استُكْرِهْت»(1).
وكلُّ هذه الألفاظ صحيحة.
وفي بعضها: أنه أمرَ، فحُفِرت له حفيرة. ذكره مسلم(2)، وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر. وإن كان مسلم قد روى له في الصحيح، فالثقة قد يغلط، على أن أحمد وأبا حاتم الرازي قد تكلَّما فيه. وإنما حصل الوهم من حفرة الغامدية، فسرَى إلى ماعز. [250/ب] والله أعلم.
وجاءته صلى الله عليه وسلم الغامدية، فقالت: إني قد زنيتُ، فطهِّرني. وإنه ردَّها، فقالت: تردُّني(3) كما رددتَ ماعزًا، فوالله إني لحبلى! فقال: «اذهبي حتى تلدي». فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، فقالت: هذا قد ولدتُه. فقال: «اذهبي، فأرضعيه حتى تفطميه». فلما فطمته أتته به، وفي يده كِسْرة من خبز، فقالت: هذا قد فطمتُه وأكلَ الطعام. فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمَر بها، فحُفِر لها إلى صدرها، وأمرَ الناسَ فرجموها. ويُقْبِلُ(4) خالدُ بن الوليد بحجرٍ، فرمى رأسَها، فتنضَّح(5) الدمُ على وجهه، فسبَّها. فسمع نبيُّ--------------------------------------------
(1) لم أجده بهذا اللفظ. نعم، روي هذا من قول علي لشَراحة الهمدانية التي قالت له: إني زنيت، فقال لها: لعلكِ غَيْرَى، لعلكِ رأيتِ … إلخ. رواه الإمام أحمد في «المسند» (1185).
(2) برقم (1695/ 23).
(3) في النسخ: «رددها، فقالت: ترددني». والمثبت من «صحيح مسلم».
(4) في «صحيح مسلم»: «فيقبل». وفي النسخ المطبوعة: «فأقبل».
(5) كذا في النسخ و «الصحيح». وفي النسخ المطبوعة: «فنضح».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 401)
الله صلى الله عليه وسلم سبَّه إياها، فقال: «مهلًا يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ له». ثم أمر بها، فصلَّى عليها، ودفنت. ذكره مسلم(1).
وجاءه صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله إني أصبتُ حدًّا، فأقِمْه عليَّ، ولم يسأله عنه. وحضرت الصلاة، فصلَّى مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله إني أصبتُ حدًّا، فأقِمْ فيَّ كتابَ الله. قال: «أليس قد صليتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فإن الله قد غفر لك ذنبك». أو قال: «حدَّك». متفق عليه(2).
وقد اختلف في وجه هذا الحديث. فقالت طائفة: أقرَّ بحدٍّ لم يسمِّه، فلم يجب على الإمام استفساره. ولو سمَّاه لحدَّه كما حدَّ ماعزًا. وقالت طائفة: بل غُفِر له(3) بتوبته، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى، كما تسقط(4) عن المحارب. وهذا هو الصواب.
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: أصبتُ من امرأة قبلة، فنزلت: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]. فقال الرجل: ألي هذه؟ فقال: «بل لمن عمل بها من أمتي». متفق--------------------------------------------
(1) برقم (1695/ 23) من حديث بريدة.
(2) البخاري (6823) ومسلم (2764) من حديث أنس، وقد تقدَّم مع الكلام عليه.
(3) في النسخ المطبوعة: «غفر الله له».
(4) في المطبوع: «سقطت».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 402)
عليه(1).
وقد استدل به من يرى أن التعزير ليس بواجب، وأن للإمام إسقاطه. ولا دليل فيه، فتأمله.
وخرجت امرأة تريد الصلاة، فتجلَّلَها رجل، فقضى حاجته منها، فصاحت وفرَّ. ومرَّ عليها غيرُه، فأخذوه، فظنت أنه هو، وقالت: هذا الذي فعل بي. فأتوا به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأمَر برجمه. فقام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: أنا صاحبها. فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اذهبي، فقد غفر الله لك. وقال للرجل قولًا حسنًا. فقالوا: ألا ترجُم صاحبها؟ فقال: «لا، لقد تاب توبةً لو تابها أهلُ المدينة لَقُبِل منهم». ذكره أحمد وأهل السنن كلهم(2). ولا فتوى ولا حكم أحسن من هذا.
فإن قيل: كيف أمر(3) برجم البريء؟ قيل: لو أنكر لم يرجمه، ولكن لما أُخِذَ، وقالت: هو هذا، ولم ينكِر، ولم يحتجَّ عن نفسه، فاتفق مجيءُ القوم به في صورة المريب، وقولُ المرأة: هذا هو، وسكوتُه سكوتَ المريب. وهذه--------------------------------------------
(1) البخاري (4687) ومسلم (2763) من حديث ابن مسعود.
(2) رواه أحمد (27240) من حديث وائل بن حجر الحضرمي، وإسناده صحيح. وعند البيهقي (8/ 284) من طريق أسباط بن نصر ــ وفيه لين ــ بذكر العفو وعدم الرجم. ورواه أبو داود (4379) والترمذي (1454) ــ من طريق محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة ــ بذكر الرجم. قال الذهبي في «المهذب» (7/ 3423) عن طريق عدم الرجم: منكر. وقال المؤلف في «الطرق الحكمية» (53): إسناده على شرط مسلم، وقع في متنه اضطراب. وصحح الترمذي رواية الرجم، وهو يوافق الروايات الأخر.
(3) في المطبوع: «أمرهم».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 403)
القرائن أقوى من قرائن حدِّ المرأة بلعان الرجل وسكوتها. فتأمله.
وللَّوث تأثير في الدماء والحدود والأموال. أما الدماء ففي القسامة. وأما الحدود ففي اللعان. وأما الأموال ففي قصة الوصية في السفر، فإن الله سبحانه حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين خانا(1) وغدرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما، ويُقضَى لهم. وهذا هو الحكم الذي لا حكم غيره، فإن اللوث إذا أثَّر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس بالحدِّ، فلأن يَعمَل(2) في المال بطريق الأولى والأحرى.
وقد حكم به نبيُّ الله سليمان بن داود في النسب، مع اعتراف [251/أ] المرأة أنه ليس بولدها، بل هو ولد الأخرى، فقال لها: «هو ابنك»(3). ومن تراجم النسائي(4) على قصته: «التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعلُ، ليستبين به الحق». ثم ترجم عليه ترجمة أخرى، فقال: «الحكم بخلاف ما يعترف به المحكومُ عليه(5)، إذا تبيَّن للحاكم أن الحقَّ غيرُ ما اعترف به». وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا. ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة، فقال: «نقضُ الحاكم ما حكم به مَن هو مثلُه أو أجلُّ منه».--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «ظلما».
(2) زيد في النسخ المطبوعة بعده: «به»، إذ قرأ بعضهم: «يُعمَل» مبنيًّا للمجهول.
(3) سبق تخريجه.
(4) في «السنن الكبرى» (5/ 409، 410) وقد سبقت الترجمتان الأوليان.
(5) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة هنا، وفي «الطرق الحكمية» (1/ 9) و «عُدَّة الصابرين» (ص 521). وفي «السنن»: «المحكوم له»، وكذا تقدَّم على الصواب في أول الكتاب.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 404)
قلت: وفيه ردٌّ لقول من قال: يكون ابنهما(1) إجراءً للنسب مجرى المال. وفيه أنَّ حكمَ الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن. وفيه نوع لطيف عجيب شريف من أنواع العلم النافع، وهو الاستدلال بقدر الله على شرعه. فإن سليمان صلى الله عليه وسلم استدلَّ بما قدَّره الله وخلَقه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة بحيث أبت أن يُشَقَّ الولد، على أنه ابنها، وقوَّى هذا الاستدلال رِضا الأخرى بأن يُشَقَّ الولد، وقالت: نعم، شُقَّه. وهذا قول لا يصدر من أم، وإنما يصدر من حاسد يريد أن يتأسَّى بصاحب النعمة في زوالها عنه كما زالت عنه هو. ولا أحسنَ من هذا الحكم وهذا الفهم! وإذا لم يكن مثلُ هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس. وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك.
وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء(2)، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام. وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال(3) يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردتَ ما نطق به الشرع(4)، فغلطٌ--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «بينهما».
(2) نقلها المصنف في «الطرق الحكمية» (1/ 28) من كتاب «الفنون» لابن عقيل. ونقلها أيضًا في «بدائع الفوائد» (3/ 1087).
(3) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «بحيث».
(4) يعني: «لا سياسة إلا ما نطق به الشرع»، كما في «الطرق الحكمية».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 405)
وتغليطٌ للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمَثْل(1) ما لا يجحده عالم بالسِّير(2). ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف(3) كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة. وكذلك تحريقُ علي الزنادقةَ في الأخاديد(4)، ونفيُ عمر نصرَ بن حجَّاج(5).
قلت(6): هذا موضعٌ مزِلَّة أقدام، ومضِلَّة أفهام، وهو مقام ضَنْكٌ ومعترك صعب، فرَّط فيه طائفة، فعطَّلوا الحدود، وضيَّعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعةَ قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد. وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطرق التي يُعرَف بها المُحِقُّ من المبطل، وعطَّلوها مع علمهم وعلمِ الناس(7) أنها أدلَّة حقٍّ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع. والذي أوجبَ لهم ذلك نوعُ تقصيرٍ في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها. فلما رأى ولاةُ الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، فأحدثوا(8)--------------------------------------------
(1) كذا في «بدائع الفوائد». وفي «الطرق الحكمية»: «التمثيل». والمَثْل هو التمثيل.
(2) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «البدائع» و «الطرق الحكمية»: «بالسنن».
(3) رواه البخاري (4987) من حديث أنس.
(4) رواه البخاري (3017) من حديث ابن عباس.
(5) تقدم تخريجه.
(6) كلام ابن عقيل. وتعقيب المؤلف عليه إلى آخر الأمثلة ورد بيسير من الاختلاف في اللفظ في «بدائع الفوائد» (1087 - 1092) و «الطرق الحكمية» (1/ 29 - 48).
(7) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «بها».
(8) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة بالفاء، وهو جواب «لما».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 406)
لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم. فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة، وإحداثِ هؤلاء ما أحدثوه من أوضاعِ سياستهم= شرٌّ طويلٌ، وفسادٌ عريضٌ؛ وتفاقم الأمر، وتعذَّر استدراكه. [251/ب] وأفرط فيه طائفة أخرى، فسوَّغت منه ما يناقِضُ حكَم الله ورسوله.
وكلا الطائفتين(1) أُتِيَتْ من قِبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله. فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل(2)، قامت به السموات والأرض. فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأيِّ طريق كان؛ فثمَّ(3) شرعُ الله ودينُه ورضاه وأمرُه. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، وأبطل(4) غيرَه من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل والحق(5)، وقيام الناس بالقسط، فأيُّ طريق استُخْرِج بها الحقُّ ومعرفةُ العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها. والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد؛ ولكن نبَّه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها. ولن تجد--------------------------------------------
(1) كذا وقع في النسخ الخطية والمطبوعة و «البدائع» و «الطرق الحكمية» موضعَ «كلتا الطائفتين». وانظر تعليقي على «طريق الهجرتين» (2/ 505).
(2) في النسخ المطبوعة: «العدل الذي»، كما في «البدائع» و «الطرق الحكمية».
(3) ب: «فذلك من» موضع «فثم»، وكذا في المطبوع.
(4) يعني: ولم يبطل. وفي «البدائع»: «ونفى». وفي ب: «ويُبطِلْ». ولعله إصلاح من بعض الناسخين، وكذا في المطبوع.
(5) في النسخ المطبوعة: «الحق والعدل».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 407)
طريقًا من الطرق المثبتة للحقِّ إلا وفي شرعه(1) سبيلٌ للدلالة عليها. وهل يُظَنُّ بالشريعة الكاملة خلافُ ذلك؟
ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها. وتسميتها «سياسة» أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلًا فهي من الشرع. فقد حبَس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تهمة، وعاقَب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتَّهَم(2). فمن أطلق كلَّ متَّهَم، وخلَّى سبيله، أو حلَّفه، مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، ونَقْبِ الدور، وتواترِ السرقات ــ ولا سيما وجودُ المسروق(3) معه ــ وقال: لا آخذه إلا بشاهدَي عدل، أو إقرارِ اختيارٍ وطَوعٍ= فقولُه مخالفٌ للسياسة الشرعية.
وكذلك منعُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الغالَّ من الغنيمة سهمَه(4)، وتحريقُ الخلفاء الراشدين متاعَه(5)، ومنعُ المسيء على أميره سَلَبَ قتيله(6)، وأخذُه شطرَ--------------------------------------------
(1) ك: «وهي شرعه»، تصحف «في» إلى «هي»، فأثبتوا في الطبعات القديمة: «وهي شِرْعة وسبيل»، أصلحوا بزيادة الواو. وفي المطبوع: «وفي شِرْعة سبيل». والصواب ما أثبت.
(2) رواه أحمد (20019)، وأبو داود (3630)، والترمذي (1417)، والنسائي (4875)، من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وصححه الحاكم (4/ 114)، والمؤلف في «الزاد» (5/ 5)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (2397).
(3) في المطبوع: «مع وجود المسروق».
(4) تقدم تخريجه.
(5) تقدم تخريجه.
(6) تقدم أيضًا.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 408)
مال مانع الزكاة(1)، وإضعافُه الغُرْمَ على سارق ما لا قطع فيه، وعقوبتُه بالجلد(2)، وإضعافُه الغرم على كاتم الضالَّة(3)، وتحريقُ عمر بن الخطاب حانوت الخمار(4)، وتحريقُه قريةً يباع فيها الخمر(5)، وتحريقُه قصرَ سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن رعيته(6)، وحلقُه رأس نصر بن--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (20016)، وأبو داود (1575)، والنسائي (2444)، والبيهقي (4/ 105)، من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، بلفظ: «من أبى فإنا آخذوها، وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا». صححه أحمد وعلي بن المديني كما في «تهذيب السنن» (1/ 266)، وابن عبد الهادي في «التنقيح» (2/ 257)، والمؤلف في «الطرق الحكمية» (226). وضعفه الشافعي كما في «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (2/ 257)، وابن حبان في «المجروحين» (1/ 222)، وابن حزم في «المحلى» (6/ 57).
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.
(4) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (5/ 56)، وابن زنجويه في «الأموال» (410) من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، وإسناده صحيح. ورواه عبد الرزاق (10051، 17035) من طريق نافع عن صفية. ورواه عبد الرزاق (17039)، وأبو عبيد في «الأموال» (267)، وابن زنجويه (409)، من طريق نافع عن ابن عمر.
(5) وكذا نسب تحريق القرية المذكورة إلى عمر في «الطرق الحكمية» (1/ 39) و «بدائع الفوائد» (3/ 1090) ولعله سهو، فإنه مروي عن علي. رواه عنه أبو عبيد في «الأموال» (268)، وابن زنجويه في «الأموال» (411)، وابن حزم في «المحلى» (9/ 9)، من طريق عمر المكتب، عن حذلم، عن ربيعة بن زكاء. ولا يعرف في ربيعة جرح ولا تعديل، ولا يدرى عمر وحذلم.
(6) تقدم تخريجه ..
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 409)
حجاج ونفيُه(1)، وضربُه صَبيغًا بالدِّرَّة لما تتبَّع المتشابه، فسأل عنه(2)؛ إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فسارت سنةً إلى يوم القيامة، وإن خالفها من خالفها.
ولقد حدَّ أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا بمجرَّد الحَبَل(3)، وفي الخمر بالرائحة والقيء(4). وهذا هو الصواب، فإن دليل القيء والرائحة والحبَل على الشرب والزنا أولى(5) من البينة قطعًا، فكيف يُظَنُّ بالشريعة إلغاءُ أقوى الدليلين؟ ومن ذلك: تحريقُ الصدِّيقِ اللوطيَّ(6)، وإلقاء علي رضي الله عنه له من شاهق على رأسه(7). ومن ذلك: تحريق عثمان المصاحفَ المخالفة--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه الدارمي (146)، والآجري في «الشريعة» (153)، وابن بطة في «الإبانة» (789)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (1138)، من طريق سليمان بن يسار عن عمر، وهو منقطع.
(3) تقدَّم تخريجه.
(4) تقدَّم أيضًا.
(5) في حاشية ز أن في نسخة: «أدلُّ».
(6) رواه ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (140)، والآجري في «ذم اللواط» (29)، والخرائطي في «مساوي الأخلاق» (428)، والبيهقي (8/ 232). وأعلَّه بالانقطاع البيهقي، والألباني في «التعليقات الرضية» (3/ 284).
(7) وقد عزا المصنف هذا القول في «زاد المعاد» (5/ 37) إلى أبي بكر، فقال: «وقال ابن القصار وشيخنا: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله. فقال أبو بكر الصديق: يُرمَى من شاهق. وقال علي رضي الله عنه: يُهدَم عليه حائط. وقال ابن عباس: يقتلان بالحجارة». وقد رواه ابن أبي شيبة (28337)، وابن المنذر في «الأوسط» (12/ 507 - 508)، والآجري في «ذم اللواط» (30)، عن ابن عباس قال: «ينظر أعلى بيتٍ في القرية فيُرمى منكَّسًا، ثم يُتبع بالحجارة». أما عليّ فروى ابن أبي شيبة (28927)، وابن المنذر (12/ 507)، والآجري (33) أنه رجمه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 410)
للمصحف الذي جمع الناسَ عليه، وهو الذي بلسان قريش(1). ومن ذلك: تحريق الصدِّيق للفجاءة السُّلَميِّ(2). ومن ذلك: اختيار عمر رضي الله عنه للناس إفرادَ الحجِّ، وأن يعتمروا في غير أشهر الحج(3)، فلا يزال البيت الحرام معمورًا بالحجاج والمعتمرين.
ومن ذلك [252/أ] منع عمر رضي الله عنه الناسَ من بيع أمهات الأولاد، وقد باعوهن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه(4). ومن ذلك: إلزامه بالطلاق الثلاث لمن أوقعه بفم واحد عقوبةً له، كما صرَّح هو به(5)، وإلا فقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من إمارته هو يجعل واحدةً(6)؛ إلى أضعاف أضعاف ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة، وهي مشتقَّة من أصول الشريعة وقواعدها.
وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى نقل وعقل(7). وكلُّ ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل= كلُّ ذلك ينقسم إلى--------------------------------------------
(1) تقدَّم تخريجه.
(2) انظر: «تاريخ الطبري» (2/ 353) و «تاريخ الإسلام» (3/ 118).
(3) تقدَّم تخريجه.
(4) تقدَّم تخريجه.
(5) ب: «بذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(6) تقدَّم تخريجه.
(7) ما عدا ز: «عقل ونقل».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 411)
قسمين: صحيح، وفاسد. فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدُّها ومنافيها. وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي(1) صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يُحْوِج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجتُهم إلى من يبلِّغهم عنه ما جاء به. فلرسالته عمومان محفوظان(2) لا يتطرق إليهما تخصيص: عمومٌ بالنسبة إلى المرسل إليه، وعمومٌ بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه مَن بُعِثَ إليه في أصول الدين وفروعه. فرسالته كافية شافية عامَّة، لا تُحْوِج إلى سواها. ولا يتمُّ الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلَّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به.
وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما طائرٌ يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذكَّر الأمَّةَ(3) منه علمًا. وعلَّمهم كلَّ شيء حتى آداب التخلِّي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «رسالته».
(2) أثبت في المطبوع من إحدى النسخ: «عمومات محفوظات» مع إثبات «إليهما» في نعته، ومع ذكر عمومين فقط فيما بعد!
(3) كذا في ز، ك مع تشديد الكاف من «ذكَّر». ونحوه في حديث أبي ذر في «مسند أحمد» (21439): «إلا ذكَّرَنا منه علمًا»، وفي (21361): «أذكرنا». وفي ب: «ذكر للأمة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 412)
ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجنَّ، والنار والجنة، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأيُ عين. وعرَّفهم معبودَهم وإلهَهم أتمَّ تعريف، حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله. وعرَّفهم الأنبياءَ وأممهم، وما جرى لهم، وما جرى عليهم معهم، حتى كأنهم كانوا بينهم. وعرَّفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرِّفه نبيٌّ لأمته قبله. وعرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت، وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرِّف به نبيٌّ غيره. وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أدلَّة التوحيد والنبوة والمعاد، والرَّدِّ على جميع فِرَق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة إلى(1) مَن بعده، اللهم إلا إلى من يبلِّغه إياه، ويبيِّنه، ويوضِّح منه ما خفي عليه.
وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرُق النصر والظفر ما لو علموه وعملوه(2) [252/ب] ورعَوه حقَّ رعايته لم يقُمْ لهم عدوٌّ أبدًا. وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها، وما يتحرَّزون به من كيده ومكره، وما يدفعون به شرَّه= ما لا مزيد عليه. وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه. وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أمور معاشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة.
وبالجملة، فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمَّته، ولم يُحْوِجهم الله إلى أحد سواه. فكيف يُظَنُّ أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالمَ شريعةٌ أكملُ--------------------------------------------
(1) «إلى» ساقط من النسخ المطبوعة.
(2) «وعملوه» ساقط من ك. وفي النسخ المطبوعة: «وعقلوه».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 413)
منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تُكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقولٍ خارجٍ عنها؟ ومن ظنَّ ذلك فهو كمن ظنَّ أن بالناس حاجةً إلى رسول آخر بعده. وسببُ هذا كلِّه خفاءُ ما جاء به على من ظنَّ ذلك، وقلةُ نصيبه من الفهم الذي وفَّق الله له أصحابَ نبيِّه، الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدُنا إليكم.
وقد كان عمر رضي الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن(1)، فكيف لو رأى اشتغالَ الناس بآرائهم وزَبَدِ أفكارهم وزُبالةِ أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان.
قال تعالى(2): {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]. وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}(3) [النحل: 89]. وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57].
وكيف يشفي ما في الصدور كتابٌ لا يفي هو وما تُبيِّنه السنة بعُشْر معشار الشريعة؟ أم كيف يشفي ما في الصدور كتابٌ لا يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، أو عامَّتُها--------------------------------------------
(1) رواه ابن عساكر (47/ 142)، والحافظ في «الإصابة» (1/ 69).
(2) ب: «وقد قال الله تعالى»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) في النسخ الثلاث: «وأنزلنا عليك».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 414)
ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يُعلَم انتفاؤها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
ويا لله العجب! كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى الله بنيانها من القواعد، وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع؟ أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص، أم كانوا على خلاف ذلك، حتى جاء المتأخرون، فكانوا أعلمَ منهم، وأهدى وأضبط للشريعة منهم، وأعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع(1) عليه منهم؟ فوالله لأن نلقى الله(2) بكلِّ ذنبٍ ما خلا الإشراكَ به(3) خيرٌ من أن نلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل.
فصل
وهذه نبذة يسيرة من كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية:
قال في رواية المرُّوذي(4) وابن منصور: المخنَّث ينفى لأنه لا يقع منه(5) إلا الفساد والتعرض له. وللإمام نفيُه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خاف به عليهم حبَسَه(6).--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «وما يمتنع» بزيادة «ما».
(2) في النسخ المطبوعة: «يلقى الله عبده»، زادوا «عبده» لما صحفوا «نلقى»، و «نلقاه» فيما يأتي إلى «يلقى» و «يلقاه».
(3) «به» ساقط من النسخ المطبوعة.
(4) في النسخ المطبوعة بالزاي كما في ب.
(5) في ز، ك: «منهم»، والمثبت من ب و «بدائع الفوائد».
(6) ورد قول الإمام أحمد هذا وما يليه في «بدائع الفوائد» (3/ 1121 - 1122) بعنوان «فوائد من السياسة الشرعية نصَّ عليها الإمام أحمد». وانظر رواية المروذي مختصرة في «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (1/ 279).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 415)
وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرًا في نهار رمضان، [253/أ](1) أو أتى شيئًا نحو هذا: أُقيمَ عليه الحدُّ(2)، وغُلِّظ عليه، مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث.
وقال في رواية حرب: إذا أتت المرأةُ المرأةَ تُعاقبان وتُؤدَّبان.
وقال أصحابنا: إذا رأى الإمامُ تحريقَ اللوطي بالنار فله ذلك، لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر رضي الله عنه أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلًا(3) يُنكَح كما تُنكَح المرأة، فاستشار أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم علي بن أبي طالب، وكان أشدَّهم قولًا، فقال: إن هذا الذنب لم تعصِ(4) به أمةٌ من الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم، أرى أن يُحرَّقوا بالنار. فأجمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يُحرَّقوا بالنار. فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد أن يُحرَّقوا، فحرَّقهم(5). ثم حرَّقهم ابن الزبير، ثم حرَّقهم هشام بن عبد الملك(6).--------------------------------------------
(1) الكراسة الأخيرة من الأصل (ز) من هنا مكتوبة بخط متأخر. وسنشير إلى هذه التكملة بالرمز (خز). وقد وفق الله سبحانه بالعثور على الكراسة الساقطة ضمن مجموع، فتستمر الإشارة إليها برمز الأصل (ز).
(2) في النسخ المطبوعة: «الحدُّ عليه».
(3) خز: «رجل»، يعني: «وُجِد … رجل».
(4) في النسخ المطبوعة: «تعص اللهَ» بزيادة لفظ الجلالة.
(5) تقدم تخريجه قريبًا.
(6) نقل المصنف التحريق عنهما في «روضة المحبين» (ص 508) عن الآجري. انظر كتابه «ذم اللواط» (ص 58). وانظر: «الطرق الحكمية» (1/ 39) و «بدائع الفوائد».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 416)
ونصَّ الإمام أحمد فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته. وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب، وإلا أعاد العقوبة.
وصرَّح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حُرِّم خلوةُ بعضهن ببعض. وصرَّحوا بأن من أسلم وتحته أختان فإنه يُجبَر على اختيار إحداهما. فإن أبى ضُرِب حتى يختار. قالوا: وهكذا كلُّ من وجب عليه حقٌّ، فامتنع من أدائه، فإنه يُضرَب حتى يؤدِّيه(1).
وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك، فمشهور.
وأبعَدُ الناس من الأخذ بذلك الشافعي رحمه الله تعالى مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع، وقد ذكرنا منها كثيرًا في غير هذا الكتاب(2).
منها: جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف، وإن لم يرها ولم يشهد عدلان أنها امرأته، بناء على القرائن.
ومنها: قبول الهدية التي يوصلها إليه صبيٌّ أو عبد أو كافر، وجواز أكلها والتصرف فيها، وإن لم يشهد عدلان أن فلانًا أهدى لك كذا، بناءً على القرائن. ولا يشترط تلفظه ولا تلفظ الرسول بلفظ الهبة والهدية.--------------------------------------------
(1) انظر ما نقله صاحب «الإنصاف» (30/ 109) عن شيخ الإسلام.
(2) لعل المقصود «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» (1/ 48 - 63).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 417)
ومنها: جواز تصرُّفه في بابه بقرع حلقته ودقِّه عليه، وإن لم يستأذنه في ذلك.
ومنها: استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه وإنزالهم عنده مدة، وإن لم يستأذنه نطقًا، وإن تضمَّن ذلك تصرُّفَهم في منفعة الدار وإشغالهم الكنيفَ وإضعافهم(1) السُّلَّمَ ونحوه.
ومنها: جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرِّح له بالإذن لفظًا.
ومنها: جواز شربه من الإناء وإن لم يقدِّمه إليه، ولا يستأذنه.
ومنها: جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه.
ومنها: جواز(2) الاستناد إلى وسادته.
ومنها: أخذُ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره، وإن لم يصرِّح بتمليكه له.
ومنها: انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها، وإن لم يستأذنها نطقًا؛ إلى أضعاف أضعاف ذلك.
وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب. وهي اعتمادٌ(3) على القرائن التي تفيد القطع تارةً، والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارةً؟--------------------------------------------
(1) في حاشية ك: «وإصعادهم»، كأنه اقتراح بعض القراء.
(2) لم يرد «جواز» في ز، خز.
(3) ب: «الاعتماد»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 418)
وهذا باب واسع قد(1) تقدَّم التنبيه عليه مرارًا، لا يستغني(2) عنه المفتي والحاكم.
فصل
فلنرجع إلى فتاوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرِ طرفٍ من فتاويه في الأطعمة.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الثوم: أحرام هو؟ فقال: «لا، ولكني أكرهه من أجل رائحته». ذكره مسلم(3).
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو أيوب: هل [253/ب] يحِلُّ لنا البصل؟ فقال: «بلى، ولكن(4) يغشاني ما لا يغشاكم». ذكره أحمد(5).
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الضب، أحرام هو(6)؟ فقال: «لا، ولكن لم يكن بأرض--------------------------------------------
(1) ك: «وقد»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ المطبوعة: «ولا يستغني».
(3) برقم (2053) من حديث أبي أيوب الأنصاري.
(4) ك: «ولكني». وكذا في النسخ المطبوعة.
(5) في «المسند» (23507) من حديث أبي أيوب الأنصاري، من طريق جابر بن سمرة. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» (6596) ولكن فيه ذكر الثوم دون البصل. ورواه الترمذي (1807) وصححه، من حديث جابر بن سمرة قصة أبي أيوب، بذكر الثوم. ورواه ابن ماجه (3364) من حديث أم أيوب الأنصارية بذكر الثوم، صححه ابن خزيمة (1671) وابن حبان (2093)، ولكن عندهما: «بعض البقول». وورد النهي عن البصل عند البخاري (855) ومسلم (564).
(6) لم يرد «هو» في ز، خز.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 419)
قومي، فأجدني أَعافُه». متفق عليه(1).
وسئل صلى الله عليه وسلم عن السَّمْن والجُبْن والفِرَاء، فقال: «الحلال ما أحلَّه الله في كتابه، والحرام ما حرَّمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه». ذكره ابن ماجه(2).
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الضبع، فقال: «أوَ يأكل الضبعَ أحد؟». وسئل صلى الله عليه وسلم عن الذئب، فقال: «أوَ يأكل الذئبَ أحدٌ فيه خير؟». ذكره الترمذي(3). وعند ابن ماجه: قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال: «ومن يأكل الضبع؟».
وإن صحَّ حديث جابر(4) في إباحة الضبع، فإن في القلب منه شيئًا، كأنَّ هذا الحديث يدل على ترك أكله تقذُّرًا أو تنزُّهًا. والله أعلم.
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، فقالت: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا أنتم، وكلُوا». ذكره البخاري(5).--------------------------------------------
(1) البخاري (5391) ومسلم (1946) من حديث خالد بن الوليد.
(2) برقم (3367) وقد تقدم.
(3) برقم (1792)، وابن ماجه (3235، 3237)، والطبراني (4/ 102)، من حديث خزيمة بن جَزْء. وفيه عبد الكريم، ضعيف. والحديث ضعفه البخاري في «التاريخ» (3/ 206)، والترمذي، وابن حزم في «المحلى» (7/ 402)، وابن عبد البر في «التمهيد» (1/ 161)، وغيرهم.
(4) سبق تخريجه.
(5) برقم (2057).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 420)