكبير: مجموعة من الباحثين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
هذا ما استطعت جمعه، وقد استعنت بالوسائل التي أستطيعها كافة على أنَّ ما ذكرته مما يستدرك ولا يدرك؛ إذ إنَّ الجامعات والمطابع تقذف لنا كل يوم من جديد جيدها ورديئها، لكن حسبي أني جمعت ما قدرت عليه، والله الموفق.
القسم الرابع: مصنفات هي مظان للأحاديث المعلة:
هناك كتب هي مظنة للحديث المعل، ولكنَّها لم تؤلف في العلل
بصورة خاصة، وهذه الصفة تغلب على كتب القدماء على خلاف
المتأخرين والمعاصرين فهم يميلون إلى التخصص نوعاً ما، ومن هذه
المصنفات:
1 - كتب الأحاديث المسندة:
مثل: جامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن الدارقطني، وحلية الأولياء … .
2 - كتب التخريج:
مثل: تحفة الأشراف، ونصب الراية، والمغني عن حمل الأسفار، والبدر المنير، وإتحاف المهرة، والتلخيص الحبير، والدراية في تخريج أحاديث الهداية … .
3 - كتب التراجم:
مثل: الضعفاء الكبير، والكامل، وميزان الاعتدال، ولسان الميزان … .
4 - كتب التواريخ:
مثل: تواريخ البخاري، والتاريخ الكبير لابن أبي خيثمة، وتاريخ
الطبري، وأخبار أصبهان، وتاريخ بغداد، وتاريخ دمشق، وتاريخ الإسلام … .
5 - شروح كتب الحديث:
مثل: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، والنفح الشذي شرح جامع الترمذي، وفتح الباري لابن رجب، وفتح الباري لابن حجر، وفيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، وسبل السلام شرح بلوغ المرام، ونيل الأوطار .. .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
6 - مصادر فقه المحدّثين:
مثل: الأوسط لابن المنذر، وشرح معاني الآثار، وشرح مشكل الآثار للطحاوي، والاستذكار لابن عبد البر، والخلاصة، والمجموع للنووي، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي للزيلعي، والمغني في الفقه الحنبلي لابن قدامة … .
7 - كتب مصطلح الحديث:
مثل: المحدّث الفاصل للرامهرمزي، ومعرفة علوم الحديث للحاكم، ومعرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح وشروحه والنكت عليه … .
8 - كتب السؤالات:
مثل: سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني، وسؤالات تلامذة
أحمد كابنيه عبد الله وصالح، وسؤالات أبي داود والمروذي وابن
هانئ والأثرم له، وسؤالات تلامذة الدارقطني له كالبرقاني والسهمي ويحيى بن بكير والحاكم وغيرهم … .
9 - كتب المراسيل:
مثل: المراسيل لأبي داود، والمراسيل لابن أبي حاتم، وجامع التحصيل للعلائي … .
10 - كتب تدرس مناهج مصادر الرواية:
مثل: هدي الساري، ومقدمة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم لشبيّر أحمد، والإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين لنور الدين عتر … .
11 - كتب الطبقات:
مثل: الطبقات الكبرى لابن سعد، والطبقات للعصفري … .
12 - كتب الأفراد:
مثل البحر الزخار، ومعجمي الطبراني الأوسط والصغير، والأفراد للدارقطني، و أطرافه لأبي الفضل ابن طاهر … .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
13 - كتب الأمالي والفوائد والأجزاء الحديثية:
مثل: الفوائد المنتخبة للخطيب البغدادي، والفوائد لأبي بكر النقور … .
14 - كتب متفرقة:
مثل كتب الألباني.
هذه أهم العناوين التي أمكننا جمعها، وهي إما في مكتبتنا - مكتبة دار الحديث حرسها الله - وإما قد ذكرها من قبلنا، وهناك أبحاث ومقالات أخرى منشورة على شبكة المعلومات الدولية (نت) لمجموعة من المشايخ منهم الشيخ عبد الله السعد والشيخ عبد الكريم الخضير وغيرهما .. .
أسباب وقوع العلة:
فطر الله تَعَالَى الناس عَلَى أن يختلفوا في مواهبهم وقدراتهم وتنوع قابلياتهم في الدقة والضبط والإتقان والحرص عَلَى الشيء، كَمَا أنَّ الناس يختلفون في أحوالهم الأخرى قَالَ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات}(1)، وهذه المواهب والمنح من الله يعطي من شاء ما شاء. والناس كذلك يختلفون في حرصهم واجتهادهم لِذَلِكَ عَدَّ الإمام الشَّافِعِيُّ(2) الحرص من لوازم العلم فَقَالَ:
أخي لن تنال العلم إلا بستة … سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة … وصحبة أستاذ وطول زمان(3)
فالحرص إذن من أساسيات العلم، وإن قَلَّ حفظ الرَّاوِي أو كلّت ذاكرته، فبوسعه الحِفاظ على مروياته بالمذاكرة والمتابعة والتعاهد لمحفوظه--------------------------------------------
(1) سورة فاطر: 32.
(2) هُوَ مُحَمَّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب القرشي المطلبي، فقيه العصر، صاحب المذهب، لَهُ: " الأم " و " اختلاف الْحَدِيْث " وغيرهما، ولد بغزة سنة (150 هـ) عَلَى الأصح، وتوفي بمصر سنة (204 هـ). انظر: " مرآة الجنان " 2/ 11 و 12، و" وفيات الأعيان " 4/ 163 و 165، وفي مقدمة تحقيقي "لمسند الشافعي" 1/ 8 - 52 تجلية وفية لهذا العلم العظيم الذي كان أحد رجالات الدنيا.
(3) ديوان الشافعي: 164.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
ومراجعة أصوله، حفظاً للسنة النبوية من الخطأ فِيْهَا - بزيادة أَوْ نقص أو تغيير -.
ومع هَذَا كله فإننا لَمْ نعدم في تاريخنا الحديثيِّ بعض الرُّوَاة الَّذِيْنَ لَمْ يبالوا بمروياتهم، وَلَمْ يولوها الاهتمام الكافي، سواء أهمل الرَّاوِي نفسُه تعاهد محفوظاته و مراجعة كتابه، أم تدخل عنصر بالعبث بمروياته(1)، أم غَيْر ذَلِكَ مِمَّا تكون نتيجته وقوع الوهم في حَدِيْث ذَلِكَ الرَّاوِي، ويؤول في النهاية إلى حدوث الاختلاف مع روايات غيره، عَلَى أنَّ الخطأ والوهم لَمْ يسلم مِنْهُ كبار الحفاظ مع شدة حرصهم وتوقيهم، لذا قَالَ ابن معين(2): «لست أعجب ممن يحدّث فيخطئ، إنما العجب ممن يحدث فيصيب»(3). غَيْر أنّ الأحاديث التِيْ حصل فِيْهَا الوهم تعد قليلة مغمورة في بحر ما رووه عَلَى الصواب.
والاختلافات يعود غالبها إلى عدم التيقظ وإلى عدم الدقة والضبط، إضافة إلى العوارض البشرية والنفسية، والعوارض الِتيْ تنتاب الإنسان فتُضعف ضبطه وإتقانه، ويقع في وهم من نسيان أَو غفلة أَو خطأ، وَهِيَ متعددة مِنْهَا ما يَكُوْن في الجسم أو النفس أو المال أَو الولد أَو الصديق. وكل ذَلِكَ لَهُ مؤثرات عَلَى الإنسان في عقله وفكره وحفظه وضبطه.
إنّ وراء وقوع العلة في أحاديث الثقات أسباب كامنة، يكشف عنها جهابذة النقاد بطرائق أسلفنا ذكرها، تتمركز حول جمع الطرق والموازنة بينها، وغايتنا هنا ذكر هذه الأسباب القادحة في حديث الثقة، وهي كثيرة، فيها ما هو متداخل يحتاج إلى الفصل والتفصيل، وفيها ما يندرج تحت عنوان واحد، وفيها ما يستحق الإشارة إليه فقط، وهي كالآتي:--------------------------------------------
(1) كَمَا حصل لسفيان بن وكيع. انظر: " ميزان الاعتدال " 2/ 173 (3334).
(2) يحيى بن معين بن عون الغطفاني، مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور إمام الجرح
والتعديل، لَهُ: "التاريخ" و "السؤالات" وغيرهما، ولد سنة (158 هـ) وتوفي سنة (233 هـ).
انظر: " تهذيب الكمال " 8/ 89 و 95 (7521)، و" ميزان الاعتدال " 4/ 410 (9636)، و" التقريب " (7651).
(3) تاريخ ابن معين (رِوَايَة الدوري) (52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
1 - الضعف البشري.
2 - خفة الضبط.
3 - الاختلاط.
4 - التصحيف والتحريف.
5 - انتقال البصر.
6 - سلوك الجادة.
7 - الإدخال على الشيوخ.
8 - التلقين.
9 - شدة وثوق الراوي بحفظه والاعتماد عليه.
10 - التوقي والاحتراز.
11 - اختصار الحديث أو الرواية بالمعنى.
12 - التدليس.
13 - التفرد.
14 - جمع الشيوخ.
15 - كيفية تحمّل الحديث (المذاكرة).
16 - قصر الصحبة.
17 - تشابه الأسانيد وتقارب المتون.
وسأبدأ الحديث عنها واحدة تلو الأخرى؛ ليكون القارئ على مزيد بيان ومعرفة لتلكم الأسباب، ولتكون منهجاً متصوراً لدى طالب الحديث، يتمكن الباحث الفهم من خلالها من الاطلاع على مواقع الخلل وكوامن العلل التي تشوب كثيراً من الروايات، في زمن نرى بعض الجامعات الجادة تؤكد على الاهتمام بهذا النوع من علوم الحديث. فأقول وبالله التوفيق:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
1 - الضعف البشري:
وهو سبب عام لا يكاد يخلو منه إنسان، ودخول الخطأ والوهم(1)
والنسيان والكسل على الجنس البشري مما علم بالضرورة، فالوهم لا يخلو منه حتى كبار الأئمة الضابطين، وهذا واضح لنا من تعريف الحديث الصحيح: فهو الذي رواه عدل تام الضبط، عن مثله إلى منتهاه متصل السند، ولا يكون شاذاً ولا معللاً(2). فاشتراطنا لصحة الحديث عدم الشذوذ والعلة، دالٌ على أنَّ الرواة التامي الضبط يدخل في حديثهم الشذوذ والعلة، ولذا يقول الإمام أحمد: «ومن يعرى من الخطأ والتصحيف»(3)، ويقول الإمام مسلم: «فليس--------------------------------------------
(1) الوهَم: بفتح الهاء، الغلط أي ما أخطأ فيه المرء الصواب، وهو يراه صواباً، مثال ذلك: من ناديته باسم: (أسعد) وأنت ترى اسمه (أسعد) وهو (أحمد)، فهذا وَهَم أي غلط. وهذا هو الذي يستعمله المحدّثون في عباراتهم.
أما الوَهْم: بسكون الهاء، فإنَّه يقال فيما سبق الذهن إليه مع إرادة غيره، مثال ذلك: من ناديته باسم (أسعد) وأنت تريد أن تقول: (أحمد) فهذا وَهْم.
ويختلف وزن الفعل لأحد المعنيين عن الآخر فالوَهَم بفتح الهاء، الفعل منه: (وَهِم يَوْهَم) أما الوَهْم بسكون الهاء، فالفعل منه: (وَهَمَ يَهِمُ)، والملاحظ في استعمال المحدّثين الجمع بين البابين، وهو ما يسميه الصرفيون: باب تداخل اللغتين، بأن يأخذوا ماضي الصيغة المفتوحة، ومضارع الصيغة الساكنة.
وإنما آثر المحدّثون وغيرهم في مقام التخطئة لفظ (وَهِمَ) و (يَهِمُ) و (الوَهَم) و (الوَهَل) و (أوهام) على لفظ (غَلِطَ) و (يَغلَط) و (الغَلَط) و (أغلاط)؛ لوضوح المعنى في (غَلِط) ومشتقاته، وغموضه في (وَهِمَ) ومشتقاته، ولاشتراكه في المادة مع لفظ (الوَهْم) بالسكون، الذي هو أخفّ مدلولاً من (الوَهَم) بالفتح، فيكون ألطف جرحاً وآدب نقداً. وهذا ديدن العرب في مقام التعبير عما يكره من قول أو فعل، بل هو ديدن القرآن فانظر ماذا استعمل القرآن للتعبير عن قضاء حاجة الإنسان (الغائط) وهو المكان المنخفض من الأرض، و (يأكلان الطعام) عند بعض المفسرين كنى به عن قضاء الحاجة وهو أول العملية … وانظر ألفاظه حين يتكلم عن اتصال الزوج بزوجته لقضاء الشهوة (الرفث) و (لامستم) و (فأتوهن) وغيرها .. وانظر: " الرفع والتكميل " للكنوي: 549 - 554 لمحققه أبي غدة حيث أبدع في عرض اللفظين.
(2) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": 79 بتحقيقي، و " التقريب " المطبوع مع " التدريب " 1/ 63، و " اختصار علوم الحديث ": 77 بتحقيقي.
(3) "معرفة أنواع علم الحديث ": 383 بتحقيقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
من ناقل خبر، وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا، وإنْ كانوا من أحفظ الناس، وأشدهم توقياً وإتقاناً لما يحفظ وينقل - إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله»(1)، وقال ابن معين: «لست أعجب ممن يحدّث فيخطئ، إنما العجب ممن يحدّث فيصيب»(2).
وكثير من الرواة مع صدقهم وثبوت عدالتهم، كانوا كثيري الخطأ والوهم، لكن ذلك ليس الغالب على حديثهم، وحديثهم مقبول عند أئمة الحديث كما صنع الإمام مسلم حيث خرّج لأصحاب الطبقة الثانية(3)، ولكن ليس معنى ذلك أنَّ حديثهم كله مقبول دون تمييز، بل للأحاديث الصحيحة نصيب مما ترجح فيه للناقد أنَّ الراوي هنا قد ضبط حديثه وحفظه، ولكتب العلل نصيب آخر مما ترجح للناقد أنَّ فيه خطأ ووهماً.
وقال الترمذي: «لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم»(4)، فساق أمثلة من الروايات تدلل عَلَى تفاوت أهل العلم بالحفظ وتفاضلهم بالضبط وقلة الخطأ، ثُمَّ قَالَ: «والكلام في هَذَا والرواية عَنْ أهل العلم تكثر، وإنما بيّنا شيئاً مِنْهُ عَلَى الاختصار؛ ليُستدل بِهِ عَلَى منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم عَلَى بعض في الحفظ والإتقان، ومن تُكلمَ فِيْهِ من أهل العلم لأي شيء تُكلمَ فِيْهِ»(5).
ولما كَانَ الخطأ في الرِّوَايَة أمراً بدهياً، وأنَّه لا يسلم إنسان مِنْهُ نجد الأكابر قَدْ وهمّوا الأكابر، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قَدْ وهّمت عدداً من الصَّحَابَة في عدد من الأحاديث، وَقَدْ جمع ذَلِكَ الزركشي(6) في جزءٍ أسماه--------------------------------------------
(1) " التمييز ": 17 المقدمة.
(2) " تاريخ ابن معين " (رواية الدوري) (52).
(3) كما أشار في مقدمة كتابه 1/ 3، و انظر: " تدريب الراوي " 1/ 92.
(4) " علل الترمذي الصغير " 6/ 240 آخر الجامع.
(5) " علل الترمذي الصغير " 6/ 244 آخر الجامع.
(6) هُوَ مُحَمَّد بن بهادر بن عَبْد الله الزركشي، أبو عَبْد الله الشَّافِعِيّ، بدر الدين: عالم بالفقه والأصول، مشارك في الْحَدِيْث والعربية، من مصنفاته " البحر المحيط " و " البرهان في علوم القرآن "، ولد سنة (745 هـ)، وتوفي سنة (794 هـ). انظر: " الدرر الكامنة " 3/ 397، و" شذرات الذهب " 6/ 335، و" الأعلام " 6/ 60.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
"الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة"(1)، لذا قَالَ الإمام عَبْد الله بن المبارك: «ومن يسلم من الوهم، وَقَدْ وهّمت عائشة جَمَاعَة من الصَّحَابَة في رواياتهم للحديث»(2).
قال ابن عبد البر: «الوهم والنسيان لا يسلم منه أحد من المخلوقين .. »(3).
فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي قد نسي(4)، فالنسيان في عوام الناس أولى، ومهما تثبّت الراوي، فالنسيان طارق ذهنه قادح حفظه، فهذا الأعمش على ما حباه الله من سعة الحفظ والتثبّت يقول: «سمعتُ من أبي صالح ألف حديث، ثم مرضتُ فنسيتُ بعضها»(5).
ومن أشكال النسيان ما يطغى على مرويات الراوي، فيحدّث بكل حال على ما يعلق في ذهنه، وهذا يقال فيه غالباً: «مضطرب الحديث».
ومنه أنْ ينسى الراوي بعض الأحاديث فيذاكره بها تلميذه فلا يحفظها وينكرها، من ذلك ما جاء في " صحيح مسلم " عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد مولى ابن عباس: أنَّه سمعه يخبر عن ابن عباس قال: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا، قال عمرو: وقد حدثنيه قبل ذلك»(6).--------------------------------------------
(1) طبع مراراً بتحقيق سعيد الأفغاني.
(2) " شرح علل الترمذي " 1/ 159 ط. عتر و 1/ 436 ط. همام.
(3) " التمهيد " 4/ 268.
(4) لا يخفى أنَّ نسيانه صلى الله عليه وسلم فيه أحكام شرعية.
(5) " الكفاية ": 383.
(6) صحيح مسلم 2/ 91 (583) (121) ومن النفائس والدرر التي سطّرها النووي في شرحه لصحيح مسلم ما قاله في 3/ 73 عقب (583): «قوله: أخبرني هذا أبو معبد ثم أنكره. في احتجاج مسلم بهذا الحديث دليل على ذهابه إلى صحة الحديث الذي يُروى على هذا الوجه، مع إنكار المحدث له، إذا حدّث عنه ثقة، وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدّثين والفقهاء والأصوليين، قالوا: يحتج به إذا كان إنكار الشيخ له لتشكيكه فيه أو نسيانه أو قال: لا أحفظه، أو لا أذكر أني حدثتُك به ونحو ذلك، وخالفهم الكرخي من أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهما، فقال: لا يحتج به، فأما إذا أنكره إنكاراً جازماً قاطعاً بتكذيب الراوي عنه، وأنه لم يحدثه به قط، فلا يجوز الاحتجاج به عند جميعهم؛ لأنَّ جزم كل واحد يعارض جزم الآخر، والشيخ هو الأصل فوجب إسقاط هذا الحديث، ولا يقدح ذلك في باقي أحاديث الراوي؛ لأنا لم نتحقق كذبه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
ومنه أن ينسى الراوي بعض الأحاديث فيذاكره بها تلميذه فيحدث بها عن التلميذ، عن نفسه، من ذلك ما أخرجه الشافعي قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد.
قال عبد العزيز: «فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة عني - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه ولا أحفظه»(1).
فهذا يبين بجلاء شدة وثوق الشيخ بتلميذه، ويبين ورع الراوي الذي لم يتوان عن إظهار عدم حفظه لذاك الحديث، بل لم يستنكف الرواية عن تلميذه، مثل هذا الأمر لا تجده في غير هذه الأمة. وقد كتب بعض أهل العلم كراساً في هذا المعنى(2).
«فالذهول والسهو لا ينفك عنهما البشر، وليس هذا مما يغضّ من رفيع مرتبة العالم وجلالة قدره، والعالم لا ينجو من السهو في المسائل العلمية، فكيف في التحرير والكتابة!»(3).
أيضاً «من طباع الناس أنَّ النفس البشرية لها إقبال وإدبار على حسب ما يعتريها من حزن أو فرح، أو مرض، أو قلة نوم وأرق، أو انشغال بالتفكير في أمر من الأمور، أو غير ذلك مما يجعل الراوي غير متهيئ ولا مُستجمع قواه للتحديث، وهذا ما يعبِّر عنه المحدِّثون بالكسل، وضده النشاط .. فربما ذكر المحدّث الحديث وهو في هذه الحال لمناسبة جرت لا على سبيل التحديث،--------------------------------------------
(1) " الأم " 7/ 627 ط. الوفاء.
(2) انظر: " الكفاية ": 381.
(3) مقدمة " ظفر الأماني ": 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
كفتوى، أو موعظة، أو سؤال عن ذلك الحديث .. فيذكر المحدث الحديث فينقص منه إما بإرساله وهو موصول أو بوقفه وهو مرفوع، أو يُسقط من سنده بعض رواته لا على سبيل التدليس، أو لا يسوق المتن بتمامه، أو غير ذلك مما يعتري الحديث من اختلاف … ربما أخذ بعض الرواة ذلك الحديث عن ذلك الشيخ في هذه الحال، فيرويه على ما فيه من نقص، وربما حدّث الشيخ بذلك الحديث في مجلس التحديث تاماً، فينشأ الاختلاف بين الرواة لهذا السبب، وربما لم يحدث الشيخ بذلك الحديث إلا في حال كسله، فيختلف مع أقرانه ممن شاركه في رواية ذلك الحديث، فنجد علماء الحديث يوفقون بين هذا الاختلاف بالإشارة إلى هذا السبب بعبارة يفهمها أهل الاختصاص»(1).
وقد يصرّح العلماء بهذا السبب أحياناً كقول ابن رجب: «وقال الأثرم - أيضاً - قال أبو عبد الله: ما أحسنَ حديثَ الكوفيين عن هشام بن عروة! أسندوا عنه أشياء. قال: وما أرى ذاك إلا على النشاط، يعني: أنَّ هشاماً ينشط تارة فيسند، ثم يرسل مرة أخرى»(2)، وقال الحافظ المنذري في توجيه حديثين: «ويمكن أنْ يقال: إنَّه تذكّر السماع بعد ذلك، فصرّح بالتحديث، أو أنَّ الراوي ينشط مرة فيسند، ويفتر مرة فلا يُسند، ويسكت عن ذكر الشخص مرة، ويذكره أخرى، لما يقتضيه الحال»(3).
هذه أهم آثار الضعف عند الإنسان، الخطأ والنسيان والكسل.
2 - خفة الضبط:
قد يكون المحدّث ضابطاً لروايته، ثم تعرض له حين تحمله الحديث أو أدائه أمور تجعل الوهن في ضبطه، ثم تدخل العلة في حديثه، وهذه الأمور--------------------------------------------
(1) مقدمة كتاب " العلل " 1/ 91 ط. الحميّد.
(2) " شرح علل الترمذي " 2/ 488 ط. عتر و 2/ 679 ط. همام، ومقدمة كتاب " العلل " 1/ 92 ط. الحميّد.
(3) مقدمة كتاب " العلل " 1/ 94 - 95 ط. الحميّد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
ليست عامة بل هي خاصة تطرأ على بعض الرواة في بعض الأحيان، تبعاً لاختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ ومن هذه الأمور الطارئة:
أ - تغيرّ الحفظ في بلد معين أو عن راوٍ معين.
ب - فقدان البصر.
ج - صغر السن.
د - كبر السن والشيخوخة.
هـ - الانشغال بالعبادة والتجارة والقضاء.
أ - تغير الحفظ في بلد معين أو عن راوٍ معين:
قد يتغير الراوي في موطن من المواطن؛ لأنَّه لم يصحب كتبه مثلاً، فيحدث من حفظه فيهم، من ذلك ما وقع لمعمر في البصرة، قال أبو حاتم: «ما حدّث معمر بالبصرة فيه أغاليط .. »(1)؛ لأنَّه تغير حفظه، وقال يعقوب بن شيبة: «سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم، فيه اضطراب؛ لأنَّ كتبه لم تكن معه»(2)، وقال يحيى بن معين: «إذا حدثك معمر عن العراقيين فَخَفْهُ، إلا عن الزهري وابن طاووس؛ فإنَّ حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة والبصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئاً»(3).
أو قد يضعف حفظه في راوٍ معين، فالأعمش قال عنه علي بن المديني: «الأعمش كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الصغار مثل: الحكم، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت .. »(4)، وقال أحمد: «منصور إذا نزل إلى المشايخ(5) اضطرب إلى أبي إسحاق، والحكم، وحبيب بن أبي ثابت،--------------------------------------------
(1) " تهذيب الكمال " 7/ 182 (6697).
(2) " شرح علل الترمذي " 2/ 602 ط. عتر و 2/ 767 ط. همام، وانظر: " ميزان الاعتدال " 4/ 154 (8682)، و " تهذيب التهذيب " 5/ 373 - 379.
(3) " شرح علل الترمذي " 2/ 612 ط. عتر و 2/ 774 ط. همام.
(4) " شرح علل الترمذي " 2/ 647 ط. عتر و 2/ 800 ط. همام.
(5) في المطبوع: «المشائخ» والجادة ما أثبتناه؛ لأنَّ الياء في مفردها أصلية وليست بزائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وسلمة بن كهيل»(1).
ب - فقدان البصر:
من المعروف في بدائه علم الحديث أنَّ الضبط نوعان: ضبط صدر وضبط كتاب، وضابط الصدر يحتاج إلى أنْ يعاود حفظه من أجل ضبط مروياته .. وضابط الكتاب يحتاج أنْ يقرأ كتابه من أجل الرواية والمقابلة، إذن فالبصر مهم، وله أثر كبير في المحافظة على الحفظ؛ لذا فإنَّ زوال البصر وذهابه قد يؤدي في المحصلة النهائية إلى دخول الوهم في بعض روايات المحدّثين، ومن ثَمَّ حصول اختلاف بين الروايات، وكان بعض الثقات يعتمد على كتبه، فلما ذهب بصره، حدّث من حفظه فدخل الوهم في حديثه بعد ذلك، وقَبِلَ بعضهم التلقين كعبد الرزاق بن همّام الصنعاني مع أنَّه من رجال هذا الميدان، قال عنه الحافظ ابن حجر: «عمي في آخر عمره فتغير»(2)، قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله يُسأل عن حديث: «النار جُبار» فقال: هذا باطل، ليس من هذا شيء، ثم قال: ومن يحدث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شبويه. قال: هؤلاء سمعوا بعد ما عمي، كان يلقن فلقنه، وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه كان يلقنها بعد ما عمي»(3).
ج - صغر السن:
وقت الضبط حين يكمل النضج ويتم العقل؛ لأنَّ الصغر مظنة عدم الضبط، قال ابن المديني في أبي بكر بن أبي الأسود: «سماعه من أبي عوانة ضعيف؛ لأنَّه كان صغيراً»(4)، وقال معمر بن راشد: «جلست إلى قتادة وأنا صغير فلم أحفظ أسانيده»(5)، وقال يعقوب بن شيبة في عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود: «تكلموا في روايته عن أبيه وكان صغيراً»(6)، وقال أحمد:--------------------------------------------
(1) " شرح علل الترمذي " 2/ 649 ط. عتر و 2/ 801 ط. همام.
(2) " التقريب " (4064).
(3) " تهذيب الكمال " 4/ 500 (4003).
(4) " ميزان الاعتدال " 2/ 491 (4559).
(5) " تاريخ ابن أبي خيثمة " (1203).
(6) " تهذيب الكمال " 4/ 432 (3865).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
«حماد بن سلمة إذا روى عن الصغار أخطأ»(1).
وهناك أقوال كثيرة عن أهل العلم تدل على أنَّ صغر السن من دواعي خفة الضبط، وإن كان هناك نماذج من المحدّثين الصغار الضابطين الكيّسين، فأحمد بن حنبل قدّم ابنَ عيينة على أصحاب عمرو بن دينار: «فقيل له: كان ابن عيينة صغيراً. قال: وإنْ كان صغيراً، فقد يكون صغيراً كيّساً»(2)، وسُئل عن إسحاق بن إسماعيل وقيل له: «إنهم يذكرون أنَّه كان صغيراً. فقال: قد يكون صغيراً يضبط»(3).
د - كبر السن والشيخوخة:
كبر السن ومقاربة الشيخوخة مظنة تفرق الذهن وحدوث اختلاط الحفظ؛ لذا استحب أهل الحديث قطع التحديث عند كبر السن(4)، قال الخطيب: «إذا بلغ الراوي حد الهرم والحالة التي في مثلها يحدث الخرف، يستحب له ترك الحديث، والاشتغال بالقراءة والتسبيح، وهكذا إذا عمي بصره»(5). وقال الحاكم في يزيد بن أبي زياد: «فلما كبر ساء حفظه، فكان يقلب الأسانيد، ويزيد في المتون»(6)، وقال الذهبي في أبي إسحاق السبيعي: «من أئمة التابعين … إلا أنَّه شاخ ونسي ولم يختلط .. »(7)، وأقوال أهل العلم كثيرة في هذا الباب؛ نظراً للأثر الذي تحدثه الشيخوخة في حفظ الرواة من اختلال الجسم والذاكرة، وضعف الحال وتغير الفهم وحلول الخرف(8).--------------------------------------------
(1) " شرح علل الترمذي " 2/ 623 ط. عتر و 2/ 783 ط. همام.
(2) " شرح علل الترمذي " 2/ 493 ط. عتر و 2/ 684 ط. همام.
(3) " الكفاية ": 62.
(4) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": 346 بتحقيقي.
(5) " الجامع لأخلاق الراوي " عقب (1931).
(6) " نصب الراية " 1/ 402.
(7) " ميزان الاعتدال " 3/ 270 (6393).
(8) انظر: " فتح المغيث " 2/ 287 ط. العلمية و 3/ 233 ط. الخضير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
هـ - الانشغال بالعبادة والتجارة والقضاء.
كان الْمُحَدِّثُوْنَ يكتبون بالنهار ويعارضون(1) بالليل ويحفظون بالنهار ويتذاكرون بالليل. وهكذا شأن المُحَدِّثِيْنَ، ومن لَمْ يَكُنْ كذلك فلا يسمى من أهل الحَدِيْث، وأسند الإمام مُسْلِم في مقدمة صحيحه عَنْ أبي الزناد قَالَ: «أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمونون ما يؤخذ عَنْهُم الحَدِيْث يقال: ليس من أهله»(2).
وَقَالَ مالك بن أنس(3): «أدركت مشايخ بالمدينة أبناء سبعين وثمانين لا يؤخذ عَنْهُمْ، ويقدم ابن شهاب وَهُوَ دونهم في السن فتزدحم الناس عَلَيْهِ»(4).
وهناك أمور جعلت عدداً من جهابذة الْمُحَدِّثِيْنَ لا يأخذون عَنْ عدد كبير من الرُّوَاة هي أنَّ هؤلاء الرُّوَاة كانوا يتشاغلون عَن الحَدِيْث. والتشاغل عَن الحَدِيْث مدعاة لعدم ضبط الْحَدِيْث وعدم إتقانه وربما كَانَ مآل ذَلِكَ إلى دخول بعض الوهم والعلل والاختلافات.
وهي من أسباب خفة الضبط، فقد ضعفت روايات بعض المحدّثين؛ لانشغالهم عن العلم حفظاً وكتابة، ومن الأمور التي حدت بعض المحدّثين على التقصير في ضبط مروياتهم--------------------------------------------
(1) المعارضة: هِيَ مقابلة الطالب كتابه بكتاب شيخه الذِيْ يروي عَنْهُ، سماعاً أَو إجازةً، أو بأصل شيخه المقابل بِهِ أصل شيخه. وَقَدْ سأل عروة ابنه هشاماً فَقَالَ: عرضت كتابك؟ قَالَ: لا، قَالَ: لَمْ تكتب. انظر: " الكفاية ": 237، و"جامع بَيَان العِلْم" 1/ 77، و"الإلماع":160، و" معرفة أنواع علم الحَدِيْث ": 254 بتحقيقي، و" شرح التبصرة والتذكرة " 1/ 478 بتحقيقي، و" فتح المغيث " 2/ 164 ط. العلمية و 3/ 53 ط. الخضير.
(2) وكذلك أسنده الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (425)، والخطيب في " الكفاية ": 159 جميعهم من طريق الأصمعي، عَن ابن أبي الزناد، عَنْ أبيه، بِهِ.
(3) هُوَ مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، أبو عَبْد الله المدني، نجم السنن وإمام دار الهجرة صاحب الموطأ والمذهب المعروف، توفي سنة (179 هـ).
انظر: " حلية الأولياء " 6/ 316، و" تهذيب الكمال " 7/ 6 (6320)، و" التقريب " (6425).
(4) " الكفاية ": 159.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
انشغالُ بعضهم بالعبادة وصرف غالب أوقاتهم لذلك دون متابعة ضبط رواياتهم. قال ابن حبان: «ومنهم من كبر وغلب عليه الصلاح والعبادة، وغفل عن الحفظ والتمييز، فإذا حدّث رفع المرسل وأسند الموقوف وقلّب الأسانيد، وجعل كلام الحسن، عن أنس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وما شبه هذا حتى خرج عن حد الاحتجاج به»(1). وَقَدْ أصل ابن رجب في ذَلِكَ قاعدة فَقَالَ: «الصالحون غَيْر العلماء يغلب عَلَى حديثهم الوهم والغلط»(2).
والحافظ ابن رجب إنما أخذ ذَلِكَ من أقوال أئمة هَذَا الشأن، العارفين بعلله، الغواصين في معانيه وأسراره، قَالَ نجم العلماء(3) مالك بن أنس: «أدركت بهذا البلد - يعني الْمَدِيْنَة - مشيخة لَهُمْ فضلٌ وصلاحٌ وعبادة يحدِّثون، ما سَمِعْتُ من واحد مِنْهُمْ حديثاً قطُّ، فقيل لَهُ: وَلِمَ يا أبا عَبْد الله؟ قَالَ: لَمْ يكونوا يعرفون ما يحدِّثون»(4). وَقَالَ أَيْضاً: «لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذَلِكَ، لا يؤخذ من سفيه مُعلن بالسَّفه وإنْ كَانَ أروى الناس، ولا يؤخذ من كذّاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جرب ذَلِكَ عَلَيْهِ، وإن كَانَ لا يُتَّهَمُ أنْ يكذب عَلَى رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم، ولا من صاحب هوىً يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخٍ لَهُ فضلٌ وعبادة إذا كَانَ لا يعرف ما يحدّث بِهِ»(5).
وجعل ابن تيمية من أسباب السهو: «الاشتغال عن هذا الشأن بغيره، فلا ينضبط له، ككثير من أهل الزهد والعبادة .. »(6).
وَقَالَ ابن منده(7):
«إذا رأيت في حَدِيْث (حدثنا فُلَان الزاهد) فاغسل--------------------------------------------
(1) مقدمة " المجروحين " 1/ 67.
(2) " شرح علل الترمذي " 2/ 711 ط. عتر و 2/ 833 ط. همام.
(3) أطلق عَلَيْهِ ذَلِكَ الإمام الشَّافِعِيُّ، قَالَ المزي في " تهذيب الكمال " 7/ 13 (6320): «وَقَالَ يونس بن عَبْد الأعلى: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يقول: إذا جاء الأثر فمالك النجم».
(4) " العلل " للإمام أحمد رِوَايَة المروذي (328).
(5) " المحدّث الفاصل " (418).
(6) " مجموعة الفتاوى " 18/ 28.
(7) هُوَ الحافظ الجوال أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسحاق بن مُحَمَّد بن يحيى بن منده، واسم منده: إبراهيم بن الوليد، قَالَ الباطرقاني: حَدَّثَنَا ابن منده إمام الأئمة في الْحَدِيْث، ولد سنة
(311 هـ)، وَقِيْلَ سنة: (310)، وتوفي سنة (395 هـ).
انظر: " سير أعلام النبلاء " 17/ 28، و" ميزان الاعتدال " 3/ 479، و" تذكرة الحفاظ " 3/ 1031.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
يدك مِنْهُ»(1).
وممن كانت حاله عَلَى ما قدمنا: أبان بن أبي عيّاش: فيروز البصري، أبو إسماعيل العبدي، قَالَ فِيْهِ الإمام المبجل أحمد بن حَنْبَل: «متروك»(2).
قَالَ ابن رجب الحنبلي: «ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين: أحدهما أبان بن أبي عياش»(3).
وقَالَ الإمام الترمذي: «رَوَى عَنْ أبان بن أبي عياش غَيْر واحد من الأئمة(4)، وإن كَانَ فِيْهِ من الضعف والغفلة ما وصفه أبو
عوانة(5) وغيره(6) فلا يغتر برواية الثقات عَن الناس؛ لأنَّه يروى عَن ابن سيرين أنَّه قَالَ: إنَّ الرجل ليحدِّثني، فما أتهمه، ولكن أتهم من فوقه.
وَقَدْ رَوَى غَيْر واحد(7) عَنْ إبراهيم النخعي، عَنْ علقمة، عَنْ عَبْد الله بن مسعود: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يقنتُ في وتره قَبْلَ الركوع. وروى أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عَبْد الله بن مسعود: «أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يقنت في وتره قَبْلَ الركوع». هكذا رَوَى سفيان الثوري عَنْ--------------------------------------------
(1) " شرح علل الترمذي " 2/ 711 ط. عتر و 2/ 833 ط. همام.
(2) " الكاشف " (110)، وانظر: " التقريب " (142).
(3) " شرح علل الترمذي " 1/ 97 ط. عتر و 1/ 390 ط. همام.
(4) ساق المزي في " تهذيب الكمال " 1/ 95 (138) من رَوَى عَنْهُ فبلغ بِهِمْ ثلاثة وثلاثين راوياً.
(5) هُوَ الوضاح بن عَبْد الله اليشكري، أبو عوانة، الواسطي البزار مولى يزيد بن عطاء محدّث البصرة: ثقة ثبت، صاحب " المسند "، توفي سنة (176 هـ). انظر: " التاريخ الكبير " 8/ 181، و" سير أعلام النبلاء " 8/ 217 و 221، و" التقريب " (7407).
وحكايته نقلها المزي في " تهذيب الكمال " 1/ 96 (138) ونصها: «لما مات الحسن، اشتهيت كلامه فجمعته من أصحاب الحسن، فأتيت أبان بن أبي عياش، فقرأه عليّ عَن الحسن، فما أستحِلُّ أن أرويَ عَنْهُ شَيْئاً».
(6) انظر: " تهذيب الكمال " 1/ 95 - 96 (138).
(7) مِنْهُمْ: حماد بن زيد عِنْدَ ابن أبي شيبة (6976).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
أبان بن أبي عياش(1)، وروى بعضهم(2) عَنْ أبان بن أبي عياش بهذا الإسناد نحو هَذَا، وزاد فِيْهِ: قَالَ عَبْد الله بن مسعود: «أخبرتني أمي أنَّها باتتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فرأتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قنتَ في وترهِ قَبْلَ الركوع».
وأبان بن أبي عياش وإن كَانَ قَدْ وُصف بالعبادة والاجتهاد، فهذا حاله في الْحَدِيْث، والقوم كانوا أصحاب حفظ، فرب رجل وإن كَانَ صالحاً لا يقيم الشهادة ولا يحفظها … »(3).
وكثير من الَّذِيْنَ يشتغلون بعلم من العلوم ويستفرغون العمر في تخصصهم يَكُوْن ذَلِكَ مدعاة للتقصير في العلوم الأخرى.
وَقَدْ وجدنا بعض جهابذة الْحَدِيْث تَكَلَّمَ في بعض الرُّوَاة لِقَصْرِ تهممهم(4)
عَلَى الفقه، ومن أولئك حماد بن أبي سليمان(5) من كبار الفقهاء وشيخ أبي حَنِيْفَة النعمان(6) قَالَ عَنْهُ أبو إسحاق الشيباني(7): «ما رأيت أحداً--------------------------------------------
(1) عِنْدَ ابن أبي شيبة في " المصنف " (6978)، والدارقطني في " سننه " 2/ 32 ط. العلمية و (1663) ط. الرسالة.
(2) مِنْهُمْ: يزيد بن هارون عِنْدَ ابن أبي شيبة (6977)، والدارقطني 2/ 32 ط. العلمية و (1662) ط. الرسالة.
(3) العلل الصغير آخر الجامع 6/ 235.
(4) التهمم: الطلب، يقال: ذهبت اتهممه، أي: أطلبه، وتهمّم الشيء: طلبه، أَو الاهتمام والعناية، يقال: اهتم الرجل بالأمر: عني بالقيام بِهِ. انظر: " لسان العرب " مادة (همم)، و" المعجم الوسيط " مادة (همّ)، و" حاشية محاسن الاصطلاح ": 578.
(5) هُوَ الإمام حماد بن أبي سليمان، فقيه العراق، أبو إسماعيل بن مُسْلِم الكوفي مولى الأشعريين: صدوق لَهُ أوهام، توفي سنة (120 هـ).
انظر: " طبقات ابن سعد " 6/ 332، و" التاريخ الكبير " 3/ 21 (2969)، و" سير أعلام النبلاء " 5/ 231.
(6) هُوَ الإمام فقيه الملة، عالم العراق، النعمان بن ثابت التيمي الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة، قَالَ يحيى بن معين: كَانَ أبو حَنِيْفَة ثقة في الْحَدِيْث، ولد سنة (80 هـ)، وتوفي سنة (150 هـ).
انظر: " تاريخ بغداد " 13/ 323 وفي ط. الغرب 15/ 444، و" تهذيب الكمال " 7/ 339 (7034)، و" سير أعلام النبلاء " 6/ 390.
(7) هُوَ سليمان بن أبي سليمان، فيروز، ويقال: خاقان، أبو إسحاق، مولى بني شيبان، واختلف في سنة وفاته فقيل: (129 هـ) وَقِيْلَ: (138 هـ) وَقِيْلَ: (139 هـ).
انظر: " الجرح والتعديل " 4/ 119 (531)، و" تهذيب الكمال " 3/ 282 (2509)، و" شذرات الذهب " 1/ 207.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
أفقه من حماد»(1). ومع هَذَا فَقَدْ نقل عَبْد الرحمان بن أبي حاتم(2)
عَنْ أمير المؤمنين في الْحَدِيْث شعبة بن الحجاج قوله: «كَانَ حماد - يعني: ابن أبي سليمان - لا يحفظ». ثُمَّ عقّب ابن أَبِي حاتم عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: «يعني: أن الغالب عَلَيْهِ الفقه وأنه لَمْ يرزق حفظ الآثار»(3). وَقَالَ أبو حاتم: «هُوَ صدوق ولا يحتج بحديثه، هُوَ مستقيم في الفقه، وإذا جاء بالآثار شوّش»(4).
ومن هنا وضع علماء الجرح والتعديل قواعد في أنّ الفقهاء غَيْر الْمُحَدِّثِيْنَ يغلب عليهم الفقه دون حفظ المتون، قَالَ ابن رجب الحنبلي: «الفقهاء المعتنون بالرأي حَتَّى يغلب عليهم الاشتغال بِهِ، لا يكادون يحفظون الْحَدِيْث كَمَا ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيراً، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه»(5). وابن رجب مسبوق بهذا التنظير فَقَدْ قَالَ ابن حِبّان: «الفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وإحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء الْمُحَدِّثِيْنَ، فإذا رفع محدث خبراً، وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه، لَمْ أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنَّه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام الْمَتْن فَقَطْ»(6).
فممن ألهتهم التجارة شبيب بن سعد، قال ابن عدي: «وحدّث عنه ابن--------------------------------------------
(1) " الجرح والتعديل " 3/ 160 (642).
(2) هُوَ العلامة الحافظ عَبْد الرحمان بن أبي حاتم، أبو مُحَمَّد، لَهُ مصنفات مِنْهَا: " المسند "
و " العلل "، ولد سنة (240 هـ)، وتوفي سنة (327 هـ).
انظر: " تذكرة الحفاظ " 3/ 829، و" ميزان الاعتدال " 2/ 587 (4965)، و" سير أعلام النبلاء " 13/ 263، و" شذرات الذهب " 2/ 308.
(3) " الجرح والتعديل " 3/ 160 (642).
(4) " الجرح والتعديل " 3/ 161 (642).
(5) " شرح علل الترمذي " 2/ 711 ط. عتر و 2/ 833 - 834 ط. همام.
(6) مقدمة صحيحه 1/ 159.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)