فللعلة ركنان:
1 - سبب خفي غامض.
2 - قادح في السند أو المتن أو كليهما.
ولا يكون الحديث مُعَلّاً إذا فقد أحد شرطيه.
الاصطلاح الذي يطلق على الحديث المصاب بعلة:
خاض(1) العلماء - قدامى ومُحْدَثينَ - في الاستعمال الصحيح لاسم المفعول للحديث الذي أصابته علة، والحقيقة أنَّ اسم المفعول يكون اشتقاقه من الأفعال الثلاثية وغيرها.
فمن الفعل الثلاثي يكون على زنة (مفعول) ويشتق من الفعل المبني للمجهول أو لما لم يُسمَّ فاعله، نحو: حُمِدَ فهو محمود، وعُلَّ فهو معلول.
أما من الفعل غير الثلاثي وهو الرباعي والخماسي وغيرهما، فيكون على وزن مضارعه مع إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وفتح ما قبل الآخر، نحو: أَعَلَّ فعل رباعي، وزن مضارعه يَعِلُّ، واسم المفعول منه مُعَلّ، والفعل عَلّل رباعي أيضاً، وزن مضارعه يعلل، واسم المفعول منه مُعَلَّل، والفعل اعتلّ خماسي، وزن مضارعه يَعْتَلّ، واسم المفعول منه مُعْتَلّ.
وتتفاوت نسبة استعمال العلماء لهذه التسميات، فالمعلول تسمية للحديث الذي أصابته علة استعمله المحدّثون واللغويون، فمن المحدّثين: البخاري، والترمذي، وابن عدي، والدارقطني، والحاكم وغيرهم، ومن اللغويين: الزجّاج، وابن القوطية، وقطرب، والجوهري، والمطرزي، وابن هشام وغيرهم .. ومن منكري هذه الصيغة ابن الصلاح فقد أنكرها بقوله:--------------------------------------------
(1) أي: مشى وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس للإشارة إلى أنَّ المتكلم في ذلك كالخائض في الماء الماشي في غير مظنة المشي، وهذا إيذان وتنبيه على أنَّ الناس مضطربون في هذا التعريف، وانظر التعليق على " النكت الوفية " 1/ 92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
«مرذول عند أهل العربية واللغة»(1)، وقال النووي: «هو لحن»(2)، وقال العراقي في " ألفيته ":
«وسم ما بعلة مشمول … معللاً ولا تقل معلول»(3)
وأنكره الفيروزأبادي بقوله: «ولا تقل: معلول»(4).
وتابع السيوطيُّ النوويَّ في تلحينه له …(5)، وحكاية بعض أهل اللغة له، غير مخرج له عن كونه ضعيفاً، ولا سيما قد أنكره غير واحد من اللغويين كابن سيده، والحريري، وغيرهما.
ثم اعترض العراقي على التسمية بـ «معلل» فقال: «والأحسن أنْ يقال فيه: «معل» بلام واحدة لا معلل؛ فإنَّ الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى: ألهاه بالشيء و شغله به، من تعليل الصبي بالطعام، وأما بلام واحدة، فهو الأكثر في كلام أهل اللغة، وفي عبارة أهل الحديث أيضاً»(6).
وهاتان الصيغتان: (معلول) و (معلل) هما اللتان كثر الاعتراض عليهما، أما باقي الصيغ فصحيحة أفصحها (مُعَلّ).
المعنى العام والمعنى الخاص والفرق بينهما:
للعلة معنيان:
الأول: معنى خاص: وهو الذي أشار إليه ابن الصلاح بقوله: «هو الحديث الذي اطُّلِعَ فيه على علة، تقدح في صحته مع أنَّ ظاهره السلامة--------------------------------------------
(1) " معرفة أنواع علم الحديث ": 186 بتحقيقي.
(2) " التقريب " المطبوع مع " تدريب الراوي " 1/ 251.
(3) " شرح التبصرة والتذكرة " 1/ 272 بتحقيقي.
(4) " القاموس المحيط " مادة (علل).
(5) انظر: " تدريب الراوي " 1/ 251.
(6) " التقييد والإيضاح ": 117، وعبارته في " شرح التبصرة والتذكرة " 1/ 273 بتحقيقي: «والأجود في تسميته: المعل» وقد عقب البقاعي على ذلك، فقال في " النكت الوفية " 1/ 499 بتحقيقي: «يفهم أنَّ في استعمال معلل جودةً ما، وليس كذلك؛ فإنَّه لا يجوز أصلاً، فيحمل على أنَّ مراد الشيخ أنَّه أجود من المعلول».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
منها»(1)، والحاكم بقوله: «وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل .. »(2).
«ولعل تخصيص المتأخرين هذا النوع باسم العلل؛ لأنَّ أكثر أحاديث كتب العلل من هذا النوع، كما هو ظاهر وصرّح به السخاوي؛ أو لأنَّه أدقها وأغمضها .. ولعل ما ذهب إليه المتأخرون نوع من الحصر والتقييد، لا تغيير في المنهج بالمعنى العام .. »(3).
وبهذا يتضح لنا أنَّ العلة شيء خارج عن الجروح الموجهة إلى رجال الإسناد؛ وذلك لأنَّ ميدان الإعلال إنَّما هو الأحاديث التي ظاهرها الصحة، يقول ابن الصلاح: «ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر»(4).
وكل من جاء بعد ابن الصلاح و عرّف المعل اشترط فيه خفاء العلة وكونها قادحة: كالطيبي(5)، والعراقي(6)، والسيوطي(7)، وأبي الفيض محمد بن محمد بن علي بن فارس(8)، وغيرهم.
لكننا مع ذلك نجد بعض العلماء يطلق العلة و يريد بها ما هو أعم من ذلك؛ حيث يدخل فيها العلة الظاهرة وغير الظاهرة: «وهذا الاستعمال إنما هو من باب التوسع فقط، واستعمال اللفظ بمعناه العام، وإلا فما حاز علم العلل هذه الشهرة، وحظي بالتقديم والتبجيل دون سائر علوم الحديث، إلا بخفاء العلل التي يبحث فيها ودقتها»(9) وهو الثاني من معنيي العلة. أي المعنى--------------------------------------------
(1) " معرفة أنواع علم الحديث ": 187 بتحقيقي.
(2) " معرفة علوم الحديث ": 112 ط. العلمية، وعقب (270) ط. ابن حزم.
(3) " قواعد العلل وقرائن الترجيح ": 11.
(4) " معرفة أنواع علم الحديث ": 187 بتحقيقي.
(5) "الخلاصة ":70.
(6) " شرح التبصرة والتذكرة " 1/ 274 بتحقيقي.
(7) " التدريب " 1/ 252.
(8) " جواهر الأصول ": 48
(9) " العلة وأجناسها ": 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
العام. فهذا الحافظ ابن الصلاح يقول: «ثم اعلم أنَّه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل؛ ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح، وسمى الترمذي النسخ علة(1) من علل الحديث، ثم إنَّ بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط»(2).
وعقب الحافظ ابن حجر فقال: «مراده بذلك أنَّ ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم أنَّ اسم العلة إذا أُطلق على حديث، لا يلزم منه أنْ يُسمى الحديث معلولاً اصطلاحاً. إذ المعلول ما علته قادحةٌ خفية، والعلة أعم من أنْ تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة»(3).
وقد ذكر الصنعاني ما يدل على أنَّ تقييد العلة بكونها خفية قادحة هو عنده قيد أغلبي، حيث قال: «وكأنَّ هذا التعريف أغلبي للعلة، وإلا فإنَّه سيأتي أنهم يعللون بأشياء ظاهرة غير خفية و لا غامضة»(4).
والفرق بين المعنيين أنَّ المعنى العام هو علم الأولين، أما المعنى الخاص فهو علم المتأخرين، فالأخير هو الذي صنّف فيه المتأخرون، وشددوا على صعوبته
وأهميته ودقته، وقلة من برز فيه على عكس المعنى العام.--------------------------------------------
(1) وكذلك ابن أبي حاتم كما يُعلم ذلك من صنيعه في علله. انظر حديث (114) و (246) ولم يرتض العراقي هذا الإطلاق؛ و ذلك أنَّ الترمذي إنْ أراد أنَّ النسخ علة في العمل، فهو كلام صحيح مقبول، أما إنْ أراد أنَّه علة تقدح في صحة الحديث أو في صحة نقله، فذلك غير مقبول؛ لأنَّ في كتب الصحيح أحاديث كثيرة صحيحة منسوخة. انظر: " شرح التبصرة و التذكرة " 1/ 289 بتحقيقي.
(2) " معرفة أنواع علم الحديث ": 190 - 191 بتحقيقي.
(3) " نكت ابن حجر " 2/ 771 و:537 بتحقيقي.
(4) " توضيح الأفكار" 2/ 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
والحديث في المعنى العام لا يشترط فيه السلامة، بخلاف الحديث في المعنى الخاص، فيشترط فيه السلامة، ويطّلع بعد التفتيش على قادح، قال ابن حجر: «وفي هذا رد على من زعم، أنَّ المعلول يشمل كلَّ مردود»(1).
وأن يكون هذا القادح خفياً في المعنى الخاص، يقول ابن حجر: «المعلول ما علته قادحة خفية»(2)، على خلاف المعنى العام فلا يشترط أنْ يكون قادحاً أو خفياً، قال ابن الصلاح: «إنَّ بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح»(3).
وتجدر الإشارة إلى أنَّ المعنى الاصطلاحي الخاص للعلة، إنما يشمل العلة القادحة الخفية التي يكون الظاهر السلامة منها. و هذه تختص برواية الثقات. أما العلة بالمعنى الأعم فإنها تتعلق بالرواية عموماً، سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفاً، وسواء كذلك أكان الوهم بالإسناد أم بالمتن، ومن الملاحظ: أنَّ الخطأ في رواية الثقة أشد غموضاً من الخطأ في رواية الضعيف؛ لأنَّ الأصل في رواية الثقة الصواب - والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس مطمئن إلى رواية الثقة، وليست كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساساً إليها، فالأصل الحكم عليها بالخطأ - والصواب طارئ - ومع ذلك فإنَّ معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل؛ وذلك لأنَّ الحكم عليه بالضعف أساساً يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم، حُكم بضعفه. وأيضاً فإنَّ الضعف درجات؛ و إذا لم يكن شديداً في الراوي، فإنَّ بالإمكان الاستفادة من بعض أحاديثه؛ لأنَّ خطأ الضعيف غير مقطوع به؛ لذلك فإنَّ من أحاديثه ما يصح و ما يضعف، و يُعرف الخطأ و الصواب بالبحث و الموازنة.
ومن ينظر في كتب الشروح و التخريج والعلل يجد إطلاق لفظ العلة--------------------------------------------
(1) " نكت ابن حجر " 2/ 710 و: 485 بتحقيقي.
(2) " نكت ابن حجر " 2/ 771 و:537 بتحقيقي.
(3) " معرفة أنواع علم الحديث ": 191 بتحقيقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
والمعلول والمعل على كثير من الأحاديث التي فيها جرح ظاهر، وقد قمت باستقراء كتاب علل ابن أبي حاتم - وهو كتاب عظيم النفع غير أنَّ مصنفه ذكر فيه العلل الخفية والجلية، فهو غير خاص بالعلل الخفية كما يظن(1) -، وأشرت إلى الأحاديث التي أُعلت بالجرح الظاهر، فوجدتها كثيرة العدد، يزيد مجموعها على مئتين و سبعة وأربعين حديثاً، فقد أَعل بالانقطاع سبعة وعشرين حديثاً، منها الأحاديث: (24) و (74) و (108) و (132) و (164) و (214) و (594) و (622) و (753) و (905) و (1259) و (1371).
وأَعَلَّ بضعف الراوي مئة وثلاثة وأربعين حديثاً منها: (53) و (100) و (151) و (176) و (208) و (250) و (309) و (421) و (50) و (565) و (609) و (641) و (727) و (854) و (988) و (1053) و (1156) و (1241) و (1473).
وأَعل بالجهالة ثمانية وستين حديثاً منها: (89) و (180) و (345) و (441) و (701) و (1070) و (1152) و (1311) و (1484) و (1579) و (1689) و (1760) و (1829) و (1966) و (2151).
وأَعل بالاختلاط حديثين هما: (279) و (2220).
وأَعل بالتدليس أربعة أحاديث هي: (2119) و (2255) و (2275) و (2579).
وكذلك نجد في كلام كثير من جهابذة العلم إطلاق العلة على الجرح الظاهر كما في " نصب الراية " للزيلعي 3/ 85 و 3/ 239 و 3/ 287 و 3/ 358 و 3/ 370 و 3/ 431 و 4/ 47.
وفي كلام ابن القيم كما في " زاد المعاد " 1/ 177 و 244.
وكذلك وقع في كلام الحافظ ابن حجر إعلال بعض الأحاديث بالعلة--------------------------------------------
(1) ومثله كتاب " علل الدارقطني " ذكر فيه جميع أنواع العلل الخفية والجلية، و" مسند البزار " مهم في العلل القادحة الجلية؛ لأنَّه يريد بالعلة معناها العام، ومفهوم العلة في أكثر هذه الكتب يشمل المعنى العام للعلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
الظاهرة كالإعلال بالانقطاع الظاهر، وبالإرسال الظاهر، وبالجهالة، وبضعف الرواة .. كما في " التلخيص الحبير " 1/ 117 (1) و 1/ 129 (3) و 1/ 159 (10) و 1/ 164 (13) و 1/ 173 (22)، و " فتح الباري " 1/ 83 و 2/ 446، و انظر: " سبل السلام " 1/ 69 و 72 و 75.
وقد أشرت - فيما سبق - إلى أنَّ الصنعاني قد عد تقييد العلة في التعريف بكونها خفية قادحة قيداً أغلبياً .. وقد قال الحافظ ابن حجر:
« .. لأنَّ الضعف في الراوي علة في الخبر، والانقطاع في الإسناد علة في الخبر، وعنعنة المدلس علة في الخبر، وجهالة حال الراوي علة في الخبر»(1). وفي حوار مع أستاذي العلاّمة الدكتور هاشم جميل قد تنبهت على أمر آخر، وهو: أنَّ المحدّثين إذا تكلموا على العلة بوصفها أنَّ خلو الحديث منها يعد قيداً لا بد منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة و يريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو السبب الخفي القادح، وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام، فإنَّهم في هذه الحالة يطلقون العلة و يريدون بها المعنى العام، أي: السبب الذي يعل الحديث به، سواء أكان خفياً أم ظاهراً، قادحاً أم غير قادح.
وهذا توجد له نظائر عند المحدّثين، منها: المنقطع(2)، فهو بالمعنى الخاص: ما حصل في إسناده انقطاع في موضع أو أكثر من موضع لا على التوالي.
هذا المصطلح نفسه يستعمله المحدّثون أيضاً استعمالاً عاماً فيريدون: كل ما حصل فيه انقطاع، في أي موضع في السند، فيشمل:
المعلّق(3): وهو الذي حصل فيه انقطاع في أول السند.
والمرسل(4): وهو الذي حصل فيه انقطاع في آخر السند.--------------------------------------------
(1) " نكت ابن حجر " 1/ 407 و: 203 بتحقيقي
(2) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": 132 وما بعدها بتحقيقي.
(3) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": 92 بتحقيقي.
(4) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": 126 بتحقيقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
والمعضل(1): وهو الذي حصل فيه انقطاع في أثناء السند، باثنين فأكثر على التوالي.
ويشمل أيضاً المنقطع بالمعنى الخاص الذي ذكرناه(2).
وهكذا نرى أنَّ مصطلح المنقطع يستعمله المحدّثون استعمالاً خاصاً في المنقطع الاصطلاحي، ويستعملونه استعمالاً عاماً في كل ما حصل فيه انقطاع فيشمل المنقطع الاصطلاحي، والمعلق، والمرسل، والمعضل. و على هذا المنوال جرى استعمالهم لمصطلح العلة؛ فهم يستعملونه بالمعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح، و يستعملونه استعمالاً عاماً، و يريدون به: كل ما يعل الحديث به، فيشمل العلة بالمعنى الاصطلاحي، و العلة الظاهرة، و العلة غير القادحة.
تعريف علم العلل:
هو عِلم برأسه، وهو أَجَلُّ أنواع علم الحديث وأدَقُّها، وأما أصحابه فهم جهابذة الفن في الحفظ والإتقان، وأما أدواته فهي قواعد تُكشف بها الأسباب الخفية القادحة. وهو صاحب القول الفصل في قبول الحديث ورفضه، حتى إنَّه لا يسلم كبار الحفاظ من نقده، ولا يتكلم فيه إلا المتقنون لسائر علوم الحديث، وأساسه التمرس والتجربة العملية الطويلة.
أهمية علم العلل:
إذا كان كل علم يشرف بمدى نفعه، فإنَّ علم علل الحديث يعد من أشرف العلوم؛ لأنَّه من أكثرها نفعاً، فهو نوع من أَجَلِّ أنواع علم الحديث، وفن من أهم فنونه، قال الخطيب: «معرفة العلل أَجَلُّ أنواع علم الحديث»(3)،--------------------------------------------
(1) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": 135 بتحقيقي. .
(2) انظر: " التدريب " 1/ 207 و ما بعدها، و " شرح البيقونية في مصطلح الحديث ": 98. وكذلك المرسل يستعملونه استعمالاً عاماً في كل انقطاع في السند، ويستعملونه استعمالاً خاصاً ويريدون به ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) " الجامع لأخلاق الراوي " قبيل (1908).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
ورحم الله الإمام النووي حيث قال: «ومن أهم أنواع العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات، أعني: معرفة متونها: صحيحها وحسنها وضعيفها، متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها، ومقلوبها، ومشهورها وغريبها وعزيزها، ومتواترها وآحادها وأفرادها، معروفها وشاذها ومنكرها، ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها … »(1).
فعلماء الحديث قد اهتموا بالحديث النبوي الشريف عموماً؛ لأنَّه المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، و قد اهتموا ببيان علل الأحاديث النبوية من حيث الخصوص؛ لأنَّ بمعرفة العلل يعرف كلام النبيِّ صلى الله عليه وسلم من غيره، وصحيح الحديث من ضعيفه، وصوابه من خطئه، قيل لعبد الله بن المبارك(2): هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: «تعيش لها الجهابذة»(3).
وقد ذكر الحاكم: «أنَّ معرفة علل الحديث من أجَلِّ هذه العلوم»(4) وقال: «معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح و السقيم، والجرح والتعديل»(5).
وعلم العلل ممتد من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث كان أبو بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما يحتاطان(6) في قبول الأخبار، ويطلبان الشهادة على--------------------------------------------
(1) مقدمة شرحه لصحيح مسلم 1/ 6.
(2) هو عبد الله بن المبارك المروزي، ثقة ثبت، فقيه عالم، جواد مجاهد جمعت فيه صفات الخير.
"التقريب " (3570).
(3) أخرجه: ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 1/ 311 (المقدمة)، وابن عدي في " الكامل " 1/ 192، وذكره ابن الجوزي في مقدمة " الموضوعات " 1/ 46 ط. الفكر وعقب (22)
ط. أضواء السلف.
(4) " معرفة علوم الحديث ": 119 ط. العلمية و عقب (289) ط. ابن حزم.
(5) " معرفة علوم الحديث ": 112 ط. العلمية و قبيل (270) ط. ابن حزم.
(6) في احتياط الصحابة، انظر: " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " لمصطفى السباعي: 75، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يستحلف الراوي أحياناً، فقد روى الإمام أحمد في مسنده 1/ 2 عن علي، قال: «كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته»، قال الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " 1/ 267 - 268: «هذا حديث جيد الإسناد».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
الحديث أحياناً؛ من أجل تمييز الخطأ والوهم في الحديث النبوي، ثم اهتم العلماء به من بعد؛ لئلا ينسب إلى السنة المطهرة شيء ليس منها خطأ. فعلم العلل له مزية خاصة، فهو كالميزان لبيان الخطأ من الصواب، والصحيح من المعوج، و قد اعتنى به أهل العلم قديماً وحديثاً، ولا يزال الباحثون يحققون و ينشرون تلكم الثروة العظيمة التي دَوَّنَها لنا أولئك الأئمة العظام كعلي ابن المديني، و أحمد، و البخاري، و الترمذي، و ابن أبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم(1).
وما ذلك إلا لأهمية هذا الفن فـ «التعليل(2) أمر خفي، لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها»(3). ولأهميته أيضاً نجد بعض جهابذة العلماء يصرّح بأنَّ معرفة العلل والبحث عنها، مقدم على مجرد الرواية دون سبر ولا تمحيص، يقول عبد الرحمان بن مهدي: «لأَنْ أعرف علة حديث هو عندي، أحب إليَّ من أنْ أكتب حديثاً ليس عندي»(4).
ويزيد هذا العلم أهمية أنَّه من أشد العلوم غموضاً، فلا يدركه إلا من رُزِقَ سعة الرواية، وكان مع ذلك حاد الذهن، ثاقب الفهم، دقيق النظر، واسع المران، قال الحاكم: «إنَّ الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنَّما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وُجد مثل--------------------------------------------
(1) انظر ماسيأتي من المصنفات فيه.
(2) قال البقاعي في " النكت الوفية " 1/ 503 بتحقيقي: «صوابه الإعلال».
(3) " نكت ابن حجر " 2/ 714 و: 488 بتحقيقي.
(4) " علل الحديث " لابن أبي حاتم 1/ 387 ط. الحميّد (المقدمة)، وقد نقله الحاكم في " معرفة علوم الحديث ": 112 ط. العلمية و (270) ط. ابن حزم، و ابن رجب في "شرح العلل " 1/ 199 ط. عتر و 1/ 470 ط. همام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرّجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم رضي الله عنهما، لزم صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علّته»(1).
ونقل ابن أبي حاتم عن محمود بن إبراهيم بن سميع، أنَّه قال: سمعت أحمد ابن صالح(2) يقول: «معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب والشَّبَه، فإنَّ الجوهر إنَّما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة إذا قيل له: كيف قلت: إنَّ هذا بائن؟! يعني: الجيد أو الرديء»(3) لذا فإنَّ وجود العارفين في فن العلل بين العلماء عزيز، قال ابن رجب: «وقد ذكرنا … شرف علم العلل و عزته، وأنَّ أهله المتحققين به أفراد يسيرة من بين الحفاظ وأهل الحديث، وقد قال أبو عبد الله بن منده الحافظ: إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفراً يسيراً من كثير ممن يدّعي علم الحديث»(4).
وقال الحافظ ابن حجر: «وهو من أغمض أنواع علوم الحديث و أدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً، وحفظاً واسعاً، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب ابن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني … »(5).
وليس يلزم كشف العلة لأول وهلة ولا لثانيها ولا ولا .. يقول الخطيب: «فمن الأحاديث ما تخفى علته، فلا يوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيِّ الزمن البعيد»(6). وأسند عن علي بن المديني، قال:--------------------------------------------
(1) " معرفة علوم الحديث ": 59 - 60 ط. العلمية وعقب (103) ط. ابن حزم.
(2) وهو أبو جعفر المعروف بابن الطبري ثقة حافظ. " تهذيب التهذيب " 1/ 49، و " التقريب" (48).
(3) " علل الحديث " لابن أبي حاتم 1/ 389 - 390 ط. الحميّد (المقدمة)، ومن طريقه أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (1787).
(4) " شرح علل الترمذي " 1/ 33 - 34 ط. عتر و 1/ 339 - 340 ط. همام.
(5) " نزهة النظر ": 72.
(6) " الجامع لأخلاق الراوي " عقب (1788).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
«ربما(1) أدركت علة حديث بعد أربعين سنة»(2).
بل ربما يكشف العالم ما خفي على من هو أعلم منه، كالدارقطني، وأبي علي الجياني، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي الحسن بن القطان، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، وغيرهم من أئمة هذا الشأن، فقد تعقّبوا البخاري ومسلماً - وهما من هما في الحفظ والإتقان، بل وعلو الكعب في علم العلل عينه - في كثير من أحاديث صحيحيهما وبينوا عللها(3) … أو قد يخالف ما قاله هو نفسه، كما حصل لأبي حاتم الرازي حين سأله ابنه عن حديث ابن صائد أهو عن جابر أم عن ابن مسعود؟ قال: «عبد الله أصح، لو كان عن جابر، كان متصلاً. قلت: كيف كان؟ قال: لأنَّ أبا نضرة قد أدرك جابراً، ولم يدرك ابن مسعود، وابن مسعود قديم الموت. وسألت أبي مرة أخرى عن هذا الحديث. فقال: يحيى القطان ومعتمر وغيرهما، يقولون: عن التيمي، عن أبي نضرة، عن جابر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو أشبه بالصواب»(4).
وقد يتوقف الناقد في حديث ما؛ لخفاء علته، وفي نفسه حجج للقبول والرد ولكن ليس له حجة، قال السخاوي: «يعني: يعبِّر بها غالباً، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللدفع»(5)، وقال ابن حجر: «وقد تقصر عبارة المعلل--------------------------------------------
(1) ربما: هي (رُبّ) دخلت عليها (ما) الزائدة، فكفتها عن الجر، وأزالت اختصاصها بالأسماء، ويكثر دخولها على الجملة الفعلية، وترد للتكثير كثيراً وللتقليل قليلاً، فليس معناها التقليل دائماً، ولا التكثير دائماً. انظر: " مغني اللبيب " 1/ 118، و " معجم الشوارد النحوية ": 312.
(2) " الجامع لأخلاق الراوي " عقب (1789).
(3) وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " 1/ 183: «ولهذا كان جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج فإنَّه نُوزِع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه .. ». وانظر: " العلة وأجناسها ": 83.
(4) " علل الحديث " لابن أبي حاتم (2754).
(5) " فتح المغيث " 1/ 255 و 2/ 67 ط. الخضير، وجاء في ط. العلمية: «للرفع»، وهو خطأ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء»(1).
من هذا العرض تتبين أهمية هذا العلم " علل الحديث "؛ لارتباطه بالحديث النبوي أولاً؛ ولأنَّه الفيصل بين الصحيح الذي ظاهره وباطنه السلامة وغيره.
موضوعه:
ليس كل الأحاديث ظاهرها السلامة، ولا كل علة خفية، فمن الأحاديث علتها ظاهرة جلية، وهذه الأوصاف بحديث الضعيف ألصق، وليست من علم العلل في شيء، ومع ذلك وجدنا بعض العلماء قد أطلق العلة على الخفي منها والجلي، واستعمال اللفظ بمعناه العام من باب التوسع.
أما الحديث المعل فهو ما اجتمع فيه ركنا العلة، وهذا لا يكون سوى في أحاديث الثقات؛ لأنَّ حديث الضعيف خطؤه بَيّن يتصدى له الناقد على وفق قواعد معلومة، أما أحاديث الثقات فهي موضوع علم العلل وميدانه بمعناه الدقيق، ولا يتصدى لها إلا جهابذة النقاد.
وهذا النوع من النقد أوسع من الجرح والتعديل؛ لأنَّه يواكب الثقة في حله وترحاله، وأحاديثه عن كل شيخ من شيوخه، ومتى ضبط؟ ومتى نسي؟ وكيف تحمّل؟ وكيف أدَّى(2)؟
إذن علم العلل يبحث عن أوهام الرواة الثقات، ويعمل على تمحيص أحاديثهم وتمييزها، وكشف ما يعتريها من خطأ، إذ ليس يسلم من الخطأ أحد.
وهنا سؤال يطرح نفسه، هل بنا اليوم حاجة إلى علم العلل؟
لما رأى الناس ضعف المتأخرين بهذا العلم، أدركوا أنَّ الحاجة إليه لا--------------------------------------------
(1) " نكت ابن حجر " 2/ 711 و: 485 بتحقيقي.
(2) انظر: مقدمة " شرح علل الترمذي " 1/ 28 ط. همام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
زالت قائمة، لاسيما أنَّ إعلال الأئمة للأحاديث مبني على الاجتهاد وغلبة الظن، وباب الاجتهاد لا يحل لأحد غلقه(1)، وكذلك فإنَّ من واجب المتأخرين
شرح كلام المتقدمين وبيان مرادهم في إعلالات الأحاديث، والترجيح عند الاختلاف.
ثمرته:
لكل علم إذا استوى على سوقه ثمرة، وثمرة علم علل الحديث الرئيسة حفظ السنة، ففي حفظها صيانة لها، ونصيحة للدين، وتمييز ما قد يدخل على رواتها من الخطأ والوهم وكشف ما يعتريهم، وبيان الدخيل فيها، وبها تقوى الأحاديث السليمة؛ لبراءتها من العلل(2).
تاريخه:
يمكن جعل البداية الحقيقية لهذا العلم من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي(3)، فهم أول من فتّش عن الرجال في الرواية، وبحثوا عن النقل في الأخبار.
ثم تلقّى التابعون عن الصحابة نقد الأخبار وتمييز الروايات، كسعيد بن جبير، والشعبي، وابن سيرين، وفي هذا العصر ازدادت الحاجة إلى النقد، حيث طرأت أمور دعتهم إلى نقد المرويات وتمييزها، فقد كثرت الفتن، وتعددت الفرق، وظهرت البدع والمحدثات، كبدعة التشيع والخوارج، وكثر المشتغلون بعلم الحديث، واتسعت دائرتهم، وزادت أعداد حملة الآثار، ونشطوا للرحلة والطلب .. فدخل في ذلك من يحسن ومن لا يحسن، واختلفت أغراض الرواة، وتعددت مشاربهم(4).
وفي عصر تابعي التابعين زادت الأمور السالفة خطراً، فانتشرت البدع--------------------------------------------
(1) انظر: " تحرير علوم الحديث " 2/ 649.
(2) انظر: " الخبر الثابت ": 125، و " العلة وأجناسها ": 8.
(3) انظر: " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": 83 - 84.
(4) انظر: " العلة وأجناسها ": 26 - 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
بشكل متزايد، وكثر موجودها، وطالت الأسانيد وكثر رجالها، ولم يبق الوهم مقتصراً على الحفظ والضبط، بل دخل في المصنفات والكتب.
وذهب بعض الباحثين إلى أنَّ هذا المنهج تسارع ارتقاؤه، وتعاظم ازدهاره في فترة زمنية قصيرة، حصرها بين محمد بن سيرين المتوفى سنة (110 هـ) ويحيى بن معين المتوفى سنة (233 هـ) أي في خلال (120) سنة تقريباً، زاعماً أنَّ هذه الفترة تضاعفت فيها أعداد الأسانيد حتى وصلت إلى المليون.
ولما دخل عصر التدوين كان هذا العلم أول ما عني به الأئمة.
وهذه المؤلفات تعطي لنا تصوراً مجملاً عن نشأة علم العلل، وأنَّه بدأ في عصر مبكر جداً مقارنة مع بقية علوم الحديث، وعلى الرغم من قدمِ نشأته فقد قوبل بقلة الاهتمام وضعف الجانب(1).
مؤسسوه وأئمته:
أسهم الصحابة والتابعون من بعدهم في بناء صرح علم العلل، وتوالتِ اللَّبناتُ ترص بعضها بعضاً حتى غدا علماً لا يُستهان بجنابه، وقد مرّ علينا قبلُ أنَّ علم العلل بدأ بمحمد بن سيرين؛ لأنَّه أول من اشتهر بالكلام في نقد الحديث، مروراً بالزهري الذي كان يملي على تلامذته أشياء في نقد الأحاديث وإعلالها. حتى استقر عند شعبة بن الحجاج، وقد جعل أحد الباحثين شعبة هو المؤسس الحقيقي لهذا العلم؛ لأنَّ أحداً قبله لم يتكلم بالدقة والشمول اللذينِ تكلم بهما شعبة؛ ولأنَّ الحديث أصبح صناعة(2) وفناً على يديه، وهو--------------------------------------------
(1) انظر: " لمحات موجزة في أصول علل الحديث ":19 - 20، و" قواعد العلل وقرائن الترجيح ": 31 - 32، و " العلة وأجناسها ": 26 - 29.
(2) إنَّ هذا المصطلح «صناعة الحديث» مصطلح قديم، وُجد في العصر الذهبي لعلم العلل، أي في منتصف القرن الثالث، فقد قال مسلم في كتابه " التمييز " (102): «اعلم رحمك الله أنَّ صناعة الحديث، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنَّما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنَّهم الحفّاظ لروايات الناس، العارفون لها دون غيرهم … ».
قلت: ومن يطالع كتب ابن حبان يجد عشرات الأقوال في استعمال هذا الاصطلاح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
أول من فتّش عن أمر المحدّثين(1).
وقد شهد له من جاء بعده، قال الشافعي: «لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق»(2) وقال ابن رجب: «وهو أول من وسّع الكلام في الجرح والتعديل، واتصال الأسانيد وانقطاعها، ونقّب عن دقائق علم العلل، وأئمة هذا الشأن بعده تبع له في هذا العلم»(3)، وقال السمعاني: «هو أول من فتّش بالعراق عن أمر المحدّثين»(4) هذا هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج المتوفَّى سنة (160 هـ) وحُقّ لعلم العلل أنْ يكون إناهُ على يديه.
وقد أخذ عن شعبة يحيى بن سعيد القطان، وهو من أوائل من صنّف كتاباً في العلل كما ذكر ابن رجب(5)، وأخذ عنه أيضاً عبد الرحمان بن مهدي وهو من رجال هذا الفن، وعنهما أخذ يحيى بن معين وإليه تناهى علم العلل، وفيه قال أحمد: «ها هنا رجل خَلَقه الله لهذا الشأن»(6)، وعلي بن المديني شيخ البخاري الذي قال عنه أبو حاتم: «كان علي بن المديني عَلَماً في الناس في معرفة الحديث والعلل»(7)، وأحمد بن حنبل، ثم جاء بعدهم البخاري طبيب الحديث في علله، ومسلم الذي أماط اللثام عن علل خفية في أحاديث الثقات في كتابه " التمييز "، وأبو داود الذي قرر قاعدة عظيمة في هذا الباب مغزاها أنَّه قد يخرّج الحديث المعلول، ويسكت عن بيان علته بقوله: «لأنَّه ضرر على العامة أنْ يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب … ؛ لأنَّ علم العامة يقصر عن مثل هذا»(8)، وأبو زرعة الذي لمّ شتات هذا العلم مع أبي--------------------------------------------
(1) انظر: " اللباب في تهذيب الأنساب " 2/ 103، و " مقدمة شرح علل الترمذي " 1/ 30 ط. همام، و " العلة وأجناسها ": 30.
(2) " الجامع لأخلاق الراوي " (1522).
(3) " شرح علل الترمذي " 1/ 172 ط. عتر و 1/ 448 ط. همام.
(4) " الأنساب " 3/ 318 (العتكي).
(5) انظر: " شرح علل الترمذي " 2/ 805 ط. عتر و 2/ 892 ط. همام، و" جامع العلوم والحكم "، له 2/ 133 ط. العراقية و: 579 - 580 ط. ابن كثير.
(6) " تاريخ بغداد " 16/ 268 ط. الغرب.
(7) " تقدمة المعرفة ":264.
(8) " رسالة أبي داود إلى أهل مكة ": 50.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
حاتم، وجمع علمهما عبد الرحمان ابن أبي حاتم في مصنّفه، وتلاهم جماعة منهم النسائي، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني ولم يأتِ بعدهم من برع فيه، وأخال ابن الجوزي قال قولته فيمن جاء بعدهم: «قد قَلَّ من يفهم هذا بل عدم»(1).
هذا ما يمكن قوله عن تأسيس هذا العلم وتمامه خلال هذه الحقبة من الزمن، وأما أئمة هذا العلم فقد جعلتهم في مسرد، وأفدت من كتاب " جهود المحدّثين " للدكتور الصياح وزدتُ على ما جاء به(2)، وهم:
1 - محمد بن سيرين (110 هـ).
2 - الزهري (124 هـ).
3 - أيوب السختياني (131 هـ).
4 - شعبة بن الحجاج (160 هـ).
5 - عبد الرحمان بن مهدي (198 هـ).
6 - يحيى بن سعيد القطان (198 هـ).
7 - سفيان بن عيينة (198 هـ).
8 - الشافعي (204 هـ).
9 - أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي (210 هـ).
10 - أبو عبيد القاسم بن سلاّم (224 هـ).
11 - يحيى بن معين (233 هـ).
12 - علي بن عبد الله المديني (234 هـ).
13 - محمد بن عبد الله بن نمير (234 هـ).
14 - إسحاق بن راهويه (238 هـ).--------------------------------------------
(1) " الموضوعات " 1/ 102 ط. الفكر.
(2) وقد وقع أخونا الصياح في بعض الأخطاء، وقد صححت ذلك، وراجعته ببعضٍ مما وقع فيه فله مني الشكر والتقدير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
15 - أحمد بن حنبل (241 هـ).
16 - أبو جعفر محمد بن عبد الله بن عمار البغدادي (242 هـ).
17 - عبد الرحمان بن إبراهيم يعرف بـ (دُحيم) (245 هـ).
18 - أحمد بن الحسن بن جُنَيدب (سنة بضع وأربعين ومئتين).
19 - أبو زرعة أحمد بن حميد الجرجاني (لم أقف على سنة وفاته).
20 - أحمد بن صالح المصري (248 هـ).
21 - عمرو بن علي الفلاس (249 هـ).
22 - أبو جعفر أحمد بن سعيد الدارمي (253 هـ).
23 - الدارمي (255 هـ).
24 - البخاري (256 هـ).
25 - محمد بن يحيى الذهلي (258 هـ).
26 - يحيى بن إبراهيم بن مُزيّن (260 هـ).
27 - مسلم بن الحجاج (261 هـ).
28 - أبو علي المروزي (261 هـ).
29 - يعقوب بن شيبة السدوسي (262 هـ).
30 - أبو زرعة الرازي (264 هـ).
31 - إسماعيل بن عبد الله بن مسعود يعرف بـ (سَمّويه) (267 هـ).
32 - أبو بكر الأثرم (273 هـ).
33 - أبو داود (275 هـ).
34 - بقي بن مخلد (276 هـ).
35 - أبو حاتم الرازي (277 هـ).
36 - الترمذي (279 هـ).
37 - ابن أبي خيثمة (279 هـ).
38 - عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
39 - أبو العباس البرتي (280 هـ).
40 - أبو زرعة الدمشقي (281 هـ).
41 - إبراهيم بن الحسين الهمذاني (281 هـ).
42 - إسماعيل القاضي (282 هـ).
43 - أبو إسحاق الحربي (285 هـ).
44 - ابن أبي عاصم (287 هـ).
45 - محمد بن وضّاح القرطبي (287 هـ).
46 - إبراهيم بن نصر يعرف بـ (ابن أبْرول) (287 هـ).
47 - عبد الله بن أحمد بن حنبل (290 هـ).
48 - علي بن الحسين بن الجُنيد (291 هـ).
49 - البزار (292 هـ).
50 - أبو عمران موسى بن هارون الحمال (294 هـ).
51 - أبو علي عبد الله بن محمد البلخي (295 هـ).
52 - إبراهيم بن أبي طالب (295 هـ).
53 - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني (لم أقف على سنة وفاته).
54 - أبو بكر البرديجي(1) (301 هـ).
55 - أبو بكر الفريابي (301 هـ).
56 - النسائي (303 هـ).
57 - سعيد بن عثمان الأندلسي (305 هـ).
58 - محمد بن إبراهيم بن حَيّون الأندلسي (305 هـ).--------------------------------------------
(1) - بفتح أولها - بليدة بأقصى أذربيجان، ومن نحا بها نحو أوزان العرب كسر أولها؛ لأنَّه ليس في كلامهم (فَعليل) - بفتح الفاء - كما قال الصاغاني: بِرديج - بكسر أوله - .. والعامة يفتحون باءها. فالمراد أنَّ من نطق بها على مقتضى تسميتها العجمية فتح الباء على الحكاية، ومن سلك بها مسلك أهل العربية كسر الباء. وانظر: تعليقنا على "معرفة أنواع علم الحديث ": 141.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
59 - زكريا بن يحيى الساجي (307 هـ).
60 - الوليد بن أبان بن بونة الأصبهاني (310 أو 308 هـ).
61 - الطبري (310 هـ).
62 - أبو جعفر التستري (310 هـ).
63 - ابن خزيمة (311 هـ).
64 - أبو بكر الخلاّل (311 هـ).
65 - أبو جعفر الألبيري (312 هـ).
66 - أبو بكر السجستاني (316 هـ).
67 - محمد بن أبي الحسين بن عمار الجارودي (317 هـ).
68 - يحيى بن محمد بن صاعد البغدادي (318 هـ).
69 - عبد الله بن محمد الكلاعي يعرف بـ (ابن أخي رفيع الصائغ) (318 هـ).
70 - أحمد بن عمير بن يوسف بن موسى بن جوصا(1) (320 هـ).
71 - أبو جعفر العقيلي (322 هـ).
72 - أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري (324 هـ).
73 - أبو حامد أحمد بن محمد الشرقي النيسابوري (325 هـ).
74 - ابن أبي حاتم (327 هـ).
75 - أبو العباس أحمد بن محمد بن عُقدة الكوفي (332 هـ).
76 - محمد بن يعقوب بن الأخرم (344 هـ).
77 - وهب بن مسرة(2) الأندلسي (346 هـ).
78 - عبد الرحمان بن أحمد بن يونس الصدفي (347 هـ).--------------------------------------------
(1) هكذا في " شذرات الذهب " 2/ 285، و " العبر " 2/ 7، و " سير أعلام النبلاء " 15/ 15، وجاء في " تذكرة الحفاظ " 3/ 795، و " المنتظم " 8/ 118 «جوصاء»، وفي " شذرات الذهب ": «أحمد بن عمر».
(2) هكذا في " تذكرة الحفاظ " 3/ 890، و " العبر " 2/ 75، و " سير أعلام النبلاء " 15/ 556 إلا أنَّه ورد في " شذرات الذهب " 2/ 374 «ميسرة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)